الإسلام السياسي المعتدل: مقدمات مرفوضة ونتائج مقبولة

فئة :  مقالات

الإسلام السياسي المعتدل: مقدمات مرفوضة ونتائج مقبولة

يمكن اليوم أن نجد إنتاجا فكريا غزيرا وتجارب سياسية عملية كثيرة تؤيد ديمقراطية الإسلام السياسي أو تيارا واسعا منه، وفرص قبوله بالمشاركة السياسية على أساس صناديق الاقتراع، ولا بأس بذلك، بل هو مرحب به، ولكنها أفكار وتطبيقات تحمل تناقضا بنيويا عميقا مع ذاتها ومع الديمقراطية نفسها، والوصول إلى نتائج صحيحة ومقبولة لا ينفي التلفيق فيها، ولا يعني صحة المبادئ التي أنشأتها وأوصلت إليها...

وقد شغل الفكر الإسلامي الحركي والعام بالمسألة، مسألة الديمقراطية في موجتها التي هبت على العالم في أواخر الثمانينيات، وظهرت دراسات وكتب كثيرة مهمة بدأت تنتقل بسرعة من أن الشورى معلمة للسلطان إلى أنها ملزمة له، لتصل إلى استيعاب واسع وتطبيقي للديموقراطية والحريات ومشاركة المرأة وغير المسلمين في المناصب والحياة السياسية والعامة، ومن أمثلة تلك الكتب والدراسات، كتاب راشد الغنوشي "الحريات العامة في الدولة الإسلامية، ورحيل غرايبة: الحريات والحقوق السياسية في الشريعة الإسلامية، وحسن الترابي: السياسة والحكم بين الأصول وسنن الواقع، بل وقد تطور الفكر الإسلامي، ليرى الديمقراطية والانتخاب تكليفاً شرعياً واجباً، كما في الدراسة الضافية التي أصدرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي للباحثة أماني صالح بعنوان "الشرعية، بين فقه الخلافة وواقعها"

واستهوت فكرة "الديموقراطية الإسلامية"، بالمعنى الذي يردها إلى الإسلام ليجعلها فكرة إسلامية، وأن مخالفتها تمثل مخالفة للإسلام، حماس مفكرين ونشطاء من غير الإسلاميين، هذا بالإضافة بالطبع لقطاع واسع من النشطاء الإسلاميين، وحاول بعضهم من المستوطنين في الغرب ترويج المشروع بدعم أميركي وغربي، وأقيمت ندوات ومؤتمرات كثيرة في فنادق باذخة في أنحاء واسعة من العالم الإسلامي تسوق مقولة التوفيق بين الإسلام والديموقراطية، ولكنها في طابعها الاحتفالي جاءت شبيهة بالحملات الإعلامية والإعلانية وأسلوب العلاقات العامة التي دأبت الشركات ومنظمات المجتمع المدني في السنوات الأخيرة على اتباعها فضل التمويل الغربي الفج والكريم لدعم حقوق الإنسان وتمكين المرأة وتعزيز الديموقراطية.

وبالرغم من أن الفكر الإسلامي السياسي يحتمل مقولة "الديموقراطية الإسلامية" وبرغم ما في الفكرة من إغراء وتشجيع للمتحمسين للتحديث والإصلاح من منطلق إسلامي أو غير إسلامي، فإن لها أيضاً مخاوف ومحاذير كثيرة تجعل مرجحاً ومفضلا النظر إلى الإسلام، باعتباره يمثل قيمة ومرجعية عليا للقيم الكبرى الأساسية في الحكم والحياة "العدل والحرية والمصالح"، وفي الوقت نفسه التمييز بين الإسلام/ النص الديني/"القرآن" وبين التراث الإسلامي أو الخطاب الإسلامي أو الشريعة الإسلامية التي تتضمن الفهم والممارسة العامة والتأصيل والتقعيد لتطبيق الإسلام على مدى القرون، بما يعني ذلك من خطأ وصواب، وتقدم وتخلف، وإبداع وقصور، وفي الوقت نفسه اعتبار اختلاف الزمان والمكان، وتطور اللغة والفهم والنظرة العامة نحو القضايا والمسائل، وما يتعلق بذلك من تطور واختلاف في تطبيق الشريعة وفهمها.

هذا التمييز ضروري جداً لدفع اللبس بين الثابت والمتحول؛ فخطورة ما يسمى الديمقراطية الإسلامية أنها تؤصل باعتبارها الإسلام، ثم تتغير الأحوال والاحتياجات، فيصبح ما اعتبرناه إسلاما بحاجة إلى مراجعة، وهو أمر جيد لولا اللبس والتبسيط، وتقديم الأفكار والمقولات على أنها من عند الله "وما هو من عند الله"، ولا بد من الارتقاء بفهم الناس، والعمل على تقديم الفكر الإسلامي بعيداً من التبسيط والمباشرة والترغيب والترهيب، ولكن على أساس أنه فكر سياسي يحتاج المسلم إلى عملية جهد فكري معقد لأجل فهمه وتطبيقه، فمع تطور العلوم والثقافة والتخصصات يجب أن يتطور التدين نفسه أيضاً ولا يظل عملية مبسطة.

