مالك بن أنس وإشكاليّة أخذه بالمصلحة


فئة :  مقالات

مالك بن أنس وإشكاليّة أخذه بالمصلحة

تبدو مسألة أخذ إمام المذهب المالكي مالك بن أنس (ت 179هـ) بالمصلحة مسألة خلافيّة بين العلماء القدامى والمحدثين في الآن نفسه. ففي الفكر الإسلامي المعاصر اعتبر بعض الدارسين أنّ كلمة الأصوليّين "تكاد[1] تجتمع قديماً وحديثاً على أنّ مالكاً هو أهمّ القائلين بالمصالح المرسلة، حتّى نسب إليه بعضهم[2] القول بها على الإطلاق، وإن خالفت عموميات النصّ، بينما ادّعى آخرون[3] أنّ مالكاً يقول بها وحده"[4].

وقد انعكس هذا الخلاف القديم على الباحثين المحدثين فذهب بعضهم إلى تأكيد عمل مالك بالمصلحة في كتابه "الموطّأ" بصفة خاصّة، فمن الأسس البارزة في هذا الكتاب تجنّب الفساد واعتبار مصالح الأمّة. من ذلك أنّه أفرد باباً خاصّاً في القضاء بالمرفق. وبدأه بحديث "لا ضرر ولا ضرار". وقد روي عن أبي داود أنّ الفقه يدور على خمسة أحاديث هذا أحدها"[5]. ويروي مالك عن أبي هريرة قول الرسول: "لا يمنعنّ أحدكم جاره خشبة يغرزها في جداره"[6].

وذهب بعض ممثّلي هذا الاتجاه ردّاً على من جعل مالكاً أحد رافضي المصلحة إلى إثبات عكس هذا الرّأي. فمالك يقول: "لا أقيم الحدّ إلاّ أن يقرّ بذلك آمناً لا يخاف شيئاً"[7]. وصرّح البوطي في هذا السياق أنّ الإمام مالك زعيم الآخذين بالمصالح المرسلة وحامل لوائها[8].

ويحقّ لنا أن نسأل هل هناك اتّفاق بين علماء المالكيّة على أخذ مالك بالمصلحة عامّة وبالمصلحة المرسلة خاصّة؟

ومن أقدم الشهادات المالكيّة على أنّ المصلحة حجّة وأصل من أصول التشريع يعتدّ به وعلى انفراد مالك بأخذه بهذا الأصل دون بقيّة المذاهب ما ذكره الفقيه المالكي الأندلسي أبو بكر بن العربي (ت 543هـ): "إنّ أصول الأحكام خمسة، أربعة متّفق عليها من الأمّة: الكتاب والسنّة والإجماع والنظر والاستنباط والاجتهاد والمصلحة، وهو الأصل الخامس انفرد به مالك دونهم. ولقد وُفّق فيه من بينهم"[9]. ويدافع ابن العربي عن موقف مالك هذا مستنداً إلى أصل الإجماع. يقول في هذا الشّأن "والدليل على صحّة ما صار إليه مالك في انفراده في تعويله عليها واختصاصه بها دون سائر العلماء اتّفاق أرباب الحلّ والعقد على أنّ الجماعة تقتل بالواحد استبقاء للباقين واستصلاحاً لحالهم. وقد قتل عمر جماعة بواحد وقال: لو تمالى عليه أهل صنعاء لقتلهم"[10].

وقد أقرّ ابن رشد (ت. 595هـ) باعتبار المصالح وإن لم يستند إلى أصول منصوص عليها أي إنّه يعتمدها في اجتهاده واستدلاله دون أن يعضدها بنصوص تهبها قوّة ومشروعيّة. وقد تطرّق إلى هذا الرّأي في مناسبات عدّة أثناء خوضه في بعض المسائل الفقهيّة على غرار مسألة نصاب العروض في كتاب الزّكاة ضمن كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، فقد ذكر موقف مالك قائلاً: "وأمّا مالك فشبّه النّوع هاهنا بالعين لئلاّ تسقط الزّكاة رأساً عن المدير، وهذا هو أن يكون شرعاً زائداً أشبه منه بأن يكون شرعاً مستنبطاً من شرع ثابت، ومثل هذا هو الذي يعرفونه بالقياس المرسل، وهو الذي لا يستند إلى أصل منصوص عليه في الشّرع إلاّ ما يعقل من المصلحة الشرعيّة فيه. ومالك يعتبر المصالح، وإن لم يستند إلى أصول منصوص عليها"[11].

