صعود الكراهية .. وصعود الثقافة والمجتمعات


فئة :  مقالات

صعود الكراهية .. وصعود الثقافة والمجتمعات

في تحول التطرف إلى كراهية يصعد دور الأفراد والمجتمعات في المواجهة، بل تكاد المواجهة الاجتماعية والثقافية مع التطرف والكراهية هي الخيار الوحيد لأجل الخروج من الحروب والصراعات التي تعصف اليوم بكثير من الدول والمجتمعات وتقضّ مضجع العالم.

لقد أصبحت المواجهة مع التطرف والكراهية أقرب إلى الثقافة والفنون أو وعي الذات وتشكيلها، وفي ذلك، فإن المجال العلمي والموضوعي لفهم الكراهية والتطرف يتغير عما كان سائدا، فلم تعد علوم السياسة والاجتماع كافية إلا بمقدار ما تساعد في تشكيل الاتجاهات والمواقف الفردية والجماعية، وصار من فضول القول إن الفكر الديني في الرد على المتطرفين لا يفيد إلا غير المتطرفين لأجل فهم التطرف، وأما المتطرفون فإنهم لم ينشئوا مواقفهم بناء على فهم ديني خالص أو مستقل أو اجتهاد ومحاولة للبحث والتفكير في التوجيه الديني، ولكنهم اختاروا من النصوص والنماذج الدينية ما يشبههم ويلائم اتجاهاتهم وحالتهم التي وجدوا أنفسهم فيها.

وبالنظر إلى أن اتجاهات العنف والكراهية والتسامح والخضوع والاكتئاب والتمرد والاحتجاج والعزلة والمشاركة والانقياد والمغامرة والنزعة إلى الانتحار والقتل والإدمان والسادية (الاستمتاع بالإيذاء) والماسوشية (الاستمتاع بتلقي الإيذاء) أو أمراض واضطرابات نفسية وعقلية وسلوكية، مثل الانفصام والنرجسية والعدوانية والقلق والتوهم، يمكن أن تتفاعل مع السلوك الديني أو تأخذ تمظهرات دينية، أو أن يكون الدافع إلى السلوك الديني أو السياسي نفسيا أو بيولوجيا؛ تتشكل رؤى واتجاهات علمية وسياسية في مواجهة التطرف والكراهية، .. ويمكن، على سبيل المثال، الإشارة إلى كتاب "بيولوجيا السلوك الديني: الجذور التطورية للإيمان والدين"، تحرير جيه. آر. فيرمان، وكتاب "القسوة: شرور الإنسان والعقل البشري"، تأليف كاثلين تايلور، أستاذة طب الأعصاب وعلم الدواء في جامعة أكسفورد.

وأسوأ ما تقع فيه عمليات مواجهة التطرف الكراهية والعنف المنتسبة إلى الدين الاعتقاد بأنها عمليات استجابة ميكانيكية أو تلقائية لنصوص دينية يساء فهمها أو تفهم فهما صحيحا أو خاطئا، ذلك أنها نصوص موجودة منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة، ويفترض أن تؤدي إلى حالات متشابهة لدى أفراد مؤمنين بهذه النصوص وفي مجتمعات وبلاد لا يحدث فيها تطرف وإرهاب، ولكن أهلها يؤمنون بالنصوص الدينية نفسها التي يؤمن بها المتطرفون والكارهون، وليس المقصود بالطبع هو إعفاء النصوص وتأويلها من المسؤولية عن الكراهية، ولكن التأكيد على أنه فهم جاء منسجما مع اتجاهات شخصية ونفسية، فالمعتقدات والأيديولوجيات ليست عمليات عقلية أو ناشئة عن مجهود علمي وفكري، وإن كانت تستند إلى تراث فكري وفلسفي أحيانا، ولكن معتقداتنا في الحقيقة تعكس شخصياتنا، أو هي جزء من هويتنا وميولنا، .. نحن ننحاز إلى المعتقدات والتأويلات التي تشبهنا.

