حجاب وحراب: الكمالية وأزمات الهوية في تركيا


فئة :  قراءات في كتب

حجاب وحراب: الكمالية وأزمات الهوية في تركيا

يحاول الكتاب كما يصفه المؤلف أن يحيط بعالم تركيا القريب والغريب، والمتنوع والمشتت، والحيوي والجامد، والمنطلق والمنطوي من الجار العربي والحليف الإسرائيلي، ومن الباب الكردي إلى الباب الإسلامي إلى باب النظام والأدوار، ولا ننتهي عند الحلم الأوروبي أو الذئب المتوثب في أقاصي بلاد القازاق.

العلاقات العربية التركية

كان أغلب العرب ينظرون باحترام وتقدير إلى محاولات أتاتورك لإنهاض بلاده، مع تحفظهم ومعارضتهم لإلغاء الخلافة، وكان لدى العرب رغبة في تطوير العلاقات مع تركيا والتواصل مع الدولة التي كانوا وإياها أربعة قرون، وقد قام بعض الحكام العرب في مرحلة مبكرة في عهد أتاتورك بسلسلة من الزيارات على مستوى عالٍ، مثل زيارات الملك فيصل ملك العراق، والملك عبد الله الأول ملك الأردن، أو رؤساء الحكومات العربية، مثل نوري السعيد رئيس وزراء العراق، وجميل مردم رئيس وزراء سورية، ووزير خارجية السعودية الأمير، الملك فيما بعد، فيصل بن عبد العزيز، ولكن تركيا لم تبادل العرب بمثل هذه الزيارات، وليس في عهد أتاتورك سوى زيارة وزير الخارجية التركي إلى مكة وبغداد والقاهرة، ولم يكن أتاتورك مهتمًا بالعرب ابتداء.

وكانت قضية الموصل التي تطالب تركيا بضمها إليها والإسكندرون التي أقطعتها فرنسا لتركيا من الأراضي السورية عام 1939، إضافة إلى إلغاء الخلافة مصدر خلاف وتوتر في العلاقات العربية التركية، ثم وقفت تركيا إلى جانب إسرائيل عام 1948 عندما أُعلن عن قيامها، وتقدمت لعضوية هيئة الأمم المتحدة، ووقوفها ضد استقلال بعض الدول العربية، وعقدت تحالفًا استراتيجيًا مع إسرائيل شمل النواحي العسكرية والأمنية والاقتصادية.

ولكن العلاقات العربية التركية شهدت تحسنًا كبيرًا في السبعينيات والثمانينيات، ويختزن الطرفان العربي والتركي إمكانات كبيرة للتعاون نظرًا إلى الجوار الجغرافي والمصالح الاقتصادية والقضايا المشتركة.

وشهدت العلاقات السورية التركية أزمة بلغت ذروتها عام 1998، وكادت تصل إلى الحرب بين البلدين بسبب اتهام تركيا لسورية بأنها تؤوي قيادات كردية مناوئة للسلطة في تركيا، وترعى معسكرات تدريبية للأكراد على أراضيها.

المسألة الكردية

دخلت المسألة الكردية منعطفًا جديدًا عام 1998 باعتقال عبد الله أوجالان رئيس حزب العمال الكردستاني في 16 شباط عام 1999 وتقديمه للمحاكمة في اسطنبول، وكان تصريح بولنت أجاويد رئيس الحكومة التركية بأن القضية الكردية، قد انتهت تعبيرًا عن صراع طويل بين الدولة التركية والأكراد في تركيا، ولكن هذا التصريح كان تأكيدًا على أن هذا الصراع مازال مفتوحًا، وأن النزعتين الكردية والتركية تشكلان علامة فارقة في التاريخ والمجتمع والدولة في تركيا.

لم يكن الأكراد في تركيا على عداء مباشر مع الدولة العثمانية، بل إنهم تحالفوا معها في حروبها مع الأرمن وروسيا في القرن التاسع عشر، ولكن الأكراد قاموا بثورة على الدولة العثمانية عام 1880 بقيادة زعيمهم الشيخ عبيد الله، عندما اتجهت الدولة العثمانية لتسوية قضية الأرمن على حساب الأكراد.