والواضح أنّ ابن رشد لا ينظر إلى المصلحة المرسلة باعتبارها أصلاً مستقلاً عن القياس، وإنّما هي في نظره نوع من القياس، سمّاه القياس المرسل أو قياس المصلحة. وقد أشار في عدّة مواضع إلى اندراج مواقف مالك ضمن هذا الصّنف من القياس، وهو صنف يتماهى في نظره مع المصلحة المرسلة. فمن ذلك أنّه أثناء حديثه عن حكم النّكاح يقول: "فأمّا حكم النّكاح فقال قوم: هو مندوب إليه وهو الجمهور، وقال أهل الظاهر: هو واجب. وقالت المتأخّرة من المالكيّة: هو في حق بعض النّاس واجب وفي حقّ بعضهم مندوب إليه وفي حق بعضهم مباح، وذلك عندهم بحسب ما يخاف على نفسه من العنت... فأمّا من قال إنّه حقّ في بعض النّاس واجب، وفي حقّ بعضهم مندوب إليه، وفي حقّ بعضهم مشاع، فهو التفات إلى المصلحة، وهذا النوع من القياس هو الذي يُسمّى المرسل، وهو الذي ليس له أصل معيّن يستند إليه. وقد أنكره كثير من العلماء، والظاهر من مذهب مالك القول به"[12].

واعتبر ابن رشد أنّ موقف مالك المجيز لشهادة الصّبيان بعضهم على بعض في الجراح وفي القتل من نماذج قوله بالمصلحة. يقول: "قال بقول مالك ابن أبي ليلى وقوم من التابعين، وإجازة مالك ذلك هو من باب إجازته قياس المصلحة"[13].

ولئن كان ابن رشد يعقد صلة وطيدة بين القياس والمصلحة المرسلة وبين الاستحسان والمصلحة عندما ذكر "أنّ الاستحسان عند مالك ليس إلا الالتفات إلى المصلحة والعدل"[14]، فإنّه لا يبدي موقفاً قطعياً من اعتماد مالك المصلحة المرسلة. ولو كان له هذا الموقف لما ذكر "أنّ الظاهر من مذهب مالك القول به".

وكان القرافي على خلاف ابن رشد ذا موقف صريح وقطعي في بيان موقف مالك من المصلحة المرسلة فهي عنده حجّة، أي أصل من أصول التشريع. يقول في هذا السّياق: "المصلحة المرسلة والمصالح بالإضافة إلى شهادة الشرع لها بالاعتبار على ثلاثة أقسام: ما شهد الشرع باعتباره، وهو القياس الذي تقدّم، وما شهد الشّرع بعدم اعتباره، نحو المنع من زراعة العنب لئلا يعصر خمراً، وما لم يشهد له باعتبار ولا بإلغاء، وهو المصلحة المرسلة وهي عند مالك ـ رحمه الله ـ حجّة"[15].

وقد سار أغلب فقهاء المذهب المالكي على خطى القرافي في تأكيد عمل مالك بالمصلحة المرسلة من ذلك اعتبار ابن جزي (ت 741 هـ) أنّ المصلحة المرسلة حجّة عند مالك خلافاً لغيره[16].

وصرّح أبو إسحاق الشّاطبي في بعض مؤلّفاته "أنّ الشّارع توسّع في بيان العلل والحكم في تشريع باب العادات: وأكثر ما علّل فيها بالمناسب الذي إذا عرض على العقول تلقّته بالقبول، ففهمنا من ذلك أنّ الشّارع قصد فيها اتّباع المعاني لا الوقوف مع النصوص، بخلاف باب العبادات فإنّ المعلوم فيه خلاف ذلك، وقد توسّع في هذا القسم مالك ـ رحمه الله ـ حتى قال فيه بقاعدة المصالح المرسلة وقال فيه بالاستحسان"[17].

وقد حرص الشاطبي على توضيح أنّ موقف مالك من المصلحة لم يكن يتعارض مع أصول الشرع ومقاصده. يقول: "وقد استرسل مالك فيه استرسال المدل العريق في فهم المعاني المصلحيّة مع مراعاة مقصود الشّارع أن لا يخرج عنه ولا يناقض أصلاً من أصوله"[18].

