الإعلام الجديد وتوازن المعرفة

فئة :  مقالات

الإعلام الجديد وتوازن المعرفة

يعد الحديث عن المعلومة خاصة، والإعلام بوجه عام، في علاقتهما بالمعرفة والحق في الاطلاع، من الحديث في وعّمن له الحق في تحديد حدود المعرفة؛ أي تحديد من يمكنه أن يعرف ماذا عمن يجب أن يعرف ما يمكن إخفاؤه وما يتوجب كشفه، وما الذي يجب نشره، وماالذي يجب إخفاؤه من الأرشيف ودهاليز التعتيم على المعلومات، وهكذا. ويبدو أن الحديث ذاته هو أيضًا من الحديث في طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم؛ أي بين طرفي الصراع على السلطة، والذي هو، بالبداية وبالمحصلة النهائية، صراع لا يستطيع الصمود في خضمه، إلا من له القدرة على التحكم في إنتاج المعلومات وتدفقها وترويج المعرفة، أو خنق هذه المعلومات والمعارف ومنعها عن الآخرين بالجملة أو بالتفصيل.

هذه مسألة بالإمكان التأكد منها بالنظر إلى تاريخ تقنيات الإعلام والمعلومات والاتصال، وبالنظر إلى كيفية وصول مستجدات حديثة غالبًا ما كان يتزامن مع صراع مستميت بشأن حق الوصول إلى المعلومة والمعرفة، وتوظيفها من لدن هذه الجهة أو تلك، لولوج ميادين الممارسة الاجتماعية والسياسية، ثم السيطرة على إنتاج المعرفة، والسيطرة من ثم على إنتاج وتوزيع المعنى بين الجماهير.صحيح أن المستجدات التقنية في ميدان الإعلام والمعلومات والاتصال، من ورقية وسمعية وبصرية ورقمية وغيرها، لا تقوض بعضها البعض نهائيًا، بل إنها غالبًا ما تؤدي إلى توسيع مساحات إنتاج المعلومة والمعرفة، ووضعها بالمجال العام، عوض أن تبقى حكرًا على النخبة وعلى السلطة التي دأبت على تمريرها بطريقة أحادية وفوقية وعمودية وأبوية إلى حد ما. لكن الصحيح أيضًا أن ذلك لا يتم إلا بعد صراع طويل، لا تهدأ وتيرته إلا بعد أن يفقد هذا المستجد التكنولوجي أو ذاك بعده النخبوي، ويغدو مباحًا ومتاحًا لدى العامة؛ أي لدى الجماهير.

هذه صيرورة عرفتها الصحافة المكتوبة، وعرفتها الإذاعة، وعرفتها التلفزة، وعرفتها الشبكات الرقمية في بداياتها الأولى، ولم يسلم أي منها من جنوح هذه الجهة أو تلك للسيطرة عليها، بغرض توظيفها أو وضع متاريس لبلوغها، أو نصب العقبات القانونية والإجرائية للحصول عليها. لكن الثابت تاريخيًا، أن كل هذه المستجدات نادرًا ما تبقى حكرًا على النخب، بل سرعان ما تسقط بالمجال العام، لتلتقطها الجماهير بشكل من الأشكال. إلا أن وصول مستجدات "الإعلام الجديد"، محمولاً على ظهر الشبكات الرقمية، قد كسر هذه القاعدة وإلى حد بعيد. إذ مكن منذ البدء، وسيمكن أكثر في القادم من سنين، من إعادة التوازن المعرفي بين النخب عمومًا، والنخب الحاكمة على وجه التحديد، لصالح الجمهور العام، سواء ذاك العارف بخبايا الشبكات، أو ذاك الذي لا تتعدى معرفته بها حدود الإبحار البسيط.

إن "صحافة المواطن" التي أفرزها هذا الوافد الجديد، قد استطاعت أن تخلخل حقًا القواعد التقليدية في نقل وتحليل ونشر الأخبار والمعلومات، على الرغم من أن هذه الخلخلة لم تأتِ من واقع تنافس وسيلة إعلامية في مقابل وسيلة إعلامية أخرى، وإنما تأتي من واقع التكامل بين النوعين. لقد مكنت الجمهور العام من أن يصبح مصدرًا مفتوحًا لإنتاج المعلومة والمعرفة، ولربما إنتاج المعنى والحقيقة، متحدية بذلك أطروحة "صناعة القبول" التي بناها تشومسكي من خلال ملاحظاته لسلوك شبكات الإعلام التقليدي.ومعنى ذلك، أن هذا الإعلام الجديد سيسهم لا محالة في بناء وإعادة بناء توازن المعرفة بين من يعرف، عماذا، وعمن وما الذي يعرف عنه وهكذا. وقد أصبح بإمكان الصيغ الإلكترونية الجديدة في جمع الأخبار وتوزيعها ونشرها أن توفر الفرصة لأي شخص أن يكتب وينشر على شبكة الإنترنت، صوره وآراءه وأخباره التي جمعها من مصادره الخاصة، وإظهار أن أشكالاً مستحدثة من تبادل المعلومة والخبر والمعرفة باتت في طريقها إلى الترسيخ في مختلف وسائل الإعلام. فالإعلام الجديد هو إعلام المواطن إذن، كونه إعلامًا تشاركيًا وتفاعليًا، لا يعير كبير اهتمام لمسألة احتكار المعلومة أو الخبر، لأنه بات بإمكان كل شخص أن يتحول إلى مصدر للأخبار والمعلومات، ولا يراهن على مركزية المعرفة لخدمة هذا الغرض أو ذاك.