وطالب الأكراد في عهد أتاتورك بحكم ذاتي في مناطقهم، ثم تحولت هذه المطالبة إلى ثورة أخمدت بالقوة. وكانت هذه الثورة بقيادة الشيخ سعيد الكردي سببًا في إجراءات قمعية وتشريعية أضرت بالأكراد ووضعهم في الدولة الكردية حتى يومنا هذا، وتكررت الثورات والانتفاضات الكردية ضد الدولة المركزية في تركيا، ولكنها جميعها وصلت إلى طريق مسدود.

واعتمدت حكومة أتاتورك عام 1925 خطة عرفت بخطة إصلاح الشرق؛ أي شرق البلاد التي يشكل فيها الأكراد غالبية السكان، وتركزت الخطة على حظر استخدام اللغة الكردية في المؤسسات الرسمية والمدارس والمحاكم وأماكن العمل والمحاكم والأسواق والشوارع، ومازال هذا القانون ساريًا حتى اليوم.

وصدر أيضًا قانون التوطين الإجباري الذي يقضي بنقل مجموعات سكانية كردية من المناطق الشرقية، وتوزيعها في مختلف أنحاء البلاد، ومنع غير الأتراك من إقامة بلدان ومدن على نحو يجعل منها أحياء سكنية مستقلة.

الحجاب في التشريع التركي

لم يعد الحجاب في تركيا مجرد أحد أشكال غطاء رأس المرأة، بل تحول إلى مواجهة سياسية بين من يرون فيه رمزًا سياسيًا، وبين من يرونه أحد متطلبات الإيمان، وقانون الزي في تركيا الذي صدر عام 1934، واستند إليه مجلس الأمن القومي في تركيا لمنع النائبة مروى قاوقجي من ارتدائه، يتعلق بزي الرجل وليس زي المرأة.

وقد صدر عام 1981 قانون يمنع ارتداء الحجاب في الجامعات التركية، ولكن تورغوت أوزال رئيس الوزراء المنتخب عام 1983 تراجع عن هذا القانون، ثم أبطلته المحكمة الدستورية.

وحين دخلت مروى قاوقجي قاعة البرلمان، لم يستطع بولنت أجاويد رئيس الحكومة أن يتحجج بالنظام الداخلي لمجلس النواب؛ فالمادة 56 من النظام الداخلي للمجلس لا تشير إلى غطاء الرأس، والنائب في القانون ليس موظفًا، ولكنه ممثل للشعب الذي انتخبه.

لقد عكست تطورات قضية قاوقجي المأزق القانوني الذي واجهه النظام السياسي الحاكم في تركيا، وكان المخرج هذه المرة بمعونة أمريكية كما حدث في قضية عبد الله أوجلان؛ فقد تبين أن مروى قاوقجي تحمل الجنسية الأمريكية، ولكن ماذا لوكانت قاوقجي غير محجبة؟ هل ستثار قضية جنسيتها الأمريكية؟.

وعادت الحكومة التركية لمنع الحجاب في الجامعات التركية عام 1998، واضطرت الآلاف من الطالبات التركيات إلى السفر إلى الخارج إلى أذربيجان والمجر والنمسا لاستئناف دراستهن الجامعية، ولكن النظام السياسي مازال يتعقب هؤلاء الطالبات في الخارج، ويسعى إلى رفض اعتماد شهاداتهن الجامعية.

إن الأزمة الحقيقية للنظام الكمالي في تركيا هي في صراعه اليائس مع حركة كبرى في تركيا، تسعى لاستعادة الجذور والهوية التركية الإسلامية كما كانت طوال ألف عام، والأسوأ من ذلك بالنسبة للنخبة السياسية والعسكرية هي في مصالحها المهددة التي ارتبطت بهذا الوضع الشاذ لتركيا، ثم تعلق بها فساد متراكم متمأسس ومتمكن، يجعل التخلي عن هذا الوضع هزيمة وفضيحة كبرى؛ فهي إذن حرب مصير.

