الانتماء للأمة: من شرطية الطبيعة والخلقة إلى أفق القيمة

فئة :  مقالات

الانتماء للأمة: من شرطية الطبيعة والخلقة إلى أفق القيمة

مدخل:

التدافع الحضاري غالباً ما ينتهي إلى ولوع المغلوب بمنطق الغالب، ورؤيته الوجودية، وطريقته في تقييم الحياة والنظر إليها. ولأن الغرب هو الغالب الوقتي بثقافته وفلسفته، فإن قطاعاً غير هين من أبناء الأمة ومثقفيها فتن بفهمه لطبيعة الصلة الرابطة بين الإنسان والعالم، فنتجت آراء مقلدة لنظريات الغرب في ذلك، وبدأ مثقفونا في طرح الأساس المدني الطبيعي المادي القومي والإثني واللغوي، كعنوان في قراءة الانتماء وبنائه وتشكيله، كمقابل للمعنوي والروحي والقيمي. وهنا تكمن الخطورة، باعتبار أن الأديان، والإسلام واحد منها، عملت في كل تاريخها وتشريعاتها على حلحلة مشكلات الصلات ومضمونها، بدفعها إلى الاعتبارات المعنوية، بالظن أن الموارد التي اعتمدها البشر ماديا، مفضية أصلاً إلى التشاحن والتدابر والانغلاق حضاريا، ما حدا بالمشرعين في كل الثقافات الروحية الكبرى والتجارب الدينية المتنوعة، إما إلى رفض الأصول المادية الخِلقية الطبيعية للانتماء، توطئة لتأسيسها على الاعتبار الديني وفقط، وإما إلى ضبطها في إطار دوائر متدامجة يتماهى بعضها في البعض الآخر.

وهنا نُشْكِل: الإسلام باعتباره وارثاً للتجارب الدينية، ومعلنا عن قيمها التي اهتزت بتدخل البشر، هل يملك رؤية في بناء الانتماء وتأسيسه، حيث يمكنه أن يكون البديل الكوني والحضاري لكل النظريات التي قرأت الانتماء وأسست له، من منطلق مدني تعاقدي؟ هل الرؤية التوحيدية المستمدة من الإسلام تملك تقييماً للانتماء، يتسم بالواقعية وبالإنسانية؟ هل الانتماء للأمة هو المضمون الحامل للانتساب القيمي الحافظ للكرامة الآدمية؟ أم أن الزمان قد عفا عن الأمة، في وقت انهار فيه الأصل المعنوي جذراً لإقامة الانتماء وتشييده، وارتمت فضاءات الانتماء في أحضان الدولة المدنية الحديثة، تحت شرطية قانونية ومؤسساتية؟ كيف يمكن الجمع بين الخصوصيات (اللغوية، الإثنية، الجغرافية...) المتنوعة والمتناقضة في بعض الأحيان، وبين الانفتاح على المعنى القيمي والمعنوي للتواجد في إطار الأمة العالمية أو الأممية المتجاوزة للحدود والخصوصيات؟ هل الأمة معنى شاملٌ لاغٍ للخصوصية وماحٍ لها؟...سأعمد إلى عرض الموضوع في دراسات ثلاث، تعنى إحداها بالمفهمة، والتالية ببيان الموقف الطبيعي المادي المؤسس للصلات على منوال إثني قومي، وفي الأخيرة أهرع إلى إبراز السقف المعنوي والأسس القيمية في الصلات.

1- المفهمة والصياغة النظرية لمقولات الموضوع:

الأبحاث العلمية، ما هي في محصلتها إلا وجهة نظر، حول مشكلة تحتاج إلى حل، ولا يتم حلها إلا بافتراض مدخل نظري، يمثل مفتاحاً لفهم الموضوع وأبعاده، وما المفاتيح المشار إليها سوى مفاهيم الموضوع، وأهميتها بادية، ذلك أن "بناء المفاهيم...ضرورة منهاجية بالمعنى الواسع لكلمة "منهج"، وما تتيحه من معان ودلالات يوظفها الباحث في معالجة موضوعه، والطريقة التي يوظفها بها، حيث يتعامل كل مجال من مجالات الدراسات الإنسانية والاجتماعية مع مفاهيم تعتبر في نظر واضعيها من أساسيات المعرفة في ذلك المجال، وسواء أكانت هذه المفاهيم كلية أو جزئية، فإنها من مكونات الطرح النظري الذي يتأسس عليه البناء المعرفي في هذه الدراسات"([1])، ويتجلى بالوصل مع العنصر السابق، أهمية أن تلي في تنظيراتنا عملية المفهمة بوصفها صياغة تصورية تفصح عن محتوى ومضامين المقولات التحليلية والتفسيرية التي نستعملها في توصيف الظواهر وتفهمها، وأكرر الأسف؛ لأنا تحت تأثير الثقافة اللفظية وانبثاق الحقيقة عند حواف الأذن، غفلنا عن مركزية المفاهيم في بناء رؤانا، وإيضاح مفهوماتنا كما تصاغ قياسا إلى المنطلقات الرؤيوية الخاصة، وأيضا تميزاً عما عند الفضاءات الثقافية الأخرى. "لا ريب في أن أي تواصل لغوي لا يتحقق بين الناس إلا بالمفاهيم، إذ هي جوهر اللغة الطبيعية العادية ولب اللغة العلمية الاصطناعية؛ المفاهيم هي ما يجعل الإنسان يفرق بين شيء وشيء، وكائن وكائن، وكيان وكيان...خلاصة ما تقدم، أن مفاصل الصناعة النظرية هي المفاهيم، سواء أكانت مفاهيم أولية أم مفاهيم لها تحديدات جامعة مانعة، أم لها تعبيرات مسندة إليها توضح علائقها ووظائفها".([2])

وأخلص إلى أنه من الأسباب المعطلة للوعي الإسلامي عن الانطلاق التنظيري والإبداع والإنتاج المعرفي، ضبابية المفاهيم والوقوع في استعمالات غير واضحة، ما يحول من غير إدراك الأشياء، ويصعب تكوين فهوم حولها، فما بالك إيصالها إلى الآخرين والمقدرة على التواصل معهم بشأنها، فينعدم التداول، وتخفق عملية الاتصال، وبالتالي يمتنع تكوين ركام من المعارف، يتيح توليد العلم وإنتاج المعنى. إذن أرى لزاما، من الناحية المنهجية، البدء بتحديد مفاهيم البحث، حتى أستضيء طيلة التحليل بها من ناحية، وأضع قارئه (البحث) ضمن سياق تصوري يفهم به الدراسة، ضمانا لعدم الحياد بالموضوع خارج مقصده وغايته، ومن المفاهيم المركزية التي نسوق معانيها ؛ الأمة، فالرؤية التوحيدية، الطبيعة والخِلقة، وأخيرا القيم والمعنى الذي أوظفه.