وعلى هذا الأساس، فإن الانتقال من وسائل الإعلام الجماهيرية إلى وسائل إعلام الجماهير؛ "من الكل إلى الكل" عوض "من البعض إلى الكل"، قد منح الفرد سبلاً عدة لإنتاج المعلومة والمعرفة وترويجها على نطاق واسع، عوض أن يبقى الأمر محصورًا في الدولة، من خلال وسائلها في الإعلام ووكالاتها في الأنباء. وتشير نهاية احتكار صناعة المعلومة والمعرفة إلى أن هذا الصنف الجديد من الإعلام قد أحدث نوعًا من الثورة على التقاليد الإعلامية. فقد فقدت شرعية احتكارها للمعلومة، وأصبح بإمكان الكل تجاوز عوائق النشر والكتابة والتحكم في إرسال واستقبال المعلومة بكل حرية وبكل يسر. فالمدونة "أصبحت في اللاوعي الجمعي بمثابة الخروج والتجاوز لصحافة تنعت بأنها سلبية الأداء، فمن خلال المدونات، مدونات الصحفيين التشاركيين خاصة، نستشعر اتجاهًا تحريريًا ينقد بشكل علني أو غير علني رؤيتهم السلبية للصحافة التقليدية، واحتكارها لمنظومة صناعة الخبر".

وتشير هذه النهاية أيضًا إلى أن مفاهيم الأرشيف والسرية والمراقبة والرقابة لن يكون لها بعد اليوم من قوة كبيرة، بحكم ما تمكنه بنية التكنولوجيا الرقمية من سبل تخزين وأرشفة واستعادة المعلومات وما سوى ذلك. ومن جهة أخرى، فإن نقد وسائل الإعلام السائدة من قبل صحافة الإعلام الجديد، هو مقدمة لنقد حال الديموقراطية ومآلها، فهيمنة وسائل الإعلام على المجال العمومي وخضوعها للوبيات الضغط السياسي والاقتصادي، وإقصاء المواطن من حقه في الحصول على المعلومات الضرورية لصياغة مستقبله، تعتبر كلها قضايا جوهرية، وذلك بالنظر إلى ما لها من تأثير على صيرورة الديموقراطية. وعليه، فإن وجود الإنسان الحر رهين وجود ديمقراطية سليمة، وإن مدى توفر هذه الديمقراطية الحقة متوقف على مدى توفر وسائل إعلام مستقلة، وصحافة محايدة تكون مخرجاتها في خدمة الصالح العام. فقد أظهرت العديد من التجارب التاريخية "أن لا وجود لمواطن فاعل في واقعه في غياب نظام ديمقراطي حر، وأن حضور هذا المواطن دليل قاطع على وجود الديمقراطية من عدمها". من هنا، فإن قوة صحافة المواطن تكمن في تلازم البعد الإعلامي بالممارسة الديمقراطية في مشروعها النقدي، وهي "مسألة فكرية قبل أن تكون إجرائية، وخلاصتها أن وحدة وسلامة المجتمع تكمن في صحة العلاقة القائمة بين كل وسائل الإعلام والمؤسسات الديمقراطية، وهو ما يسمى بثنائية أو جدلية الإعلام والديمقراطية".

إن التفاعلية في صحافة المواطن تعتمد على مجموعة من التمثلات المشتركة لمجموعة الأفراد، وذلك من أجل أن تكون عملية الاتصال منسجمة ومتناسقة وحاملة لذكاء جمعي. ففي السبعينيات، "كان الأمل في ديمقراطية تفاعلية أساسها المواطن يجسدها التلفزيون، وذلك من خلال شيوع الفيديو والصورة. هذا الحلم أصبح اليوم معلقًا على شبكة الإنترنت"، فيما يطلق عليه بالديمقراطية الافتراضية؛ أي هذا الفضاء الواسع والمفتوح من التواصل الحر والتفاعلي.

وبالمقابل، فإن هذه الشبكات الرقمية، والإعلام المترتب عنها، ستمكن الدولة والنخب أيضاً من إعادة بناء شبكتها في الرقابة على المعلومة وعلى المعرفة، إذ ستمكنهم من تجميع المعلومات والمعارف من جديد، وتوظيفها لمراقبة حل الأفراد والجماعات وترحالهم في الزمن والمكان.

والسر في ذلك هو أن للدولة قدرات خارقة على حشد الإمكانات التقنية، من تشفير وحجب وما سواهما، بغرض إعادة استنبات أدوات الرقابة على الجماهير.

ولهذا السبب، فإننا نتصور بأنه بقدر قوة الإعلام الجديد على تكريس معادلة السلطة والمعرفة والحرية، بقدر قوة الدولة والنخب الحاكمة على تطويع هذا الإعلام، وتوظيفه لصالح "الوحدانية" التي تدعيها الدولة والنخب، في إنتاج المعلومة والمعرفة، ثم المعنى والحقيقة، وهو تدافع قوي، وشرس في أكثر من جانب، سيضع الديموقراطية والحق في الإعلام والمعرفة على المحك، ليس فقط بالنسبة للأفراد، بل بالنسبة للجماعات كذلك. لذلك، فإن الإعلام الجديد سيفسح المجال واسعًا، ليس فقط لتقويض سلطة الدولة على المعلومة والمعرفة، بل سيضع في الميزان قدرة الفاعلين على ضمان توازن في المعرفة كذلك، تكون الديموقراطية بصلبه هي العنصر الرابح.