تذكر الإحصاءات الرسمية في الأردن أن 114 شخصا انتحروا في عام 2015، وبالطبع هناك حالات وفاة أخرى كثيرة لم تسجل على أنها انتحار، وهناك أيضا جرائم قتل كثيرة من النوع الذي ليس قائما على دوافع جرمية، مثل السطو ولكنها تعود إلى أزمات نفسية أو عائلية أو بغرض الانتقام والثأر أو في شجار يبدأ بسيطا ثم يتطور إلى جريمة قتل، .. وهناك حالات محاولات انتحار لا تتم، تزيد على عشرة أضعاف عمليات الانتحار التي تمت بـ "نجاح" ... أليس طبيعيا القول، إن هؤلاء المئات الذين أقدموا على الانتحار أو القتل أنهم مستعدون أو كانوا قابلين للمشاركة في عمليات انتحارية أو إرهابية ضد دولهم ومجتمعاتهم؟ مؤكد بطبيعة الحال أن الذين يعيشون حالات من الاكتئاب والنزعة إلى الانتحار والتهميش والعزلة والشعور بالظلم مرشحون تلقائيا ليكونوا متطرفين قساة؛ فالذي يقسو على نفسه أو المقربين إليه سيكون أكثر استعدادا للقسوة على الآخرين.

وتقول كاثلين تايلور أستاذة طب الأعصاب وعلوم الدواء، إن القسوة وهذا يشمل بطبيعة الحال العنف والتطرف والكراهية في حالتها الانتقائية، تعكس الفشل، ولكنها في حالتها الشاملة مرض عقلي، ولكن حين يمتلك هذا المرض العقلي تأييدا اجتماعيا كاسحا كما يحدث كثيرا في القوميات والأيديولوجيات، فإن الوباء يتحول إلى أصل أو سلوك سائد يصعب الخروج عليه، وربما يكون قريبا من ذلك ما يحدث اليوم في موجة التعصب الديني التي تحولت إلى كراهية شاملة لفئات ومذاهب وطوائف وأنشأت عنفا شاملا ومجازر وتهجير بلا رحمة أو تعاطف، كما يحدث في سوريا والعراق، وكما حدث من قبل في رواندا وبوروندي والبلقان وألمانيا النازية..

إن بناء المعتقدات ليس قائما على عمليات علمية عقلانية؛ فالعلم والعقل لا ينشئان أيديولوجيا، ولكنها أفكار تكتسب صلابة وإيمانا عميقا بسبب اتجاهاتنا وميولنا التي نملكها بالفعل، إنها (المعتقدات) مثلنا ونحن عموما نفضل ما يماثلنا، خصوصا أن المعتقدات تصبح مكونات من هويتنا، وفي ذلك، فإنها تميزنا وتنشئ موقفا من الآخر الذي لا يعتقد مثلنا، فيصبح ليس منا، أو مختلفا عنا، أو عدوا أو مثيرا للاشمئزاز، ثم نطور موقفنا منه (الآخر) أو اعتقادنا عنه بأنه يريد إيذاءنا، ومن ثم يجب إزاحته أو إقصاؤه أو اخفاؤه من الوجود، .. فتبدو عمليات الإقصاء والإبادة كأنها دفاع ضروري عن الذات، أو هي تعكس الخوف الوهمي على وجود الذات ومصيرها.

والحال أنه لا يكاد يوجد فرق كبير وجوهري في الدافع والمحرك بين جرائم الإرهاب أو ذات المحتوى السياسي، وبين الجرائم الأخرى التي تقع على نحو متكرر ويدفع إليها مشاعر عميقة متراكمة من الكراهية والاكتئاب والشعور بالظلم والمهانة والتهميش والعجز، مثل الانتحار، وجرائم القتل التي تخلو من دوافع السطو والسرقة، مثل الانتقام والقتل العائلي، لكن لم يستمع بعد إلى فكرة النظر إلى الإرهاب في سياق الجرائم الناشئة عن التشكلات والحالات الاجتماعية النفسية، سواء في بيئتها الداخلية الفردية (عقل المجرم وجهازه العصبي والنفسي) أو الخارجية في علاقات الأفراد والطبقات والمؤسسات وما قد تنشئه من كراهية وشعور بالظلم وفقدان المعنى والجدوى.