أ- مفهوم الأمة بين المعاني المتداولة في نطاق الممارسة المعرفية العامة، والتناول القرآني:

عرفت المفاهيم والمصطلحات ارتحالا وانزياحا في سكها، وضبطها، وتناولها، من تخصص معرفي لآخر، وتلك من الخصائص الملازمة للمعنى في تشكيله وتطوره، بل ومعارضته، وينسحب على الأمة كتسمية ونعت، ووصف وقيمة، ما قرر، بل من المتأثرين بالمعرفة الغربية من يزعم أن تداولها نشأ في فضاء الأدبيات الفلسفية والسياسية الألمانية والفرنسية، وقد عرفت البشرية هذا اللون الجديد في تقييم التجمعات الكبرى من ذينك القاموسين المعرفيين، وهذا ما يجعلنا مضطرين إلى البحث عن أصل الاستعمال اللغوي عند العرب، وهل دلَّ اللفظ على معنى معرفي دالّ أم لا؟

أ-1- مفهوم الأمة في التداول العام:

يورد صاحب اللسان استعمالات الكلمة "الإمة: الحالة، والأمة والإمة: الشرعة والدين. وفي التنزيل الحكيم (إنا وجدنا آباءنا على أمة) قاله اللحياني، وروي عن مجاهد وعمر بن عبد العزيز: على إِمة. وقال الفراء: قرئ إنا وجدنا آباءنا على أمة، وهي مثل السنة، وقرئ على إمة، وهي الطريقة من أممت.. والإمة أيضا النعيم والملك...والأمة والإمة: الدين. والأمة: الطريقة والدين، يقال فلان لا أمة له أي لا دين له ولا نحلة له. الإِمة: لغة في الأمة، وهي الطريقة والدين. والإمة: النعمة..."([3]) قبل أن أستمد التصور من الاستعمال اللغوي الذي ألفته العرب، أراني ملزما منطقياً أن أضبط المصطلحات المعرفة للأمة قيما أورده ابن منظور (711 هـ)، من دين ونحلة وملة. "الدين والملة متحدان بالذات، ومختلفان بالاعتبار؛ فإن الشريعة من حيث أنها تطاع، تسمى دينا، ومن حيث إنها تجمع تسمى ملة، ومن حيث أنها يرجع إليها، تسمى مذهباً. وقيل الفرق بين الدين، والملة، والمذهب: أن الدين منسوب إلى الله تعالى، والملة منسوبة إلى الرسول، والمذهب منسوب إلى المجتهد".([4])

ينخرط الفرد مع أقرانه في إطار تصرفات عامة وخاصة، تلتزم ما توجبه سيرة السابقين، وما وضع تشريعاً، ليستدلوا به على طريقهم إلى المستقبل، وينضبطون في كافة فعالهم بما توجبه تلك المشارع والمسالك بقوانينها وأحكامها، سواء كان المصدر متعاليا إلهيا، أو كان تاريخياً وضعياً. وهكذا تتكون الأديان أمماً؛ أي طرقاً وسبلا تتخذ لبلوغ الغاية أو الوقوف عند حدود ما توجبه الجماعة، وغني عن البيان أنه ما من فرد إلا ويتشخصن في علاقات جماعانية تؤهله تاريخياً، ليدرك الانتماء عاما وكليا، بل وشاملاً، وأعتقد أنه من المعاني المعاصرة للأمة كقيمة روحية ثم سياسية، تمتح من المعنى السالف. وعلى ما اندرس من استعمال؛ فالدارج اليوم يحيلنا إلى مضمنات التوظيف، حيث إن التجمعات العامة التاريخية تتصرف في ضوء سنن السابقين، وحتى لو عمد الجيل الجديد إلى ابتداع طرائق في نظم شؤونهم، لا مندوحة لهم عن استلهام الطريق السابق. وفي تقديري، فالمعنى اللغوي يحيل إلى طبقات دلالية في الاستعمال، من جهة أن الأمة إذا كانت صورة جوهرانية، فهي دين أو لوائح مبجلة تتعالى على اليومي، فتكون في حال الإمكان. أما إذا استحالت إلى ملة أو مَشْرع البشر اليومي، تكون نتاج المكابدة والبذل، ولكل أمة نصيب من الحضور في التاريخ، بمقدار الانضباط والبذل؛ فالدين ليس مجرد الشريعة التي توضع ليكلف بها البشر، وإنما هي الأداة التي تجمعهم في اتجاه مسعى وجودي وتاريخي واحد أو متقارب، وهذا ما يرفعها إلى فاعلية الأمة ودورها التاريخي. وفي تقديري، هذا ما عناه المفكر إسماعيل راجي الفاروقي (1986) ".. والأمة نظام ينتظم فيه البشر حتى وإن لم يؤمنوا...الأمة نظام دولي.."([5]) يعنيني من المعنى مصطلح نظام، وهذا ما أثبته المعجم القديم، ما يفيد انوجاد الدلالة، رغم فقر التداول اليومي قبل القرآن، وفي حسباني ذلك مبعثه الأفق التاريخي الضحل الذي ينظر به العرب يومئذ إلى العالم؛ فالكون عنده هو القبيلة، لكن لا نُعدم في إمكان اللغة من غنى دلالي سيستثمره القرآن تماما.

