نحو إعادة استشكال الديمقراطيَّة


فئة :  مقالات

نحو إعادة استشكال الديمقراطيَّة

نحو إعادة استشكال الديمقراطيَّة

في علاقتها بالعدالة

محمد أندلسي

1. مدخل منهجي لمقاربة حقل الفلسفة السياسيَّة المعاصرة

ممَّا لا شك فيه أنَّ حقل الفلسفة السياسيَّة المعاصرة قد عرف منذ تسعينيات القرن الماضي خلخلة وزحزحة لم تمسَّ القضايا والمسائل التي كانت مواضيع للبحث العلمي والسجال الفكري والتساؤل والتحليل الفلسفيين فحسب، بل طالت تلك الخلخلة الكثير من المفاهيم والمقولات والتصوُّرات وآليَّات النظر، فكان نتيجة ذلك ظهور منظورات جديدة، ومعايير مغايرة، لم تكن معروفة ومتداولة من قبل. ولكي ندرك بشكل ملموس وبكيفية دقيقة بعض أهمّ مظاهر الجدَّة التي طالت المناظرة الفلسفيَّة السياسيَّة المعاصرة، نشير إلى أنَّ الاهتمام الفلسفي قد انزاح في الفترة الأخيرة عن مقاربة بعض التيمات التي كانت إلى حدود الأمس القريب تُعتبر تيمات مركزيَّة في الخطاب السياسي الحديث والمعاصر، نظير موضوعة السلطة، والسيادة، وطبيعة القانون، وأسس الحق...إلخ، لقد أصبح الاهتمام منصبَّاً أساساً على قيم: مثل العدالة، والإنصاف، والحريَّة، والمساواة، والجماعة، والجنس؛ وهي قضايا تتمُّ إثارتها واستدعاؤها لتقويم المؤسسات، أو البرامج السياسيَّة، أو النظريات السياسيَّة، أو المشاريع المجتمعيَّة...، ولكي نجلي الصورة أكثر نقول إنَّ المشهد الفكري للفلسفة السياسيَّة هو الآن أشدُّ اختلافاً ممَّا كان عليه قبل عشرين سنة أو أقلّ. فالحجج والأدلة المقدَّمة لتسويغ الطروحات وتبرير الخطابات لا تخلو من أصالة، ليس فحسب على صعيد قدرتها على إنماء تأويلات جديدة غير مسبوقة حول تيمات قديمة (مثل الكيفيَّة التي يؤوّل بها «روبير نوزيك» نظرية الحقوق الطبيعيَّة لدى لوك، أو الكيفيَّة التي يقارب بها «جان راولز الواجب الأمري لدى كانط»)؛ ولكن أيضاً من خلال انبثاق منظورات جديدة (مثل المنظور النسوي، والمنظور الإيكولوجي). أحد نتائج هذه التطوُّرات على مستوى التنظير والمقاربة تمثّل في كون أنَّ المقولات التقليديَّة التي في إطارها كانت تتمُّ مناقشة وتقويم النظريات السياسيَّة صارت أقلَّ تلاؤماً وموافقة.

أخذاً بعين الاعتبار إذن هذه الزحزحة ومتغيراتها، نريد كتمهيد لهذه الدراسة أن نذكِّر ببعض المبادئ التي نعتبرها أساسيَّة من أجل مقاربة تحليليَّة نقديَّة وحذرة للخطاب السياسي المعاصر.

إنَّ أول ما تقتضيه تلك المقاربة هو التحرُّر أوَّلاً وقبل كلِّ شيء من الرؤية التقليديَّة للسياسة، ومن أهمّ مظاهر تلك الرؤية نذكر ما يلي:

1. اعتماد ثنائي «اليمين واليسار» في قراءة المشهد السياسي المعاصر.

إنَّ رؤيتنا التقليديَّة للمشهد السياسي كانت تقوم على توزيع الأفكار السياسيَّة على خطٍّ يمتدُّ من اليسار إلى اليمين. فتبعاً لهذه الصورة التقليديَّة، كان يُنظر إلى الأفراد المتموقعين في جهة اليسار بأنَّهم أولئك الذين يعتقدون في مبدأ المساواة، وبالتالي فهم ينتمون بشكل أو بآخر إلى نمط من أنماط الاشتراكيَّة؛ بينما الأفراد الآخرون المتمترسون في اليمين، ينظر إليهم باعتبارهم يعتقدون في مبدأ الحريَّة، وبحكم ذلك فلهم استعداد وقابليَّة للانتماء إلى أحد أنماط الليبراليَّة الرأسماليَّة. طبعاً توجد عدة درجات تتوسط المواقف التي ذكرتها، والكثير من الأشخاص لا يقبلون سوى بمظهر واحد من المظاهر المختلفة من تلك النظريات. لكن نعتقد في غالب الأحيان بأنَّ أحسن طريقة لفهم أو لوصف الأفكار السياسيَّة لشخص من الأشخاص، تتمثَّل في محاولة موقعتها في موضع ما على امتداد ذلك الخط. هذه الكيفيَّة في التفكير في النظريَّة السياسيَّة ليست كلُّها بمنأى عن الحقيقة؛ لكنَّها أصبحت أقلَّ تلاؤماً وإقناعاً، نظراً لأنَّها قبل كلِّ شيء تتجاهل بعض المسائل الهامَّة، من بينها على سبيل المثال أنَّ اليسار واليمين يتمايزان من خلال تصوُّرهما للحريَّة والعدالة في إطار الدوائر التقليديَّة الذكوريَّة للدولة والاقتصاد، لكن خارج هذا الإطار فإنَّ ذلك التمايز يفقد مصداقيته وأهميته، وخاصة حينما ينظر إليه في إطار الدوائر التقليديَّة الأنثويَّة للمنزل والعائلة؛ فالنظريات السياسيَّة التقليديَّة أكانت من اليسار أم من اليمين، تميل إلى عدم الاكتراث بهذه الميادين، أو إلى الادعاء بأنَّها لا تثير أيَّ مشكل يتعلق بقيمة العدالة أو الحريَّة. وحدها النظريَّة التي تؤمن فعلاً بالمساواة الجنسيَّة بين الذكر والأنثى يمكن لها أن تواجه أسئلة تمَّ إهمالها وتجاهلها في مناظرات اليسار واليمين التقليديَّة.

كما تمَّت مؤاخذة «معيار» اليمين واليسار على طابعه المجرَّد وإهماله للسياق التاريخي، إذ لا يمكن إصدار أحكام على مؤسسات سياسيَّة اعتماداً على معيار مستقل ولا تاريخي؛ فالحكم السياسي يستند إلى تأويل التقاليد والممارسات التي تنبثق منها الحياة السياسيَّة، وهذا التجذُّر التاريخي والثقافي والإثني لم يكن يؤخذ في الحسبان في السجال التقليدي الدائر بين اليسار واليمين. فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد أنَّ النزعة النسويَّة (Le féminisme)، والنزعة الجماعويَّة (Le communautarisme) يتعذَّر فهم طروحاتهما على ضوء مقولتي «اليسار» و«اليمين».

2. المظهر الثاني للمقاربة السياسيَّة التقليديَّة، يتمثّل في الاعتقاد بأنَّ جميع التيارات السياسيَّة تتأسس على قيم نهائيَّة ومبادئ أحاديَّة مستقلة تجعلها في اختلاف مطلق مع التيارات الأخرى، مثل اعتبار أنَّ أساس التيار الاشتراكي هو مبدأ المساواة، وأنَّ أساس الاتجاه الليبرالي هو مبدأ الحريَّة، وأنَّ أساس الاتجاه القومي هو مبدأ الوحدة، وأنَّ أساس الاتجاه البراغماتي هو مبدأ المنفعة...إلخ.

