جدل الاحترام والانتهاك وآليات العبور: قراءة في كتاب الإنسان والمقدس لروجيه كايوا


فئة :  قراءات في كتب

جدل الاحترام والانتهاك وآليات العبور: قراءة في كتاب الإنسان والمقدس لروجيه كايوا

جدل الاحترام والانتهاك وآليات العبور:

قراءة في كتاب الإنسان والمقدس لروجيه كايوا

تمتلك المجتمعات ثراءً تاريخيًا بمقدار ما تمد تطوره وتكامله بعناصر القوة فيه، وبمكونات الامتداد، خاصة ما انبثق عن المجال الثقافي لهذا المجتمع أو ذاك، ومع ما قد يعتريه من أزمات تهب عليه من نطاقات العالم، إلا أن مقدرته على تجديد ذاته، والفسح في ممارساته، يمكنه من تلافي الضربات القاصمة، ويقي تجربته بتنويعها، وفتحها على نطاقات لم تسلك بعد، أو قد تكون لكن بكيفية أخرى، ليس فيها من المتانة والغنى ما يجعلها مستنفدة لمكنة أخرى، تقدر على استجلاب ما لم تنتبه إليه المحاولة الأولى، أو الثانية، أو عدد كثير من المحاولات.

كذلك الحال بالقياس مع الممارسات البحثية والورشات العلمية في تعاطيها مع الإنسان، فردًا وجماعة وتطورًا ومآلاً، فكلما ظهر علم ظنت الثقافة المنبثقة عنه أنها استوفت الموضوع والمنهج، وما يتعلق بهما من مرجعيات وأنساق وتطبيقات، لكن الناظر إلى التجربة الفكرية في نموها يلحظ العزيمة غير المنتهية للمعرفة العلمية والعلمائية في تتبع الموضوع السالف بما يفي بمتجددات متوالية لا تكاد تقف على وضع، حتى يناجزه آخر، فيظن الدارس أنه أمام تناقضات لا تنقطع، واختلافات مهدرة للمعنى في النتيجة، ولا تقر على حال نظرية متقاربة، بله موحدة.

ولعل من المجتمعات التي اتسمت بحراك ثقافي تنويري ثري، المجتمع الفرنسي، عقب الحرب الأوروبية الثانية، المعممة إلى العالم ظلمًا، كما أحبذ نعتها، حيث تمكن في ظرف وجيز من الانقذاف إلى تاريخ الأفكار بسيل عرم من المناهج والمدارس والمفكرين، واستطاع هؤلاء خلق سياقات بحثية جديدة، مدت الثقافة العالمة بمفاهيم ومصطلحات، ومناهج ونظريات، بل وتطبيقات تجديدية كثيرة، ولم يجار هؤلاء في الغالب سوى الألمان، لما للصلات من تبادل نوعي مفيد. ومن أهم تلك النطاقات، في تقديري، الدراسات المهتمة بالظاهرة الإنسانية في نشوئها وتطورها، وأحوالها الماضية، ما انمحى منها وما لا يزال قابعًا في مثويات الممارسات العامة أو الخاصة، وقد انبرت مجموعة من التخصصات للعناية بها، من ذلك الأنثربولوجيا، وما يتقاطع معها من مجالات ترفدها وتدعمها بإضافات أو تصويبات مستمرة، كالسوسيولوجيا، والأركيولوجيا، وغيرها.

ومن أبرز المشتغلين في ميدان الأنثربولوجيا ما بعد الوضعانية، العالم الفرنسي روجيه كايوا (Caillois Roger (1913-1978 الذي اشتهر عالمَ اجتماع، وأنثربولوجيًا، وناقدًا أدبيًا، أسس بمعية كل من Georges bataille جورج باتاي، Michel Leiris ميشال ليريس، معهد علم الاجتماع في ظروف صعبة وإمكانيات لا تكاد تذكر، قبل الحرب المدمرة التي كادت تأتي على أوروبا، مما اضطره وأصدقاءه لمغادرة فرنسا، والبقاء في أمريكا الجنوبية مدة الحرب، والإفادة من المتحف الطبيعي المفتوح على إمكانيات أنثربولوجية هائلة هناك، فتعرّفوا على عادات مختلفة، وطرائق عيش وأساليب تفكير مباينة لما عهدوه، وتعرفوا على الغنى التاريخي، وعلى مسالك أخرى في التعاطي مع الحياة ومقاربتها، فشرعت نظرتهم المقبلة في التكون، وزادتهم إمعانًا في جدوى مقاربة العالم بلون منهجي وموضوعي جديد، وهو ما تم بالفعل.

ورجع بعد الحرب قافلاً، واقترح مساحة تختص بترجمة الأدب الأمريكولاتيني، ترأس حينها قسم الآداب عام 1948، ثم قسم التطوير الثقافي باليونيسكو، حيث أصدر مجلة ديوجين (Diogène)، ثم انتخب في الأكاديمية الفرنسية عام 1971.[1]

وقد أصدر مجموعة مهمة من الكتب، لا غنى للدارس الأنثربولوجي والسوسيولوجي عنها، نعدد منها:

-الأسطورة والإنسان (le mythe et Lhomme)

-الإنسان والمقدس (lhomme et le sacre)

-الألعاب والبشر (les jeux et les hommes)

-الجماليات المعممة (Esthétique généralisée)