وأورد القدامى للأمة دلالات غنية، منها ما ساقه صاحب المفردات الراغب الأصفهاني (502 هـ)، إذ قال: الأمة ".. كل جماعة يجمعها أمر ما، إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر تسخيرا أو اختيارا {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} (الأنعام: 38)؛ أي كل نوع منها على طريقة قد سخرها الله عليها بالطبع.."([6]) زخم معنى قل له نظير في أيامنا، رغم قدم التناول؛ فليست الأمة طريقا لحياة الناس، بل مضمونها يطاول الظاهرة التكوينية عموماً، والمائز بين المعاني، العنصر المركزي في تجذيرها، أمستمدا من أهلية الفعل والقدرة عليه اختيارا؟ أم من إلزام طبيعي تخليقي حمل الكائنات على أن تسلكه تبعا لمناظيم وجودية كونية، تبدأ من أصغر الكائنات والظواهر إلى أعمها وأدخلها في التكوينات الكلية والعامة؟ أي الطبع والتنظيم المسبق، لكن الجميع ينخرط في نسق واحد، وهو الانتظام في مجمعات عامة، لا تلغي التفرد، لكن لا تقف عنده. لذا لا يشترط تعيين نوع الأمر اللام، المهم التأطر في انتظامات، سواء انبثقت من الخصوصية الطبيعية أو التاريخية، وأكيد الملية. واستمر التوظيف بمعنى قريب أو محاذ لما توارد من تراث السابقين، لكن ما دخل على الثقافة العربية والإسلامية نتيجة الاحتكاك مع الغالب الوقتي، جعل المفهوم أكثر توترا وانخراطا في خضم التدافعات الفكرية، إثباتا لوجود ظاهرة عامة تنعت بالأمة، أو نكراناً لها لما وفد من مفهوم مدني يؤسس الانتماء ويؤطر به الصلات. وهذا مدعاة للوقوف عند المضامين التي يتصور بها الغالب الوقتي؛ الأمة وحدودها من جهة المفهمة وتجلياتها المتنوعة على المستويات التاريخية المتعددة.

يورد لالاند أندري (1963) في معجمه النقدي التطبيقي للفلسفة، دلالات عدة للمصطلح، وكيف يتراوح محتواه بحسب علاقاته مع مفاهيم حافة، تشكل كل منها في سياقها نسقا خاصا، يقول "NATION مجموعة من الأفراد الذين يشكلون دولة (état)، باعتبارهم جسماً اجتماعيا، وفي مقابل الحكومة: يكمن مبدأ كل سيادة، جوهريا، في الأمة. فما من جسم، ولا من فرد، يمكنه أن يمارس سلطانا غير مستمد منها صراحة.."([7]) طفح التوصيف المساق بالمعنى السياسي، باعتبار الأجواء التي خلفتها الثورة الفرنسية على الوعي الثقافي عامة، والفلسفي بالخصوص، حيث تم المضي إلى نوع من المماهاة بين الأمة والدولة، كما كان الحال عليه سابقاً عند اليونان، آن مساواتهم بين الدولة والمدينة، ويتفق العرض على كون الأمة جسما جماعياً مشكلا من أفراد كثيرين، يحوزون القدرة على تنظيم شؤونهم من الاجتماع العام ذاته، وربما هذا ما جعل المعنى يتقاطع مع الدولة بالمعنى الحديث والمعاصر. وفي ظني لا ينبغي أن نسقط الدلالة الأخلاقية جراء الحضور السياسي العارم في المعنى؛ فالأفراد يشعرون بوجود إطار عام يتجاوزهم ويعلوهم، يرجعون إليه في شؤونهم بل كينونتهم مأخوذة منه. وبالتالي؛ فالوجود والممارسة أي السلطة من الأمة تؤخذ.

يتمثل الفارق بين المعنيين الإسلامي والفرنسي، في مُؤَسسات المعنى؛ فالدين ومصادره ما دل على الشرعة والطريق والملة، والعلمنة بروحها الفاصلة ما قاد إلى الاستمداد من الجماعة السياسية، وربما الأخلاقية، وسنجد انعكاسا مهما في التأسيس لمصدر الأمة كقيمة سياسية وروحية، وما هو أصلها المولد. ويطابق لالاند بين المعنيين، ويشد الاعتبار الأخلاقي إلى السياسي وليس العكس، ويؤكد بأن الأمة ترادف الجنسية بوصفها الإعلان القانوني والسياسي للانتماء والارتباط والمثول والتمثيل، "..NATIONALITE سمة حقوقية يملكها الأفراد بوصفهم مواطنين أو رعايا دولة"([8])، ويستوجب الوضع نوعاً من الشرائط التي تسمح بانتصاب الدولة كيانا قانونيا كليا، وهنا يظهر التدامج بين السياسي وغيره في المنظور الغربي، حيث إن اكتساب الفرد لتلك الحقوق المدنية لم يتأت من فراغ تاريخي، بل أخذه نتاج تراكم لخصائص إثنية أو لغوية أو ظروفية، ويتعمق المعنى باستدعاء المشكلات الملمح إليها؛ فالأمة إذن "جماعة موحدة اجتماعيا برابط العرق race أو أقله رابط المتحد الحضاري، التراث التاريخي، التطلعات المشتركة، حتى وإن كانت هذه الجماعة لا تشكل دولة".([9])

ما شدني في التعريف، رفعه للاعتبار العرقي على الأساس الحضاري، ولكني ميال إلى أن القصور قد نشأ عن الترجمة، ومع الاستدراك التوحد العرقي منبثق تشكل الأمة، وإذا لم يتوفر، تتدخل المُساعِدات الأخرى، كالحضارة والتراث والمستقبل؛ أي الزمن بأبعاده التاريخية، وهنا ينضاف عنصر مهم إلى دلالة الأمة، يمنحها الحركية وينفي عنها السكونية والصورة القارة، ما يفيد تدخل العنصر الجدلي في تشكلها، وحاجة العملية إلى حضور الأفراد ووعيهم وإرادتهم، وأنهم في نقطة من التاريخ تندفع إلى أخرى. واستنتاجاً، أخلص إلى الاتصال الوثيق بين الأمة وأفرادها إنجازا؛ فهي ليست ظاهرة معطاة، أو قيمة مبثوثة في خضم متعال، ما يرجعها في الغالب إلى التشكل البشري. ومقصودي أن المعنيين الإسلامي والغربي، يشيران من طرف خفي إلى الموارد المتضادة في النشأة والمسيرة والمآل. وأزيد أن "nation مصدرها naitre وهو معنى الولادة. إذن، فأصحاب هذه التسمية يعتبرون الملاك الأساس والرابطة الطبيعية والمقدسة والواقعية التي تربط بين أفراد التجمع الواحد هو: القرابة ووحدة الدم والعرق".([10])

