المُثقَّف العربي وأسطورة قرن الثور

فئة :  مقالات

المُثقَّف العربي وأسطورة قرن الثور

الفكرة العبقرية لمرحلة (ما بعد قرن الثور) هي في قطع قرن هذا الثور، وجعل كوكب الأرض نَهْبَاً لخلخلةٍ كبيرة وعدم استقرار. ففكرة البناء الحضاري قائمة أساساً على الثراء اللانهائي، والخلخلة المُتوالية للذهن البشري على عموميته.

مرحلة (قرن الثور) هي أشبه ما تكون بنظام البحيرات القاتلة في أفريقيا، فعند لحظةٍ معينة تثور المياه الآسنة، العطنة، العفنة وتقتل كلّ ما يمتّ إلى الحياة بصلةٍ.

مرحلة (ما قبل قرن الثور) تتكشّف عن ذواتٍ تُمارِس نوعاً من الإكراه الوجودي بحقِّ ذاتها، فهي إذ تُرهن ـ وترتهن بالتالي- كوكب الأرض (وهو ملاذها في هذا الكون الشاسع) لقرنٍ واحدٍ من قرني الثور، فإِنَّ حماقةً كبيرة تطبع (العقل الفاعل) وتجعله أقرب ما يكون إلى (العقل المنفعل)، فهو غير قادر على التحكّم بـمُدخلات الفعل الحضاري ومخرجاته بالتالي، فالوضع قائم أساساً على الاحتمالات العشوائية لا على الحسابات العقلية الدقيقة.

واحدة من التجليات المأساوية للمُثقَّف العربي، أنَّه يعيش الآن مرحلة (قرن الثور) ويتمثّل منظومتها على أكمل وجه؛ فالقوة الباعثة على العمل الثقافي هي قوة مُحمَّلة بعنصر (ثاني أكسيد الكربون)، نظراً لطغيانه على عنصر الأوكسجين الحضاري. فهو مثل البحيرات القاتلة التي لديها القدرة على القتل ليس للآخرين فقط، إنما للذات أيضاً. فالإيمان العبثي بالخطاب الثقافي للذات وحدها، مع احتمالية مُمارسة نوعٍ من الإكراه بحقّ الخطابات الأخرى، باعتبارها زوائد وأشنّات وعوالق مُضرّة، هو إيمان عبثي وغير ذي جدوى، ولكنه ـ للأسف- فاعل في الساحة العربية، وثمة تقتيل كبير ومخيف على هذه الساحة، فكلّ يدعّي بأنَّ قرنه الثقافي هو القرن الأصلح والأسلم، وما عداه من قرون محض زوائد لا أهمية لها.

هذه البنية الثقافية القاتلة تنسحب في جوهرها على الإيمان بفكرة (الشخص الواحد/ القرن الواحد/ الزعيم الواحد/ الشاعر الأوحد... إلخ من مُسميّات واحدية)، وأمكنني مقاربتها من زاويتين:

-الأولى: زاوية الذات الفردية والإفراز الديكتاتوري

ما زالت الثقافة العمودية تؤتي أُكلها في العالَم العربي، فثمة طبقتان والحال هكذا: طبقة عليا وطبقة سفلى، واحدة تفيض والأخرى تتلّقى، وما بين الفيض والتلقي تأخذ الأفكار طابعاً تثبيتياً، استاتيكياً، بسبب الشرعية (شرعية القداسة وعدم المسّ بسوء) التي تُمنح لها بدءاً. وفي عموم البلاد العربية، وفي فترة ما بعد الاستعمار، تمَّ استعباد الناس مرة أخرى، وهذه المرة من أبناء جلدتهم، وفي غضون عدّة عقود تحوّلت البلدان العربية إلى ما يشبه المزرعة الكبيرة، تُدار من قبل عدّة أفراد بعينهم، وفي حالات أرقى من قبل عائلات بعينها، إذ تم تجيير مُقدرات الدول إلى عدد من الأشخاص، وبالتقادم تحوَّل الديكتاتور العربي إلى أيقونة ليست فقط دنيوية، إنما أيضاً لاهوتية، فعوضاً عن انتشار صوره ابتداءً من المرافق العامة، وليس انتهاء في غُرف النوم والمخادع الخاصة، فقد صار المساس به خروجاً على الناموس الإلهي وخرقاً للأسس الدينية التي تم ترويجها بين عامّة الشعب، ففي نهاية المطاف؛ الحاكم العربي هو المُمثّل الشرعي لله في الأرض، وما يصدر عنه يأخذ طابعاً تقديسياً؛ فهو صادر عن الله عز وجل.