وسيتم تقديم كتاب "الإنسان والمقدس" في هذه القراءة الذي تمت ترجمته في المنظمة العربية للترجمة، ونقدر أن موضوعه أساسي، من حيث ما هو، رغم أن المقاربة التي أبداها كايوا في ثناياه قد تبدو متجاوزة، أو على الأقل هي مرتبة في صدى سابق، أو ربما يظهر للبعض أنها قديمة، إلا أننا نميل إلى أن كثيرًا من جوانبها مهمة، خاصة وأنه دعا إلى تجاوز أساليب الوضعانية الفجة في دراسة المتعالي وأحواله في تجاوبات النفس البشرية بمظاهرها المتنوعة، وذلك لأنه أبرز أهمية المقدس، ويظهر أنها الإشكالية المركزية التي يتضمنها الكتاب ككل، وهي: هل لا يزال المقدس يتمتع بالسطوة عينها على الوعي البشري؟ ويمارس حضوره السابق؟ أم أنه توارى لصالح طرائق جديدة ابتدعها البشر للتعبير عن بدائلهم، كاللعب، والحروب، والعطل؟ وكيف تجلى المقدس وصيغ في إطار التجاوب البشري الطبيعي الفطري، والتاريخي؟ وهل المقاربة العلمية له مفيدة من جهة ما؟

تستهل المترجمة عملها بمقدمة تعيد فيها شرح بعض المضامين الواردة في الكتاب، ملمحة إلى أهم العناصر الواردة فيه، إذ أبرزت قواعد المقدس كما ساقها المؤلف في ثنايا الكتاب، وأجملت تقديمها في ضبط حقيقة المقدس، بأنه ما يثير الخوف ويبعث على الثقة والاحترام.[2] ويبدأ الكتاب بمقدمة ثانية أوضح فيها كايوا الظروف التي تم فيها بناء الكتاب وتجميع أجزائه، مشيرًا إلى أن طبعته الأولى مفتقرة إلى تتمات تجمل صورته، حيث أكد أنه أضاف ملحقات مهمة، صور بها علاقة المقدس مع متغيرات أخرى نشير إليها في حينها. ومنها إلى المقدمة التالية؛ أي الثالثة، وهي بمثابة التمهيد العريض لأطروحة الكتاب، مشيرًا إلى مشروعه ككل، في متابعة الظاهرة المقدسة، وكيف تشكلت، لأنه معني بدراسة الانفعالات الغامضة التي تلح على الإنسان، وتجعله في أحوال رهبة ورغبة في الآن عينه، ورغم ما يعتري توجهه من صعوبة تجميع شتات المعطيات العلمية المتعلقة بالموضوع، غير أنه أكد مقدرته على لزوم بعض العلمية في التعاطي والتجاوب مع درسه، وهنا يذكر بما مورس عليه من تأثير العلامة مارسيل موس Marcel Mauss وغيره من الأساتذة الذين درسوه وحددوا وجهته العلمية، القائمة بالوفاء للتقاليد الدوركايمية إلى حد ما، وتخطي الوضعانية المنهكة للمقدس بمقاربتها المادية.

يمكن لنا إيجاز فكرة الكتاب العميقة في العبارة التالية: "ضرورة إعادة المقدس إلى المجتمع فاعلاً ملحاحًا شديد الفتك، لا يقبل النزاع، والرغبة في إنتاج تفسير علمي هادئ وصحيح، لما نسميه...الدوافع العميقة للحياة الاجتماعية."[3]تظهر القيمية المعرفية لمدلول العبارة السابقة، في كونها أسفرت عن خطة ورؤية، جامعة بين مطلب الحفاظ على حضور المقدس وفاعليته في الحياة، والسعي إلى تفهمه والتعرف على تنويعاته ومظاهره وكيفيات تشكله وتكونه في التاريخ، أو ربما قبله. فلا يمكن استيعاب ما حدث ويحدث للحياة والناس، ما لم نستكنه أغوار الفاعليات المختلفة التي أنشأت كل شيء، وجعلته يندفع في مسارب ودروب مفهومة، وفي الغالب ليست كذلك، المهم أنه يجب على الطموح العلمي أن يحث على إعادة هذه الموضوعات إلى نصابها، من جهة الحاجة والضرورة الفطرية، ومن ناحية إخضاعها لشرط العلمية المفتوح، لا بالمنوال الوضعاني المهدر. وباستمرار يشير الكاتب إلى إلحاح الواجب العلمي، و العجز الذي ينسبه مرة لقلة الزاد الدراسي، وأخرى لقلة المناهج المعينة، وفي هذا ما يشير إلى أنه قدم مقاربة ليس إلا، في حين أن الدارس للكتاب، يخلص إلى استنتاج مفاده: أن روجيه كايوا قدم نظرية في المقدس، وفي حين ندخل شعاب الكتاب لنتلقف العناصر المدعمة لما قررناه.

نلاحظه وقد تلافى بما يستطيع أحادية التوجه، بل عمل على تركيب الصورة من مواد عدة، جعلته يقر بأن "الصفة الوحيدة التي يصح إثباتها للمقدس بشكل عام متضمنة في تعريف هذه اللفظة بالذات، ألا وهي تعارضه مع الدنيوي"[4]وكأني به قد استوحى الفهم من مقابلة مع العلماني الذي اتجهت أدبيات الحداثة إلى كونه الدنيوي أو الحالي المقابل للمطلقات والمتعاليات، وبصفة أوكد للمقدس، وكأنه قلب جعل هذا ذاك معكوسًا، فلا يستوعب المقدس إلا بإخلائه من الدنيوي، لا في مظاهره، لأنها لبوسه، بل في حقيقته وماهيته، ومع ذلك يجب على الدارس التحرز من أوهام قد تلغي واقعية عمله، لذا من اللازم التعريج على الوظيفة ومؤديات المقدس في ظروف الناس وحيواتهم لتفهمه، من غير الإغراق في ذلك لنسيان المدلول الحقيقي له. بغير استبطانية نفسية ملازمة للعمل، كما كان الشأن مع اللاهوتي الألماني رودولف أوتو Rudolf otto، الذي جهد للوصل بين الأحوال الباطنية، ومستجلبات التأثيرات الممارسة عليها من قبل أشكال الديانات الكبرى. مفضلاً؛ أي كايوا، أدبيات المدرسة الاجتماعية الفرنسية، مع الاستعانة، بين الفينة والأخرى، باستبطانية أوتو، فخلص إلى أن "مسألة المقدس تطال ناحية عميقة وجوهرية في الإنسان، فإنني لم أشعر بضرورة تجنب طرح المسألة على الصعيد الميتافيزيقي. لقد تخطيت الحدود التي تسمح بها المعرفة الوضعية، من دون شك."[5]