والواقع أنه ليس أمرا أو اكتشافا جديدا محاولة فهم الإرهاب ضمن مجالات واهتمامات علم النفس وطب الأعصاب والبيولوجيا، ولكن أزمة هذا المنظور في أنه يقدم حلولا وأفكارا مزعجة للسلطات والنخب المهيمنة على الفرص والموارد، لأن الحلّ يأتي في الصحة النفسية والتماسك الاجتماعي ومواجهة الهشاشة والضعف الاجتماعي والاقتصادي لدى الأفراد والمجتمعات، وبناء وتكوين المهارات المعرفية والحياتية التي تؤهل المواطنين والمجتمعات؛ نتحدث بطبيعة الحال عن مجتمعات حرّة ومستقلة وقادرة على المشاركة والولاية على شؤونها ومواردها، وأفراد مؤهلين بالمعرفة المنطقية والقدرة على النقد والتحليل؛ ما يعني ببساطة إعادة تنظيم علاقة السلطة والأسواق والمجتمعات والأفراد وفق قواعد من المشاركة والمساواة، وهو ما أدركته وأكدت عليه تقارير التنمية للأمم المتحدة والبنك الدولي وغيرهما من المنظمات الدولية، ومؤكد أن ما ينطبق على التنمية ومواجهة الفقر والجهل والمرض والجريمة يمتد إلى العنف الديني والقومي والكراهية والصراعات الاجتماعية، فالشخص الذي يملك الإرادة والتصميم على القتل والانتقام أو الانتحار مرشح لأن يكون إرهابيا.

وكما تؤكد الأمم المتحدة، وهو ما تؤيده الإحصاءات والمؤشرات أن التكامل الاجتماعي والرضا يصاحب الارتقاء بالتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية ومستوى الدخل، وأن الفقر مصاحب للصراعات والانقسام، وأن الكوارث والأمراض والأوبئة والجرائم أكثر وأعمق حضورا وتأثيرا في بيئة الفقر والاستبداد والفشل، فمن المنطقي أن تكون مواجهة الكراهية والتطرف في بناء التماسك الاجتماعي والاقتصادي ومواجهة الضعف والهشاشة في حالتها العامة، إذ يستحيل أن تعالج الكراهية جراحيا أو أن تستأصل من المجتمع والأفراد مثل حالة معزولة أو مستقلة عن مناعة المجتمعات والأفراد، ولكنها نسيج اجتماعي يستدل عليه بمؤشرات الضغوط النفسية والاكتئاب والعزلة والإدمان والنرجسية والعدوانية والقلق، ويمكن الاستدلال عليه في أسلوب الحياة والسلوك الاجتماعي واليومي في الشوارع والأسواق والأعمال والعلاقات وشبكات التواصل الاجتماعي.

وفي ذلك، فإن الردّ على التطرف والكراهية والحوار مع أصحابهما أو التأثير عليهم لا يندرج في الجدل والتأثير العلمي والعقلي، ولا تفيد هنا المؤسسات الدينية والتعليمية والأكاديمية إلا بقدار ما تساعد الأفراد والمجتمعات على بناء الشخصية السوية والمستقلة والقادرة على تحمل المسؤولية والمشاركة والانتماء، وأما الردود العلمية والفقهية والفكرية على المتطرفين فإنها تفيد المعتدلين ولا تؤثر على المتطرفين، وبالطبع فإنه أمر جيد أن يتعرف غير المتطرفين على أفكار المتطرفين ومصادرهم.

وبالنظر إلى الكراهية حالة ثقافية أو موقف جماعي أو فردي فإن المواجهة لا تكون إلا ثقافية؛ بناء ثقافة جديدة مناهضة للكراهية، ولكن الثقافة عملية وعي معقدة تنشئها المجتمعات أولا، وتخصها أكثر من السلطة السياسية، وتتشكل الثقافة في متوالية معقدة من التفاعلات والاستجابات مع الموارد وإدارتها وتنظيمها والمنظومة الاقتصادية والسياسية المتشكلة حول المكان والموارد، ثم بما يحكمها ويؤثر فيها من تاريخ وقيم وعلاقات، وما يمكن اقتراحه وتنفيذه من سياسات وبرامج ثقافية لا أهمية له في الواقع إلا بمقدار ما يحمله الأفراد وتلتزمه المجتمعات، وهو ما لا يمكن تحقيقه بمجرد تشريعات ومؤسسات وبرامج وتوجيهات واقتراحات، ولن تفيد المؤسسات الإعلامية والثقافية إلا بمقدار ما تؤثر في اتجاهات الأفراد والمجتمعات.