إنَّ هذا المظهر الثاني يبيّن صعوبة اختزال النظريَّة السياسيَّة أو الموقف السياسي في مبدأ واحد، وقيمة حاسمة ونهائيَّة؛ فإذا كنَّا في الرؤية التقليديَّة نعتقد بشكل راسخ بأنَّ المناظرة الأساسيَّة في مجال الفلسفة السياسيَّة هي تلك التي تدور حول سؤال ما إذا كنا نقبل أو لا نقبل بمبدأ المساواة كقيمة عليا، فإنَّه في الرؤية المعاصرة غدت المناظرة الأساسيَّة لا تكمن في معرفة ما إذا كنا نعتقد في فكرة المساواة أم لا نعتقد، وإنَّما تكمن في كيفيَّة فهمنا وتأويلنا لها؛ هذا يفترض أنَّ المنخرطين في المناظرة السياسيَّة يشتركون في الأساس نفسه، ويقبلون بالقيمة نفسها - يتعلَّق الأمر هنا بقيمة المساواة - حتى ولو كان لونهم السياسي مختلفاً يتوزع بين اليسار واليمين، أو غيرهما. وهكذا فافتراض وجود أرضيَّة مشتركة بين المتناظرين السياسيين وعلى رأس تلك الأرضية قيمة المساواة، يبدو- كما سنرى ذلك - هو الافتراض الذي يتلاءم أكثر من غيره مع تنوُّع ووحدة الفلسفة السياسيَّة المعاصرة. إنَّه افتراض ينتهي بإقرار إمكانيَّة عقلنة المناظرة السياسيَّة وبلورة تقويم ناجع للخطابات السياسيَّة يمكِّن من إقامة تفاضل بينها على أساس إيتيقي-عقلاني. غير أنَّ هذا الافتراض سيكون خاطئاً إذا اختزلنا مفهوم المساواة، واعتبرنا أنَّ «نظرية المساواة» (La théorie égalitariste) هي تلك التي تنادي بإعادة توزيع الدخل والثروة بشكل متساوٍ بين الناس. على عكس هذا يكون الافتراض إجرائيَّاً على مستوى الفهم والتقويم، إذا ما تبنينا تصوُّراً أكثر عموميَّة وتجريداً لفكرة المساواة، تصبح بموجبه مبدأ يقتضي وضع الناس على قدم المساواة والتعامل معهم بكيفيَّة متساوية. وبطبيعة الحال فإنَّ هذه الفكرة العامة والمجرَّدة للمساواة التي تشتغل كمبدأ إيتيقي بامتياز، لها تجلّيات مختلفة وتجسيدات متنوِّعة باختلاف المواقف السياسيَّة. هكذا تُعتبر النظريَّة السياسيَّة «مساواتيَّة»، إذا قبلت بفكرة أنَّ مصلحة كلّ عضو من الجماعة لها الوزن نفسه والقيمة نفسها مقارنة مع مصالح باقي الناس. وبتعبير آخر، فإنَّ «النظرية المساواتيَّة» تقتضي من السلطة أو الدولة أن تتعامل مع جميع المواطنين بكيفيَّة متساوية، بحيث من حق كلِّ مواطن أن يحظى بالاحترام نفسه، وبالاهتمام نفسه، وبالاعتبار نفسه. وهذا التصوُّر الإيتيقي للمساواة نعثر عليه لدى ليبرالي مثل «روبر نوزيك» (Robert Nozick)، كما نعثر عليه لدى اشتراكيَّة مثل «نانسي فرايزر». فإذا كان أصحاب «اليسار» يعتقدون بأنَّ المساواة في الدخل أو الثروة هي بمثابة شرط ضروري لاعتبار الأفراد متساوين بالفعل، فإنَّ أصحاب «اليمين» يعتبرون أنَّ الاستمتاع بالملكيَّة الخاصة وبثمار الشغل الشخصي شرط ضروري لتحقيق المساواة بين الأفراد في الحقوق.

هكذا فالأرضيَّة المشتركة للمناظرة السياسيَّة بين الخطابات السياسية المختلفة تمثّلها هنا الفكرة المجرَّدة عن المساواة بما هي قيمة أخلاقية عليا، غير أنَّ تصريف هذه الفكرة على أرض الواقع قابل لتأويلات مختلفة ومتباينة. إنَّ الذي يجعل المناظرة ممكنة بين مختلف النظريات السياسية المتنوّعة والمتباينة (كالبراجماتيَّة، والليبراليَّة، والماركسيَّة، والنزعة النسويَّة...إلخ) يتعلق بطبيعة التصوُّر النوعي الخاص للمساواة الذي يتمُّ الرجوع إليه من قبل هذه النظريَّة أو تلك، أو من قبل هذا التيار أو ذاك، باعتباره شرطاً وأساساً لتحقيق المساواة العامَّة بين الأفراد.

إذن إذا كان صحيحاً أنَّ كلَّ نظريَّة سياسيَّة تنطلق في مناظرتها لخصومها من الأرضيَّة المشتركة ذاتها للمساواة، أي إذا كانت كلُّ نظريَّة تسعى إلى تحديد الشروط السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة التي في ظلّها يصبح كلُّ الأفراد متساوين؛ فإنَّه يصبح من الممكن المفاضلة بين تلك النظريات، والبرهنة على أنَّ إحداها تحقّق ما لم تحقّقه النظريات الأخرى باستيفائها لشروط «المعيار» الذي هو محطّ إجماع من طرفها.

3. المظهر الأساسي الثالث للرؤية التقليديَّة للحقل السياسي يقوم على الفصل بين المصلحة الخاصَّة والمصلحة العامَّة، أو بين الحريَّة والمساواة، أو بين السياسة والأخلاق، بل وافتعال تناقض وتنافر بين القطبين. لا داعي للقول إنَّ هذه الرؤية كانت وما زالت تمثّل أحد العوامل الأساسيَّة التي أدَّت إلى الحطِّ من قيمة الشأن السياسي والعزوف عن المشاركة في العمل السياسي، لأنَّها تنتهي؛ إمَّا إلى تأثيم الرغبة والمصلحة الخاصة وشيطنة رجل السياسة، أو إلى إفساد الشأن السياسي، واستئصال روح المواطنة من الإنسان بتحويله إلى كائن ذي «نزعة كلبيَّة» جشعة يلهث وراء الملذات الدنيا، أو إلى كائن ارتكاسي يمزّقه الوعي الشقي وتحرّكه الضغينة وروح الانتقام من الحياة التي صارت في عينيه «حياة دنيا حقيرة». في مقابل هذه الرؤية التقليديَّة الاختزاليَّة للمجال السياسي، تسعى الفلسفة السياسيَّة المعاصرة لإعادة الاعتبار إلى العقل العملي، وإرساء المناظرة السياسيَّة على أسس إيتيقيَّة، مثل الإنصاف والمساواة والاعتراف والتسامح...، يتعلق الأمر إذن بإعادة استشكال العلاقة التي يجب أن تكون بين الفلسفة السياسيَّة والفلسفة الأخلاقيَّة، بين الديموقراطيَّة والعدالة، بحيث يمكن أن نؤكّد على وجود استمراريَّة أساسيَّة لتلك العلاقة داخل الفلسفة السياسيَّة المعاصرة على الأقلّ عبر مظهرين:

المظهر الأول نستشفُّه من خلال قولة «روبر نوزيك» التالية: «إنَّ الفلسفة الأخلاقيَّة تشكّل الخلفيَّة النظريَّة للفلسفة السياسيَّة وتضع حدودها، بحيث تحدِّد ما يجب وما لا يجب أن تكون عليه العلاقة بين الأفراد، وهذا كفيل بأن يضع حدوداً لما يمكن أن يفعلوه بجهاز الدولة ومؤسساتها. فالمحظورات الأخلاقيَّة التي يجب احترامها ومراعاتها ستشكّل مصدراً لمشروعيَّة قوَّة الدولة الزاجرة بكلِّ أشكالها». هذا يعني أنَّ الفلسفة السياسيَّة المعاصرة تهتمُّ بالإكراهات التي تبرّر اللجوء إلى المؤسسات العموميَّة، وإن كانت مختلف النظريات تميّز بين المسؤوليات العموميَّة والمسؤوليات الخصوصيَّة بكيفيات مختلفة، لكنَّ مضامين هذه المسؤوليات والحدود التي تفصل بينها يتمُّ تحديدها انطلاقاً من مبادئ أخلاقيَّة عميقة وعامَّة.

المظهر الثاني لتلك الاستمراريَّة مرتبط بالمظهر الأول، حيث يقتضي من كلِّ تصوُّر للمسؤوليَّة العموميَّة أن ينكتب في إطار تصوُّر أخلاقي موسَّع لكي يترك المجال ويمنح المعنى للمسؤوليَّة الخصوصيَّة. فبالرغم من أنَّ كلَّ نظرية سياسيَّة تقيم تمييزاً دقيقاً بين هذين النوعين من المسؤوليَّة بحيث تحرص على ألَّا يكون لمبادئها السياسيًّة التي تتبناها أيُّ تأثير مباشر على قواعد السلوك الشخصي، إلَّا أنَّها مع ذلك لا يمكن ألا تكترث بالمسؤوليَّة الشخصيَّة التي تدفع الفرد مثلاً إلى تقديم يد المساعدة للآخرين، أو التضامن مع صديق، أو الوفاء بوعد قطعه على نفسه. إنَّ تصوُّر كلِّ فرد لإكراهاته الشخصيَّة يجب كما يقول «جان راولز»، أن يأخذ بعين الاعتبار «القيم العليا التي تتأسس عليها المؤسسات السياسيَّة»، مثل قيم الديمقراطيَّة، والمساواة، والتسامح.