الحركة الإسلامية في تركيا

ظل النشاط الإسلامي في تركيا مرتبطًا بالحركات الصوفية حتى نهاية ستينيات القرن العشرين، وشهد عام 1970 أول ظهور علني للعمل الإسلامي السياسي بقيادة البروفيسور نجم الدين أربكان مؤسس حزب النظام الوطني، ثم حزب السلام الوطني، والذي شارك في ثلاث حكومات إحداها برئاسة بولنت أجاويد اليساري، ومرتين مع سليمان ديميريل اليميني.

واستمرت الحركة الإسلامية في صعود تدريجي حتى كان حزب الرفاه الإسلامي هو أقوى الأحزاب السياسية وأهمها في تركيا في منتصف التسعينيات، وشكل أربكان حكومة ائتلافية بالتحالف مع تشيلر إلى أن أجبر على الاستقالة عام 1997.

وتواجه الحركة الإسلامية أزمة داخلية ومنهجية؛ فقد بدأت تفقد تأييد الطرق والحركات الإسلامية التقليدية التي اتجهت لتأييد الأحزاب العلمانية مقابل مكتسبات عامة تراها مناسبة للمجتمع والأمة، وتعرض المشروع السياسي للحركة الإسلامية لضربات قوية ومؤثرة. وبرز في حزب الفضيلة الذي أنشئ بعد حظر حزب الرفاه تياران؛ أحدهما تقليدي بقيادة رجائي قوتان، والآخر تجديدي بقيادة عبد الله غول.

ويعتبر فتح الله غولين قائد حركة النور التي أسسها الملا سعيد النورسي الوجه الآخر للعمل الإسلامي في تركيا؛ فهو يعمل بعيدًا عن السياسية أو العمل السياسي المباشر.

ولد فتح الله غولين في مدينة أرضروم عام 1942، وبدأ منذ عام 1968 العمل في تدريس القرآن الكريم مدينة أزمير وواعظًا دينيًا يشرح رسالة النور للشيخ سعيد النورسي، وقد انتشرت أشرطة الكاسيت التي تسجل خطبه على نطاق واسع في تركيا.

وبدأت الحكومة التركية تلاحقه بعد انقلاب افرين عام 1980؛ فاختفى حتى منتصف الثمانينيات، ثم عاد للظهور بترتيب من رئيس الحكومة تورغوت أوزال، وعمل على التواصل مع حزب العمل القومي برئاسة ألب أرسلان توركيش، وهو مقيم الآن في الولايات المتحدة للعلاج، وقد أسس شبكة واسعة وقوية من المؤسسات الاجتماعية والإعلامية والمدارس والجامعات والمنتشرة في تركيا وآسيا الوسطى وشرق أوروبا والبلقان.

وأما التطرف الإسلامي، فيعبر عنه حزب الله التركي وقد أسسه حسين أوغلو، وهو كردي وكان زميلاً لعبد الله أوجالان في الدراسة الجامعية، وقد نفذ الحزب مجموعة عمليات اغتيال وتخريب استهدفت أساسًا حزب العمال الكردستاني الذي يرأسه أوجالان، وتبين أنه كما ذكر وزير الثقافة التركي فكري صاغلار في مقابلة صحفية مع صحيفة "سياه بياض" عام 1995، أن الحزب تشرف عليه وتموله وتدرب أعضاءه المخابرات التركية، وأن مؤسسه هو ضابط في القوات المسلحة، ونشر الصحافي خالد غونغين تقريرًا صحفيًا عن علاقة هذا الحزب بالمخابرات التركية؛ فاغتيل بعد نشر المقالة بيومين، وذكر الوزير التركي أن مجلس الأمن القومي التركي اتخذ قرارا عام 1985 بتدريب حزب الله وتمويله.