كتب "هتلر" ذات مرة: "الكذبة التي تُكرّر عشر مرّات تبقى كذبة، والكذبة التي تُكرَّر عشرة آلاف مرة تصير حقيقة".هذا شيء ينطبق على المسار الملحمي الذي اضطلع به الديكتاتور العربي، فتلك الأكذوبة بأُحاديته وأقنوميته وأيقونته، حالت بالتقادم إلى رمزٍ مُقدَّس جزءٌ منه متموضع في العيان الإنسي، وجزء آخر خارج السياق التاريخي للزمن، لذا يصير الخروج عليه محفوفاً بخطرٍ وجودي ماحق.

الأخطر من ذلك، هو تعميم هذه البنية على عموم الذوات الفردية العربية، لا سيما تلك المُثقفة؛ فالبنية الديكتاتورية إذ تُعمَّم لتصل إلى الجذر التنويري، فالسلام على الشجرة الثقافية اليابسة.

يكتب المستعرب الياباني "نوبأكي نوتوهارا" في كتابه (العرب: وجهة نظر يابانية): "إنني شبعت جداً من كلمة الديمقراطية، وكلّ من له علاقة بالكتّاب العرب يعرف معنى التخمة من كلمة الديمقراطية، وهذا الشبع الزائف يدل بوضوح على غياب الديمقراطية. فمثلاً تجلس مع كاتب يتحدث عن الديمقراطية بلا تعب ثلاث ساعات ولا يعطي مجالاً لأحد من الحاضرين بالكلام. عملياً هو يمارس الدكتاتورية، أو على الأقل سلطة النجم ومع ذلك يشكو من غياب الديمقراطية". (ص 52-53)

وفي موضع آخر يكتب: "فعلى سبيل المثال يتمتع أنطون سعادة لدى أتباعه في الحزب السوري القومي الاجتماعي بكل خصائص المقدس الكامل وبالتالي الخالد، ولا يجوز لأعضاء الحزب أن يغيّروا أو يبدلوا في مبادئه... والقارئ العربي يعرف أنّ السيد خالد بكداش بقي رئيساً مطلقاً للحزب الشيوعي السوري منذ شبابه حتى وفاته. وبعد رحيله احتلت زوجته منصب زعامة الحزب". (ص 51)

إنّ المثقّف إذ يستأثر بمعرفته ومعلوماته وثقافته ضمن بنية ليست قادرة إلا على تفريخ ديكتاتوريات تحت وطأة جهل دنيوي وتجهيل ديني؛ يستأسد ويصبح شخصاً شرساً ومُهيَّئاً للإطاحة بأيّ كان لديه مشروع ثقافي تنافسي، بل إنّ شعوراً مُدنَّساً يُلازمه إزاء مُنافسيه، فهو الرمز المُقدَّس الذي يُطلق أحكاماً قيمة بإزاء الكُل؛ فالكوكب (انتبهوا أيها السادة) الكوكب كاملاً مسنود بقرنه العظيم، وأية خلخلة فيها خطر جسيم ـ ويا للسخرية!- على الأمة بكاملها.

أليسَ الحاكم الديكتاتوري العربي يتبنى شعار: أنا أو الجحيم؛ سواء أكانَ ديكتاتوراً سياسياً أو ثقافياً؟

إنّ إفرازات الديكتاتور العربي قد أَتَت أُكلها في الآونة الأخيرة، لا سيما بعد أحداث الربيع العربي، إذ أُبيدت الشعوب ـ نتيجة لخروجها عن حاكمية السلطان المطلق- وأحرقت مُدن، وحالت كثير من البلدان العربية إلى مدن أشباح؛ فقد استشرى الديكتاتور العربي وتحوّل إلى غول هائج، أحرق الأخضر واليابس.

رُبّ مُتسائل: أين الديكتاتور الثقافي العربي، ضمن سياق الديكتاتور السياسي؟.