أمَّا فيما يتعلق بمعيار النجاح في هذه المهمَّة السياسيَّة أو تلك، كأن تكون تلك المهمَّة مسألة تتعلق بالعدالة، فالدليل على نجاحها يتوقف إلى حدّ ما على مدى تلاحم تلك النظريَّة في العدالة ومدى انسجامها مع القناعات الأخلاقيَّة الراسخة ودرجة مساهمتها في إضاءتها. فإذا كان المبدأ الأخلاقي العام يعتبر، على سبيل المثال، أنَّ العبوديَّة مسألة يجب شجبها؛ لأنَّها تعبير عن الظلم وتكريس للَّاعدل، فيجب أن يدفعنا هذا إلى اعتبار أنَّ كلَّ نظريَّة في العدالة تدافع عن العبوديَّة، كيف ما كان شكلها، تُعتبر نظريَّة غير مشروعة ويجب الاعتراض عليها.

الخلاصة إذن، أنَّ الفلسفة السياسيَّة المعاصرة صارت تنتمي إلى مجال الحجاج الأخلاقي الذي يتأسَّس باللجوء إلى القناعات الراسخة. فكلٌّ منا له معتقدات ومبررات أخلاقيَّة يمكن تنظيمها وبلورتها في صورة مبادئ أخلاقيَّة ونظريات في العدالة. وأحد الأهداف المركزيَّة للفلسفة السياسيَّة الراهنة يكمن في تقويم مختلف النظريات السياسيَّة المتنافسة حول قضايا العدالة أو الحق أو الحريَّة أو المساواة وغيرها، وذلك بغية قياس مدى قوة وتلاحم الحجج التي تعتمدها من أجل تسويغ طروحاتها والدفاع عنها.

2. نحو إعادة استشكال الديمقراطيَّة في علاقتها بالعدالة

يريد هذا المقال تسويغ الافتراض التالي: إذا كانت الديموقراطيَّة أعدل نظام سياسي عرفه تاريخ الإنسان، فإنَّها رغم ذلك ليست نظاماً عادلاً، أو إن شئت قلت، إنَّها لا تتماهى مع العدالة، على الخصوص في بعدها الاجتماعي- الاقتصادي من حيث هي إنصاف - أيّ توزيع عادل للثروة- ممَّا يجعل العلاقة بينهما متوترة، من حيث هي مظهر أساسي للعلاقة الإشكاليَّة بين السياسة والأخلاق، وهي في نظري إشكاليَّة متزامنة مع انبثاق الحقل السياسي في العصر الحديث وظهور الإشكال السياسي.

إنَّ تدبير شؤون الإنسان داخل المجتمع بشكل آمن ومنظَّم هو إشكال عويص؛ لأنَّه يقتضي إيجاد صيغة توافقية تمكِّن من إشباع رغبات الإنسان المختلفة والمتنوّعة والمتنافرة، هذا هو الإشكال السياسي، وهو أعوص إشكاليَّات الإنسان على الإطلاق: كيف يمكن إذن إيجاد شكل من التدبير يستطيع أن يحقق التوافق والتعايش ولو في حدودهما الدنيا بين مختلف أفراد المجتمع الواحد وبين هذا المجتمع والمجتمعات الأخرى؟

من المعروف تاريخياً أنَّ مختلف الصيغ التي جُرّبت لتدبير حياة الناس بشكل مشترك داخل المجتمع كانت مصدراً لصراعات ونزاعات تنتهي غالباً بثورات وحروب تصل أحياناً إلى الإبادة الجماعيَّة، ممَّا يعني أنَّ الحقل السياسي بطبيعته هو رهان لصراعات سياسيَّة، لهذا فهو يتَّسم بطابع إشكالي مازال يشكّل تحدِّياً حقيقياً للوجود الإنساني، ويضع على المحكّ إنسانيَّة الإنسان.

حينما نتحدث عن المجال السياسي- بما هو مجال لتدبير شؤون الإنسان وتنظيم حياته، والسعي لإشباع حاجاته ورغباته - يجب ألَّا نخلط بين مستويين أو مفهومين: هما السياسة والسياسي، لأنَّ جوهر الإشكال السياسي في عمقه يرتبط بهذا اللبس والخلط والتداخل بين المفهومين، أي بين السياسة والأخلاق، أو بين الرغبة والفضيلة، أو بين المصلحة الخاصَّة والمصلحة العامَّة، أو بتعبير«هيجل» بين المجتمع المدني والدولة.

إنَّ التصوُّر السائد للمجال السياسي، هو ذلك التصوُّر الذي ينظر إلى السياسة بما هي مجال لصراع المصالح الخاصَّة. وهذا التصوُّر ملتبس بل ومخاتل؛ لأنَّه يقوم على الخلط بين «السياسة» (La politique) و«السياسي» (Le politique)، ومثل هذا الخلط تكون له مضاعفات سلبيَّة على مستوى الممارسة السياسيَّة بما هي تخليق للحياة السياسيَّة، أي بما هي تدبير منصف للشأن الإنساني وتربية على العيش المشترك.

إنَّ «السياسي» هو الفضاء الذي تمارس فيه السلطة ويتمُّ إدارتها وتدبيرها دون أن يتمَّ امتلاكها، فضاء توضع فيه السلطة بين الجميع ووسطهم. هذا المفهوم للسياسي يتأسس على إدراك عميق مفاده أنَّ الحياة الإنسانيَّة هي حياة جماعيَّة، وأنَّ هذه الحياة تتمُّ داخل «المدينة» أي «البوليس» بالمصطلح الإغريقي. وهي فضاء تُدبَّر فيه شؤون المدينة بمساهمة الجميع وفي استقلال عن أيَّة سلطة خارجيَّة أو مفارقة. قد يختلف هذا التدبير من مجتمع إلى آخر لكنَّ المبنى واحد، وهو أنَّ شؤون الإنسان/المواطن في «المدينة» بيد الإنسان ويشارك فيها الجميع. وهو الذي يعني أنَّ «الشأن السياسي» يمكن أن يكون موضع تفكير عقلاني- تداولي وتعاقدي، لأنَّه يخضع لقوانين وضعيَّة يمكن مناقشتها والجدل حولها بل وتغييرها أو استبدالها بأخرى. لا يعني هذا أنَّ المجتمعات التي عرفت «السياسي» لم تعرف «السياسة»، بيد أنَّ «السياسة» ليست هي «السياسي».

فـ«السياسة» تفترض أولاً وقبل كلِّ شيء وجود الدولة، أي وجود سلطة لها منطقها الخاص بحيث يمكن لمن يمتلك أجهزتها أن يعمل على تسويد مصالحه، وتوسيع نفوذه، وبسط سلطته. بهذا المعنى تغدو «السياسة» «صناعة» تمارسها أحزاب، وتتكفَّل بها تنظيمات سياسيَّة تسهر على سير الأمور، وحماية حقوق أفرادها وفئاتها. فإذا كان «السياسي» نسيج الحياة البشريَّة ولحمة المجتمع وسداه، فإنَّ «السياسة» هي منطق الدولة، وهي منظمات وأحزاب وتيارات، ولعلَّها أيضاً وأساساً حنكة ومهارة ودهاء وتضليل ومكر؛ لهذا قد يتخلى عنها البعض ويهجرها لكنَّه مع ذلك لا يستطيع أن يتخلى عن «السياسي»، لأنَّه ربَّما هو بمثابة قدر للإنسان من حيث هو بالتعريف «حيوان سياسي»، كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف اليوناني «أرسطو».

«السياسي» إذن يترجم البعد الإيتيقي والأخلاقي في الممارسة السياسيَّة، أمَّا «السياسة» فهي تكشف عن الوجه المتعلق بطبيعة «إرادة القوَّة»، والرغبات التي تهدف إلى إشباع ذاتها عبر الاستيلاء على السلطة واستعمال أجهزتها ومؤسساتها وآلياتها الرمزيَّة.

