المعضلات الكبرى في فلسفة الدين: قراءة في كتاب "مدخل جديد إلى فلسفة الدين" للمفكر الأستاذ الدكتور مصطفى النشار


فئة :  قراءات في كتب

المعضلات الكبرى في فلسفة الدين: قراءة في كتاب "مدخل جديد إلى فلسفة الدين" للمفكر الأستاذ الدكتور مصطفى النشار

 المعضلات الكبرى في فلسفة الدين

قراءة في كتاب "مدخل جديد إلى فلسفة الدين" للمفكر الأستاذ الدكتور مصطفى النشار

الدار المصرية اللبنانية للطباعة والنشر، القاهرة، 2014م، عدد صفحات الكتاب (304) من القطع الكبير.


مدخل: تمثل الكتابة في فلسفة الدين أزمة في حدّ ذاتها، إذ يمكن لآلاف الكُتاّب والفلاسفة أن يكتبوا فيها، ويخرج كلّ موضوع ممّا كُتب متفرداً ومتميزاً تماماً عن الآخر، قد يكون ذلك باختلاف الفلاسفة الذين تناولتهم الدراسة، وقد يكون باختلاف نوع التناول ذاته لدى المفكر أو الباحث، لكن تظل السمة المشتركة بين الجميع وحدة موضوعات وإشكاليات فلسفة الدين، وإن اختلف الفلاسفة الذين تناولوها، وتالياً تُصبغ كلّ دراسة بالأصالة والتميز على حدة وفقاً لقدرات مبدعها الفكرية والمنهجية والأدبية، وهو ما يُضفي صعوبة من نوع خاص على الكتابة في فلسفة الدين بصفة خاصة.

ولعلنا نجد في كتاب "مدخل إلى فلسفة الدين" إبرازاً لنوعين من القضايا:

الأولى: يمكن تسميتها بالقضايا الرئيسة، التي ارتآها المفكر في ثلاث: علاقة الفلسفة بالدين وحاجة النفس الدائمة إلى الدين، مثلما يقول العقاد: "في الطبع الإنساني جوع إلى الاعتقاد كجوع المعدة إلى الطعام"[1]، ثم الدلائل على وجود الخالق سبحانه وتعالى بما لا يدع مجالاً للشك في وجود قدرة مطلقة تُسّير الكون، وإن اختلفت مسمياتها باختلاف الأزمان والعقائد، ثم الإشكالية الكبرى في تاريخ الفكر البشري، سواء في فلسفة الدين أو في فلسفة السياسة، وهي البحث في أصل نشأة الشر في العالم.

الثانية: ويمكن تسميتها بالقضايا الفرعية أو الجزئية، وهي القضايا المشتركة في فلسفة الدين منذ آدم عليه السلام، وستظل تشغل بال المفكرين حتى يوم اللقاء الأعظم، من ذلك قضايا الوحي والنبوة والمعجزات، واختلاف تناول الفلاسفة لها، ثم تناولهم للقضية الأبرز وهى النفس والبعث، أو الخلود بعد الموت، كلّ هذه جدليات وإشكالات عرّج عليها هذا الكتاب، الذي أراه متمتعاً بعدة خصائص لا توجد في غيره من الكتب التي تناولت الموضوعات ذاتها، يمكننا إجمالها في النقاط التالية:

-1 توجيه المسار ولفت الأنظار إلى الإشكالات الكبرى في فلسفة الدين.

2- تطويع كلٍّ من المنهج واللغة لخدمة أهداف ورؤية الكاتب.

3- تحديد الأطر للبدايات التي نبعت منها تلك الأفكار حتى لا يرتاب القارئ في نشأتها وحتى لا يضطر إلى البحث عن تلك البدايات في مراجع أخرى قد تُضفي عليه أعباء أخرى.

4- الوحدة العضوية والترابط المنطقي بين فصول الكتاب، بحيث ينتقل من الأعم إلى الأخص، ومن الكلي إلى الجزئي.

5- تناول القضايا الفرعية من فلسفة الدين لاتساع المضامين البحثية للكتاب.