والحكم والسياسة عملية ديناميكية متواصلة النمو والتغيير، والناس يبنون أفكارهم ومعتقداتهم على نحو متواصل، وهم في ذلك يغيرون ويصححون، وهنا تكون صعوبة الأمر بالنسبة للمشتغلين بالفكر الإسلامي، فهم بحاجة لتقديم اجتهادات وفتاوى متغيرة في بيئة تعودت على النظر إلى الفتوى بأنها ثابتة.

المسألة الأساسية أن التدين ومحاولات تطبيق الإسلام لم تعد، وربما لم تكن مجرد اشتقاق قواعد وفتاوى ومبادئ وأفكار لأجل تطبيقها والالتزام بها على أنها تعاليم الإسلام، ولكنها عملية استيعاب شاقة ومعقدة للأفكار والنصوص والأفهام والتجارب، ليست منزلة من السماء، وإن كانت تؤمن بالسماء مصدراً للحياة الأفضل والسعادة.

نعلم أن بيعة سقيفة بني ساعدة أسست لتقليد ومنهج في اختيار الحاكم بعد وفاة الرسول، ولكن يجب النظر إليها، باعتبارها تجارب إنسانية متأثرة ومتفاعلة بالبيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة بها، ففي تجربة الخلفاء الراشدين كان نموذج المدينة والأرستقراطية، النموذج الذي أنشأ حالة من الديموقراطية والرضا والاستقرار، ولكنه نموذج لم يكن قادراً على الصمود في مرحلة الدولة المتسعة ومتعددة الأفكار والنخب والأرستقراطيات والتجارب والخلفيات، وكان نموذجاً يصلح لمجتمع متجانس ومتماسك ينظر إلى المدينة على أنها المركز الذي يُقتدى به، وإلى الصحابة وقريش على أنهم نخب المجتمع وقادته، ولكن المجتمعات الجديدة الناشئة بعد الفتوح في تعددها وتجاربها وثقافاتها، لم تكن ترى الأمور كما يراها العرب في الجزيرة العربية.

وبفعل تلك التطورات انتهت حقبة الخلافة الراشدة، ودخل نظام الخلافة حقبة جديدة بدأت بعملية جديدة لإعادة بناء الخلافة وتأسيسها على أسس مغايرة، وتحول بمجيء معاوية مفهوم الحكم من الخلافة إلى الملك، وتعددت المصادر المرجعية للحكم.

كانت الدولة الأموية استجابة واقعية ضمن الخبرة والتجارب المتاحة لتشكيل إدارة جديدة للدولة المتسعة والمجتمعات الكثيرة المتنوعة تستوعب تجربة الدولة البيزنطية، من تشكيل الجيوش من المقاتلين والجنود المحترفين الذين يتلقون رواتب منتظمة، ويعملون ضمن إدارات ودواوين معقدة للتدريب والإمداد والتمويل والتنظيم، وتنظيم المؤسسات والتوثيق على أساس من القانون والدولة وليس على أساس الثقة ومعرفة الناس ببعضها.

والواقع أن الديموقراطية تجربة إنسانية حديثة، وإن كان أصحابها يجدون لها جذوراً وأدلة في النصوص والتراث الإسلامي.

الشورى في القرآن الكريم قاعدة أساسية في الحكم والحياة، ولكن مقتضاها الأساسي في تقديري هو أنسنة الحكم والإدارة والحياة وليس تديينها، ولذلك فإن البحث في وجوب الشورى وإلزاميتها وعدم إلزاميتها هو من استحضار ما لا يلزم، لأن القول بوجوب الشورى والتزام رأي الأغلبية على سبيل المثال، وإن كان موقفاً منسجماً مع الديموقراطية يتضمن فكرة أخرى خطيرة، وهي مصدر ضرورة وإلزام الأغلبية، هل هو الالتزام الديني، أم هو تحقيق المصالح والمقاصد العامة والمجتمعية وتطوير آليات وأدوات العمل والإدارة ومراجعتها، وفرق كبير بين الحالتين، وإن كانتا تنشئان آلية سياسية ترجع إلى الأغلبية.

ففي الحالة الأولى الدينية، سيتعطل النظام الاجتماعي والثقافي المنشئ لآليات العمل والموارد والحكم والسياسية، وسيدور البحث دائماً حول البحث عن المخارج والأدلة الشرعية، واستنطاق النصوص بحثاً عن موقف ربما يكون معداً مسبقاً أو بحثاً عن الحقيقة أو محاولة للانسجام مع التقدم الإنساني المحيط ومحاولة مواكبته، وهذا لا ينشئ تقدماً وإبداعاً في الحياة، ولا ينشئ أيضا حيوية في النظام الاجتماعي والاقتصادي، ويجعله أسير نصوص وأفهام وأهداف غير متصلة بالحياة نفسها، ولكن بما بعد الحياة!