بهذا التقديم أكون قد جمعت النظرية والمنهج معًا، الرؤية التي تستعيد المقدس، وتعمل على مقاربته علميًا وترى جدواه الصميمة في تركيبة الكائن الإنساني، وتستدعي لذلك عدّة لا تستعيض عن الجانب النفسي، بالجانب الموضوعي، بل تدمجهما في تناول يرتفع عن تقاليد بعض المدارس الاجتماعية، في أقسام علم الاجتماع، وبذلك يكون كايوا قد فتح الباب لمدرسة أنثربولوجية واجتماعية جديدة، لا تقف عند الممارسات الشعائرية في مظهريتها غير المعقولة، وكذا لا تستغني نتيجة علميتها عن عمقها المعنوي الظاهر.

1- مجال المقدس الدنيوي، ونطاق الحضور:

أثناء الشروع في نقل الرؤية وبسطها، نجد أن كايوا قد أسس لها بجمله قواعد مؤطرة تحقق في النهاية شروطًا منهجية نظمت عمله إزاء المقدس، وأولى هذه القواعد تمييزه بين المقدس (sacre) والدنيوي (profane)، فالممارس للنشاط الديني أو الطقسي المتصل ببعض الأحوال الأخرى، يكون قد حسم مسألة جوهرية في كافة حياته، وهي إما الخلاص والخلوص والانعتاق، أو البقاء قابعًا تحت براثن الظواهر الحياتية المادية المباشرة، فمنطق القاضي بــــ (إما/أو)، يورث حالة من الخصام والمباعدة داخل كينونة الإنسان، لذا نجد التقاليد الدينية الكبرى، وكذا عادات بعض العشائر النائية، تميل ميلاً وضحًا إلى الدفع بالمؤمن إلى التخلي عن الحياة الدنيا، والبحث عن العالي الضامن لعدم الهلاك، فالبقاء هناك، والفناء هنا.

ويبرز البحث أن المتدين غالبًا ما يشعر بأنه يحيا في وسطين متلاطمين؛ أحدهما غريب عنه، والآخر يمثله ويندفع إليه بما أوتي، في حدية تعمل على الإلغاء، لكن عبثًا يحاول، "...إنهما يتلاغيان ويتفارضان...هذا الذي يظهر كمعطى حقيقي وبدهي للوجدان"[6]لكنا نسأل هنا: هل يظهر للوجدان كما انطبع لديه من مجمل ملاحظات الواقع وتأثيراته، أم هو مما نبع من الأعماق فارضًا فاعليته كدال على الحقيقة الجوهرية القارة، فيكون المقدس واحدًا من مظاهرها؟

يتشكل المقدس من ميزات رئيسة، يمكن عدها بشكل يجمل عناصر حقيقته، فهو مكون من أشياء هي أدوات العبادة، وكائنات هي الملك والكاهن، وأمكنة هي دور العبادة، وأزمنة هي أيام المناسبات والأعياد، ويتم إضفاء الطابع التعظيمي عليها؛ لتفيد أهمية بالغة لدى المجموع، فينبثق من ذلك عمليتان مزدوجتان، قد تبدوان متعارضتين، إلا أن الإمعان يفضي إلى خلافه، فهي تجلب التوقير والإكبار من ناحية، ومن ناحية أخرى تدعو إلى الحظر والمنع، إذن نحن أمام ما يشبه بنية الرمز المقدس الين واليانغ، فعلاقتها دوامة متلازمة، من غير أن يفقد أحد الطرفين هويته، لكن بحضور جزئي هنا أو هناك، فبين الاحترام والحظر تلازم دائم، يقدم فاعلية المقدس واتجاه حركته من الداخل إلى الخارج، ومن المحيط إلى الأطراف، ومن المتعالي إلى التاريخي، ومن الأبدي إلى المزمن...إلخ

تنضاف خاصية تالية تدعم تركب المقدس، وهي مجلبة التأثير وحضور الهيمنة الفاعلة على المؤمنين، وربما على غيرهم". أما المقدس، فيتمتع بقدرة جذب سحرية. قمة الإغراء هو، وأقصى درجات الخطر؛ مرغوب يستحث الراغب على الجرأة والإقدام، ومرهوب يهيب بمن يحاذيه إلى الروية والحذر"[7]نلاحظ أنه مرغوب مرهوب، ومثاله القربان وسره، فهو يفرض على المؤمن هيمنة روحية، تجعله يريده ويهابه. تدفع الممارس له إلى الاقتراب، وفي الآن عينه تدفع بغيره المدنس إلى الابتعاد، وفي أحيان يكون هو أيضًا محرومًا من الدنو، كما في تقاليد الكاهن المستأثر بسر الممارسة.