6- الحس الإسلامي للكاتب، الذي يتجلى في الاستناد إلى الآيات القرآنية كنبع أول لفلسفة الدين، وفي تأثره الواضح بالعقيدة التي هو أحد أبنائها الكرام.

7- توظيف الفكر لخدمة القضايا التي وإن بدت قديمة تاريخاً إلا أنها حديثة إشكالاً، فلا القدم واراها، ولا الحداثة عالجتها، فهي القضايا المتجددة على الدوام، كالتدين والإيمان بالوحي وحقيقة الإيمان وغيرها من القضايا.

أخيراً أود لفت الأنظار إلى المنهج المستخدم، حيث عهدنا في المفكر الدكتور مصطفى النشار صعوبة تتبعه منهجياً داخل العمل الواحد، ليس لصعوبة في مضمون الكتابة، ولكن إفراطاً في التيسير على القارئ، فقد يستخدم في العمل الواحد منهجين أو ثلاثة،بحسب ما تقتضيه طبيعة الفكرة وطريقة التعبير عنها، مثلما هو الحال في هذا الكتاب، إذ يستخدم ثلاثة مناهج: المنهج التاريخي، ثم المنهج التحليلي، ثم المنهج النقدي، وهي صفة ملازمة لمفكرنا خاصة في مؤلفاته الثورية.[2]

عرض الكتاب: يبدأ المفكر بتعريف الدين لغوياً واصطلاحاً، حيث العبودية الكاملة في جوهرها لله الواحد الأحد، وحيث يتصف الدين بممارسة شعائر وطقوس معينة والاعتقاد في قيمة مطلقة عليا يشعر الفرد إزاءها بالذلة والصغار، ثم يؤكد على أهمية الدين والاعتقاد بالنسبة إلى الجميع، فالكل يبحث عن إله، حتى القدماء كانوا يعبدون مصادر القوة بالنسبة إليهم، لتطعمهم من جوع وتؤمنهم من خوف.

ثم يعرض للقضية الأبرز، وهي علاقة الفلسفة بالدين، واتصال الدين بالفلسفة، حيث كانت الفلسفة على الدوام مرافقة للدين، سواء كانت داعمة له أو ناقدة، إلا أنها في النهاية تساند الدين بقوة، ويتجلى ذلك في أروع صوره في تطوير الفلاسفة للديانات القديمة ومحاولة تخليصها من طابعها الأسطوري للارتقاء بها إلى مصاف العقل والروح، ليكون العقل دليلاً على الإيمان، ويكون الإيمان مؤيداً بالعقل، وتلك جدلية منطقية أكدها الشارع الحكيم في رفعه للتكليف عن المجنون، لأنّ العقل مناط التكليف، وهذا دليل دامغ على مكانة الفلسفة في الدين وعظمة الدين في الفلسفة.

هذا الحديث مقبول بالمنهج التحليلي، لكن بالمنهج النقدي الذي يُعوّل عليه كثيراً المفكر الدكتور مصطفى النشار، فإنّ ثمة فروقاً عدة نوعية وليست كمية بين الفلسفة والدين، فمن حيث الموضوع تتسع رؤية الفلاسفة لكافة المشكلات العلمية والواقعية، وحتى الميتافيزيقية، أمّا الدين فيُجمل حقائق مطلقة واجبة الإيمان مع إعطاء مساحة للاجتهاد والتواصل بين الدين والفلسفة في هذه الناحية، أمّا من حيث المنهج فإنّ الدين يقوم على التسليم بحقائق الإيمان، أمّا الفلسفة فتقوم على التأملات والحجج العقلية، بمعنى آخر فإنّ الدين يقوم على اليقين، بينما الفلسفة ليس لها من مدخل سوى الشك، وعلى الرغم من هذه الاختلافات، إلا أنه يرى وحدة الغاية بين الاثنين، حيث الوصول إلى الحقيقة وتحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وهو ما يؤكد التكامل الذي نزعمه.

