الديمقراطية التشاورية عند "يورغن هابرماس"

فئة :  مقالات

الديمقراطية التشاورية عند "يورغن هابرماس"

تعدّ الديمقراطية من أهمّ المواضيع التي عنيت بها الفلسفة؛ فهي مثار نقاش بين الفلاسفة ورجال الفكر والسياسة. تعود الجذور التاريخية لفكرة الديمقراطية إلى الفلاسفة اليونان؛ فقد تمّت صياغة هذا المفهوم في أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، فهي ابتكار يوناني، وقد أخذت مكانها في اللغة الإغريقية وانتقلت منها إلى جميع اللغات؛ فالديمقراطية تحيل إلى الكلمة الاثينية Demoskratos والمكوّنة من مقطعين: الأول Demos ويعني الشعب، والثاني Kratos و يعني حكم أو سلطة؛[1] أي أنّ الديمقراطية هي حكم الشعب. وتعتبر أثينا المكان الأول الذي تمّ فيه تطبيق الحكم الديمقراطي، وهي في حقيقتها تجربة محدودة بالمعنى المتعارف عليه الآن، فلم يكن لكلّ أفراد المجتمع حقّ المشاركة في صناعة القرار السياسي آنذاك. لكنّ المعطى الأساسي الذي وجبت الإشارة إليه هنا هو أنّ النموذج الديمقراطي قد تمّ انتقاده ورفضه من طرف الفلاسفة اليونان وخاصة أفلاطون وأرسطو، فأفلاطون عارض بشدّة نظام الحكم الديمقراطي كما ـ عرفته أثينا- ووصفه بأنه ديماغوجي وغير أخلاقي، لكونه ينتهك النظام الطبيعي الصحيح في المجتمع، ويفترض مساواة مزعومة بين أفراد المجتمع، وهذا ما يتعارض ونظريته في تقسيم المجتمع. الأمر نفسه، نجده لدى أرسطو الذي بدوره يصنف نظام الحكم الديمقراطي ضمن التصنيفات الفاسدة لأنظمة الحكم[2]. ومن هذا يتبين أنّ فهم مسألة الديمقراطية عند الفلاسفة اليونان كان مرتبطاً بالتفسير الحرفي لكلمة ديمقراطية، باعتبارها حكم الشعب. وعموماً لن تتبلور فكرة الديمقراطية باعتبارها مذهباً سياسياً فلسفياً إلا مع فلاسفة القرن الثامن عشر، أمثال "جون لوك و مونتسكيو وجون جاك روسو وآخرون". وقد كانت الغاية من هذا المذهب الفلسفي الديمقراطي محاربة الحكم الاستبدادي المطلق الذي عرفته أوروبا في تلك المرحلة. لكنّ هذا التنظيريقوم على فلسفة الوعي أو فلسفة الذات المؤسسة على فكرة العقد الاجتماعي الذي ينتقل الأفراد بموجبه لحالة المدنية، ويعبّر عن الإرادة العامة التي تجسّد إرادة الشعب وسيادته. من هنا ستكون محاولة هابرماس Habermas متمركزة حول تحرير الفكروالفعل السياسي من الخطاب المتمركز حول فلسفة الذات أو فلسفة الوعي؛ أي أنه عمل على نقد مجمل النظريات التي تجعل أساس الفعل السياسي أو الاجتماعي مرتبطاً بالذات ووعي الفرد والمأخوذ بشكل معزول. وربط هذا الفعل بالوعي المشترك ليصبح مجال الفعل السياسي هو مجال بينذاتي Intersubjectif، كما سيجعل منه فعلاً أخلاقياً، ولذلك سوف يقرن مسألة الديمقراطية بالأخلاق التواصلية، منتقلاً بذلك من العقلانية الأداتية إلى العقلانية التواصلية، فالفعل التواصلي هو الذي يحدّد لديه العلاقات الاجتماعية داخل فضاءات عمومية قائمة على المناقشة[3]؛ أي أنه فعل يهدف إلى تحقيق التفاهم بين الأشخاص المتحاورين، عكس الفعل الأداتي الغائي، فهو فعل يهدف إلى تحقيق غاية أو مصلحة محدّدة، و يتجه نحو التأثير على الطرف المقابل، وهذا ما يكشف عن جانب الإكراه أو الإغراء الذي يمارسه هذا الفعل على الطرف الآخر، في حين يقوم الفعل التواصلي على التفاهم والاتفاق المؤسّس بشكل عقلاني داخل فضاء عمومي.