ولا شكَّ أنَّ هذا التمييز بين المستويين ضروري؛ لأنَّه انطلاقاً منه نستطيع أن نقيم تمايزاً وتفاضلاً بين المجتمعات ومستويات نضجها وتطوُّرها. وليست الديمقراطيَّة سوى أرقى أشكال التنظيم السياسي الذي ابتكره عقل الإنسان وتجربته، وما ذلك إلا لكونها محاولة مستمرَّة ودائمة لإخضاع «السياسة» «للسياسي»، أي محاولة لتأسيس الممارسة السياسيَّة على أساس أخلاقي، وجعل الإيتيقا قاعدة مبدئيَّة لتدبير الشأن الإنساني بشكل أكثر تلاحماً وانسجاماً. يقول «روبير نوزيك» في هذا الصدد: «إنَّ الفلسفة الأخلاقيَّة تُشكِّل الإطار الخلفي للفلسفة السياسيَّة وتسطّر حدودها، إذ إنَّ تحديد الأفراد لما يحقُّ أو لا يحقُّ لهم أن يفعلوه تجاه بعضهم البعض، هو الذي يحدّد ما يحقُّ لهم أن يفعلوه عند تسلّمهم لجهاز الدولة. فالمحظورات الأخلاقيَّة التي يجب مراعاتها، تُعتبر مصدراً لكلِّ أشكال المشروعيَّة لقوَّة الدولة الزجريَّة».هذا على الرغم من المشاكل والقضايا الجديدة التي صاحبت نشأة الديمقراطيَّة، والتي كثيراً ما تُهدِّد مصداقيتها وتضع موضع تساؤل أساسها الإيتيقي وبعدها المعياري.

2.1. فيما وراء الديمقراطيَّة كمثل أعلى

ما من تفكير اليوم في الديمقراطيَّة بطريقة فلسفيَّة إلا ويقتضي التفكير فيها انطلاقاً من طبيعة التمفصل الذي يوجد بين المفهوم والواقع، بين «مفهوم» الديمقراطيَّة وبين «التجربة» الديمقراطيَّة. وهذا يعني أنَّ أيَّ حديث عن الديمقراطيَّة يتطلّب أن ننظر إليها «فيما وراء الخير والشر»، أي فيما وراء الديمقراطيَّة كمثل أعلى، ومثل هذا النظر يصبح ممكناً شريطة أن نعيد «توجيه الفكر» من جديد، نحو «قبلة» الفلسفة الإغريقيَّة القديمة، ونحو فضاء التجربة الديمقراطيَّة في اليونان. فالإغريق يشكّلون بداية تأسيسيَّة للفلسفة وللتجربة الديمقراطيَّة في الوقت ذاته. ولا شَّك أنَّ هذا التعالق التزامني- المكاني بين نشأة الفلسفة ونشأة الديمقراطيَّة له ما يبرره سواء على صعيد الفلسفة أو على صعيد الديمقراطيَّة. العلامة الأولى لذلك التعالق تتمثّل في أنَّ «المواطن» يشكّل أحد المواضيع الأساسيَّة في الفلسفة، وذلك لأنَّ أحد شروط ظهور الفلسفة هو ظهور «المواطن»؛ أي ظهور الفرد الواعي بذاته ككائن عاقل ومستقل وحرّ. «إنَّ اليونان هي بمثابة الفضاء الحضاري-التاريخي الذي هو «موطن» الإقامة بالنسبة إلى الفلسفة والديمقراطيَّة، وهو بحكم ذلك يمثّل مصدرنا الأصلي الكوني». ومع ذلك فإنَّ تسليط الضوء على فضاء نشأتهما التاريخيَّة المتجسِّد في المدينة اليونانيَّة، وأثينا بصفة خاصة، لا يخلو من طابع إشكالي. فمن المعروف أنَّ انبثاق «الفلسفة» و«المدينة الديمقراطيَّة» - بما هو يجسّد جماعة الناس المتساوين والأحرار(أي جماعة من المواطنين) - قد جاء بعد الخلخلة الكبيرة التي تعرَّضت لها التقاليد والأساطير والسلط الدينيَّة والسياسيَّة وأشكال الحياة التقليديَّة المرتبطة بها. لكنَّ هذه النشأة المتزامنة ألقت أيضاً بظلالها على العلاقة بين «الفلسفة» و«المدينة». وقد جسَّد سقراط كلَّ الصراع الدائر بينهما، وهو يختزل أيضاً التناقض غير القابل للتصعيد بين الفلسفة والديمقراطيَّة، أو بين الأخلاق والسياسة.

حينما نعود إلى هذا الفضاء - الذي يُشكّل في نظري البذرة الأولى ليس فحسب للفلسفة والفكر الغربي على نحو ما ذهب إلى ذلك هايدغر وقبله أستاذه هوسرل ومعهم كلُّ من وقعوا في أسر التماهي مع الذات ومع النزعة المركزيَّة الغربيَّة، وإنَّما أيضاً بالنسبة إلى الفكر الفلسفي الإنساني الكوني - ونسائل فلاسفة اليونان عن الكيفيَّة التي تصوَّروا بها الديمقراطية كمفهوم والديمقراطيَّة كتجربة وكواقع، سنجد أنَّهم قد أدركوها كشأن إشكالي غير منسجم، بل ومنقسم على نفسه، وعلى أنَّ هذا الطابع الإشكالي ملازم لمفهوم الديمقراطيَّة وللتجربة الديمقراطيَّة في الوقت نفسه.

هذا الوعي الفلسفي النقدي المبكِّر بالطبيعة الملتبسة والمتناقضة لكلٍّ من مفهوم الديمقراطيَّة وواقع الديمقراطيَّة، هو ما تشهد عليه فلسفة كلٍّ من أفلاطون وأرسطو. ففي الكتاب الثامن من مؤلف «الجمهوريَّة» يتحدث أفلاطون عن الديمقراطيَّة - من حيث هي واقع وتجربة معيشيَّة أكثر ممَّا هي نموذج نظام سياسي- باعتبارها «خليطاً من الدساتير» تفتقر إلى الانسجام والوحدة. إنَّها في نظره أشبه بسوق «للأثاث الرديء»(الخردة)، ممَّا يجعلها تتعارض بشكل كلّي مع مقوّمات «المفهوم» (Le concept) وخصائص «الفكرة» (L’idée) لديه، والتي من أهمّ مقوّماتها: الوحدة والكلّيَّة. إنَّ التباس التجربة الديمقراطيَّة والانقسام الذي يطبع واقع الديمقراطيَّة يتعارضان بشكل جذري مع وحدة «المفهوم»، وكلّيَّة «الفكرة» وانسجامها. فواقع الديمقراطيَّة عند أفلاطون ـ مقارنة مع الفكرة- يعني التناقض غير القابل للتدليل والتجاوز الموجود بين الهجانة والانسجام، أو بين الانقسام والوحدة، أو بين التعدُّد والكلّيَّة. وهذا ما تجليه الصورة القدحيَّة -التي يقدّمها الكتاب الثامن من «الجمهوريَّة»- عن الكائن الديمقراطي. إنَّه ذلك الكائن الذي يغيّر آراءه وحياته كما يغيّر لباسه، فاليوم يشتغل في الماليَّة وغداً في البحريَّة، اليوم مزاجه جيّد وغداً يصبح سيّئاً، إنَّه كائن متردِّد، ذو نزعة نسبيَّة؛ وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ النظام الذي يسعى إلى ضمان حقوق مثل هذا الكائن سينحدر لا محالة إلى «نظام أوليغارشي». إنَّ هذه المفارقات التي تطبع واقع الديمقراطيَّة، تجد ما يماثلها حينما تتمُّ مقاربة الديمقراطيَّة كلفظ أو كمفهوم من جهة أخرى. هذا ما يجليه المعنى الاشتقاقي الأوَّلي الذي يوجد في أصل لفظ الديمقراطيَّة من حيث هي «حكم العموم» أو «حكم الشعب للشعب». فتحديد هذا اللفظ يشي بالالتباس والخلط نفسه الذي وجدناه ملازماً للديمقراطيَّة كتجربة وكواقع. فمن هو يا ترى «الشعب»؟ ألا يعني تارة «الأمَّة»، وطوراً آخر «الجماعة»؟ بلى، فمن جهة يتمُّ إقامة تماهٍ مطلق ما بين «الشعب» وكلِّ «الأمَّة»، ومن جهة أخرى يتمُّ تماهيه مع جزء من الأمَّة أي مع «جماعة» نكرة لا خصائص لها، حيث يتمُّ الحديث عن «الدَّهماء»، أو «الجمهور»، أو «السكان غير المميزين»، أو «عامَّة الناس». هذا هو مصدر الطابع الدلالي الملتبس للفظ «الشعب»، ومن هنا أيضاً المشروعيَّة التي يكتسيها هذا الإلحاح الفلسفي لمعاودة طرح السؤال نفسه: هل مفهوم «الشعب» يمثّل «كلَّ» أعضاء المجتمع، أم إنَّه لا يمثّل سوى «جزء» من جماعة تفتقر إلى أيِّ خاصية مميّزة؟