الديمقراطية في تركيا

لا تشبه الجمهورية التركية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك لتكون كما الدول الأوروبية علمانية ديمقراطية؛ فهي في مسائل الديمقراطية والحقوق المدنية والحريات وقضايا الأقليات تمارس ظلمًا وانتهاكًا، بل إنها ظلت منذ تأسيسها دولة الحزب الواحد حتى عام 1945، وبمجرد بدء التعددية السياسية فيها هزم حزب أتاتورك هزيمة كبرى.

بدأت التعددية الحزبية في تركيا عام 1945، فكان حزب التنمية القومي برئاسة نوري ديميراغ، والحزب الديمقراطي بقيادة جلال بايار وعدنان مندريس الذي حقق أغلبية كبرى عام 1950، وتكررت انتصاراته عام 1954 و1957؛ مما أدى إلى وقوع انقلاب عسكري عام 1961 لإعادة حزب أتاتورك إلى السلطة، وأعدم مندريس، ولكن الحزب الديمقراطي الذي صار حزب العدالة بقيادة سليمان ديميريل رجع مرة أخرى إلى السلطة عام 1965 ليترأس ثلاث حكومات متعاقبة حتى عام 1971عندما أجبره العسكر على الاستقالة، ووضعوا يدهم على السلطة حتى عام 1973؛ فأجريت انتخابات نيابية فاز فيها حزب الشعب حزب أتاتورك بقيادة الشاب بولنت أجاويد الذي كان قد هزم قبل سنة 1972 عصمت إينونو زعيم الحزب التاريخي، وخليفة أتاتورك، ورئيس الحزب لمدة ثلاث وثلاثين سنة. وظلت الأمور في حالة توازن بين الحزبين الرئيسين: العدالة بقيادة سليمان ديميريل، والشعب بقيادة بولنت أجاويد حتى عام 1980، وكان حزب السلامة الوطني بقيادة نجم الدين أربكان وحزب الحركة القومية برئاسة ألب أرسلان توركيش يرجحان أحد الحزبين على الآخر.

ووقع انقلاب عسكري عام 1980 بقيادة كنعان أفرين، وحظرت الأحزاب وسجن قادتها، ثم جرت انتخابات عام 1983، وسيطر حزب الوطن الأم بقيادة تورغوت أوزال على الحياة السياسية حتى عام 1991، ثم عادت مرحلة من التشرذم السياسي، واضطرت الأحزاب إلى الائتلاف لتشكيل الحكومات.

وهكذا، فقد ظلت الديمقراطية التركية برغم عراقتها واستمراريتها أسيرة سيطرة الجيش وتدخلاته؛ فقد أسس الجيش الدولة التركية الحديثة، وظل وحده القادر على حمايتها في مواجهة الأزمات مع الأكراد واليونان والأرمن، ولكنه غير قادر على حكم تركيا وإدارتها في ظل التعقيد السياسي والاجتماعي والتعددية العرقية والإثنية والأيدولوجية في تركيا، وظل محتاجًا إلى الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية.

المجتمع المدني

تركيا من الدول القليلة في العالم التي تتقدم فيها حركة المجتمع المدني على حركة الدولة، غير أن المنظمات الأهلية مازالت تصطدم في حركتها بنواظم الفكر الكمالي الذي أرسى تقاليد قاسية في الدستور والقوانين والأعراف أيضًا تحول دون الانفتاح الكامل للمجتمع على المفاهيم المعاصرة في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

ويوجد في تركيا آلاف المنظمات الأهلية والنقابية والفكرية والاقتصادية التي تعكس تنوع المجتمع التركي وغناه العرقي والاجتماعي، ولكن أزمة المجتمع التركي في غلبة الريف والطابع الريفي حتى ما يبدو أنه مدن، فإنه في الحقيقة قرى كبيرة في اقتصادها ونظمها الاجتماعية، ولم ينزع الناس بعد نحو التمدين، فمازالوا ينتمون إلى مجتمعاتهم التقليدية أو هم في مرحلة انتقالية قلقة بين الريف والمدينة، وهذا من أسباب الإقبال الكبير على الأحزاب الإسلامية في تركيا، برأي الباحث التركي من أصل يوناني ستيفانوس يراسيموس، مدير المركز الفرنسي للدراسات الأناضولية.