الكُفر الصامت؛ أو في اعتداء المُتدينين على الله


فئة :  مقالات

الكُفر الصامت؛ أو في اعتداء المُتدينين على الله

للتأسيس لموضوعة الكفر الصامت، والاعتداءات اللاهوتية التي يتطاول بها المُتديّن المسلم [لربما وجدت هذه في كل الأديان، لكن سأختصر موضوعتي ههنا على الحالة الإسلامية] على الله، ويجعله تابعاً له في أحكام القيمة التي يطلقها بحقّ الناس؛ ليس في الحياة الدنيا فحسب، بل في الآخرة أيضاً؛ لا بدّ لي من التأشير على لحظتين حاسمتين في التاريخ الإسلامي، من الأهمية بمكان، فيما أنا بصدده هَهُنا:

اللحظة الأولى: لحظة (اقرأ) القرآنية، بصفتها:

1- لحظة (فاتحة) من جهة.

2- لحظة (خاتمة) من جهة ثانية.

فمفتاحيتها تؤسّس لأولية النبي اللاهوتية في العالَم الأرضي، وذلك باعتباره حلقة الوصل الوحيدة بين الأرض والسماء، فلا يحقّ لأحد مسّ هذه العلاقة الوطيدة بين الله والنبي محمد بسوء، تحت طائلة التقريع الشديد. فاقرأ القرآنية، إذ تحلّ على النبي محمد تحديداً، من دون البشر أجمعين، فهي إشارة إلى المكانة التي حظي بها عند الله، وصار بموجبها مسؤولاً مسؤلية مباشرة عن توجيه مصائر الناس، ليس فيما يتعلق بحياتهم الدنيا، بل وبحياتهم الآخرة أيضاً.

وعليه، فقد حالَ النبي محمد إلى المرجعية القصوى في فترة نبوّته، وصار الناس يستشيرونه في كل صغيرة وكبيرة، حتى لا تزلّ أقدامهم عن الهدي النوراني الذي يتمثّله في رسالته الإلهية، ويعودوا من ثمّ إلى دياجير الظلام.

وخاتميتها - أعني لحظة اقرأ - أتت من إقفال باب الاتصال بين الأرض والسماء، عبر الوسطاء الروحانيين. فالنبي هو آخر إنسان يوصل تعاليم الله لبني البشر، ولا معنى لأيّ وسطاء بعده. فالتأسيس الختامي لهذه اللحظة القرآنية، هو تأسيس اختتامي بشخص النبي، فهو آخر الأنبياء، الذين يحملون متناً إلهياً يُراد إيصاله إلى بني البشر. فالنص القرآني المُفتَتَح بكلمة اقرأ، هو نهاية لاهوتية قصوى في الزمن الفاني، ولا معنى لأيّ نصوص بعده، والشخص الحامل لهذا الحِمل الإلهي هو شخص نهائي في الزمن الفاني أيضاً. لذا سيكون له معنى كبير في العالَم - تحديداً ما يربط الأرض بالسماء - طالما هو على قيد الحياة، فهو الوسيط الروحي الوحيد بين الإله من جهة والبشرية من جهة ثانية، ولا معنى لأيّ وسيط يتأتّى بعده، فالنص القرآني الذي كان قد حلّ بدءاً بلحظة اقرأ على شخص النبي تحديداً، ها هو يكتمل مع انتهاء فترة وجود النبي في الزمن الفاني، لذا سيختتم هذا العهد مرة واحدة وإلى الأبد. وسيصير النص القرآني مناط تكليف كل ذات إنسانية على حِدّة، بعيداً عن أية وساطات روحية بين الله والبشر، من شأنها الإنابة عن النبي والاعتداء على دوره اللاهوتي، الذي اختتمه النص القرآني، يوم أن افتتح متنه باقرأ المُحمّدية.

اللحظة الثانية: لحظة وفاة النبي محمد

إذا كانت لحظة اقرأ، قد أسّست لفاتحة عهد وسائطي بين الله وبني البشر، عبر شخص النبي محمد، ومن ثمّ اختمته بالشخص ذاته. فقد أسست لحظة وفاة النبي لمرحلة جديدة، سينوب بها بعض الناس عن النبي، في علاقة البشر بالله، باعتبارهم الأكفأ والأقدر والأطهر، من غيرهم، على المستوى الديني، بما يمنحهم الأهلية، ليكونوا رقباء على الناس.