وحينما يربط هابرماس بين الديمقراطية ونظرية المناقشة، فهو بهذا يؤسّس لمبدإ المناقشة السياسية كمبدإ ديمقراطي يحقق تشريعاً متوافقاً عليه من قبل الجميع، هذا التوافق يجد مرجعيته في الفضاء العمومي كمجال للحرية والديمومة الذي تصبح فيه الحياة العامة مشتركة بين الجميع[4]. فالديمقراطية تجد شرطها النهائي في منطق النشاط التواصلي الذي تعمل التداوليات الكليّة على إعادة بنائه، ومن وجهة نظره التداولية فإنّ تطور التمثلات والمعايير وأشكال المشروعية تخضع لمنطق له استقلاله الذاتي...ذلك أنّ هذا الاستقلال الذاتي هو الذي يوفر شروط إمكان الديمقراطية[5]. ونجد أنّ هابرماس يكشف عن هذه العلاقة التي تربط الديمقراطية بأخلاقيات المناقشة في العديد من مؤلفاته. وقد أكد في كتابه "التقنية والعلم كإيديولوجيا" أنّ النموذج المرغوب فيه للديمقراطية هو الذي يمكّن كل المواطنين من التعبير عن أفكارهم وانتماءاتهم الثقافية والمعرفية، ويمكنهم كذلك من التفاهم على اقتراحات مقبولة من لدن الجميع، هذا النموذج لا يمكن له أن يتأسّس إلا إذا ارتبط بالمناقشات العمومية.[6] وبالتالي، فالعلاقة بين أخلاقيات المناقشة والممارسة الديمقراطية تستند على مفاهيم معيارية، هذه المفاهيم أكثر قوّة من ذلك النموذج الليبرالي، الذي تقوم نظرته على سلطة الدولة المنبثقة من الشعب ولا تستطيع أن تمارس سلطتها إلا في ظلّ دولة القانون التي تقوم على الانتخابات أو الاستفتاء.[7] يتبين إذن، أنّ هابرماس Habermas يتخذ موقفاً نقدياً إزاء الأنموذج الليبرالي الذي تقوم نظرته على سلطة الدولة المنبثقة من الشعب، وتجعل من الدولة مجرّد أداة لخدمة الشعب أو المصلحة العامة، وتحصرها في جهاز ضيق هو الإدارة العمومية التي تكون في مقابل المجتمع كنسق من العلاقات بين الأفراد. كما ينتقد هابرماس الأنموذج الجمهوري لكونه ينطلق من جعل الممارسة السياسيّة مجرد ممارسة تهدف لتخليق العلاقات بين المواطنين داخل الدولة، باعتبارهم مواطنين أحراراً متساوين فيما بينهم، وبالتالي فهذا الأنموذج يختزل التفاهم والتوافق في البعد الأخلاقي فقط ، ويجعله ذا بعد قطري، يرتبط فقط بالهوية الجماعية المشتركة والمتفق عليها، ويقترح في المقابل مبدأ المناقشة كأساس للمبدإ الديمقراطي، من هنا تأتي نظريته في الديمقراطية التشاورية أو التداولية "كبديل للنظريتيين الليبرالية التي تنظر إلى العملية السياسية كمسار تفاوض بين المصالح الشخصية وعليها، والجمهورية التي تطالب - ضدّ هذا الاختزال الذرّي للسياسة- برؤية جماعاتية للعملية السياسية"[8]، ليوضّح أنّ أنموذج الديمقراطية التشاورية أو التداولية Deliberative Democracy، يجد أساسه في المناقشة ( الحوار) على اعتبار أنّ نظرية المناقشة تمكننا من تحديد شروط التواصل الذي يسهم في التكوين والتشكيل الجماعي للرأي العام والإرادة العمومية التي تكون نتاجاً لحوار بينذاتي مؤسس على افتراضات تواصلية سابقة على وعي الأفراد ورغباتهم، وتطغى عليها صبغة الشرعية. هذه الشرعيةالتي لا ترتبط بما تتوصّل إليه جماعة بعينها، بل هي ذات صيغة كونية، لأنّ المناقشة أو الحوار المؤسس لها ذو طابع كوني، ويصدر عن قيم أخلاقية لها مجال صلاحية كونية. فهذا النموذج يكتسب إمكانية تجريبية تأخذ بعين الاعتبار تعدّد أشكال التواصل، وتؤسّس لتفاهمات مشتركة Shared Understanding كافتراضات متفق عليها بين الناس، تسمح لهم بالتفاعل فيما بينهم بصورة منهجية و منظمة، وعلى أساسها تتكوّن الإرادة الجماعية.