هذا اللبس والتناقض الذي يكتنف «الديمقراطيَّة» سواء نظر إليها كمفهوم، أو كتجربة- والذي يبيّنه تحليل «أفلاطون»- نعثر عليه أيضاً حاضراً لدى «أرسطو»، وخاصَّة في كتابه «السياسي»، حيث يتحدث «أرسطو» عن أصلين أو مصدرين للتجربة السياسيَّة. ففي كتابه الأوَّل يحدّد «الجماعة السياسيَّة»، باعتبارها تلك التي تمَّ تكوينها على أساس «القسمة العقليَّة»، فالناس يعيشون داخل «الجماعة»، أو يشكّلون «جماعة»، لأنَّهم يقتسمون «اللوغوس» أو «العقل» - بما هو معيار أو مبدأ حكم- أي يقتسمون «القدرة على المناظرة العقليَّة مع الشركاء والنظراء حول العادل وغير العادل، حول الخير والشر؛ بينما نجد أنَّ الكائنات «الحيوانيَّة» تفتقر إلى هذا «اللوغوس» لأنَّها خاضعة للغريزة، أي لمبدأ يختزل كلَّ شيء إلى اللذة أو الألم. وحده «الكائن الإنساني» قادر على أن يقتسم مع الآخرين «كلاماً» أو «خطاباً متمفصلاً على نحو عقلاني».

لكن نجد أيضاً لدى «أرسطو» تساؤلاً من نمط آخر حول أصل السياسة، فمن هو الجدير بالعقل والعقلانيَّة، من هو العاقل والعقلاني؟ هل هو كلُّ «الشعب»، أي جميع أفراد المجتمع، أم مجرَّد جزء منه؛ أي «جماعة خاصَّة»؟

في الحقيقة، فإنَّ البعد الدلالي لهذا السؤال الأرسطي الذي لا يخلو من عمق فلسفي، ينجلي بوضوح حينما يتمُّ إدراجه في إطار فضاء التجربة الديمقراطيَّة اليونانيَّة، خاصَّة حينما تتمُّ مواجهة «الصورة المثاليَّة» أو «الدلالة اليوطوبيَّة» التي نكوّنها عن «المسألة الديمقراطيَّة»، مع الواقع الفعلي- التاريخي للديمقراطيَّة الإغريقيَّة خلال القرن الخامس قبل الميلاد. فتبعاً لتحليل «أرسطو» فإنَّ الواقع التاريخي للتجربة السياسيَّة اليونانيَّة يبيّن بشكل جلي أنَّ «الجميع» أو «كلّ الشعب»، ليس مؤهَّلاً للمناظرة العقلانيَّة، وإنَّما «البعض» منه فحسب؛ فـ«النساء» و«الغرباء» و«العبيد» ليسوا مؤهَّلين للمشاركة في المناظرة التي تقوم عليها التجربة الديمقراطيَّة في أثينا.

هذا ما لاحظه «جاك دريدا» في سياق مجتمع آخر وتجربة تاريخية مغايرة، حيث حاول أن يبلور تلك الملاحظة عبر مفهوم «الحصانة الذاتيَّة»، بما هي تجلٍّ واضح للتناقض أو بالأحرى للمفارقة الملازمة للديمقراطيَّة. والمثال الذي يُقدّمه «دريدا» هو مثال «التجربة الديمقراطيَّة في الجزائر»، أي تجربة التناوب على السلطة. لقد طرحت هذه التجربة على المحك «مدى ديمقراطيَّة» النظام الديمقراطي، وذلك حينما صار ما كان يُعدُّ على مستوى الاحتمال السياسي الشيء الأكثر استبعاداً حقيقة ملموسة على الأرض، أعني احتمال أن يصل إلى السلطة حزب ديني- سياسي يحمل قيماً مناهضة للديمقراطيَّة؛ فما الذي يمكن توقّع حدوثه في هذه الحالة؟ جواب «دريدا» واضح وضوح الواقع الجزائري: لقد تمَّ إلغاء الانتخابات، أي تمَّ تعطيل الديمقراطيَّة وإعلان حالة الطوارئ.

لو حاولنا أن نتساءل ونفكّر بمعيَّة «جاك دريدا» في الدلالة الفلسفيَّة العميقة التي تكتسيها هذه التجربة التاريخيَّة التي لا شكَّ أنَّها ليست وحيدة، سنتوصَّل لا محالة إلى النتيجة التالية: لتحصين النظام الديمقراطي ضدَّ خصوم الديمقراطيَّة والمناوئين لها، يجب العمل على تعطيل الديمقراطيَّة عن طريق شلِّ لعبتها أو آليتها الانتخابيَّة. فإلغاء نتائج الاقتراع معناه إلغاء اللعبة الديمقراطيَّة. فكأنَّ تأمين الديمقراطيَّة وحماية نظامها يقتضي باستمرار العمل على تحصينها ضدَّ نفسها، حتى لو اقتضى ذلك العمل على تعطيل آليَّات اشتغالها.

هكذا نستنتج أنَّه لا يمكن إعطاء تعريف متلاحم للديمقراطيَّة بدون أن يكون هذا التعريف مخترقاً من جديد بسؤال: من هو الجدير بالديمقراطيَّة ومن هو غير الجدير بها؟ من يستحق المشاركة في الديمقراطيَّة ومن لا يستحق المشاركة فيها؟

إذن كلُّ تعريف للديمقراطيَّة ينطوي على شيء يلغيها، بمعنى يستلزم أن تصبح الديمقراطيَّة قوَّة للحصر أو للتحصين أو للإقصاء. فهل يعني هذا أنَّ «الديمقراطيَّة»- كمثل أعلى- مستحيلة؟ ثمَّ هل يعني هذا أنَّ أيَّ تعريف لها يؤدّي إلى نفيها وإلغائها؟

هذا ما حاول «أرسطو» أن يبلوره في سياق حديثه عن التناقض الملازم «للُّعبة السياسيَّة» -بما هو تناقض بين المبدأ الديمقراطي والمبدأ الأرستقراطي- حينما ميَّز بين «المساواة الحسابيَّة» و«المساواة الهندسيَّة»؛ فإذا كانت «المساواة الحسابيَّة» هي عبارة عن «مساواة كمّيَّة»؛ أي مساواة عدد مع عدد آخر، وتوزيع الأعداد بشكل متساوٍ على الجميع؛ فإنَّ «المساواة الهندسيَّة» هي أيضاً توزيع «متساوٍ» لكن على نحو «كيفي» وليس كمّيَّاً، إنَّه توزيع يتمُّ بكيفيَّة تجعله يتناسب ويتوافق مع طبيعة ووظيفة وحاجات كلِّ فرد، وهذا هو مفهوم «العدالة»، والتوزيع العادل ليس فحسب لدى «أرسطو» وإنَّما أيضاً لدى «أفلاطون» وفي كلِّ «الكوسمولوجيا اليونانيَّة» بصفة عامَّة. إذن هذا «النمط من الإنصاف» مخترق بسؤال: من هو أهل للديمقراطيَّة ومن هو ليس كذلك؟ إذن «التوزيع» (أي العدالة) الذي تقتضيه «المساواة الهندسيَّة» توزيع مخترق من قبل «مبدأ أرستقراطي»، على عكس التوزيع المعتمد من قبل «المساواة الحسابيَّة» فهو خاضع «للمبدأ الديمقراطي»، ممَّا يعني أنَّ التناقض بين «العدالة الحسابيَّة» و«العدالة الهندسيَّة» هو تناقض مباشر ما بين «مبدأ الديمقراطيَّة» و«مبدأ الأرستقراطيَّة».

الخلاصة إذن، هي أنَّ «التجربة الديمقراطيَّة» هي تجربة نظام غير متطابق مع نفسه، أو تجربة «جماعة» غير متماهية مع نفسها. فالديمقراطيَّة إذن هي «تجربة عدم التلاؤم والتوافق» الذي يطال معاً كلَّاً من المفهوم والتجربة، كما يطال من جهة أخرى العلاقة ما بين المفهوم والتجربة، أو ما بين المثال والواقع، أو ما بين المساواة والحريَّة...إلخ.