ويتداول المعجم المعرفي العربي والإسلامي المعاصر للأمة معانٍ، نحاول رصدها المختصر في غير إخلال بالمعنى، ثم نتجه صوب معارف الوحي القرآني، وكيف حقق المعنى المتجاوز والحي أبدا. الأمة "..هم الجماعة من الناس، أكثرهم من أهل واحد، وتجمعهم صفات موروثة ومصالح وأماني واحدة أو يجمعهم أمر واحد من دين أو مكان أو زمان، سواء أكان ذلك الأمر الجامع تسخيرا أم اختيارا، فنقول الأمة الأمريكية والأمة الألمانية، كما نقول الأمة اليهودية والأمة الإسلامية. ونقصد بالأولى تكوينات تقوم على وحدة الجنس والمصالح والأماني، ونقصد بالثانية تكوينات تقوم على وحدة الدين والعقيدة بالدرجة الأولى.."([11])؛ تعريف مُتَضَمّنٌ تماما فيما أوردناه، وهو يحيل إلى المعنى المباشر ذي الدلالة اللغوية العربية، وما صاغه لالاند من مضامين مفاهيمية، دون أن يشير إلى مصدر الاستقاء. وهو يشير إلى نمطين من التشكل؛ أحدهما ينبني على اعتبارات مادية إثنية عصبية، حيث يكون العرق واللون مولدا لكينونة الأفراد، وسابغا لطبيعة إدراكهم لعلاقاتهم مع العالم ومع المختلفين، وتثبت الانتماء لكل من اكتسى وجوديا حلة هذا الجنس أو ذاك. وهنا بالذات انبثقت رؤيوياً ما يوصف بالنظريات الشوفينية والعصبوية –كما سنلمح إليه في بقية التحليل- التي قسمت العالم وأخذت تستحوذ على التميز والتفوق، فقط لأنها من الجنس الفلاني أو الآخر. وثانيهما تولد بعلة متعالية متجاوزة، لاتصالها بقيمة إلهية أو لحظة تدشينية تاريخية، صنعتها شخصية أو مجموع قوى وفاعليات رمزية، أحيطت بهالة من التوقير والتقديس، وشرعت في تقنين الالتزام، وضبط مجاله، وتحريك طاقاته تلقاء قيمة بعينها، ما يمنح نوعاً من الارتباط المعنوي، الدال على تخطي المباشر في تعريف الانتماء وتوليده، وكأن الطرحين يشيران إلى استقطاب محكومة به البشرية، فإما أن تنتمي وتعلن الالتزام للوازم خِلقية، أو تتنكر لها لكي تقدر على ممارسة الطابع الإنساني في الهوية إيجادا أو إعلاناً.

ومن الطروحات التي عرفها المعجم العربي والإسلامي، ما تقدم به الفيلسوف طه عبد الرحمن في سفره النوعي؛ روح الحداثة، أين مازج بين الاعتبارين الأنطولوجي والأخلاقي، وجعل الأخير مصدرا للأول وليس العكس، كما ألفت ذلك الفلسفات المختلفة من لدن قدامى الشرقيين إلى ممارسي الفلسفة ومحترفيها في عالم ما بعد الحداثة؛ فالوجود الجماعي في الأمة "...ليس...تكتلا من أجل تحصيل مزيد من الحقوق، وإنما تجمعا من أجل القيام بمزيد من الواجبات، لأن الواجبات هي الأصل في اكتساب التخلق وليس الحقوق؛ والواحد من أبناء الأمة لا هم له إلا الأدب مع سواه، بل الأدب هو سر وجوده، وإذا ظهر أن الأمة جماعة أخلاقية بحق، لزمت نتيجتان..: أن الأمة تمكن من التحقق بالماهية الأخلاقية...تختص بكونها الفضاء الذي يرتاض فيه المواطن على القيام بشرط الآدمية،.. والأخرى أن الأمة تزود بالقدرة على إبداع القيم".([12]) تبدو على التعريف غرابة، لأنا ألفنا في تنظيراتنا وطرحنا الفكري التماس التام أو شبه المطابق مع أطروحات الحداثة الغربية وما ترتب عنها من مفهمة وأشكلة ورؤى، وإذا عمل أحدنا على ولوج عالم المعرفة من باب الإبداع والاستقلال المرجعي والمفاهيمي والمسلكي، ترمى محاولاته في خانة الممارسة اللاهوتية الإسلاموية التي تكرر الماضي بعابرات فيها تعمية على المقاصد الحقيقية، لكن الإصرار على الالتفات إليها مضن ومنهك، لذا التاريخ يحمل تجارب تغييرية وحضارية، قائمة على المحاولة تلو الأخرى، حتى تبلغ عتبة الانتقال، وهذا تماماً ما حققه تعريف طه عبد الرحمن، لما عمل بتحرير نظري أخلاقي لمضمون الأمة ووظيفتها، بعيداً عن الشرطية السياسية التعاقدية، التي وفدت إلينا من النظريات الفلسفية السياسية، وأهم نقلة؛ اعتبار الأخلاق أساسا تكوينياً لا تشذيبا وتكملة زائدة على الضروري، إضافة إلى محورة المعنى على الواجب وتقدمه للحق، مخالفا للغالب من العروض السياسية المتمحورة حول الحقوق وفلسفتها؛ فتكون الأمة بذلك محضنا معنويا، يتسلم الإنسان ليتأهل به أنطولوجياً، ويكون كائنا أخلاقياً لا عقلانيا فحسب، "..فمن زاد عليك في الخلق، زاد عليك في آدميته، والعكس بالعكس.. فالأمة تختص بكونها الفضاء الذي يرتاض فيه المواطن على القيام بشرط آدميته".([13]) الأفق أخلاقي قيمي في الأساس، لكن يجب أن نلتفت إلى أهمية المعنى السياسي، ولا نسقطه من حساباتنا التحليلية. خاصة إذا علمنا أن الرؤية التوحيدية تميل إلى التلوين القيمي لعوامل الاجتماع البشري ومداه ومؤسساته، "الإسلام لا يحصر نفسه في تلك الحدود الضيقة، ولا يسعى لإعداد المواطن الصالح، وإنما يسعى لتحقيق هدف أكبر وأشمل، هو إعداد الإنسان الصالح. الإنسان على إطلاقه، بمعناه الإنساني الشامل...الإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث هو مواطن.."([14])، لكن لا ينبغي أن يتيه الموقف التوحيدي عن البناء والنظام المؤسساتي السياسي والاجتماعي للأمة، وإلا كان كمن يملك قيمة نفيسة، تعوزه الحواضن التي يحفظها بها فتضيع منه، لا لأنها غير ذات أهمية، وإنما لأنها لم تتأطر في هيكلة قانونية وتشريعية تحفظها.