وينطلق هابرماس في صياغته لأنموذج الديمقراطية التشاورية من ثلاثة مفاهيم أساسية:

ـ العقلانيّة : وهي شرعيةبسيطة تعمل على تكوين السلطة.

ـ السّلطة : توجد بداخل الإدارة، وتعبّر عن طبيعتها لارتباطها بالتكوين الديمقراطي للرأي، وعملها لا يتوقف عن المراقبة.

ـ الرأي العام : بفضل الإجراءات العموميّة يتحوّل الرأي العام إلى سلطة تواصلية قادرة على توجيه استعمال السلطة العمومية، فهي تعني مشاركة في التوجيه، وليس هيمنة[9].

ويسترسل هابرماس Habermas في توضيحه للممارسة الديمقراطية من خلال اعتبارها مجالاً للممارسة العقلانية التواصلية، حيث يرتكز دور العقل فيها على تبادل الحجج بطريقة تجعل من وضعية كلّ متحدّث قابلة للتغيّر بالنظر إلى نوعية الحجج المقدّمة من طرف المشاركين الآخرين، وبهذا لا يمكن أن يختزل التداول الديمقراطي في محاولة فرض قضيّة من طرف سلطة معيّنة لمجرد أنها تعتقد بصدق هذه القضية أو ملاءمتها، بل يقتضي على العكس من ذلك نوعاً من أخلاقيات الحوار التي تسمح بأن يبقى رأي كلّ واحد من المتشاورين قابلاً للنقد من طرف الآخرين[10]. إذن، يشكل الحوار والنقاش في الديمقراطية التشاورية لهابرماس مصدراً لمشروعية القانون، فلا يمكن للمعيار القانوني أن يستمرّ كقانون شرعي إلا في حالة خروج المواطنين من وضعهم كمواضيع للقانون، ليأخذوا وضع المشاركين في الاتفاق حول صياغة قواعد الحياة المشتركة.[11] إذن، ينطلق الأنموذج التداولي أو التشاوري للديمقراطية من إعادة الاعتبار للممارسة السياسية عن طريق الانخراط الفعلي لكلّ المواطنين في الشأن السياسي والفضاء العمومي؛ فالديمقراطية التشاورية تستدعي توسيع الفضاء العمومي الذي يعدّ فضاءً للمناقشة الحرّة غير النظامية بين المواطنين، وتكون الأحزاب والفرق البرلمانية وسيطاً في هذه العملية أيضاً، حيث يتمّ فيه طرح القضايا السياسية ومناقشتها دون أن يغلب عليها الطابع الإداري المحض، أو أن يطغى عليها منطق المصلحة الاقتصادية؛ بمعنى آخر إنه فضاء خالٍ من أيّ منطق مهيمن اقتصادياً كان أم بيروقراطياً، بل هو فضاء يتبلور ويتشكل فيه الرأي العام والإرادة العمومية عن طريق آليّة النقاش والحوار، لأنّ التشاور يعطي لكلّ مشارك في المناقشة حقّ النقد والإدلاء برأيه في فضاء عمومي ديمقراطي. ففي ظلّ هذه الصيرورة الخطابية المؤسسة على المناقشة العقلانية النقدية يتكوّن الرأي العام والإرادة السياسية، والديمقراطية التشاورية بصفتها ديمقراطية إجرائية لا تختزل في المصالح الخاصّة لشخص بعينه[12]. ومع هابرماس سيصبح المواطن الحرّ والمشارك هو الرقم الصعب في المعادلة الديمقراطية، حيث لا يمكن تصوّر ديمقراطية في غيابه، فالديمقراطية لديه مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتنظيم الذاتي القانوني للمواطنين بأنفسهم، خاصّة في ظل مجتمع مركب مثل المجتمع المعاصر الذي لم يعد ممكناً تسييره من طرف ذات فردية، أو "ماكرو- ذات" أي جماعية كيفما كانت طبيعتها.[13]

