بين منطق الدعوة و منطق المعرفة: عود إلى إشكالية التحيّز

فئة :  مقالات

بين منطق الدعوة و منطق المعرفة: عود إلى إشكالية التحيّز

يأتي حين من الوقت لتفرد أصابعك وتضع سبابتك، وتصيح: هنا. في هذه اللحظة بالذات أنت تحوز الفضاء؛ بعد أم قبل، فوق أم تحت، شمال أم جنوب، يمين أم يسار، داخل أم خارج، أعلى أم أسفل...إلخ. مهما يكن، لقد سوّدت البياض الماثل أمامك، و لعلك انتبهت إلى أنك أعلنت تحيزك، وصار، بشكل موضوعي، البياض ليس أبيض. طبعاً، ليس البياض والسبابة إلا صورة مستعارة لاستحالة الحياد التام أو الصفحة البيضاء بتعبير جون لوك، أسأل إذن: هل نحن في حاجة إلى الحياد في المعرفة؟ يظهر أن صوغ السؤال على هذا النمط لا يسفر عن النتيجة المرجوة، لذلك أعيد طرحه في الاتجاه المعكوس: هل هناك حاجة إلى الانحياز في المعرفة؟

لأجل النتيجة المرجوة نستدعي على سبيل المثال حالة ثقافية عاشها الفكر الإسلامي في منتصف التسعينيات. أصدر المعهد العالمي للفكر الإسلامي حينها موسوعة "إشكالية التحيز" في عدة أجزاء بإشراف الدكتور عبد الوهاب المسيري ومشاركة عشرات الباحثين من تخصصات علمية مختلفة. كان هذا العمل في وقته عملاً إبستيمولوجياً رائداً عبّر عن لحظة ثقافية عاشها الفكر الإسلامي آنذاك، تمثلت في اتفاق جمعٍ من الباحثين والمفكرين على تشخيص أزمة الحضارة الإسلامية المعاصرة في كونها أزمة فكرية بامتياز، وأنها الحاجز الذي يعوق مشروع النهوض الإسلامي. تلقائياً، جاءت الإجابة الطبيعية مزيداً من الاهتمام بالمسألة الفكرية، بدءاً من الدخول في مواجهة معرفية ضد المعارف الغربية "الوضعية"، وانتهاءً باقتراح نظام معرفي إسلامي يقوم على رؤية الجمع بين القراءتين بتفاصيلها المعروفة في أدبيات المدرسة. وطبعاً، أصبغ على هذا الحلم الرقراق، كما في بداية أية دعوة، وصف مكثف بدلالات دينية تعبوية: إسلامية المعرفة.

بمنطق الأمور في ترتيب الأفعال العلمية، سعت موسوعة إشكالية التحيز إلى دقّ أول مسمار في نعش المعرفة الغربية على حد وهمها. يتم ذلك عبر إبطال مسلمة الكونية وتنسيب العلم الغربي في حدود زمانه ومكانه، ونزع كل هيبة عن إنجازاته التي قادت الحضارة الغربية إلى "النهاية" حسب تعبير ورد في أدبيات المدرسة. لقد تم الحلم بذلك دون أن يوازيه نقد مماثل للأرضية اللاهوتية التي تتحرك المدرسة في تضاريسها الوعرة، وهي المثقلة بشتى أشكال التقديس ومتاهات الهوية المنغلقة، وماذا منحنا في نهاية التحليل هذا النقد المكابر المجتزَأ غير تمركز زائف حول ذاتٍ كاملة مكتملة، والتمترس خلف معرفة توقفت منذ قرون عن إنتاج حداثتها وأدواتها في مقابل معرفة استكملت شروط النقد وإعادة النقد واستعدادها، لتفعيل إجراءاته باستمرار.