تندفع الصلة بين المحظور والمسموح، أو المقدس والدنيوي إلى حال التهالك، حتى ليكاد المقدس يهيمن على الدنيوي ويقضي عليه، ويدخله في حال التوقف والاضطرار الدائم للتسلل والفوات ليتمكن من إثبات حضوره، ويتعمم ذلك في صورتي التابو tabou والحر المسموح أو المباح noa كما يرد استماله عادة في اللغة العلمية النفسية خاصة، اشتقاقًا من المصدر اللغوي البولينيزي. ويكون الممنوع في الغالب متجنبًا حفاظًا على نظام العالم واستمراره، وبذلك يكون المحرم هو ما يجلب على العالم الفوضى والخراب، والمسموح المدعو إليه هو ما يبقيه متوازنًا مستقرًا. و"مرد ما ذكرنا إلى كون الناظم الطبيعي يكمل النظام الاجتماعي ويعكسه، إنهما مترابطان، وما يخل بأحدهما يصيب الآخر أيضًا بالخلل، فجريمة المس بالجلالة تعادل أي عمل يخالف سير الطبيعة، ولا تقل عنه إخلالاً بحسن سير الكون"[8]وقد قامت القبائل القديمة بما يضمن عدم الاختلاط بين المدنس والمقدس، ليستمر العالم على مألوفيته، وكذا تمارس البشرية إلى اليوم بعض الممارسات الدالة على الرغبة الجامحة في تثبيت أركان العالم، لكي لا يتعمم الرجس والانتكاسات النفسية والاجتماعة المفضيتان إلى تغير في الكون وتزلزل نظامه. لذا تشكل القرابين والذبائح الأساس الرمزي الداعم لطلب الاسترضاء وطلب السكينة والمحافظة على أحوال الناس، وهنا تراعي الشعوب جميعًا أن تكون الذبيحة ثمينة ومغرية وذات مكانة طلبًا للقوة، وعملاً للحفاظ عليها ودوامها. وإذا لم تكن هناك تقدمات، عوضت بالحرمانات؛ أي الكف والزهد في كل ما من شأنه أن يدنس الطهر البشري ويعكر صفوه. قربان تأكله النار، أو شام بالحديد والمسامير، أو شق للشفاه، وخرق للخدود، أو ختان أو...إلخ كلها أساليب مقصدها النهائي الاسترضاء وجلب القداسة، والتخلص من الدناسة.

2- بنية المقدس، والتركيب المزدوج:

يرى الكاتب أن "ما من نظام ديني، حتى بالمفهوم الأعم، إلا وتمارس فيه مقولتا الطهر (pur) والنجس (impur) دورًا أساسيا، ومع تمايز مظاهر الحياة الجماعية وتشكيلها ميادين مستقلة نسبيًا (سياسية، علوم، فن...) تكتسب كلمتا: الطاهر والنجس معاني جديدة، لئن كانت تفوق المعني القديم دقة ووضوحًا، فإنها بالفعل عينه، تقصر عنه غنى واكتنازًا"[9]، تعد هذه المقدمة مفتاحًا تفهّم آليات تحرّك المتضادات في نظم الحياة ومؤسساتها، سواء القانونية أو العرفية، فهي تحكم مسار عمل المظاهر الاجتماعية وتجلياتها في العادات والتقاليد، وكل الممارسات حتى الصناعية، فنميز بين الذهب الخالص والمشوب، وبين الخمر المعتقة والمائهة، وبين القديس والشرير، والسليم والسقيم، وهكذا في منطق الثنائية الأساسي الذي ينم عن عمق البنية المزدوجة للمقدس، المستدعى لضده كملازم لتكوينه، في علاقة تكون مرة ظاهرة تمامًا في استعداء وتنافر مركزي، كما هو شأن الأديان المكرسة لنظام عقائدي معين في مقابل آخر ملغى ومرفوض، ثم في صلة ضبابية ملتبسة لا تكاد تبين عن الاتجاهات المتعارضة في تشكيلة هذه المنظومة أو تلك. وتتفاعل القوى المكونة له في صورة خير وشر، ورغبة ورهبة، وتعاون وتنافر، وحب وبغظ، وهنا تكون لكلٍ دائرته المكرسة والمحرمة في حين؛ أي لا يتقدس المقدس ولا يتطهر إذا لم ينأَ تمامًا وبإطلاق عن الملوثات التي يمكن أن تصيبه فتخدش صفاءه وتغبشه، وبذلك يتحدد مضمون المقدس ممنوعَ اللمس والاقتراب والانتهاك. وهنا تنبثق الأحوال النفسية الغامضة والغريبة للمتدينين أو المحترمين للرموز المقدسة، في مشاعر متضاربة، تمزج رغبة مسكونة برهبة، أو خوف يحث على الإقدام، وفي الوقت عينه يجعل المرء حريصًا على عدم الوقوع في الخطيئة، وانتهاك الحمى، كما استعمله كايوا مقولة تفسيرية فهم بها المجال المحرم الممنوع الولوج، مستندًا إلى أثر نبوي إسلامي، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه.

إن قوة الصلة في بنية المقدس، وفي تفككه إلى عناصر أولية متناقضة، وفي الوقت عينة مترابطة وتطلب بعضها في تكامل خلاب وعجيب، ما تفتأ تلك الطبيعة الغامضة غير المفهومة، أن تنحل في تشكيل متقاطب، وتفرعات منفصلة، خير وشرير، والله والشيطان، والكاهن والساحر، وقد لخص القديس أوغستين هذا الوعي في تعبيره العميق عن الخوف والحب في آن، قائلاً: إني أرتعش خوفًا، واضطرم حبًا، كذا حال التواصل التقاطبي مع المقدس المستدعي باستمرار لنقيضه، المتضمن له والمتجاوز له في آن. والمقابل يحمل توازيًا في تركيبته، فالشيطان في بعض الأدبيات مغرٍ ومهلك، وناصح ومخادع، وجالب للملذات ومقبر لممارسها في أتون العذابات، وبذلك نكون قد تعرفنا على آلية الجدل والتفاعل التباعدي المستدعي لبعضه باستمرار، فـــ "وظيفة الدين تتحدد في جوهرها بحركة مزدوجة قوامها اكتساب الطهارة وإزالة الرجاسة".[10]