ولم يشذّ الفقيه المالكي ابن فرحون عن هذا الاتجاه، فقد بيّن "أنّ المصلحة المرسلة قال بها مالك وجمع من العلماء"، [19] وهو الموقف ذاته الذي تبنّاه حلولو (ت 895هـ)، فأثناء حديثه عن أنواع المرسل أي المصلحة المرسلة اعتبر أنّ حدّه هو ما لم يشهد له الشّرع باعتبار ولا إهدار ولكنّه على سنن المصالح وتلقاه العقول بالقبول، وتطرق إلى اختلاف العمل به على مذاهب أحدها ردّه والثاني "اعتباره مطلقاً، وبه قال مالك"[20].

ولمّا كانت نسبة القول بالمصلحة إلى مالك تحتاج إلى حجج تثبت هذا القول حجية المصلحة وقع التعويل على حضور الحديث المثبت للمصلحة في موطأ مالك وهو "لا ضرر ولا ضرار". والملاحظ أنّ الطوفي استهلّ بحثه في المصلحة بإيراد نصّ الحديث الذي اعتمده وبيان مصادره يقول: "عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "لا ضرر ولا ضرار"، حديث حسن رواه ابن ماجة والدارقطني وغيرهما مسنداً، ورواه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرسلاً. فأسقط أبا سعيد وله طرق يقوى بعضها ببعض".[21]

والملاحظ أنّ حديث "لا ضرر ولا ضرار" أورده أعلام الفكر السنّي والفكر الشيعي، ففي المستوى الأوّل رواه مالك في "الموطّأ" في مناسبتين[22] لكن هذه الرواية غير قويّة لأنّها مرسلة.[23]

ولعلّ حماسة أتباع المذهب المالكي للمصالح المرسلة هي التي دفعت بعضهم إلى اعتبار مالك ممّن اعتمدوا عمل الصحابة مستنداً لتشريع المصلحة.[24]

والظاهر أنّ علماء آخرين من المالكية لم يذهبوا مذهب المؤكدين اعتماد مالك المصلحة المرسلة، وهم ينتمون في الغالب إلى تيّار المتكلمين الرافضين للمصلحة المرسلة أو المتحفظين في قبولها. وبرز في هذا الصدد موقف ابن الحاجب المنكر لها، يقول: "وهي التي لا أصل لها والأكثر على امتناع التمسّك بها وقد عزي إلى مالك خلافه وهو بعيد. وقال الإمام: لا دليل يدلّ عليه فوجب تركه".[25] وهذا الشاهد يتّضح منه أنّ ابن الحاجب يكرّر حجة الباقلاني المتمثّلة في أنّ المصلحة المرسلة لا أصل لها في الشرع، ويوافق الآمدي في قوله: إنّ الفقهاء اتفقوا على منع التمسّك بها، ويلجأ من أجل خلق توافق بين موقفه وموقف إمام المذهب المالكي الذي ينتمي إليه إلى رفض ما نسب إليه من قوله بالمصلحة المرسلة. وفي كلّ هذا لا نرى ابن الحاجب إلا مقلّداً للآمدي، لأنّ مصنّفه ليس سوى اختصار لكتابه "الإحكام". ويعتبر القرطبي من الذين ينفون نسبة المصلحة إلى إمام المذهب المالكي. يقول الشوكاني في هذا السياق: "وقد أنكر جماعة من المالكيّة ما نسب إلى مالك من القول بها ومنهم القرطبي، وقال ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى عدم الاعتماد عليها، وهو مذهب مالك".[26]

وفضلاً عن ذلك نجد من يشكّك في ثبوت أخذ مالك بالمصلحة المرسلة. وفي المقابل يعتبره آخذاً بحسن المصالح مطلقاً لا بالمصلحة المرسلة وحدها.[27]

وممّا اعتمده أصحاب هذا المذهب الردّ على التأصيل العقلي للمصلحة لدى مالك، وهو ما نلفيه في دوائر أغلب علماء الشيعة الإماميّة الذين لا يقرّون حجيّة المصالح المرسلة. وفي هذا السياق يردّ الحلّي على مالك قائلاً: "احتجّ الأوّلون بأنّ الحكمة باعثة على رعاية المصلحة، فحيث ثبت أنّ في الشيء مصلحة تعلم تعلّق داعي الحكم به تحصيلاً لتلك المصلحة. والجواب: متى تكون الحكمة باعثة على رعاية المصلحة؟ إذا تحقّق خلوّها من جميع المفاسد أم إذا لم يتحقّق؟ الأوّل مسلّم، والثاني ممنوع، والتقدير تقدير عدم التحقّق. غاية ما في الباب أن يغلب على الظنّ، لكنّ التكليف من فعل الله سبحانه، فيبنى على ما علمه لا على ما ظننّاه. لا يقال المكلّف يبني في كثير من الشرعيّات على الظنّ لأنّنا نقول: حيث دلّ الدليل الشرعي على العمل به لا بمجرّد الظنّ".[28]

بناء على هذا يمكن أن نرجّح أنّ نسبة القول بالمصلحة المرسلة إلى الإمام مالك ليست مؤكدة وقطعية، وأنها من صنع الأجيال اللاحقة طمعاً في شرعنة أصل المصلحة المرسلة، لكنّ هذا الموقف لا يعني أنّ مالكاً لم يسر في اتجاه الأخذ بالمصلحة دون وعي نظري عميق، كما هو الحال بعده بقرون.