وقد أصبحت الثقافة كما الإرهاب والتطرف متصلة بخيارات واتجاهات عالمية، ولا يكفي أن تكون الدولة والمجتمع على قدر من الحصانة الثقافية من التطرف والكراهية، ولكن لا بد من المشاركة في العالم على نحو صعب ومعقد لأجل التأثير في العالم والتفاعل معه في التلقي والتأثير والانتماء العالمي والتقبل العالمي أيضا ثم بناء اتجاهات عالمية نحو التسامح ومواجهة الكراهية.

ويظل أصعب ما يمكن قوله في مواجهة الكراهية والتطرف هو أن ذلك يعني بالضرورة وجود مجتمعات حرة مستقلة، وهي حالة لا تقف في تأثيرها وحدودها عند نبذ الكراهية والتطرف ولكنها تمتد إلى موقف نقدي وعقلاني من جميع السياسات والتشريعات والمنظومات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، .. وهكذا فلا يمكن بناء الاعتدال بدون بناء فكر حر ونقدي، ومشكلة الحكومات أنها تريد أن تفرض الاعتدال مثلما تتخذ قرارا أو تصدر مرسوما.

إذن تبدأ المواجهة مع الكراهية والتطرف ببناء المجتمعات المستقلة، والتي تنشئ في ولايتها على مواردها وشؤونها وتشكلها حول حياتها ومواردها ثقافة ووعيا يمجد السلام، وبالطبع يجب على السلطات أن توقف حربها على المجتمعات، فالناس اليوم في حياتهم ومدنهم وأعمالهم في عالم العرب يتعرضون لسياسات واتجاهات في الحكم والإدارة والتخطيط تدمر مدنهم وبناهم الاجتماعية، وتشتت فاعليتهم وقدراتهم وفرصهم على التجمع المستقل حول مواردهم ومصالحهم، وتجري هيمنةٌ عابثةٌ على الثقافة والفنون والرياضة والمعابد، تحول بينهم وبين التشكل الاجتماعي والثقافي الملائم، والذي يرقى بحياتهم وسلوكهم ووعيهم، ويجدّد مواردهم ويعظمها. وتتحول المؤسسات التعليمية إلى ورش للتنميط وتفريغ الناس من مواهبهم وقدراتهم على التعلّم والارتقاء. وتتحول الخدمات الصحية إلى عمليات نهبٍ للموارد العامة بلا فائدةٍ تعود على الناس، بل لخدمة جماعاتٍ احتكاريةٍ من المستثمرين وحلفاء وشركاء من القطاع الطبي المهني المفترض أن يكون قطاعاً نبيلاً منذوراً لصحة الناس وحياتهم. وتتحول الرعاية الاجتماعية إلى حفلاتٍ وأنشطةٍ للعلاقات العامة، ونهب للمعونات الدولية والموارد العامة لصالح شلةٍ أنيقةٍ ومتعجرفة.

والأسوأ من ذلك كله أنه يغلب على المجتمعات والمهمشين والمستضعفين عدم الإدراك لمصالحهم، وعزوفهم عن العمل في الاتجاه المفترض أن يؤدي إلى تشكلهم وتنظيمهم حول أولوياتهم، .. وفي ذلك يزداد العمل الإصلاحي صعوبةً، فالحركات السياسية والاجتماعية الإصلاحية لا يُفترض أن تعمل بالنيابة عن المجتمعات، ولا يمكنها أن تقوم بواجباتها ومسؤولياتها، لكن العمل الإصلاحي السياسي والاجتماعي يركّز دائماً، في محتواه وأهدافه، على الارتقاء بالمجتمعات، وبناء قاعدةٍ اجتماعيةٍ واسعةٍ وملائمةٍ للإصلاح. وهكذا، فإن تنظيم المجتمعات وحشدها باتجاه الإصلاح يبدو، اليوم، عملية يائسة، .. وإنه لمن العجب كيف يندفع الناس في بطولةٍ وحماسةٍ إلى المواجهة، بلا خوفٍ من الموت، لكنهم يتقاعسون عن التجمع السلمي والعقلاني لأجل كرامتهم وتحسين حياتهم.

