الموت لعباً

فئة :  مقالات

الموت لعباً

نقرأ في كتاب إ.غاليانو عن كرة القدم: «هناك نصب في أوكرانيا يذَكّر بلاعبي فريق دينامو كييف في 1942. ففي أوج الاحتلال الألماني، اقترف أولئك اللاعبون حماقة إلحاق الهزيمة بمنتخب هتلر في الملعب المحلي، وكان الألمان قد حذروهم: "إذا ربحتم ستموتون". دخلوا الملعب، وهم مصممون على الخسارة، وكانوا يرتجفون من الخوف والجوع، ولكنهم لم يستطيعوا كبح رغبتهم في الجدارة والكرامة. فأعدم اللاعبون الأحد عشر، وهم بقمصان اللعب، عند حافة هاوية، بعد انتهاء المباراة مباشرة».

لا شك أن أول سؤال سيتبادر إلى ذهن القارئ هو: هل مازال هناك مثل هؤلاء اللاعبين الذين في مقدورهم أن يرتكبوا مثل هذه «الحماقة»؟ هل في إمكان لاعبي اليوم أن يُظهروا مثل هذه «الاستماتة» في ميدان اللعب (ليس بالمعنى المجازي هذه المرة)؟ لا يقول الكاتب إنهم فعلوا ذلك من أجل الانتصار، وإنما لكونهم «لم يستطيعوا كبح رغبتهم في الجدارة والكرامة». إنهم «دخلوا الملعب وهم مصمّمون على الخسارة»، إلا أنّهم سرعان ما وجدوا أنفسهم يلعبون من أجل اللعب، سرعان ما «أخذهم اللعب» مثلما «يأخذ» منظر طبيعي «أخّاذ» الفنان وهو يرسمه، أو مثلما تأخذ المقطوعة الموسيقية العازف وهو «يلعبها». فكأنما نسوا أنفسهم، بمجرد أن دخلوا الملعب، ليضحوا غارقين في اللعبة، لا شيء يشغلهم إلا فنّها.

سيقول كثيرون: ما أبعدنا اليوم عن كل هذا. فاللاعب غدا مهووساً بقضايا «جدّية» لا علاقة لها إطلاقا بهذا النوع من «اللعب»، لا علاقة لها بـ«الحماقات». إن عليه، أوّلا وقبل كل شيء، أن يحقق الانتصار، ومن الأفضل أن يكون «انتصاراً ساحقاً»، وهذا الانتصار يقدَّر كمّيا قبل كل شيء، فهو عدد من الإصابات. لا يهمّ، لبلوغ ذلك، مختلف أشكال التحايل التي سيلجأ إليها اللاعب من إضاعة للوقت، أو خروج عن قواعد اللعبة، أو مراوغة للحكم، أو حتى تعنيف الخصم. المهم هو النتيجة، ولا شيء غير النتيجة (حتى وإن اقتضى الأمر دفع الكرة نحو المرمى باستعمال الأيدي). النتيجة هي التي سترفع من قيمته في «سوق» اللاعبين، وهي التي ستجلب لقميصه أغلى الإعلانات، هي التي ستبرز الوطن الذي ينتمي إليه، وترفع «رايته» بين الأعلام الدولية، بل إنها قد توجده إيجاداً فلا يعود «تلك البقعة الصغيرة المنسية على خريطة العالم». هو إذن لا يلعب، ولا يحق له أن يرتكب «الحماقات»، ولا حتى ابتكار أساليب جديدة، بل عليه أن «ينضبط» ويمتثل للخطط المرسومة، و«الأهداف» المتوخاة، وهي أهداف تتجاوزه كلاعب، وكفرد مادام يمثل بلده. لذا، فهو متيقن من أنه يقدّم لبلده أنجع الخدمات الدبلوماسية، فهو ليس سفيرها في وطن بعينه، إنه سفير في العالم بأكمله.

من هنا يستخلص هؤلاء «أن الكرة الصغرى غدت صورة عن الكبرى»، وأن الهموم التي تتحكم فيها هي الهموم نفسها التي تحكم العالم من صراعات سياسية وتضارب للمصالح، وجري نحو الأموال.

لا يظهر أن مؤلف كتاب «كرة القدم في الشمس وفي الظل» يخالف هؤلاء في هذه النقطة، وهو لا يغفل هذا الوجه السياسي للعبة. والفقرة التي أوردناها في بداية هذا المقال كافية لتؤكد ذلك، حيث يجسد الفريق الخصم البعد السياسي الذي كانت هذه اللعبة قد اتخذته بجلاء منذ الثلاثينيات من القرن الماضي «عندما أصبحت كرة القدم قضية دولة». لقد حذر النازيون فريق دينامو كييف من أن هزيمة الفريق الألماني تعني هزيمة النازية، وأن الكرة تعني بالنسبة إليهم استمراراً للحرب داخل ميدان اللعب. غير أن ما يهم الكاتب في هذه الفقرة هو أن يبين بالضبط عجز التفسير الأحادي عن فهم هذه اللعبة، وضرورة عدم اختزال كرة القدم في بعد واحد. فهو لا يدّعي مطلقاً نفي الأوجه الأخرى لهذه اللعبة، لكنه لا يرى أنها لم تعد لعبة لتغدو سياسة أو اقتصاداً أو مهرجانات احتفالية، وإنما يحاول أن يبين، أنها، إذ تتخذ كل تلك الأوجه، فهي تظل لعبة، وأن اللاعب سرعان ما يتنصل من الدّور الذي هو منوط به ومن الانضباط والامتثال، كي يسترجع في شخصه الفنان الذي يسكنه، فيؤخذ في لحظة ما باللعبة، لينسى، ولو مؤقتا، الأرباح ونشيد الوطن، ويسترق لحظات يخوض فيها «الرقص مع الكرة».