أمكنني التأشير هُنا على نقطتين أساسيتين: أولهما، خاصّة بشبكة هائلة من المُثقفين العرب، الذين حلّوا حلولاً صوفياً في شخص الديكتاتور السياسي، وذلك بتبنّي أطروحاتهم والدفاع عنها حدّ الاستماتة، وتبيان أن خرق منظومتهم خطر جسيم لا يجوز الاقتراب منه، وهنا أمكن التأشير على مثقفين محسوبين على التيار الإسلامي، وآخرين محسوبين على التيار العلماني، لناحية تبنّيهم الصيغ التدميرية للحاكم العربي، فالحاكم يصدر أحكاماً بالموت والفناء على كل مُخالفيه، والمثقفون المُلتصقون بعجيزته يُبرّرون هذا القتل بصفته هبة إلهية عظيمة مَنَّ بها ـ في لحظة تنوير هائل- على شعبه الساذج، الجاهل، عديم القيمة.

أما عن النقطة الثانية، فأعتقد أنّ أوان نضجها الواقعي لم يحن بعد، وإنْ تكشفت أوراق البعض مع الربيع العربي؛ فالنقد الثقافي واشتداد أوار الجدل العربي بين المثقفين والالتحام الفعلي في زوايا ضيقة، لم يحن بعد، وإن بدأت بواكير ذلك بالشروق والشقشقة على عالمنا العربي. وبإزاء وضع ثقافي محتمل، سيحتمي كثير من المثقفين تحت عباءة قداستهم، وفي مرحلة متقدمة سيتم إطلاق الرصاص الحيّ، وستتعدى مرحلة الجدل دائرة العقل والفعل الثقافي الذهني، إلى مرحلة الاقتتال على أرض الواقع، وسيدافع المثقّف العربي عن مشروعيته بالدرجة الأولى، بصفته صاحب المشروع الواحد الأوحد، أكثر من دفاعه عن بنيان مشروعه، بالحجّة والمنطق والبرهان. كيف لا، وهو امتداد طبيعي لسلسلةٍ من الديكتاتوريات الحالّة والمستشرية في النسق العربي الوجودي من مبتداه إلى منتهاه؟

-الثانية: زاوية الذات الجمعية والحس الاستعبادي

لكي تكتمل المعادلة العبودية، فلا بد من وجود طرف أول يستعبِد (بكسر الباء) وطرف ثانٍ يقبل بأنْ يُستعبَد (بفتح الباء). جاء في القرآن الكريم:

{فَاسْتخَفَّ قومه فأطاعوه} (سورة الزخرف: 54) هنا ثمة طرفان؛ أولهما استخَفَّ (بفتح الخاء) والثاني اسْتُخِفَّ (بكسر الخاء)، إذ لم يكن للمعادلة أن تصير نسقاً هندسياً على مستوى الذهن ابتداء، وعلى المستوى الواقعي ثانياً، إلا بوجود طرفين: أحدهما (فوق) وثانيهما (تحت).

لكن السؤال المحوري، هَهُنا هو: كيف تمّ ترسيخ حس استعبادي لدى الذات الجمعية، فيما يتعلق في هذا المقام، لا سيما أن المثقّف أساساً يدعو إلى قيم النور والحرية والعدالة، ونبذ الظلام والعبودية والظلم؟.

في ظِلِّ نوعين من الأميّة (الأميّة التعليمية والأميّة الثقافية) في العالَم العربي، كان من السهل جداً على المثقف العربي أن يتحوّل إلى ديكتاتور إضافي يوازي ـ من جهة-، ويتقاطع ـ من جهة ثانية- مع الديكتاتور السياسي. فعن طريق الأولى (مع نهايات الاستعمار كانت نسبة الأميّة قد وصلت إلى مستويات فلكية) اعتبر المثقّف العربي نفسه وصياً على ذوات لا حول لها ولا قوة. وفي حركة مدّ طليعي، تمّ استحداث جملة من المفردات نُطقت بوقارٍ شبه لاهوتي، لتوصيف حالة الجماهير العربية والتأكيد على غرقها وإغراقها في بئر غائرة وعميقة من الجهل والتغييب، مثل: دهماء، رعاع، أوباش...إلخ، مقابل ذوات مُتنورة، مثقفة، عقلانية، طليعية، حداثية...إلخ. وما بين الطرفين غابت العقلية النقدية وفقدت لدى القاعدة، لذا شعرت قمة الهرم بأهميتها وفائقيتها وقداستها أيضاً، وصار الخروج عليها خطراً جسيماً، إذ لم يكن لشعبٍ أمّي، عديم الثقافة، أن يُناهز مقولات المثقفين، ويطاولها، ويطيح بها في مراحل متقدمة، بل استُسْلِمَ لما يقال، حتى وإن كان خطأً أو زائفاً أو بعيداً كل البعد عن الحقيقة؛ فمن ذا الذي يملك القدرة على القول للمخطئ أنتَ مخطئ؟ طالما أنه لا يعرف ما هو الخطأ من الصح، بل لديه القابلية الكبيرة على القبول بأي شيء والإقرار بصحته، طالما أنه قادم من أعلى، وكما صرَّح "مالك بن نبي" ذات مرّة، فالخطورة لا تكمن "في الاستعمار بل بالقابلية للاستعمار".