إن الممارسات العبادية وطقوس الدخول والولوج إلى عالم القداسة المشع، يعوزه تخل صارم وانفكاك عن اليومي والدارج، وكلما أمعن المتدين في شعائريته، تلقى من فيوض العون ما يغرقه حتى قفا رأسه في نشوة التجليات والاتحاد مع المطلق، وكذلك حاولت كل طرق العرفان والتصوف أن تفعل، والكهنوت هو الأكثر إمعانًا في ذلك، لما يرتدي من ثياب خاصة، ويتطهر بعطور معينة، ويحمل بين يديه المباخر بكافة تحريكات اليد الموحية، وتبدو عليه هالة التقدس أثناء دخوله القداس، وتبرز عليه ملامح القداسة وقد خرج، في جدل عارم بين الدخول والخروج، وينعكس الحال السالف على مجموع المؤمنين في نطاق حياتهم العامة، أي يحرصون على ضمان عدم دخول الدنس إلى جماعتهم، فيعمدون إلى إبعاد كل ما من شأنه أن يقود الجماعة إلى التدنس، ومن ذلك طقوس الإبعادات للأرواح الشريرة، أو للعصاة، أو للمرأة الحائض، أو للحيوانات القذرة، أو...إلخ، زيادة على إظهار الأماكن والأزمان وبعض الأطراف بوصفها المقدسة، ومقابلها هو المدنس، لذا كانت دور العبادة، وأزمانها المخصوصة، وأعضاؤها المقصودة. وطقوس الدفن خوفًا من الموتى، ثم تحولها إلى أرواح حارسة معينة، كلها مظاهر تدل على طبيعة المقدس الثنائية وحالة المعكوسية فيه، والتقلبات الغامضة في ماهيته، وهو ما يجعله مثيرًا وصعب الإحاطة به، وهنا نلاحظ أن مقاربة المقدس ليست هينة، وتشكيل خلاصات علمية قارة وموحدة حوله، قد تبدو بعيدة المنال.

وتظهر الدراسات المختلفة، أن هناك تمازجًا شديدًا في مظاهر التماسك والانحلال، بين المقدس والنجس، من جهة، وبين البنيات الاجتماعية المختلفة، سواء في هراركية الجماعة وتركيبتها، أو تخطيط المدن وتوزيع أطر السلطة والقوة فيها، وتموضع القوى الخيرة في العالم وانتظامها الشديد والصارم والأمين كذلك، وتبعثر الأرواح الشريرة المسؤولة عن استجلاب قوى الشر والمصادر التدميرية إلى العالم، وكثير من الأعمال لا تفهم حتى في عالم الحداثة المتنور، إذا لم يهرع للسبر عن غائرته المكينة في إدراك المقدس بوصفه منظورًا إلى العالم، أو رؤية وجودية تنضد كل شيء وتموضعه في مكانه الدقيق والمعين. وعينات الانتهاك قد تكون شخصًا قاتلاً سفاحًا، أو مرضًا مجهزًا قاضيًا، أو تعديات على القانون للإخلال بالرتابة العامة، لذا تعمد الجماعة إلى علاج المرض، أو معاقبة المجرم، أو تعنيف الفرد الخارج عن العائلة في انتهاكية صارخة، لكن النظرة البشرية تتغير ولا تكاد تقف على أرضية مفهومية واحدة إزاء المقدس المدنس، إذ نجد تطورًا هائلاً دخل في تركيبتهما وفعل فعله في صورته القديمة، فأفلت العالم من قبضة المقدس، وشرع الدنيوي يتعرض ويعم نطاق الحياة كلها، حتى يكاد يشملها جميعًا. ومع ذلك يبقى المقدس حاضرًا فاعلاً مؤثرًا مستمرًا، لا تكاد تجربة تاريخية تخلو منه.

3- في المحظورات، محاولة فهم:

من مساعي الكتاب الأساسية، محاولة الولوج في البنيات الثنائية للمقدس/المدنس، لتفهم طبيعته أولا، ثم للتعرف على جدله وحركته، لبلوغ إدراك فاعلياته وتأثيراته، للتمكن من تحقيق التفسيرات العلمية الأساسية، ومن أهم تلك الخلاصات المقدمات؛ أن المقدس يتحرى عن الدنيوي في كافة مصادره ومظاهره، ليتلافى الرجس/النجس، وبذلك تتجمع العناصر المغطية لكل حالة دينية، وهي الطهارة-الدنيوي-النجس. ورغم التقاطب الظاهر في جدل الصلة، إلا أنه لو ما المقدس لما ألتفت إلى فاعلية الدنيوي وحضوره، كفاعل عادم مهدد لكيان المقدس ومتابع لها باستمرار، يطلبه حثيثا للقضاء عليه، أو هكذا يعتقد.