فهو يؤصل بهذا لفلسفة بينذاتية كتجاوز لفلسفة الذات وكبديل فلسفي يركز على المناقشة والحوار، وينبني على عقلانية تواصليّة إجرائيّة. وبهذا يكون الهدف من التواصل أو النقاش الوصول إلى نوعمن الاتفاق والإجماع المرتبط بخلق متوالية حواريّة عبر صيرورةتبادل الحجج بين المتحاورين ضمن المجال العام، وذلك بغية تحقيق التفاهم المتبادل وتقريب وجهات النظر عبر اعتماد معايير ادّعاء الصلاحية المتمثلة في المعقولية والحقيقة والدقة والصدق، والتي يستند عليها الاتفاق أو التوافق.

إذن، الديمقراطية التشاورية عند هبرماس تجد سندها الأساسي ضمن أخلاقيات المناقشة ونظرية المجال العام كفضاء يحتضن النقاش العقلاني والتداول الفعّال بين المتحاورين، وبالتالي تعزيز المشاركة الواسعة للمواطنين في الشأن السياسي.


[1]- حوحو أحمد صابر، مبادئ و مقومات الديمقراطية، مجلة المفكر، العدد الخامس، ص:320

[2]- عبد العزيز صقر، النقد الغربي لفكرة الديمقراطية، النظرية و التطبيق، النظرية و الفكر.

[3]- أبو النور حمدي أبو نور حسن، يورجين هابرماس، الأخلاق و التواصل، دار التنوير، 2009،ص: 188.

[4]- Thomas Burgerwith the assistance of Frederick Lawrence ; Jurgen Habermas ; the stural tarnsformation of the public sphere ; Press paperback edition ; 1991. P :4.

[5]- يورغن هابرماس،" الأخلاق والتواصل"، مرجع سابق، ص:279

[6]- يورغن هابرماس، "التقنية والعلم كايديولوجيا"، ترجمة د. إلياس حاجوج ،منشورات وزارة الثقافة ،دمشق ،1999، ص:78

[7]- المرجع السابق، ص: 79

[8]- عبد العزيز ركح، "مابعد الدولة- الأمة عند يورغن هابرماس"، منشورات الاختلاف، دار الأمان، ط. الأولى، 2011، ص :149-150.

[9]-يورغن هابرماس، الأخلاق والتواصل، مرجع سابق، ص:190

[10]- عبد العزيز ركح، "ما بعد الدولة- الأمة"، مرجع سابق، ص:152-153

[11]- المرجع نفسه، ص: 153

[12]- فلسفة الحق عند هابرماس، مرجع سابق، ص:181

[13]- المرجع نفسه، ص:177