أ-2- مفهوم الأمة في التناول والوضع القرآني:

نجاوز الآن إلى عرض معنى الأمة، من خلال القرآن العظيم واستفتائه في مضامينه، بعيداً عن الحمولات التي تصر الأساليب التقليدية على سوقها أنها منه، لكن حقيقة الأمر هي عرض من جهة اللغة ينزع بها الاتجاه السكوني إلى إظهارها متغلبة على معاني القرآن، ومانحة لمضامينها له، حيث أضحى مشدوداً في بنائه وصياغته إلى قواعدها وأحكامها وأسلوبها الاستعمالي، وإذا ما أريد تفسيره هرع إلى الشعر والحكم والأمثال لاستجلاء مستوياته، وفي الحال السالف خطورة نوعية، باعتبار أن القرآن سيكون ذا أفق متصل بالبنية التي تنزل عليها وفيها، وليس في متاحه أن ينفتح على التجارب التاريخية المتنوعة، مستوعباً لما كان ولما لم يرد بعد. "وأود أن أنبه على قضية مهمة جدا، وهي أن اللغة التي يرجع إليها، ويؤخذ بها هي: اللغة المعروفة في عصر نزول القرآن، والمعبرة بما تدل عليه الألفاظ في ذلك العصر، لا بالدلالات الحادثة بعد ذلك؛ فكثيرا ما تتطور دلالات الألفاظ والجمل والتراكيب بتطور العصور، وتطور المعارف والعلوم... وبتدخل العرف أو الاصطلاح أو غيرهما بإعطاء دلالات جديدة للألفاظ والجمل لم تكن لها في عصر النبوة، فلا يجوز أن نحكم هذه الدلالات الجديدة في فهم القرآن".([15])

السانح من الاستشكال السالف؛ هو: هل استعمل القرآن اللغة الموجودة حينئذ، وتعممت مفاهيمه بمساقات الكلام في تلك الفترة؟ أم أن القرآن أعطى مضامين جديدة وغير مسبوقة لتلك الألفاظ ذاتها، وتعدى بها التناول الطبيعي، إلى التوظيف الاصطلاحي المستوعب لما كان، والمتجاوز به إلى آفاق حضارية وتاريخية مقبلة على أشكال حياتية مأمولة، وتالياً محتاجة إلى قوة في استعمال اللغة، ولكن كيف يتحقق ذلك في نطاق اشتراط الفقهاء لضرورة التلبس باللغة الحافة للقرآن، قبله ومعه، والأنكى أن جُعل الشعر العربي الجاهلي دليلا عليه؟

"إن هذه الشريعة المباركة عربية... وجاء القرآن على وفق ذلك... نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة... فمن أراد تفهمه فمن جهة العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه عن غير هذه الجهة... فإن قلنا أن القرآن نزل بلسان العرب، وأنه عربي، وأنه لا عجمة فيه، فبمعنى أنه أنزل على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصة، وأساليب معانيها، وأنها فيما فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره، والعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه... فيجب التنبه لذلك..".([16])

نلاحظ أن الأسلوب الأصولي تدارج باستماتة للتأكيد على عروبية البناء اللغوي والتشكل المفاهيمي للقرآن الكريم، وأن لغته مستعملة بين العرب إبان القرن السابع الميلادي وما قبله بقليل، ولم يعد القرآن سوى نظمها وترتيبها بشكل غير مسبوق، لكن المحتوى نفسه، وإلا لخوطب العرب بغير ما يفقهون، وأهم ما جاء في نص أبي إسحاق الشاطبي (ت 790 هـ) تأكيده أن للعربية طريقة وأسلوب معهود ومألوف، نظماً واستعمالا، والقرآن جرى مجراها. وفي تقدير التحليل هنا تكمن الخطورة المختزلة لمعنى القرآن وتوثيقه إلى السائد من الألفاظ بسياقاتها، وقد يتعدى إلى المترتب الثقافي كما سيأتي.

"...بتحليل علمي للكيفية التي استخدمت بها مفردات اللغة العربية في القرآن، ومقارنة ذلك بمعاني المفردات نفسها في ما كتب عن لسان العرب. نجد فارقًا جوهريًا في كيفية الاستخدام..."([17]) وإلا لماذا جاء القرآن مدعيًا التجاوز والسبق حتى في نظم اللسان العربي، وسوق مضامينه الاستعمالية إلى نطاقات لغوية غير معهودة. ".. إن فهم القرآن في كليته أمر مرتبط بفهم طبيعة القرآن نفسه، إذ أن هناك فرقا جوهريا بين من يرى أنه كتاب حاوٍ لسور مفصلة تتضمن عبادات ومعاملات، وبين من يرى فيه، بالأخص، سجلا إلهيا مفتوحا على التجربة الوجودية الكونية"([18])، وهنا نقر استحالة تشكل الرؤية الوجودية التوحيدية التي يتضمنها القرآن، بغير مقتضى المنطق الكلياني تصوريا، إذ التبعيضية كعملية تجزئة وتشتيت للحكمة القرآنية بالوقوف عند التفاصيل، تحرم المعرفة من شاملية النظر واتساعه، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن العقل الفلسفي المعاصر غلب عليه النزوع إلى التفكيك والتجزئة. ما سيحث الوعي البشري إلى العودة من جديد، ليبحث عن الطابع الإنساني في التفكير، وفي محصلة العمل ليس سوى القرآن قادراً على منح المعرفة الحتمية المستندة إلى ناظم عقدي؛ ينظم بالمعنى المعرفي والمنهجي والتاريخي والحضاري، حيث يتراكب كل شيء في تجربة ملخصة لحال الإنسانية تاريخياً.

"رأيت أن استيعاب هذه المواضيع وغيرها عبر القرآن، وبدقة عملية تحليلية، سيقود في مجمل الطرح إلى الكيفية التي نستفتي بها القرآن في حالات الحياة وقضاياها، في الماضي والحاضر والمستقبل؛ أي أن نصل إلى قواعد وقوانين الإفتاء بالقرآن...عبر منهجه المحدد للغاية، أسلوب استمداد الرؤية القرآنية لكل ظواهر الحركة الكونية بخصائصها المتنوعة وأشكالها المختلفة".([19])

"...والنظرة للقرآن ضمن مرحلتنا الراهنة تختلف في أسلوبها عن النظرة التي حتمتها أوضاع معينة، إذ أن نظرتنا إليه تأتي كنظرة منهجية بالدرجة الأولى، ترقى من متفرقاته إلى كليته، ومن أجزائه إلى وحدته، ومن سطحه إلى مكنونه، بذلك نصل إلى فهم منهجية الحركة في الطبيعة والتاريخ ضمن الأطر التي يدفع الله بها، وما علينا لدى هذا التمثل للمنهج القرآني إلا أن نطرح فعلنا على قاعدة الفعل الإلهي وضمن اتجاهه".([20])

ما زعمه التاريخانيون يتهاوى أمام العرض السابق، حيث التسوية في نمط التعاطي مع القرآن، بين أسلوب قديم متلبس بظروف ثقافية، وآخر جديد يرقى إلى التناول المنهجي العلمي الذي لا ينساق خلف الجزئيات، بل يبحث عن الكل وحكمته، و يعمد إلى التوحيدية رؤية وأسلوبا يجمع العلم القرآني إلى بعضه، فلا يؤمن ببعض ويكفر ببعض معرفيا، ولا يقف عند المعطى الظاهر، بل يسعى إلى استكناه المماثلات المنظومية للحق في القرآن من وجه، وفي الخلق ونواميسه من وجه آخر.