إن نظام العالم ثنائي، ينقسم في شكل عمارتين، محكومتين بقوانين متخالفة، تبيح لجهة أن تفعل ما تشاء وتحظر ذلك على الأخرى، وهكذا تم تصوير العشائر الطوطمية في ناظم الزواج والقرابة، والصلات، وتم الانتقال بهذا التصنيف حتى إلى عالم الطبيعة، فتميزت بعض الحيوانات عن الأخرى، وبقع من الأرض عن مقابلة لها، وأزمان عن أخرى وهكذا، ويبرز انشطار العالم إلى شطرين متوازيين، متقابلين متباعدين، لكن متفاعلين وكأنهما متداخلين...إن الأساطير التي تروي نشأة القبيلة لا تركز على وحدتها، بل على ثنائيتها."[11] الدافعة للتفاعل المستمر بين القوى المشكّلة لها، في تدافع مغنٍ يثري تواجد أفرادها في العالم، ويقسم المهام بين الأعضاء، وتتحدد الأدوار في صرامة ملفتة، وهذا ما أثبتته أبحاث كل من إميل دوركايم ومارسيل موس في المجتمعات الطوطمية، وتقسيماتها الثائية لكل شيء، من مثل: السماء والأرض، والذكر والأنثى، والنور والظلمة...إلخ، وكل الاحتفاليات الطقسية المرحبة بالفصول، أو بالحروب، أو بالمواسم، تدخل في نطاق تفهم المحظور أو المسموح، لكن بنوع من التشابك الأساسي، لذا نلقف كايوا يتحفظ قليلاً أمام مقولة العمارتين، ويدعو إلى استعمالها في فهم الجانب البراني الخارجي لبعض التركيبات، وإلا لما استطعنا فهم الاندماجات المختلفة، وتكوّن العائلات، وتشكل نظم التراحم والزواج. و"نخرج من هذا التحليل بنتيجة مؤداها أن نظام الأشياء والبشر كثيرًا ما يتميز بتآلف مبدأين؛ هما في الآن نفسه- وإن بنسب متفاوتة - من طبيعة اجتماعية وجنسية وكونية."[12] لذا نجد التراتبات خاضعة لمعايير متفاوتة، لكن في الحين نفسه، مستمدة من أصل طبيعي، ومعممة في صورة أنطولوجية كونية، وبانعكسات اجتماعية، تسم الأفراد جميعًا بأوصاف، تنظم وظائفهم وتؤطر وجودهم داخل الجماعة وفي التاريخ، من مثل الاسم، والوشم، والشعار، والرمز، وكلها أدوات توضع لتصنع الاحترام، وتحدد الحقوق والواجبات، وتموضع تبعات المهام ومراكزها، والمكانات. والعيد طقسًا مقدسًا يدل على نظام التسليف والتبادل والاستنبات البشري والحيواني، فيباح لبعض الأفراد أو لجميعهم في مواسم معينة الانتهاك العارم، بوصفه المطلوب لتحقيق الخصب، أو للتعبير عنه، في احتفالية متبوعة بحركات وأفعال وممارسات تجلب لهم البقاء والقوة والحفظ.

وينطبق الحال على التسليفات الجنسية التي قد تعتبر انتهاكًا محرمًا في أزمنة معينة، وأماكن محددة، لكنها تباح في أخرى وكأنها واجبة. والتسليف المقصود، إما أن يكون إجباريًا كما شأن الزواج أو بعض أشكاله، أو قد يكون اختياريًا، وبذلك تتضامن العشائر وتتبادل سلالتها، ويتقوى النوع، اللهم ما لوحظ في ناظم العمارتين من حرص بعض القبائل على الحظر التام للتسليف وتداخل الدم والسلالة. ويبرز ناظم الحظر أو التبادل، حتى في الشكل الاقتصادي وطبيعة الغذاء، فما يكون لهذه العمارة لا يكون لتلك، لكن مع مرور الوقت يحتاج للتبادل مع الحذر لكي لا تتدنس هذه القبيلة من أنجاس تلك، لكن نظام التبادل حاضر وملاحظ. وهنا نخلص مع كايوا إلى وجود جماعتين تاريخيتين، إحداهما تضامنية، والأخرى استقلالية. ونمط الزواج والاقتصاد والتشريعات، كلها تترجم طبيعة العمارة وأسلوبها في الحياة. لذا نجد الزواج مرة واحدة معترفًا به، وأخرى يعد سفاحًا يعاقب عليه بالقتل واللعن والطرد، وذلك تبعًا لمفهوم النظام الطبيعي وشكل القرابة. فـــ"ما السفاح إلا خرق مميز لنظام الأشياء يتمثل في الاتحاد الآثم والعقيم حكمًا بين مبدأين يحملان العلامة نفسها، وهو، من هذا المنطلق، يتطابق تمامًا مع انتهاك المحظور الغذائي، حيث يقتضي وجود علاقة قطبية محددة، كما في الزواج."[13]

ألمحنا قبلاً إلى أن التطور أتى على ظواهر الثنائية ونقلها إلى التركب والتشعب، وانخراط الأشكال الحياتية الأولى في سياق الأشكال الحياتية المتعددة، وأخذ البناء الاجتماعي في التكون على شكل هراركية تراتبية تتوزع فيه السلطة في إطار نظم متوزعة تفيد أن سلطة المقدس الميكانيكية قد ولت، وحل محلها الأشكال الأكثر تنوعًا من النفوذ الفردي القوي، إلى تسلط بعض الأطر الاجتماعية والمؤسسات الجديدة، وهنا انتقلت القداسة من حدية التقاطب، إلى رمزية الأفراد العظماء الملهمين.