الأصل الإنساني في فكرة الشورى والديموقراطية هو العجز عن معرفة الصواب، ولأننا لا نعرف الصواب، فإننا نتشاور ونلجأ إلى رأي الأغلبية؛ أي أن هذا النظام ينشئ بذاته مجموعة من الديناميكيات والعقود التي يجب أن تعمل تلقائياً، أولها أننا لا نعرف الصواب، ولكنا اخترنا رأي الأغلبية مظنة اقترابه من الصواب أكثر من غيره، وهذا يعني ضرورة البحث المتواصل عن الصواب، وضرورة احترام الآراء الأخرى المخالفة للأغلبية والسماح لها بالعمل والتعبير، فربما تتحول لتكون هي رأي الأغلبية وموقفهم.

هذا الفرق الكبير بين الشك واليقين ليس سهلا، وهو جوهري ويغير كل شيء تقريباً.

ويمكن بملاحظة تجارب وتاريخ جماعة الإخوان المسلمين في الأردن ملاحظة الخلل الكبير في الفهم والتطبيق، برغم ما يبدو من مشاركة سياسية وعامة قائمة على الاحتكام لصناديق الانتخاب، وهو مثال (الأردن) قابل للتعميم بنسبة كبيرة.

فالانقسامات والاختلافات الداخلية وتعدد المواقف والرؤى والاجتهادات التي مرت بها الجماعة في عقدين من الزمان تجعل المسألة ببساطة "إنسانية"، لا يمكن وصفها بالإسلام ولا نسبتها إلى الإسلام، أو تدعو إلى التساؤل وأين الإسلام و"حكم الله" في تلك المواقف المختلفة والمتناقضة والتجارب المتعددة؟

لقد أكدت الجماعة في مرحلة الربيع، وكما ظهر بعد استئناف الديمقراطية العام 1989 أنه لا يصلح لها أن تكون مظلة لمشروع سياسي، أو أن تدير أو تنفذ أو تقدم برنامجا، تدعو إليه أو تتقدم بموجبه إلى انتخابات نيابية أو بلدية أو نقابية، لأنها ببساطة ووضوح جماعة دينية دعوية، قامت على هذا الأساس، وأقبل الناس عليها، أعضاء ومؤيدين مدفوعين بالتدين، وليس على أساس العدالة الضريبية مثلا، أو عدالة التوزيع أو الارتقاء بالتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وليس انحيازا، أيضا لبرامج وتشريعات وسياسات في مواجهة أخرى، ويؤكد هذه المقولة أن أحدا لا يستطيع، بمن في ذلك قادة الجماعة وأعضاؤها، أن يعرف خطابا سياسيا أو اقتصاديا، أو حتى رؤية ما، حول السياسات والتشريعات والاتجاهات والقرارات والأزمات، بل ولم يكن ذلك طوال العقود الماضية موضوعا للحوار أو العمل أو الفهم داخل الجماعة، أو في خطابها إلى المجتمع والناس. وبالمناسبة، فإن ذلك ليس خطأ ولا تقصيرا، بل العكس تماما، فقد كان استجابة واضحة لهدف وفكرة معينة قامت الجماعة على أساسها، وهي التدين والدعوة إلى التدين. وهذا أيضا لا يمنع أن يشتغل المتدينون في السياسة والحكم، ولكن على أساس انحياز للخيارات والبرامج والأفكار المتشكلة حول إدارة الدولة وتنظيمها، وهي ببساطة منذ تشكلت الدولة الحديثة؛ تقوم حول دور الدولة والسوق والمجتمع، وحدود وطبيعة العلاقة والشراكة بينها في الشؤون السياسية والاقتصادية. ولا يمنع ذلك، وهو أمر قائم بالفعل، من أن يكون ثمة إسلامي ليبرالي؛ يؤمن بإطلاق السوق وحريته في تنظيم نفسه، أو إسلامي محافظ؛ يؤمن بأن الدولة والسياسة تعكس ثقافة المجتمع، أو إسلامي اشتراكي؛ يؤمن بالعدالة الاجتماعية وضرورة أن يكون للدولة الدور الرئيس في تنظيم الاقتصاد والأسواق والخدمات والولاية عليها، أو إسلامي وسطي؛ يؤمن بالتوفيق بين الدولة والسوق، وهم في ذلك يتجهون ويختارون ويعملون دون أن يتخلوا عن تدينهم او "إسلاميتهم".

ولكن الأكثر عجبا وغرابة هو المقولات المتشددة في النظر إلى الدول والمجتمعات ثم إجازة المشاركة السياسية فيها كما شارك النبي يوسف مع الملك الكافر!! أو تحريم المشاركة في الوزارة وإجازة المشاركة في البرلمان، دون التفات إلى قواعد المواطنة والعقد الاجتماعي والاجتهادات الإنسانية في تطوير الحياة وتحسينها والارتقاء بها، وتعطيل الاجتهاد السياسي وعدم إجازته إلا من خلال "الفتوى" والنظرة التكفيرية أو الانفصالية إلى "الآخر" حتى في حالة المشاركة معه، وإنها حالة تفوق في خطورتها وخللها ما يقوم به السلفيون والجهاديون المتشددون في خروجهم على الدول والمجتمعات ومحاربتها!!