وعن طريق الثانية (النوع الثاني من الأميّة: الأميّة الثقافية)، تمّ اعتبار المشروع الفردي هو مشروع الأمة وحده من دون كلّ المشاريع؛ فعالِم الاجتماع يرى أن الخلاص يكمن في البنية الاجتماعية، وبالمثل يرى عالم النفس أن المشكلة وحلّها يكمن في النفس، وما إلى ذلك؛ فَكُلٌّ يُغنِّي على ليلاه. فـ (الجمعي) وإن تشكَّلَ عبر (الفردي) ما زال غائباً ضمن سياق كُلِّي، عن عموم الثقافة العربية، وهذا أحد أكبر الأسباب في إخفاقات الحضارة العربية عن تقديم بديل حضاري، يستند في جذوره العميقة على (الكُلِّي) لا على (الجزء)، لأنَّ مسألة القيام بالشرط النهضوي الحضاري، ليست من البساطة بمكان، بل هو شرط مُعقَّد، ينبغي أن تُشارك به جميع الذوات الفاعلة في حضارة من الحضارات، ابتداءً من عامل البناء والفلكي والطبيب، وليس انتهاء بالفيلسوف والموسيقي والمسرحي، من أجل الخروج من التيه الحضاري، والاندماج أكثر فأكثر (ذاتاً لذات) في بلورة سياق حضاري جديد. فالخلخلة شرط أساس من شروط النهضة، والإبقاء على أحادية مُثقّف بعينه أو مُفكّر بعينه أو شاعر بعينه أو روائي بعينه، إفضاء إلى تلاشٍ واندثار وفناء مُحتَّم.

وبوادر هذا الانفتاح بدأت، فقد أُشْبِعَ اللاوعي العربي ـ على مدار عقود- بالزيف والهراء، ولم يعد ثمة مجال لأن يستوعب الكأس أكثر من ذلك، فقد فاضت. ومع بدايات تشكّل الربيع العربي (الذي يمكن الحديث عنه كثيراً في هذا المجال، لناحية إن كان شيئاً طارئاً في العالَم العربي أم لا؛ أي أنه قام أساساً كشيء طبيعي لوضع سابق) بدأت المنظومة العربية بالتخلخل، بجميع جوانبها، ومنها بطبيعة الحال الثقافية، فكما سقطت الأصنام السياسية (أو هي في طور السقوط ولو بعد حين) فيقيناً، ستسقط الأصنام الثقافية، ومعها ستسقط قرون الثيران الثقافية، فحركة نقدية شاملة بدأت بالتململ في عموم العالم العربي، لمراجعة كل شيء، والتعقيب ـ سلباً أو إيجاباً- على كل شيء. ففي نهاية المطاف، ولكي يتغيّر الحال، ينبغي إنزال المُحال ـ الذي حيل بينه وبين الذات الفردية والجمعية نقداً وتحليلاً؛ عبودية مُزمنة- إلى الحال واعتباره ضمن الإمكان النقدي التحليلي، بعد نزع صفة القداسة عنه وعن ملابساته والتباساته.

باختصار، لقد تحوَّلَ اللاوعي العربي السلبي، إلى وعي إيجابي، والمراهنة على التطوّر والتغيّر الإيجابي، برسم الحاضر القَلِق، المتوتّر، المُعبّأ بالمفاجآت المُتعاقبة والولادات المتتالية.