إن السلطة التي تبدو ممنوحة بشكل خارجي معطى غير حقيقي لا يصف تمامًا طبيعتها، ربما يكون ذلك في مرحلة ما، لكن هي جوهرها توافقية وإن بالصيغة الهرمية الفوقية، التي تستدعي وجود قاهر ومقهور، قاهر لا ينقاد له لما في شخصيته من صور وأحوال متقلبة، بل لما يقوم به ويؤديه من وظائف اجتماعية حقيقية ومضمونة، لذا يكون الملك في بعض الثقافات إلهًا، لما يتمتع به من مقدرة اجتماعية على أعمال وممارسات تجعل الجميع منقادًا له ومطيعًا، ومنفذًا لإرادته، ويكون المقدس هنا ممزوجًا بين العمق الرمزي الممارس لهيمنة نوعية على النفس المنقادة، وبين الأداءات الاجتماعية والمقدرة النوعية على تنفيذ الخدمة العمومية. لذا، نجد لباسه وأوانيه وصوره مهيبة محترمة، حتى ولو مات أو ولى ظاهريًا. ففي البداية، تكون السلطة منبثقة من ذاتية الفرد لسمات اكتسبها من وظيفته، فإذا بها تنقلب مانحة له قوة غير عادية، مهيبة ومرغوبة، وكأني به يعني أن السلطة تتكون من مصدر ما، ثم تصادره لتمارس بدورها قداستها الذاتية على الجميع. والملك رمز السلطة مطاع، والرعية منقادة، وأي قلب للتراتب السالف، لا يشير إلى عصيان شكلي فحسب، بل قد يقود إلى انقلاب نظام القيم وتوازن الكون. ويؤكد الكاتب أن العلاقات التي تصل أشكال السطلة بدوائرها، يختلف مضمونها القداسي، ومن الخطأ مقاربتها على أنها واحدة.

4- المقدس متخطى، العيد انتهاكًا:

تتعمق صلة المقدس بمظاهر الحياة، حتى تعمها ككل، "وتأتي فورة العيد لتقطع سير الحياة النظامية، حيث الكل منهمك في أعماله اليومية، حياة مستقرة ومقيدة بنظام من المحظورات لا وجود فيه سوى لاحتياطات تحفظ نظام العالم."[14]وتنهمك الجماعة في طقوس من الرقص والغناء والأكل والشرب، بشكل انتهاكي في ظاهره، لكنه مستحضر للاحترام والتقديس المفرط، لذا يكون العيد لجوءًا للمقدس، وتبارك تلك الممارسات بطقوس ترضية للآلهة، تمزج بين الخوف منها، والعربدة الشاملة، وهنا نجده يمثل قمة الحياة وانسلاخًا من أعبائها، وتفلتًا من إكراهات اليومي وإلزاماته، لذا نجد الكاتب يميل إلى طرح دوركايم الذي يجعل من العيد خروجًا عن المألوف ودخولاً في تجربة فريدة تستدعي الطاقات الانفعالية، تصل بين تشريعات الدارج، وانتهاكات الاحتفالية لذا يكون استثنائيًا بامتياز. إن "العيد غالبًا ما يعتبر زمن المقدس بامتياز، فيوم العيد، بل ومطلق يوم أحد عادي، هو يوم مكرس للإلهي يفرض فيه الامتناع عن العمل والانصراف إلى الراحة والمتعة وتسبيح الله"[15], ومن المجتمعات ما يتجاوز ذلك إلى عمليات تكثيف هائلة، حيث لا تخصص يومًا بعينه للإله، قبال تراتبية أيام العمل، لذا نجدها تلجأ إلى جمعها في مواسم وأيام مجتمعة في بدايات السنوات، أو نهايتها.

ومما يلازم غموض طبيعة المقدس كونه حظري إلزامي موجب للطاعة، في الحالات العادية، لكنه في فترة الأعياد يوصي بالانطلاق والخروج عن المألوف والدخول في أحوال من العربدة وكسر القوانين المنتجة للمحظور في العادي، لذا يعمد كايوا إلى الحديث عن مفهوم الإفراط مقولةً جوهريةً مفسرةً لحقيقة العيد الذي يمكن عده بشكل ما تذكرًا واستدعاءً لحدث استثنائي متصل بلحظة الخلق الأولى، أو الواقعة الأساسية التي قادت إلى ظهور العالم، أو بروز بعض الوقائع الجذرية التي أنشأته أو هددته، ثم تدخلت الآلهة للحفاظ عليه وإعادته إلى نظارته، وأمثلة ذلك كثيرة، ساقها صاحب الكتاب، ويخلص إلى أن الزمن الأسطوري؛ أصل الزمن العادي ومؤلف على منواله، ويستذكر الوقائع الأولى المتصلة بأحداث فريدة، كما هو شأن نظرية الخلق في الأديان الكبرى، ودخول الموت بسبب الخطيئة الأولى، وما يستتبع ذلك من طقوس واعتقادات معيدة لها بكيفية دائبة، وكذا الحال قياسًا إلى شعائر العيد وأعماله. وهنا نجدنا أمام ترابط متين بين العصر الذهبي للعالم وحياة الأفراد، أعني العهد الطفولي، فكما أن الأطفال يحنون في كبرهم إلى جمال وسحر أيامهم الأولى، كذلك بالنسبة للتجمعات الكبرى المستذكرة لأيامها الأولى، أو أزمانها الغابرة التي لازمت نشأة العالم وتكونه، أو ظهور الحضارات وقيامها.

فالعيد هو إعادة تخليق دائمة للعالم وبنائه باستمرار، فإن لم يكن طبيعيًا بالتدخل في ظواهره، فعلى الأقل بتمثيلات رمزية تعيد تشكيله افتراضيًا أو بشكل حالم يتفوق على ضغط الواقع المنحرف، أو المتعدي على الشكل العذري الأول، فتؤدى أدوار الآلهة في الأعياد، أو تمثل شخوص الأسلاف والزعماء الأوائل، وهكذا، وتمارس طقوس الاحتفاليات في مواسم الخصب فرحًا، والجدب استرضاءً، "في كل الأحوال، ينبغي تأوين الأولاني، حيث يكون العيد هو الخواء المستعاد والمعاد تشكيله."[16] وتبرز مظاهر الانتهاك في صور عديدة، جنسية وغذائية، ترتبط بأزمان بعينها، كاستدعاء الأسلاف، أو حين موت الملك، أو تذكرًا لإله مهمين في زمن بعينه، وهكذا يكون العيد شكليًا هو القريب من المقدس، لكن الأبلغ تعبيرًا عنه. على خلاف العطل والمناسبات الفردية الخاصة.