كيف تعمل المجتمعات وتكون مؤثرة في مواجهة التطرف والكراهية؟

لدينا ثلاثة قطاعات رئيسة للعمل والتنظيم والتشكل، يفترض أنها مستقلة ومتكاملة أيضا، وهي حسب الترتيب في الوجود والتشكل: الموارد، وما يتبعها ويتشكل حولها من أسواق وتكنولوجيا وأعمال ومهن، وصارت تسمى "القطاع الخاص". والمجتمعات، بما هي المدن والبلدات والجماعات والبلديات والنقابات والمنظمات والمؤسسات الاجتماعية. والسلطات السياسية والتنفيذية والتشريعية والقضائية، وصارت تسمى "القطاع العام".

هناك وضوح وتمأسس في القطاع العام والقطاع الخاص، لكن المجتمعات تبدو حلقة غائبة. وفي ذلك، فإن المثال أو النموذج المفترض بناؤه والجدل حوله يفقد (إن وجد) قدرته على العمل والتأثير؛ فما من أسواق متماسكة ومزدهرة، وما من برامج وسياسات وتشريعات عامة عادلة وكفؤة من غير مجتمعات مستقلة ومنظمة وقادرة على المشاركة والتأثير.

يفترض أن كل مدينة أو بلدة قادرة، بمواردها ومساهمات أبنائها، على إقامة محطة للطاقة الشمسية، ومحطة لتكرير المياه، وخزانات لجمع المياه، وتعاونية استهلاكية لتوفير السلع الأساسية، يمكن توفير معظمها أو جزء كبير منها من موارد محلية، وبذلك تستطيع كل بلدة أن تخفض بنسبة تقترب من الاكتفاء الذاتي في الطاقة والمياه والسلع الأساسية. ويمكنها أيضا، بمواردها الذاتية، إقامة مركز للرعاية الصحية والاجتماعية، وناد رياضي ثقافي اجتماعي، ومكتبة عامة، وأن تدير منظومة للرعاية الاجتماعية بمشاركة القطاعين العام والخاص. تكاد البلدات في جميع أنحاء العالم تفعل ذلك!

ما الحلقة الغائبة في تشكل المجتمعات وتنظيمها، وقدرتها على الاستقلال والتأثير في السياسة العامة وفي الأسواق، وفي مشاركتهما؟ ثمّة شرطان على الأقل غائبان عن الانتخابات العربية، بما يفترض أنها الأداة المرجعية لتنظيم المجتمعات واختيار القادة الاجتماعيين والسياسيين؛ وهما أن يكون التنافس الانتخابي بين النخب نفسها، وليس صراعاً بين الطبقات الاجتماعية، أو بين النخب والمجتمعات، وأن يكون التنافس الاقتصادي بين الشركات والتجار، وليس صراعاً بين السوق والمستهلكين؛ فالأصل في التنافس أن تتعدّد خيارات المواطنين السياسية والاقتصادية، ويفترض، بطبيعة الحال، أن مصالح المجتمعات والمواطنين والمستهلكين واحدة. ولكن، تتعدّد الخيارات وتختلف التقديرات لتحقيق هذه المصالح، ولا معنى للانتخابات، ولا جدوى لها، من غير وجود هذين الشرطين، بل إنها تتحوّل لتعمل ضد نفسها! ويمكن أن تؤول إلى متواليةٍ من الحالات والتشكلات "الضدية"، مثل أن تتحول الانتخابات إلى صراعاتٍ اجتماعيةٍ طبقيةٍ وعشائريةٍ ودينية، والأسوأ أنها تنشئ ظواهر اجتماعية واقتصادية شاذة، لكنها، على الرغم من شذوذها، تتحوّل إلى قاعدةٍ راسخةٍ، تقوم حولها مصالح وطبقات، .. ما الذي يحدث، عندما يكون الفشل مصلحةً لطبقةٍ من النخب؟ تتحوّل السياسات والتشريعات إلى إفشالٍ مقصودٍ وبوعي مسبق، .. وهكذا يكون الفشل محمياً بتشريعاتٍ وعلاقاتٍ ومنظوماتٍ مستقلةٍ عن الحراك الطبيعي المفترض للمجتمعات والأسواق، ولا يعود الإصلاح عملياتٍ تلقائية في المواجهة مع الفشل أو الجدل حوله، وفي شأنه، بالنظر إلى نقص المعرفة أو المهارات أو العجز عن إدارة الموارد بكفاءة ونزاهة، لكن الإصلاح يتحوّل إلى مواجهة غير متكافئة مع الإفشال، ويتحوّل غالباً إلى متاهةٍ ومحاولاتٍ يائسةٍ لتفكيك التحالفات والتشكلات الفاسدة الخفية والمعلنة، أو التمييز بينها!