وقد كان للحظة وفاة النبي أن تنشحن بعاطفة دينية جيّاشة، سيخضع لمقتضياتها الحزينة، أغلبية المجتمع الإسلامي يومذاك. إلا أن استدراكاً نقدياً لتلك اللحظة المصيرية، باعتبارها خاتمة لعصر الوساطات الروحية بين البشر وربّ البشر الإسلامي، سينقلها من طور اللحظة المصيرية إلى طور اللحظة التأسيسية لعصر نبوي جديد، لكن بغياب النبي هذه المرة. إذ تحوّل أشخاص بعينهم إلى أنبياء من دون تكليف إلهي، ليؤدّوا الدور ذاته الذي أناطته لحظة اقرأ القرآنية، بشخص النبي محمد على نحو مخصوص، من دون البشر الآخرين. فقد استهل المعمار الذهني الإسلامي - مرحلة ما بعد وفاة النبي محمد - بلحظةٍ معرفية أعادت إنتاج لحظة اقرأ القرآنية. فقد أخذ البعض على عاتقهم مهمة احتكار التعامل مع النص القرآني، بصفته نصاً مُغلقاً ولا يمكن لأحد أن يفتحه إلا أشخاص بعينهم، لأنهم يملكون مفاتيح لاهوتية، أُوُتِيَت إليهم تحديداً، اعتباراً وتقديراً لنورانيتهم القدسية.

إنّ اللحظة الزمانية للنبي، لا سيما تلك التي ابتدأت بـ (اقرأ) القرآنية، هي لحظة امتداد (عمودي) مع السماء وربّ السماء، لغاية التأصيل للوجود الإنساني (أفقياً)، ومنحه طابعاً طهرانياً، إذا ما خضع لتعاليم الله المتموضعة في النص القرآني. هذه اللحظة النبوية، ستنتهي بموجب النص القرآني، إلا أنه سيستعاد استنساخها من جديد، عقب وفاة النبي. فالامتداد العمودي الذي بترته لحظة اقرأ القرآنية، أعيد بناء معماره من جديد، وتمّ رهن النص القرآني لصالح معماريو ذلك العمود الهائل، وصار التعامل مع النص القرآني محفوفاً بالمخاطر، لغير أولئك العُتاه، الذي حالوا إلى أنبياء جديد.

إن الامتداد الأفقي، الذي بشّرت به لحظة وفاة النبي، وذلك ببتر العمود الواصل بين الأرض والسماء، وإفساح المجال لعلاقة مفتوحة بين الذات الفردية والله، دونما تدخّلات من أحد. قد تمّ تقويض أركانه منذ اللحظة الأولى التي مات فيها النبي، وحدثت فيها المنازعات، على أيّ الناس أحقّ بالتركة الدينية والدنيوية التي تركها النبي خلفه. وشيئاً فشيئاً، أخذ الناس يركبون على أكتاف بعضهم البعض، لغاية الوصول إلى الله، إلى حدّ سحق إمكان أغلب المسلمين، لأن الذين اعتلوا فوق الأكتاف واستطاعوا أن يُقنعوا أنفسهم، والناس من خلفهم، أنهم الأقرب إلى الله، ومقتضيات وجوده في الزمن والمكان.

بالتقادم، تغوّلت هذه الثقافة العمودية، وأحكمت سيطرتها أكثر وأكثر، عبر:

1- شبكة من الأشخاص، عملت على احتكار الدين، واعتباره منطقة خاصة بها حصراً. ومع الزمن كان لمصطلحات، مثل: "الراسخون في العلم"/ "العارفون بالله"/ "المُطلّعون على الأسرار الربّانية"/ "أحبار الأمة"/ "أهل الذْكِر"/ "آيات الله"/ "الأئمة"/ "هيئة كبار علماء المسلمين"/ "قاضي القضاة"/ "المفتي"...إلخ، أن تترسّخ في الأذهان، كقنطرة لاهوتية بين الأرض والسماء، بين البشر وربّ البشر، في استعادة قسرية للزمن النبوي، والإنابة عن شخص النبي في الإطلاع على مُراد الله، وإيصاله إلى الناس، بالدرجة الأولى، والتوسّط للناس عند الله بالدرجة الثانية، وإطلاق أحكام قيمة عليهم بالدرجة الخاصة! والدخول في حالة الكُفر الصامت، التي نحن بصدد تفكيك منظومتها.