"ليس في الأمر مغيبات مجهولة؛ فالمنهج بشموليته مضمن في الكلية القرآنية، وليس لنا أن نفعل إزاء هذا التضمين سوى معاناة الاستخراج بالتدبر والتفكير والربط والتوليد...إنه نوع من التعامل العميق مع سجل كوني مفتوح، تنتقل إلى نفوسنا من خلاله مبادئ صياغته وأحكام علاقاته.."([21]) أليس تعجلا للحكم أن يقال: القرآن كتاب اندرست طاقاته، واستهلك ما وضع من حوله من علوم، وأن يوصف بأنه صندوق أحكم إغلاقه، وألغز معناه، فلا مشرع إليه؟ القرآن يقتضي التدبر والعمل الجاد المتمعن للوصل بين مكوناته، حيث الحق منشور ومعلن، وعطاؤه يتناسب طرديا والجهد المبذول، والعدة المنهاجية المجملة بقصد الولوج إلى عالمه، وبغير هذا التوجه، تصير الكتب الأدبية القديمة منها والحديثة أفضل منه وأرقى، وليت الحكم لا يكون متعجلا، إذ تجيش الأساليب الكثيرة لفهمها ألسنيا، وسيميائيا، وأنثربولوجيا، بتعميم التحليل على الموقف المهدر حتى إلى الاتجاهات اللاهوتية المجزئة، أين تكون حصيلته ".. عدد كبير من المعارف والمدلولات القرآنية، لكن في حالة تناثر وتراكم عددي دون أن نكتشف أوجه الارتباط، دون أن نكتشف التركيب العضوي لهذه المجاميع من الأفكار، دون أن نحدد في نهاية المطاف نظرية قرآنية لكل مجال من مجالات الحياة"؛([22]) فالحاجة ماسة إلى منح الأسبقية للطريقة الكليانية بمنطقها، في فتق حواصل القرآن النظرية، فتندلق نظريات ومفاهيم ومعارف تملك أن تجيب الحياة، بل وتؤسسها بإمكانيات متجددة ومفتوحة. والآن، أين الأمة من كل الإطار النظري المحيط بعملية الدخول إلى القرآن؟ إننا سنستعين به وبواسطة مضامينه لننظر إليها من خلاله؛ أي أن نجعله وسيطا بيننا وبينها؟ ونستفته في المضمون المحتوى داخله، أيكرر ما كانت الثقافة العربية والإنسانية تستعمله إبان القرن السابع الميلادي؟ أم أنه تعدى استعمالاتها إلى أفق تاريخي وثقافي مفتوح؟ وأينه من المعروض المفاهيمي الآن؟

ساق القرآن للأمة استعمالات عدة؛ منها ما له صلة باللغة ومضامينها الدارجة العادية؛ أي في خضم المألوف اليومي من غير انتقال إلى الأفق العام المعرفي، ومنها ما استخدم بدلالة نظرية شاملة وعميقة، غرضها إقامة المعنى في أفق نظري قيمي. وباستقراء القرآن، نجد أنه تراوح في الاستخدام بين المستويات التالية:

-الفرد الأمة: وقد اختص به إبراهيم عليه السلام، لما كان أداؤه الرسالي عالياً ومتمكناً، حيث واجه كل التحديات العامة، والخاصة، والسياسية، والنفسية...فاستحق أن يتصف بنعت الأمة، كقيمة تدل على شمولية الشخصية وقوتها وحضورها، ونوعية فعلها، إذا ما قيست بالتجربة البشرية من حيث ما هي، {إنَّ إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين} (النحل: 120). أورد فخر الدين الرازي في مفاتح الغيب تفسيراً جاء فيه أن الأمة في الآية، استحقها الخليل لتلبسه بصفات عدة منها: "...أنه وحده كان أمة من الأمم لكماله في صفات الخير...هو الذي يؤتم به...أنه عليه السلام هو السبب الذي لأجله جعلت أمته ممتازين عمن سواهم بالتوحيد ودين الحق"([23])، وليتسنى لنا الجمع بين المعاني السابقة، نقول إنه عليه السلام تميز بعقيدة التوحيد وبالرؤية الإيمانية الموحدة، ودعا الناس إلى ذلك فتمايزوا؛ فمنهم المؤمن، ومنهم المنكر الجاحد، فتفرقوا بحسب صلتهم بالنبوة وبالتوحيد، وهنا اعتلى النبي مقام الأمة، فكان أمة. وفي ظني أن المعنى المهم في التفسير، إشارته إلى تحول إبراهيم بالمؤمنين معه إلى أمة متميزة؛ فيتأسس التميز والتفرد ركنا مهما في انبناء الأمم. وقوله أمة أي "..قائما مقام جماعة في عبادة الله..وإنه كان أمة منحصرة في واحد مدةً من الزمان، لم يكن على الأرض موحِّد يُوحِّد الله غيره".([24])

-بمعنى جماعة تدعو وتهدي، إما إلى هداية أو إلى ضلالة وعماية: قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف} (آل عمران: 104). من غير دخول في تفاصيل التخريجان النحوية، وهل للبيان أم للتبعيض، والأمة هل المجموع الكلي أم البعض المنتخب لتأدية وظيفة ما، "ذكر هو الذي يدعو المجتمع الصالح الذي عندهم العلم النافع والعمل الصالح أن يتحفظوا على معرفتهم وثقافتهم، وأن يردوا المتخلف عن طريق الخير المعروف عندهم إليه، وأن لا يدعوا المائل عن طريق الخير المعروف، وهو الواقع في مهبط الشر المنكر"([25])، وأميل الرأي تحقق المعنى القيمي للأمة حال قيامها بالوظيفة التصحيحية والتصويبية لممارسات الأفراد وتصرفاتهم، في إطار الشأن الخاص والعام، وبغير هذه العملية المهمة لا يمكن للانتماء للجماعة أن يثمر ويتحول إلى عنصر متمحور على معاني إيجابية. وإذا عكسنا الدلالة في الاتجاه السلبي، فإنها تعطينا التخريج نفسه بمضمون مقلوب؛ لذا أغلب سورة آل عمران حديث عن جدل الصلة بين الممارسات المختلفة، في صلتها بالسياق الثقافي والاجتماعي العام، المسمى الأمة. وليس يفيد المضي بالمعنى إلى قصره على فئة من الناس علماء أو قادة([26])، أو ممن يتصدى للشأن العام، باعتبار أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين على الجميع وجب القيام به، لذا الكل مرغب ومكلف، وهنا يكون بعض الأمة كلها، وبذلك يتصدى الميع للقيام بصلاح الأمر، بتكريس الخير ومحاصرة الشر.