5- المقدس بين انبثاقة الحياة ومجلبة الموت:

كل ما يحافظ على الحياة، ويؤدي إلى بقائها، يعده الكاتب مقدسًا، أو منبثقًا منها، مواجهًا باستمرار لما من شأنه أن يهدد استمرارية الحياة، ويدفع إلى لموت، لذا تكون الطقوس هي الوسيط الأوفى المحافظ عليها والمعيد لتوازن كيانها، "إن المقدس الذي يبنى عليه التماسك والطمأنينة يتغذى بالتضحيات والإعراض عن متاع الدنيا، وبالعكس، فكل ما من شأنه أن يوفر المزيد من القدرة أو المتعة...ينطوي على مجازفة ومصادفة"[17]ونلتقي مرة أخرى مع سمة غامضة للمقدس، تجعل من الطباقية والتقابل الغريب والمفتقر لبعضه، لازمة ضرورية لفاعلية المقدس وتأثيره؛ فالمقدس طاقة دافعة وفي الوقت عينه قوة ومثبطة ومانعة، وتجاذبهما ينعكس على كافة أنماط الحياة، من الجنسية الطبيعية، بلوغًا إلى النظم العامة المتحكمة في سير الحياة، تنازع يبدو متضادًا، لكنه في عمقه متجاذب، من مثل؛ رغبة ورهبة، وحكمةوجرأة، وطاعة وعصيان، وامتثال وتمرد...إلخ، لكن مع نشوء الحضارات الأولى وظهور الدول والأمم وتقسيمات العمل، بدأ المقدس يفقد عمقه وفاعليته الجوهرية، وأخذت الوقائع تنزع نحو التسوية والمماثلة والتسطيح والتكرار، وكلما أمعنت ضرورات الحياة وثقلها على الأشخاص، قادت إلى ضمور المعنى الحار والفعال الذي كانت الطقوس والأعياد تؤديه وتقوم به، وقريبًا يصبح الدين خاضعًا للفرد، وليس للجماعة، ويدخل سويداء الضمير والاختيارات الخاصة، وتذهب عنه مهمته التاريخية للجماعة.إن "كل أولئك الذين يرتبون سلوكهم وفق مبدإ محدد سيطر على كيانهم بالكلية، يميل إلى أن يكون حوله ما يشبه الوسط المقدس الذي يثير انفعالات عنيفة ذات طبيعة خاصة، قابلة لأن تظهر بمظهر ديني محدد، كالنشوة والتعصب والتصوف، وأن تولد، على الصعيد الاجتماعي، بدرجات متفاوتة من الوضوح؛ عقائد وطقوس وميثولوجيا وعبادات".[18]

نلاحظ أن فاعلية المقدس لم تعد مفسرة للحياة والموت، كما كان في الزمان الغابر، بل تسرب بطريقة ما في الحياة الخاصة للأفراد، وتأبى على التشكيلات المؤسسية الصارمة، وتلازم ذلك مع التحررات الكبرى للإنسانية، من اكتسابها للحرية الفكرية والعقدية والشخصية والسياسية، وامتلكت استقلالها، وبالتبع يكون المقدس قد تلون بهذا النمط من الميزات فكانها؟ بطريقة ما، وأضحت موضوعاته تأملاً في بعض العناصر الأخلاقية، المتخصصة بالحياة الفردية بعيدًا عن ثنائية المقدس الدنيوي، فالأخير عمَّهُ بطريقة ما، لكن لا يزال المقدس دافعًا للأفراد منتجًا طاقة لهم، ومجيبًا عن تساؤلاتهم، وهم بدورهم مستعدون للذود عنه والتضحية في سبيله، لكن بتنازلات خاصة، تجعله أقل فاعلية قياسًا لما كانت عليه البشرية في أزمانها الأولى. وهكذا يكون المقدس حسب كايوا، متضمنًا لميتافيزيقا تختصر تجاذباته مع الدنيوي، ومتحدثة عن الجمود والحركة، والاستقرار والتغيير...إلخ، المقدس حديث عن الحياة وفيها، وتصوير للموت، واندفاع إليه بالرغبة في حياة أخرى تمنح الديمومة والاستمرار، فلا يكون غيابًا بلا حضور، بل حضورًا دائمًا متينًا وقويًا، يملأ الحياة بإفراغ بعض جوانبها، وهنا نجده طاقة غريبة فعالة، بناءً وهدمًا.

ثم أردف الكاتب، مؤلفه ببعض الملاحق، مصورًا من خلالها، الصلة بين الجنس والمقدس، واللعب والمقدس، ثم إلى مقايسات أساسية بين العيد والحرب، وصوفية الحرب، وكيف أن الأخير أكثر تعبيرًا عن حالات المقدس العامة.


[1]- روجيه كايوا: الإنسان والمقدس، ترجمة سميرة ريشا، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، ط01، 2010، ص 21، مقدمة المترجمة.

[2]- المرجع نفسه، ص 18-19

[3]- نفسه، ص 28

[4]- المرجع نفسه، ص 31

[5]- المرجع نفسه، ص 34

[6]- المرجع نفسه، 36

[7]- المرجع نفسه، ص 39-40

[8]- المرجع نفسه، ص 45

[9]- المرجع نفسه، ص 53

[10]- المرجع نفسه، ص 60

[11]- المرجع نفسه، ص 99

[12]- المرجع نفسه، ص 107

[13]- المرجع نفسه، ص 121

[14]- المرجع نفسه ص 141

[15]- المرجع نفسه، ص 144

[16]- المرجع نفسه، ص 161

[17]- المرجع نفسه، ص 184

[18]- المرجع نفسه، ص 190