2- شبكة من المفاهيم، عملت على تعزيز مكانة الأشخاص، واشتغلت معهم - جنباً إلى جنب - على إحكام السيطرة على رقاب المسلمين، والتحكّم بمصائرهم بشكل نهائي. فـبموجب مفاهيم، مثل: "آراء أهل السُنّة والجماعة"/ "رأي المرجعيات"/ "إجماع الأمة"/ "الفتاوى"/ "التطاول على العلماء"...إلخ، اشتغلت المفرزة اللاهوتية، وتمّ تصنيف الناس إلى أخيار وأشرار؛ أطهار وأنجاس، ليس فقط العالم الفيزيقي، بل في العالَم الميتافيزيقي أيضاً، بما شكّل اعتداءً سافراً على حقّ الله في البتّ بمصائر الناس في العالَم الآخر.

ومعاً، اشتغلت شبكتي الأشخاص والمفاهيم، على بلورة نسقٍ من التديّن الصارم والقاسي، حلَّ - وفقاً لمقتضياته - الكلام القرآني في اللحم الإسلامي، تحديداً لحم الأشخاص الذي تبنّوا تلك المفاهيم، وعملوا على الترويج لها. وبناءً على هذه الحلول، تحوّل هذا النوع من اللحم إلى لحم مُقدّس، وما عداه إلى لحم مُدنّس. ولقد شهد العالَم الإسلامي حالة كبيرة من الفرز اللاهوتي لحيوات البشر، وفقاً لاعتبارات اللحم الطاهر، لا وفقاً لاعتبارات الكلام القرآني، بما أدخل الحالة الدينية الإسلامية في محارجات معرفية كبيرة. إذ كيف لدينٍ أدعّى انتهاء عصر النبوّات والوساطات الروحية بين الله والبشر، في اللحظة التي توفي فيها النبي محمد، أن يُعيد إنتاج أشخاص أنابوا ليس عن النبي فحسب، بل عن الله أيضاً، في تقرير مصائر البشر.

لربما كان ثمة غاية ناسوتية أو بتعبير أقل وطأة غاية دنيوية، من بناء شبكتي: 1- المفاهيم و2- الأشخاص، من أجل ضبط حوادث وحادثات الاجتماع الإنساني، وإخضاعها لنظام قانوني صارم. لكن أن يتجاوز هذا الضبط حدود الحياة الدنيا، إلى الحياة الآخرة، بما يستلزم بتَّاً نهائياً وأخيراً، بحيوات الناس، فذاك نوعٌ من (الكفر الصامت) كما اصطلح عليه. فالمسلم الذي يعتقد أنه قادر على إرسال الناس إلى الجنّة أو النار، وفقاً لحلول الكلام القرآني فيه حلولاً طهرانياً قدسياً، فإنه يكون بإزاء إزاحة لاهوتية كبيرة، تصل إلى حدّ الكفر. فهو:

1- يتجاوز الله ميتافيزيقياً، ويضعه في موضعٍ احتياطي، فهو ينيب عنه في إطلاق أحكام قيمة نهائية على الناس، في الحياة الآخرة، التي يفترض وفقاً لمقتضيات النص الديني الإسلامي، أن تكون من اختصاص الله، لا من اختصاص الناس.

2- يكفر بالله، تحت شعار "ومن الحُبّ ما قتل". فالوثوقية التي يعيشها المسلم الذي يعتقد بقداسة لحمه الديني، تجعله يثق أكثر من اللازم بوهم حُبّه لله، فيُقدم على تصرّفات كارثية، تُدخله في عِداد الكُفر بالله، فهو لا يثق به ولا بأحكامه المُؤجلة، بما يجعله يطلق أحكام قيمة مُعجّلة. فهو - من ثمَّ - لا يختلف عمّن يُصنّفهم بالكفرة؛ لكن الفرق الأبرز هو أن الكُفر الذي يطلقه المسلم على غيره بالكفر المُعلن، في حين أن كُفر المسلم هو كفر صامت. ولربما كان هذا الكفر هو الأشدّ خطراً، لأنه يعمل على تشويه العلاقة الروحية التي يمكن أن تنشأ بين الإنسان والله، وذلك بنسف خصوصيتها، وإدخالها في حالة احتراب مميت.