ثم يعرض المفكر للقضية الثانية في الأهمية وهي الدلائل على وجود الله سبحانه وتعالى، ولعل السؤال الأبرز بين ثنايا سطور كتابه، السؤال باستنكار، أو استنكار السؤال، هل يحتاج الله إلى أدلة تثبت وجوده؟

والإجابة لمعتقدي الإسلام بالنفي، ولكن سواهم لا يقبلون التسليم، بل قد يرون ما يؤيد شكهم عبر نصوص القرآن الكريم ذاته، وهو دستور الإسلام في سؤال الخليل إبراهيم رؤية إحياء الموتى )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي(، إنه جدل الأنا والآخر لأجل الوصول إلى اليقين عبر بوابة الشك.

بالموضوعية التي يعرض بها المفكر في كافة أعماله تصبح هذه القضية ذات أصالة وجدّة وإبداع، لأنه لا ينقض على المسلمات ويغفل البديهيات، بل يبحث عن الأصول والجذور، حيث ترجع نشأة التوحيد في مصر القديمة إلى عهود تسبق إخناتون ذاته، ثم في الفكر الهندي الذي تجلت دلائله في أناشيد "أوبانيشا مونداكا" تلك التي تسير بالإنسان من مرحلة "الأوبينشا" إلى مرحلة "النرفانا"، حيث بلوغ درجة الكمال الروحي وتخلص روح السالك من حياة الأرض وتمتعها بالسلام، وهي الأفكار ذاتها التي صاغتها الفلسفة الرواقية فيما بعد، خاصة عند سينيكا وماركوس أوريليوس، وتجلى هذا التأثير في دعوتهم إلى "الأباثيا" أو ما اصطُلح على تسميته بالهدوء النفسي.

ثم يعرّج المفكر بالمنهج التاريخي على أفلاطون وأرسطو اللذين قدّما دلائل عقلية على وجود الله بما لا يدع مجالاً للشك، ليصبح السؤال الاستنكاري السابق ذا وجود فعلي، على طراز سؤال إبراهيم لدلائل الوجود، وسؤال موسى رؤية الوجود ذاته.

ثم يعرض المفكر للقضية الثالثة ذات الأهمية الكبرى، تلكم هي إشكالية نشأة الشر في العالم، وكعادته في استخدام المنهج التاريخي، يرجع إلى جذور تلك الإشكالية في الفكر الشرقي واليوناني القديم، ثم عند فلاسفة الإسكندرية القديمة التي يمثلها أفلوطين الذي ارتأى في المادة سبباً رئيساً للشر باعتبارها قابعة في الحس، وهذا يعني أنّ الشر ليس فطرياً داخل النفس البشرية، ولا يستحق تلك الهالة من الفزع، بل إنه مجرد سحابة صيف لا تلبث أن تنقشع.

ثم يعرض لنشأة الشر في الأديان السماوية التي عرض لها متكلمو وفلاسفة الإسلام في قضية الجبر والاختيار وغيرها من القضايا التي أبرزها القرآن وسُلطت عليها الأنظار، ثم العروج على موقف بعض الفلاسفة المحدثين في علاج تلك الإشكالية مثل مونتاتي الشكاك، وفولتير، ذالكم الفيلسوف الأشهر في عصر التنوير، والذي شك في مسائل الغفران والخطيئة عند الكنيسة، واتهم الدين المسيحي بالسخافة والكذب، ثم اعترف بصعوبة مسألة الشر كونها تتنافى مع التمام والكمال الإلهي من حيث الرحمة والقدرة.

أمّا كانط فيؤكد على سكون مبدأ الشر إلى جوار الخير في الطبيعة البشرية مع جنوح النفس إلى الخير وانتصاره في النهاية على الشر بموجب القانون الأخلاقي الكامن بداخله، مع الأخذ في الاعتبار ثورة كانط ضد الكنيسة، أو ما يُعرف باسم "التدين الزائف"، واعتبار القيم الإنسانية ذات صفة عالمية ينعم بها عموم البشر.

ثم تأتي معالجة هيجل الأوسع شمولية، حيث التأكيد على أنّ الخير هو الحق والقوة، ولا بدّ من انتصاره على الشر، مع الأخذ في الاعتبار وجود الاثنين معاً وتصارعهما داخل الوجود الإنساني ذاته، فطبيعتها أقرب إلى طبيعة النور والظلام، والإنسان بطبعه يميل إلى النور باعتبار قبس الروح والبراءة التي بداخله.