النتيجة إذن هي أنَّ «تجربة الديمقراطيَّة» هي تجرية «القلق» و«التوجُّس» الذي يكون مصدرهما ليس «الآخر الغريب» -الذي كان محطَّ إقصاء جماعي-، وإنَّما «الآخر المحايث» للجماعة وللتجربة الجارية، يكفي أن نستحضر التجربة التراجيديَّة لسقراط داخل الديمقراطيَّة الأثينية لكي يتبيَّن لنا مدى صحَّة هذا الاستنتاج.

انطلاقاً من تحليلات «أفلاطون» و«أرسطو» نلاحظ أنَّ الممارسة الديمقراطيَّة تتحدَّد بما هي «اللاتوافق» مع الذات، إنَّها ابتعاد مستمر عنها. من هنا النظرة التوجُّسيَّة تجاه الديمقراطيَّة، من حيث هي مصدر لخطر فعلي. بل يمكن اعتبار أنَّ تاريخ «تقليد الفلسفة السياسيَّة» في الغرب ما هو إلا تاريخ السعي المتواصل والمستمر لتصعيد هذه المفارقة وهذا اللاتوافق الملازم لمفهوم الديمقراطيَّة، محاولاً بذلك مصالحتها مع ذاتها عبر استرجاع ماهيَّتها الإيتيقيَّة؛ أي عبر ربط السياسة بالسياسي. لقد كان هذا هو الرهان الأكبر للحداثة الغربيَّة بصفة عامَّة ولعصر الأنوار والتنوير بصفة خاصَّة، لكنَّه سرعان ما اصطدم بالتيار الجارف والمسرف للثورة الفرنسيَّة التي كانت من بين نتائجها الإيجابيَّة إعادة مساءلة مبدأ الديمقراطيَّة بما هو «مثل أعلى». سيستمر هذا المسعى أزيد من خمسة وعشرين قرناً، لكي يستطيع الفكر الفلسفي السياسي المعاصر أن يغيّر نظرته للديمقراطيَّة حيث سيكفُّ عن مقاومة «تناقض» الديمقراطيَّة و«عدم توافقها» مع «ماهيتها» لكي يعترف بالطابع «الهش» و«المتناقض» و«المفارق» للتجربة الديمقراطيَّة، أي لكي يعترف «بالتمزُّق» و«بالتوتُّر» الذي تقتضيه، من حيث هو يشكّل «قدر» الديمقراطيَّة، وعلى أنَّ هذا «القدر» يضعها «فيما وراء» الخير والشر. وفي الحقيقة فإنَّ الاستشكال الجذري لمفهوم الديمقراطيَّة قد تزامن مع نشأتها الثانية في العصر الحديث مع مؤسِّس المشروع الديمقراطي وصاحب نظرية «العقد الاجتماعي». لقد أكّد «جون جاك روسو» في الفصل السابع من كتابه الثاني أنَّ فكرة الديمقراطيَّة غير قابلة للتحقيق لأنَّها مضادة للطبيعة الإنسانيَّة. فشروط الديمقراطيَّة الحقَّة لا تجتمع كلّها على أرض الواقع، إذ هي في حاجة إلى دولة صغيرة يعرف أفرادها بعضهم بعضاً، ويجب على الشعب أن يمتلك من العبقريَّة مقدار ما تقتضيه الاستماتة من أجل المصلحة العامَّة، وبصفة خاصَّة يجب القضاء على البذخ. واضح أنَّ مثل هذه الشروط مستحيلة التحقيق، ومن ضمنها وعلى رأسها نجد الطبيعة الأنانَّية للإنسان، في حين تقتضي الديمقراطيَّة حسب «روسو» أن يتحوَّل الفرد إلى «ملاك» يضحّي بذاته ومصالحه وكبريائه.

هذا الطابع الهشُّ للديمقراطيَّة هو ما يمكن إجلاؤه أيضاً من خلال الوقوف على تصوُّرين معاصرين للديمقراطيَّة؛ تصوُّر «كلود لوفور» الذي يرى في مؤلفاته حول الديمقراطيَّة والمسألة السياسيَّة أنَّ الديمقراطيَّة تقوم على القسمة، وتعني استحالة تحقيق التوافق والاندماج بين مختلف مكوّنات المجتمع الواحد. كما تعني الديمقراطيَّة الإقرار بأنَّ فضاء السلطة «فضاء فارغ» غير قابل للتملك، وأنَّ الذين يمارسونها هم مجرَّد «كائنات فانية» يمارسونها بشكل مؤقت، بل حتى قوانين الديمقراطيَّة غير قابلة للتثبيت لأنَّها معرَّضة باستمرار للنقض من حيث مضامينها، كما توضع أسسها وركائزها موضع تساؤل ونقد. إنَّ الديمقراطيَّة في نظره، بما هي مؤسسة على «سيادة الشعب»، لا يمكن لها بأيّ حال من الأحوال أن تستند إلى هيئة قارَّة تجسِّد مصدر سلطتها، على غرار ما هو عليه الأمر في ظلّ نظام «الحكم الفردي»، حيث يضطلع «الملك» أو «المونارك» بهذه المهمَّة. إنَّها تدشِّن تجربة مجتمع «غير قابل للحجز» (insaisissable)، و«غير قابل للتحكُّم» (immaîtrisable)، ولا يني يعيد باستمرار صياغة هويَّته، وما ذلك إلا لأنَّ مواطن الديمقراطيَّة لا يمكن في ظلّ هذا المنظور أن يحدّد بشكل نهائي، لأنَّ وضعيته قابلة لتحوُّلات دائمة بمجرَّد ما تتمُّ مطابقة حقوقه مع «حقوق الإنسان». فمنذ اللحظة التي يتمُّ فيها اعتبار الإحالة إلى «حقوق الإنسان» إحالة نهائيَّة وأخيرة، فإنَّ «الحق الوضعي القائم»(أي النظام السياسي) يوضع بالضرورة موضع مساءلة.

وهكذا نلاحظ، في رحاب هذا المنظور، أنَّه عوضاً عن التفكير بطريقة سلبيَّة في هذه «القسمة» المحايثة للديمقراطيَّة وفي ذلك «اللاتوافق» الذي تقتضيه، يتمُّ التفكير فيهما بما هما يشكّلان «فرصة» للابتعاد عن «الذات» من أجل الاقتراب من الآخر والانفتاح عليه.

أمَّا التصوُّر الآخر الثاني، فهو تصوُّر المفكر الأمريكي «شارل تايلور»، حيث يرى أنَّه في ظلّ مجتمع ديمقراطي؛ أي في ظلّ حكم يعترف لكل واحد بالمساواة، يجب أن يمنح للجميع ودون استثناء الفرص نفسها التي تتيح لكلّ واحد أن يُنمِّي أناه بشكل أصيل. وممَّا لاشكَّ فيه أنَّ هذا التصوُّر للمساواة يقطع مع «نظريَّة التعاقد» لدى «روسو» لأنَّها تشريعيَّاً تؤدّي إلى إلغاء أيّ إمكانيَّة «للاختلاف» و«التمايز»، حيث تعتبر «التلاحم الاجتماعي» ضرورياً لقيام الجسد السياسي الذي هو أساس «الإرادة العامَّة». انطلاقاً من هذا، وبناء عليه، يبلور «تايلور» ما يطلق عليه «مبدأ الأصالة» الذي يعني أنَّ «كلَّ كائن إنساني هو فريد من نوعه»، وبحكم ذلك «لا يمكن أن يكون غير ما يرغب أن يصنعه هو بنفسه».