[1]- للإشارة إلى ما نقله الآمدي في "الإحكام" من أنّ أصحاب مالك ينفون عنه الاحتجاج بالمصلحة المرسلة.

[2]- انظر البيضاوي، منهاج الوصول 2/375 والجويني، البرهان 2/1113

[3]- كالآمدي في "الإحكام" حيث قال: "... اتفق الفقهاء من الشافعيّة والحنفيّة وغيرهم على امتناع التمسّك به ـ أي المرسل - وهو الحق. إلاّ ما نقل عن مالك أنّه يقول به مع إنكار أصحابه لذلك عنه...". وقال ابن السبكي في "جمع الجوامع": "وقبله مالك مطلقاً"، 2/284

[4]- محمد أحمد بوركاب، المصالح المرسلة وأثرها في مرونة الفقه الإسلامي، ط1، دبي، الإمارات العربيّة المتحدة، دار البحوث للدراسات الإسلاميّة وإحياء التراث، 1423هـ/2002 م، ص 119

[5]- تنوير الحوالك، 3/218

[6]- انظر محمد المختار ولد أباه، مدخل إلى أصول الفقه المالكي، ص ص 132-135

[7]- سحنون، المدوّنة، طبعة السعادة، 6/93. وانظر د. علي محمد جريشة، المصلحة المرسلة: محاولة لبسطها ونظرة فيها.

[8]- محمد سعيد رمضان البوطي، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلاميّة، دمشق، المكتبة الأمويّة، (د.ت.)، ص 367

[9]- ابن العربي، القبس، شرح موطّأ مالك بن أنس، تحقيق محمد عبد الله ولد كريم، ط1، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1992، 2/658

[10]- المصدر نفسه.

[11]- ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، بيروت، دار الفكر العربي، 1998، 1/215

[12]- المصدر نفسه، 2/3

[13]- المصدر نفسه، 2/379-380

[14]- المصدر نفسه، ط10، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1988، 2/185

[15]- القرافي، شرح تنقيح الفصول، ص ص 446-447

[16]- ابن جزي، تقريب الوصول إلى علم الأصول، ص 65

[17]- الشاطبي، الموافقات، 2/591

[18]- الشاطبي، الاعتصام، تحقيق أحمد محمد الشافي، ط2، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1411هـ/1981م، 2/132-133

[19]- ابن فرحون، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، 2/126

[20]- حلولو، شرح شرح تنقيح الفصول، 401-402

[21]- الطوفي، شرح الحديث الثاني والثلاثين ضمن كتاب مصطفى زيد، المصلحة في التشريع الإسلامي ونجم الدين الطوفي، ص 14

[22]- انظر الحديث في "باب القضاء في المرفق" الموطّأ، 2/745، وباب "ما لا يجوز من عتق المكاتب" 2/804-805

[23]- يقول الطوفي: "المرسل ما حذف من إسناده الصحابي عند المحدثين، وأي راو كان عند الأصوليّين" المصدر المذكور ص 14. وانظر هذا الحديث لدى أبي داود، كتاب المراسيل 2/207 الباب 71: في الاضرار.

[24]- راجع محمد المشاط، الجواهر الثمينة في أدلة عالم المدينة، ص 250

[25]- ابن الحاجب، منتهى السول والأمل، ص 156

[26] ـ الشوكاني، إرشاد الفحول ص ص 792-793

27 ـ يقول محمد جعيط: "وهذا الأخير هو المرسل الملائم المسمى بالمصالح المرسلة"، وروي عن مالك والشافعي قبوله. وقال الأبهري: إنه لم يثبت عنهما. وقال ابن السبكي "إنّ الذي صحّ عن مالك اعتبار حسن المصالح مطلقاً"، منهج التحقيق والتوضيح لحلّ غوامض التنقيح، ص ص 209-210

[28]- الحلي، معارج الأصول، ص 222