تلكم هي القضايا الثلاث الكبرى التي عرض لها مفكرنا، دون أن تُثنيه تلك الرئيسة عن الخوض في عدة قضايا فرعية ذات تجذر في فلسفة الدين، لتتسع رؤيته لجميع الأُطر والمضامين المتعارف عليها في فلسفة الدين مثل الوحي والنبوّة والمعجزات، ثم القضية التي طالما ثار الجدل بشأنها، وهي قضية البعث والخلود، والتي ترّسخت في عقائد المصريين القدماء، وتُعدّ إحدى إشكالات فلسفة الدين على مر العصور، ولعلها تتصل اتصالاً مباشراً بفكرة التناسخ (الكارما)، فتحول الإنسان إلى طائر أو حيوان بحسب ما قدّم من عمل في حياته الدنيا، والتي كانت هي الأخرى مسيطرة على عقائد القدماء.

إجمالاً يمكننا القول إنّ الفلسفة تتصل اتصالاً وثيقاً بالدين، تلك هي القضية الأبرز التي انبثقت عنها شتى القضايا الرئيسة والفرعية على السواء، ففلسفة الدين هي تلك النظرية التأملية التي قدمها الفلاسفة حول الدين وقضاياه المختلفة لتعمق الربط بين الفلسفة والدين.

ثمّة خلافان كبيران أُثيرا في فلسفة الدين حسمهما هذا الكتاب حسماً تاماً، الأول ردّ القول إنّ فلسفة الدين صنيعة كانط وهيجل على قائليه، حيث أثبت المفكر قدم فلسفة الدين، وأيّد ذلك بالبراهين العقلية بما لا يدع مجالاً للشك، والثاني عدم الانفصال أبداً بين الفلسفة والدين، بل التكامل والترابط التام هو ما يحكم العلاقة بينهما.

إنني ألح على كلّ المنشغلين بالفكر الديني والبحث في أصول الاعتقاد أن يقرؤا هذا الكتاب، لأنه يقدّم الحلول الواقعية المدعومة بالأدلة التاريخية لكثير من المعضلات التي طالما شغلت بال الإنسان، فعلاقة الفلسفة بالدين وعلاقة الدين بالفلسفة هي من القضايا الشائكة التي شغلت الفكر البشري قروناً طويلة، خاصة فيما عُرف في الفلسفة الإسلامية باسم "العداء بين الدين والفلسفة" الذي تمثل في كتاب الغزالي "تهافت الفلاسفة"، وفيه نقد لآراء الفلاسفة في الدين والطبيعيات، وحيث انبرى ابن رشد للردّ عليه في كتابه "تهافت التهافت"، ممّا زاد المعركة اشتعالاً، وزاد الأزمة ترسخاً.

ثم نجد في المعالجات الفرعية نوعاً من الحيادية التامة في عرض مسائل الوحي والنبوة والبعث، فهي إشكالات جديرة بالاعتبار، خاصة أنّ مونتجمري وات ورينان وغيرهما من فلاسفة الغرب قد اهتموا بمثل هذه القضايا في فلسفة الدين، فكان الأحرى بمفكري الإسلام الاهتمام بها، فهم الأولى والأجدر، وهذا هو السبب المباشر الذي يعطي هذا الكتاب الأفضلية على كتب أخرى مثل "الله ليس كذلك" لزيجريد هونك، أو مؤلف شاخت بعنوان "الشريعة الإسلامية"، أو مونتجمرى وات بعنوان "الإسلام والمسيحية في العالم المعاصر"، فكلُّ كتاب من هذه الكتب وغيرها قد عرض لقضية واحدة من فلسفة الدين، أمّا هذا الكتاب فقد جمع شتات الفكر، وصنع منه مزيجاً واحداً جديراً بالقراءة وحريّاً بالاحترام.


[1] عباس محمود العقاد، الله، دار نهضة مصر، ط. سنة 2012م، ص 14

[2] وأقصد بها تلك المؤلفات التي تطرق أبواب الضمائر العربية والإسلامية لتؤسس لنهضة تلك الأمّة المكلومة، على طراز كتابه الأعظم والأروع "الأورجانون العربي للمستقبل"، الدار المصرية اللبنانية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2014م.