2.2. الليبراليَّة الجديدة، ومحاولة تلقيح الديمقراطيَّة بالعدالة

إنَّ النقد الموجَّه اليوم للمجتمعات الديمقراطيَّة الليبراليَّة يبيّن أنَّ هذه المجتمعات لا يمكن أن تجسِّد التكامل بين الحريَّة والمساواة، أو بين الديموقراطيَّة والعدالة، بل هي لا تني توسِّع الفجوة التي تفصل بينهما. فالنقد اليساري يسلّم بأنَّ الديمقراطيَّة لا يمكن أن تحقق العدالة؛ أي لا يمكن أن تحقق مطلبي الحريَّة والمساواة في الوقت ذاته، وذلك بحكم كونها نظاماً يقوم أساساً على اللَّامساواة الاقتصاديَّة؛ أي بحكم كونها نظاماً رأسماليَّاً يقوم على الملكيَّة الخاصة لوسائل الإنتاج. بينما النقد الموجَّه من قبل اليمين يرى أنَّ المشكل ليس هو عدم التلاؤم بين المبدأين؛ أي الحريَّة والمساواة، وإنَّما يتعلق بقيمة المساواة، لأنَّ الكائنات الإنسانيَّة من حيث طبيعتها غير متساوية، وبالتالي، فالتعامل معها على قدم المساواة معناه رفض سمتها الإنسانيَّة. إنَّ النقد اليساري ينتهي في آخر المطاف إلى إقامة طلاق نهائي بين الديمقراطيَّة من جهة والعدالة من جهة أخرى؛ لأنَّ أسس نقده ـ مثل اللَّامساواة الاجتماعيَّة بين العمال والرأسماليين، واللَّامساواة الاقتصاديَّة القائمة على الجنس والعرق- ستحال إلى المستقبل، لأنَّها لن تعثر على حلٍّ لها في إطار الليبراليَّة. وبالرغم من أنَّ دينامية الاقتصاد الرأسمالي تنزع إلى إزاحة الكثير من العوائق العرفيَّة والثقافيَّة أمام المساواة، إلا أنَّ جُلَّ المنظّرين الليبراليين وعلى رأسهم «فوكوياما» يتشبَّثون بأطروحة كون أنَّ الديمقراطيَّة الليبراليَّة هي من حيث ماهيتها لامساواتيَّة، وذلك بحكم الاختلاف الطبيعي الموجود بين الاستعدادات والمواهب، وبحكم التقسيم الضروري للعمل الذي يقتضيه الاقتصاد، بل إنَّ «كوجيف» يذهب بعيداً، حيث يرى أنَّ الديمقراطيَّة الليبراليَّة الأمريكيَّة قد حقَّقت «حلم ماركس المتعلّق بالمجتمع الخالي من الطبقات»، ليس بمعنى أنَّها قضت على كلّ أشكال اللَّامساواة الاجتماعية، وإنَّما يعني أنَّ ما تبقَّى من حواجز تعتبر ضروريَّة من حيث ارتباطها بطبيعة الأشياء أكثر ممَّا هي متوقفة على إرادة الناس. لقد استطاعت هذه المجتمعات أن تحقق «مملكة الحريَّة»؛ وذلك بالقضاء الفعلي على الحاجة الطبيعيَّة، وتمكين الناس من امتلاك ما يشتهونه مقابل بذلهم لمقدار أدنى من الشغل. وفي نظر «فوكوياما»، فإنَّ الخطر الحقيقي الذي يهدّد فعلياً مستقبل المجتمعات الديمقراطيَّة ليس هو «اللَّامساواة الاجتماعيَّة»، وإنَّما هو «شموليَّة المساواة»؛ أي السعي لفرض المساواة بين أناس غير متساوين طبيعياً.

إنَّ التناقض الأساسي الذي سيهدّد على المدى البعيد النظام الديمقراطي الليبرالي هو تناقض داخلي له علاقة من جهة أولى بالنزوع المسرف لإشباع كلّ رغبات الإنسان، ومن جهة ثانية بالسعي لتحقيق الاعتراف الشامل والمتبادل. ويرى «فوكوياما» أنَّ التهديد الأكبر لتلك الأنظمة هو المتعلق بشموليَّة الاعتراف (أي العدالة)؛ لأنَّ هذا سيصطدم بالحدود المفروضة من قبل الطبيعة ذاتها.

في مقابل هذا التصور المتشائم لفوكوياما وعلى أنقاضه، نجد تصوُّر «جان راولز» الذي يقوم على المصالحة بين الديمقراطيَّة والعدالة - وهو التصوُّر الذي صنع شهرته- الذي يتأسَّس على الاقتناع التالي: وهو أنَّ الديمقراطيَّة الليبراليَّة يمكن أن تكون عادلة، ليس على المستوى القانوني- الحقوقي فحسب، وإنَّما أيضاً بل وأساساً على المستوى الاجتماعي. والجدير بالذكر أنَّ الإقبال على «نظريَّة العدالة» لدى «راولز» لم يتمَّ إلا بعد سقوط «جدار برلين» وانهيار «المنظومة الاشتراكيَّة»، فقد تراجع الطرح الذي يراهن على الثورة الاشتراكيَّة - والقضاء على الملكيَّة الخاصَّة لوسائل الإنتاج وإحلال الملكيَّة الجماعيَّة محلَّها- باعتبارها وحدها الكفيلة بحلِّ إشكاليَّة الاستغلال واللَّامساواة الملازمة للمجتمعات الديمقراطيَّة الحديثة. لكن إذا كان النظام المجتمعي -بما في ذلك نظام السوق- عبارة عن مؤسَّسة، فإنَّه يجب طرح إشكال عدالته؛ أي الكيفيَّة التي يجب اتباعها في تنظيمه لكي يصير ذا مصداقيَّة في أعين من يخضعون لقواعده. فإذا كانت العدالة ـ كما يقول «راولز»- يجب أن تكون الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعيَّة، فلأنَّ مواطني مجتمع حرّ لا يمكن أن يخضعوا لنظام غير عادل.

إنَّ «راولز» مقتنع بأنَّ النظام السياسي الأكثر عدلاً الذي يقترب أكثر من النموذج المثالي ويأخذ بعين الاعتبار أكثر من غيره قيمتي الحريَّة والمساواة وقيمة التسامح، هو بلا شك النظام الديمقراطي الليبرالي. وإذا كان «راولز» يقدّم نفسه باعتباره «مريداً» للفيلسوف الألماني «إيمانويل كانط»، فلأنَّه يعيد تركيب الصورة الفلسفيَّة التي يحضر بها الإرث الكانطي الأخلاقي في منظومة الفلسفة السياسيَّة المعاصرة ويصوغها على النحو التالي: كيف يمكن الانتقال إلى مجتمع مدني تحكمه قوانين عادلة تحدِّد الحريَّة الفرديَّة وتصونها في الوقت نفسه؟. لهذا يرى أنَّ التعامل مع «العدالة كإنصاف»، يعتبر قيمة شاملة، بل ومثلاً أعلى كونيَّاً صالحاً لكلّ المجتمعات، مهما كانت خصوصياتها التاريخيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة. فنجاعة النظام الديمقراطي الليبرالي تتمثّل في التوافق الذي يقيمه بين العدالة والحريَّة، حيث يجعله أساس التعاقد الاجتماعي. وإذا كان «راولز» يعطي الأولويَّة للعدالة على الحريَّة، فلأنَّها ضرورية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وحلّ النزاعات الأنانيَّة التي يمكن أن تعيق تلاحم المجتمع؛ لهذا لا يمكن للعدالة أن تتنافى مع أهم مبدأ إنساني، وهو المتعلّق بالحريَّة الفرديَّة، حتى وإن كانت الحريَّة «العادلة» لا تتماهى مع «النزعة المساواتيَّة» (L’égalitarisme) التي هي خرق لمبدأ الحريَّة. فاللَّامساواة الاجتماعيَّة هي شرط ضروري للاختراع، ولا غنى عنها لتطوُّر قوى الإنتاج المؤدّي للزيادة في الإنتاج والاستهلاك. ولكي توجد الحريَّة فعليَّاً على أرض الواقع يجب ـحسب «راولز»- أن يتمتع كلُّ فرد بحق الولوج إلى أكبر مقدار من الحريَّة يسمح به النظام القائم، الذي هو محطُّ مساواة بين الجميع. يتعلّق الأمر هنا بالمبدأ الأوَّل الأساسي الذي تقوم عليه نظريَّة العدالة لدى «راولز»، وهو «مبدأ المساواة في الحريَّة». أمَّا المبدأ الثاني (أي مبدأ الاختلاف)، فهو يقتضي لكي تتحقق العدالة فعليَّاً على أرض الواقع أن يتمَّ تنظيم اللَّامساواة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة بكيفية تجعلها لفائدة الفئات الأقلّ حظّاً والأكثر تضرُّراً. فهنا المبدأ يجيز اللَّامساواة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة بين مختلف الفئات والمجموعات شريطة: (أ) أن تكون لصالح الفئات الأكثر فقراً، (ب) وأن تكون المناصب المتاحة مفتوحة أمام الجميع انطلاقاً من مبدأ تكافؤ الفرص. وهكذا وانطلاقاً من هذين المبدأين (مبدأ المساواة في الحريَّة، ومبدأ الاختلاف)، تصبح العدالة والحريَّة حقّين غير قابلين للخرق؛ لأنَّهما أساس العيش المشترك داخل المجتمع التعاقدي. فهذه الحياة المشتركة لا يمكن أن تكون عادلة إلا إذا كان أعضاؤها الأحرار يحتكمون في تدبير شؤونهم إلى قواعد متفق عليها ومقبولة من حيث إجراءاتها من قبل الجميع. لتثبيت هذه القواعد- أي قواعد التشارك المنصف- ينطلق «راولز» من وضعية افتراضيَّة يعتبرها بمثابة «الوضعيَّة الأصليَّة» (La situation originelle)، وهي الوضعيَّة التي يجد فيها كلُّ شخص نفسه قبل التعاقد، بحيث يجهل المكانة التي سيحتلها داخل المجتمع، لا موقعه الطبقي ولا وضعيته الاجتماعيَّة، كما يجهل حصّته من الاستعدادات والمؤهلات الطبيعيَّة التي سيحصل عليها. هؤلاء الأفراد الواقعون تحت ما يسمّيه «راولز» «قناع الجهل» (d`ignorance un voile) سيسعون إلى تحقيق الحدّ الأقصى للإنصاف، وهذا ما سيقودهم إلى تبنّي النظام السياسي القائم على الديمقراطيَّة الليبراليَّة، مع ما يقتضيه من مساواة فعليَّة في تكافؤ الفرص واحترام مبدأ الاختلاف. في هذه الديمقراطيَّة الليبراليَّة تضطلع الدولة بدور هام في تدبير اقتصاد السوق، حيث تحافظ على سلامة المنافسة ووفرة الشغل، وتضمن حدَّاً أدنى من مستوى العيش المعقول للمعوزين، بتحقيق الإنصاف في توزيع الخيرات وأداء الضرائب.