-التلازم بين الخيرية والفعل الحسن المفتوح ومعنى الأمة القيمي: من المقاصد الوجودية الملازمة لوظيفة الإنسانية في التاريخ، خاصة الإلهية منها، اتصال وجود الأمة وممارستها لوظيفتها التقدمية والتصويبية للبشرية ككل، وربما لكون، بالخيرية، لا كتشذيبة زائدة، تدخل في إطار الكمالي أو التحسيني بلغة الأصوليين المقاصديين، بل كلازمة ضرورية، وكلية من كليات التعين في التاريخ، وبغيرها لا تستحق أن ترث وتشهد. {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران: 110).

يشير سيد قطب (1966) في الظلال أن "..التعبير بكلمة أخرجت المبني لغير الفاعل، تعبير يلفت النظر، وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة، تخرج هذه الأمة إخراجاً؛ وتدفعها إلى الظهور من ظلمات الغيب...وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة، لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة وتكون لها القيادة...أن يكون لديها ما تعطيه...هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها، وتحتمه عليها غاية وجودها..." ([27]) ألمح إلى مضمون مهم يلتصق بكينونة الأمة وتلازمه مع قيمتها، فهو وجود منبثق عن قيمة، وليست قيمة تنشئ وجوداً، وربما بتأصل المعنى أكثر عندما نحيل إلى مدى الارتباط بين بروز الأمة ككيان وعيان متحقق، وبين تمثلها لقيمها وواجبها؛ فهي توجد حالما تؤمن بدورها الطليعي بالنسبة للإنسانية، ومنبع تفوقها وتقدمها علته قيمها وليس ولاؤها لدائرة معطاة في خضم التدافع العادي؛ العرقي، أو اللساني أو...

"...وجميع شروط هذه الخيرية وصفاتها ومؤهلاتها مكتسبة، وأبواب ميادينها مفتوحة أمام عباد الله.. وليست صفات لصيقة، ولا هي حكر على من يتسمون بالمسلمين...ولأن شروط تكوين الأمة هي شروط مكتسبة وليست لصيقة - كالعرق والجنس واللون - كان معناها ومفهومها في العربية - لغة القرآن - وفي الإسلام مفهوما مفتوحة أبوابه لكل من يكتسب الشروط والصفات التي يطلق مصطلح الأمة على المكتسبين لها والمتصفين بها..."([28]) الانتماء والانتساب للأمة مرهون بأداء، واتصاف بأحوال وفاعليات تتراكم فتعطي الأهلية للدخول في رحاب الإطلاق والدلالة مفهوميا، ثم الانخراط في سياق الالتزام بواجباته مصداقا. وبهذا فقط، يمكن التقرير باكتساب أحقية الإلحاق والدعوة وما عداها، إذا وقف عند حد الطبيعة والمعطى المباشر - كما يقرر البحث ككل - ولم يتعد إلى أفق مفتوح ومستوعب وممكن للجميع، لا يمكن أن ينطبق رؤيويا على معنى الأمة الذي هو قيمي بالأساس.

الأمة الوسط من مستعملات القرآن الكريم للتعبير عن شكل تاريخي جديد، تكون إثر تراكمات جدلية، ترجع في منابتها إلى الأصول الأولى للإنسانية، دفعا للتاريخ إلى حوالي منطقة من العالم جغرافيا وقيميا، وقد جاءت تسميتها قرآنيا {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم} (البقرة: 143).

"تمتد الرقعة الجغرافية والبشرية للأمة الوسط ما بين الأرض الحرام، حيث منطلق الدعوة، والأرض المقدسة حيث امتدادها، وحيث يخرج الأميون بعد أن تحولوا إلى كتابيين باتجاه الأرض المقدسة، وما حولها لتكوين الأمة الوسط، وهنا نجد ارتباطا عضويا بين مكانين، الأرض الحرام وما حولها، والأرض المقدسة وما حولها، فقد توجهت النبوة والرسالة الخاتمة في مبتدإ دعوتها للأميين العرب والكتابيين على حد سواء، فكانت القبيلة القبلة باتجاه الأرض المقدسة...(ثم حولت)؛ فالأرض المقدسة وأهل الكتاب فيها هدف مستقطب جغرافياً وبشريا منذ بداية الدعوة، واستقطاب الهدف جزء أصيل من الرسالة نفسها على طريق تحقيقها لعالميتها".([29])

هذا النطاق العريض والمركزي من الأرض والبشر، تشكل كمقابل؛ قيميا وإنسانيا للتجربة الغيرية، خاصة الإسرائيلية قديماً وحديثاً، وآية ذلك تركزها في قلب العالم الإسلامي، مما يحث الجانبين على إبراز المخزون القيمي للأديان، وتطبيقاتها، وأيها أكفأ وأكثر ترشحا لقيادة البشر في تاريخهم القادم والأغنى بالنسبة لما مضى كله. "...ثم جعلت الأمة الوسط في مقام الشهادة على الناس من حولهم، والشهادة حضور إنساني ومكاني، ولا علاقة للشهادة على الناس بالوسطية الفكرية، وإنما علاقة الشهادة هي بالخروج الجغرافي والبشري إلى الناس".([30]) ويتجلى هنا بوضوح الطابع القيمي لقيام الأمة الوسط بدورها تجاه الآخرين، بدعوتهم وإقامة الحجة عليهم، وهنا نعود إلى المعنى السالف للاصطفاء بوصفه أهلية ومسؤولية تجاه الآخرين جميعا، للعمل والتعاون معهم، لبلوغ أرض السلام والتوافق، بعيدا عن تآلبات الصراع ومؤامراته. على خلاف الرؤية العنصرية المنبثقة من أطروحة شعب الله المختار التي تقر بأفضلية مطلقة للانتساب لعرق ولجنس، وليس لأنها تتصدى لمسؤولية تاريخية عامة، في القيام بشأن البشرية.