كان أسوأ ما وقعت فيه العمليات السياسية والانتخابية، أنها لم تعد تنافساً بين الوعود المقدمة إلى المجتمعات والمصالح والطبقات، لكنها، في حقيقتها، مواجهة بين النخب الاحتكارية والمجتمعات، وصارت تعكس تحالفاً بين النفوذ والشركات في مواجهة الأغلبية الكبرى من المجتمعات والمستهلكين والمواطنين، ووضعت الأفراد والمجتمعات في حالة إذعان وتبعية وفقدان للخيارات والقدرة على التأثير، وعندما حاولت الجماهير والفئات المهمشة والمظلومة كسر هذه اللعبة الاحتكارية، دخلت في دوامةٍ من الفوضى والحروب الأهلية، لتجد أنها بين خياري السعي إلى الكرامة، مصحوبة بالفوضى، أو الاستبداد، مصحوباً بالأمن والاستقرار.

ما الذي يحدث عندما تتعطل ديناميات تشكيل النخب وتدويرها؟ وعندما تعجز التيارات والجماعات عن تقديم أفكارها ومرشحيها على النحو الذي يعكس الإيمان بهذه الافكار؟ تنفصل النخب عن رسالتها وفكرتها وتتكون منها جماعات جديدة غير معروفة؛ بل هي لا تعرف نفسها. يساريون منفصلون عن الماركسية وهمّ العدالة الاجتماعية، يبحثون عن تحالفات وأدوار جديدة، مثل مجاميع العمالة السائبة التي تنتظر على الأرصفة من يشغلها، وليبراليون بلا ليبرالية، يبحثون عن أية فرصة وبأية وسيلة في حمى الخصخصة والمعونات الدولية، ومقاومتيون وقوميون لا يعترفون ولا يريدون أن يروا كل ما حدث منذ الحرب العالمية الأولى، ونخب أوليغارشية تمعن في النهب كما لو أنها تلعب في الوقت الضائع، أو هي جماعات ونخب ليست سوى مصالح جديدة مستقلة عن مصالح المجتمعات والقواعد الاجتماعية والمصالح الاقتصادية المفترض أن تعبر عنها، وتنشئ تحالفات جديدة مختلفة عن التحالفات المنشأة لها، وفي ذلك تتحول إلى كائنات طُفَيْلِيّة تلحق ضرراً بالغاً بالمجتمعات والأسواق ويرتبط مستقبلها واستمرارها بضعف وتهميش المجتمعات وفي عجزها عن الاستقلال وإنشاء حراك اجتماعي اقتصادي حقيقي ينتج قياداته ونخبه المعبرة عنه، وتكون عملياً مصالح هذه النخب المغلقة والمهيمنة هي ضعف المجتمعات وهشاشتها وتدمير المؤسسات التـــعليمية والصحية والتنموية، وتحويل المجتمعات إلى مجاميع تابعة وتائهة. لكن في نهاية المطاف لا يعود مجال في الصراع والتنافس سوى إقصاء النخب و/أو تدمير المؤسسات والأسواق والمدن.