يعتقد «راولز» أنَّ مبادئ نظريته في العدالة إذا ما تمَّ تعميمها على صعيد كلِّ المجتمعات وتبنَّاها «القانون الدولي»، ستؤدّي لا محالة إلى إقصاء الأنظمة الدكتاتوريَّة والاستبداديَّة، لكنَّها مع ذلك ستكون متسامحة مع الأنظمة غير الديمقراطيَّة (أي الأنظمة التراتبيَّة) حتى لو كانت ثيوقراطيَّة؛ وما ذلك إلا لأنَّ «راولز» يعتقد أنَّ شمولية «حقوق الإنسان» و«مبادئ النزعة الإنسانيَّة» مثل مبدأ «التسامح» من شأنها، إذا ما اعتمدت من قبل الدول كأساس للتربية، أن تؤدّي إلى تحقيق السعادة. فالتربية بالنسبة إلى راولز هي مفتاح لحلِّ كلِّ المشاكل الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، فعلى سبيل المثال ليس النقص في الإنتاج الغذائي هو السبب الرئيس وراء المجاعة، وإنَّما الاضطهاد الممارس على الشعوب من قبل بعض الحكَّام، وفساد النخبة، واستعباد المرأة (الناجم عن سيادة بعض الأحكام المسبقة الدينيَّة)، والكثافة السكَّانيَّة. لهذا فأفضل ما يمكن القيام به هو إعطاء الجميع فرصاً متكافئة للولوج إلى التربية والصحة.

لقد تعرَّضت «نظرية العدالة» لدى «راولز» لعدَّة انتقادات تمحورت أساساً على مبادئها، كما انصبَّت على تصوُّرها للإنسان والدولة.

تتأسَّس نظرية العدالة لدى راولز- وخاصة من خلال افتراض «قناع الجهل» المميّز للوضعيَّة الأوَّليَّة للإنسان- على تصوُّر مجرَّد للفرد باعتباره ذاتاً محايدة بدون جذور تاريخيَّة أو اجتماعيَّة أو ثقافيَّة؛ وهذا التصوُّر الميتافيزيقي للفرد هو الذي وُضع موضع نقد جذري، وخاصَّة من قبل «النزعة الجماعويَّة»(Le communautarisme)، التي تؤكّد على الجذور التاريخيَّة والثقافيَّة للفرد، وعلى أنَّه مخترق بالتقاليد والأعراف والمؤسسات والقيم التي ينتمي إليها، وبالتالي فحريَّة الفرد لها طابع تاريخي- إثني وثقافي؛ لأنَّ مجالها ليس الفرد المعزول وإنَّما المجتمع الذي يخترق الفرديَّة. وهكذا فـ«مبدأ المساواة» الحديث -في نظر هذا المذهب- يجب أن يبني «هويَّة الإنسان على أساس الاختلافات»، حيث يتيح العبور من «العدالة الصوريَّة»- التي تبعاً لها يصبح العدل هو التعامل بشكل متساوٍ، وعلى نحو متطابق في جميع الحالات- إلى «العدالة الواقعيَّة» التي تأخذ بعين الاعتبار تعدُّد الخيرات تبعاً لتنوُّع الدوائر، وهذه هي وجهة النظر التي يدافع عنها الفيلسوف الأمريكي المعاصر «ميكائيل والزر» (Michael Walzer). يرفض هذا الأخير اعتبار «مبدأ العدالة» مبدأ واحداً ووحيداً، لأنَّ الخيرات الأوَّلية كثيرة ومتنوّعة، ولهذا فتصوُّرنا للعدالة يجب أن يتلاءم مع خصوصيَّة دوائر ومجالات الخير، فهناك دائرة حيث «المال» هو المصدر المهيمن، وهناك مجال آخر حيث السلطة هي الهامَّة، وهناك مجال ثالث تُعتبر فيه المعرفة هي المعيار الأساسي...، وهكذا فالسعي لتحقيق الإنصاف يعني العمل بكيفيَّة تجعل الامتيازات أو المعيقات لا تجتمع في جهة واحدة. لكنَّ الاعتراض على نظريَّة العدالة لدى «راولز» يطال أيضاً مكانة الدولة ودورها، لأنَّ «أولويَّة العدل على الخير» قادت «راولز» إلى جعل الدولة مؤسَّسة محايدة، وبالتالي انتهت إلى تكريس تصوُّر ليبرالي للدولة، فقد حصر دورها في ضمان الحريَّات السياسيَّة والمدنيَّة الأساسيَّة، بحيث يمكن لكلِّ فرد أن يحقّق غاياته بالرجوع إلى تصوُّره للخير، وهذا لن يتحقق إلا بتبنّي مبادئ لا تفترض مسبقاً أيَّ تصوُّر خاص لما ينبغي أن يكون عليه الخير المشترك. ويترتَّب على هذا تصوُّر أداتي للسياسة، حيث تصبح بدون أيّ بعد إتيقي، وتصبح الدولة جهازاً محايداً. إلا أنَّ حياديَّة الدولة -في نظر «شارل تايلور»- لا يمكن في ظلِّ مجتمع عادل أن تضمن سياقاً ملائماً لتحقيق الاستقلال الذاتي للأفراد؛ وذلك نظراً لتنوُّع الخيرات الاجتماعيَّة وعدم تكافؤ فرص الولوج إليها.

وبصفة عامَّة، يمكن تلخيص مشهد الفلسفة السياسيَّة المعاصرة في جانبه المتعلّق بإشكاليَّة العلاقة بين الديمقراطيَّة والعدالة، في الاستقطاب المحصور في التصوُّرين التاليين:

التصوُّر الأوَّل للعدالة الذي يمكن أن ننعته بالتصوُّر المساواتي للعدالة - وفيه تندرج نظريَّة «راولز» في العدالة- يسعى أساساً لمعالجة اللَّامساواة الاقتصاديَّة ببلورة سياسات إعادة توزيع الخيرات، وهي في جوهرها سياسات تصحيحيَّة تنصبُّ على مفعولات اللَّامساواة الاقتصادَّية وليس على عللها. أمَّا التصوُّر الثاني للعدالة - الذي يندرج فيه التيار الجماعوي (ميكائيل والزر..) والتيار الاشتراكي (أكسيل هونيث - نانسي فرايزر)- فهو يدعو إلى تبنّي استراتيجيات تقوم على «سياسة الاعتراف»، لأنَّ «إنكار الاعتراف» - في نظره- هو الذي يوجد وراء مختلف أشكال اللَّامساواة داخل المجتمعات الليبرالَّية؛ وواضح أنَّ مثل هذه الاستراتيجيَّة تقتضي اعتماد سياسة التغيير الجذري، لأنَّها تروم معالجة علل اللَّامساواة الاقتصاديَّة ذاتها بدلاً من مفعولاتها.

إنَّ هذا التعارض الجذري في تصوُّرات العدالة داخل الأنظمة الديمقراطيَّة الليبراليَّة، الذي يضع على المحكّ مدى مصداقيَّة الاختيار الديمقراطي، هو الذي يفتح أمام شعوب العالم الثالث باب الأمل من جديد في ديمقراطيَّة مستقبليَّة عادلة، لا هي ديمقراطيَّة ليبراليَّة، ولا هي اشتراكيَّة توتالتاريَّة.