وأعتقد أن حاج حمد لم يشر بعفوية إلى التمايز الوجودي والعقدي بين الأرض المقدسة والأرض الحرام، باعتبار أن جميع النبوءات والرسالات تركزت –في حدود المخبر به قرآنيا- في الأرض المقدسة؛ أي حوالي الأرض الحرام، وليس فيها، في حين أن النبوة الخاتمة ظهرت بين ظهراني أبناء الأرض الحرام، وبالضبط في جوار الكعبة بيت الله الحرام، مما يفيد رأسا أن المهمة التاريخية للأمة الوسط هي أركز وأعمق من سابقاتها، إن لم يكن من حيث المضامين، فعلى الأقل نقلها إلى أفق الرحابة الواسعة المتجاوزة للأشكال المتدامجة.

وهنا بالذات، "جاء محمد كآخر الأنبياء، ليوحد شعبا من القبائل ويدفع بهم إلى خارج الصحراء، بعد أن حملهم كلمة الله. وكلمة الله ليس كما يراها كثير من الناس في حدود ما شرع من عبادات ومعاملات، وإلا لكفى محمدا تلك الحنيفية الإبراهيمية التي اتخذها محورا لعباداته في غار حراء، ولمدى أربعة عشر عاما قبل الرسالة، بل كانت كلمة الله، ولا زالت تلك الحكمة العريضة الشاملة التي تنفذ من خلالها إلى الفهم الكوني، بشكل تستقطب معه كل استعدادات الإنسان وكمالاته الذاتية... وأول معارج هذه الحكمة أن نتبين موقع الرسالة المحمدية في إطار السياق التاريخي لعلاقة الغيب بالأرض، كما يطرحها القرآن نفسه".([31])

الدفع خارج جزيرة العرب المحدودة ليس انتقالا في المكان-وإن كان-وإنما تدرج في الوعي أخذ بأزمة الإنسانية إلى مستوى روحانية ومبدئية، تجاوزت فيه حدودها الذاتية، وانطلقت لتلقف الماهية المطلقة المتوزعة في جنبات الأرض والتاريخ، بمعيار الربانية المتعالية، والعالمية الممتدة عمقاً وطولا. {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} (آل عمران: 110).

-مفهوم الأمة والدلالة التكوينية والمعنى المباشر: ينضح القرآن الكريم بمعاني أخرى للأمة، لا يطيق البحث أن يفرط في عرضها، فقط كل المخلوقات والكائنات أمم أمثال البشر، وهي مكلفة بطريقة ما عرضها القرآن تكوينياً وإضمارا، كما وفيه وضع آخر ينسحب على الجماعة والفئة من الناس، إذا التقت لاعتبارات تقصد إليها فهي أمة، وقد تكون للخير وللشر، وينطبق أيضا المعنى المشار إليه على ما كانت عليه الإنسانية في ماضيها من توحد واشتراك... ويعنيني من كل ما سقته؛ الدلالة القيمية والارتباط بوظيفة وجودية وتاريخية، فما أسميه بالمقاصد الوجودية لا يتحقق إلا بإطار تاريخي ثقافي معنوي؛ هو الأمة، خاصة المقاصد الأساسية الخمس: الخلافة، العبادة، العمارة، الريادة، الشهادة.


([1])سيف الدين عبد الفتاح: بناء المفاهيم الإسلامية، دار النهضة مصر، القاهرة، ط1، 2003، ص 3

([2])محمد مفتاح: المفاهيم معالم، نحو تأويل واقعي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 1999، ص ص 6-7

([3])ابن منظور: لسان العرب، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 2003، ج12، ص ص 26-27

([4])الجرجاني: كتاب التعريفات، بيروت، دار الكتاب العربي، ط 3، 1996، ص ص 141-142

([5])إسماعيل راجي الفاروقي: جوهر الحضارة الإسلامية، الجزائر، الزيتونة للإعلام والنشر، دت، ص 14

([6])الراغب الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن، القاهرة، دار التحرير، 1991، مادة الأمة، نقلا عن محمد عمارة: خيرية الأمة، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، ط1، 2005، ص 47

([7])أندري لالاند: موسوعة لالاند الفلسفية، ت خليل أحمد خليل، باريس وبيروت، منشورات عويدات، ط2، 2001، ص 853

([8])المرجع السابق، ص 853

([9]) المرجع نفسه، ص 853

([10])علي شريعتي: الأمة والإمامة، ت حسين علي شعيب، بيروت، دار الأمير، ط1، 2006، ص 41

([11])عبد الرحمن النقيب وآخرون: مدخل تأسيسي لمفاهيم المؤتمر، ضمن الأمة وأزمة الثقافة والتنمية، القاهرة، دار السلام، ط 01، 2007، ج1، ص 50

([12])طه عبد الرحمن: روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط1، 2006، ص ص 227-228

([13])المرجع السابق، ص 227

([14])محمد قطب: منهج التربية الإسلامية، القاهرة، دار الشروق، ط 14، 1993، ص 13

([15]) يوسف القرضاوي: كيف نتعامل مع القرآن العظيم؟، دار الشروق، القاهرة، ط2، 2000، ص 232

([16]) أبو إسحاق الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة، ت عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت، ط3، 2003م، ج2، ص ص 49 – 51

([17]) محمد أبو القاسم حاج حمد: القراءة التحليلية، مقال غير منشور، ص 5

([18]) احميدة النيفر: النص الديني، والتراث الإسلامي، سلسلة فلسفة الدين والكلام الجديد، دار الهادي، بيروت، ط1، 2004، ص 98

([19]) محمد أبو القاسم حاج حمد: القراءة التحليلية، ص 1

([20]) محمد أبو القاسم حاج حمد: العالمية الإسلامية الثانية، ج2، ص 343

([21]) المصدر نفسه، ص 343

([22]) محمد باقر الصدر: المدرسة القرآنية، دار التعارف، بيروت، د ت، ص 11

([23]) الرازي: التفسير الكبير، بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 2004، ص ص 107-108

([24]) الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي، ط1، 1997، ج12، ص 368

([25]) المصدر السابق، ج3، ص 426

([26]) الرازي: المصدر نفسه، ج8، ص 145 وما بعدها.

([27]) سيد قطب: في ظلال القرآن، القاهرة، دار الشروق، ط 34، 2004، ج1، ص ص 446-447

([28]) محمد عمارة: خيرية الأمة، ص ص 46-47

([29]) حاج حمد: إبستمولوجية المعرفة الكونية، ص 315

([30]) المصدر السابق، ص 319

([31]) حاج حمد: العالمية الإسلامية الثانية، ج2، ص 74