لم تنتبه مدرسة إسلامية المعرفة إلى أن المعرفة بناء، وأن عناوين واقتباسات عن الكتب الأجنبية وخطها على كتب مقروءة باللغة العربية محشوة بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وقصص اجتماعية، لا يجعل منها معرفة إسلامية قهراً، ولا يعدو أن يكون "سطواً" بتعبير المرحوم أبي القاسم حاج حمد. وأصل هذا الخلل عدم التمييز بين أن يكون العالم العربي أو الإسلامي موضوعاً للعلوم الاجتماعية بظواهره وخصائصه وتاريخه، وهو السبيل الذي يسفر عن صناعة مدرسة بناءً على التراكم و الإنجازات، يعترف بها الآخر وبتميزها، وبين إعادة إنتاج معرفة حصرية على ضوء منطلقات دينية لاهوتية. وفي خضم التعبئة وتجاهل الغوص في فلسفة العلوم وقع التباس آخر لا يقل أهمية بين تديين المعرفة و تدين العارِف؛ ليس شرطاً في علمية المعرفة أن يكون العارِف متديناً. وبالقدر نفسه، لا ينقص من علمية المعرفة دهرية العارف.

إننا ندفع بالتحليل خطوة أخرى تكرس ما سبق، لنؤكد أن منطق الفقه وليس الدين هو الذي وجّه رؤية المدرسة وأساليب اشتغالها. لا يمكن تجاهل أن غالبية الفاعلين المساهمين في المشروع ينحدر نسَبهم الإيديولوجي من تيار الإسلام السياسي الذي لوحظ عليه منذ تأسيسه ضعف في الجانب الفكري لصالح هيمنة رجل الفقه والسياسة، ولذلك لم يكن غريباً أن نجد معظم الباحثين المنتمين للمدرسة ينتسبون لحقل العلوم الشرعية ما جعلها منشدّة في الغالب إلى المنطق الفقهي.

ولعل دراسة حالة هذه المدرسة بالمغرب جديرة بالمثال، إذا اعتبرنا أن شُعب الدراسات الإسلامية كانت العرّاب التنظيمي. في هذا الصدد، أستسمح القارئ في نقل رواية نشأة شعبة الدراسات الإسلامية بالمغرب مطلع الثمانينيات التي سمعتها مباشرة من الدكتور بلبشير الحسني، يقول: "سنة 1977 كنت في حفل عشاء بتونس رفقة ابن عاشور، ويحكي آنذاك ابن عاشور أنه يحاول إدخال العلوم الإنسانية إلى جامعة الزيتونة لكن محاولاته تعترضها صعوبات وأصوات رافضة، - يقول الحسني- إن الفكرة أثارتني ولاقت إعجابي للتطبيق بالمغرب سنة 1980 لكن مع بعض التعديل، وهكذا باعتباري أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب بالرباط، اجتهدت للعمل على إنشاء شعبة تجمع بين تدريس العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية، وهكذا كانت شعبة الدراسات الإسلامية داخل كلية الآداب بالرباط"، وسرعان ما امتدت في كل الجامعات المغربية. [كلمة الدكتور بلبشير الحسني عميد شعبة الدراسات الإسلامية بالمغرب خلال ندوة "كيف يدرس الدين اليوم؟" التي انعقدت سنة 2003 بمؤسسة عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية].

السؤال الذي يطرح اليوم بعد حوالي ثلاثين سنة من تاريخ تأسيس شعب الدراسات الإسلامية، أين هي العلوم الإنسانية داخلها؟ وأترك الجواب البديهي للعارفين بالدراسات الإسلامية بالمغرب، والذين حصّلوا تكوينهم على منوال مناهجها.

جواباً على السؤال الذي طرح أول المقال، هل نحن في حاجة إلى الانحياز في المعرفة؟ نعم، بحاجة إلى الانحياز في المعرفة، وليس لدينا أي خيار آخر، لكنه انحياز إلى الإنسان في مطلقه، بدون تمترس خلف هوية دينية أو عرقية أو لغوية أو جنسية؛ فالانتماء إلى الإنسانية كغاية نهائية في إنتاج المعرفة ينقذها من السقوط في ما دون ذلك من أطر جغرافية لحظية، والانشداد إلى اعتبارات سياسية واجتماعية متغيرة. لا ينبغي أن يفهم من هذا بخس للانتماءات الأولية للإنسان، وعدم أحقيتها بالمعرفة والبحث، لكن لا يجدر أن تكون الأفق والمآل.

لقد تعثر مشروع إسلامية المعرفة، حينما انتصر منطق الدعوة على منطق المعرفة، بشكل معلن أو خفي، وافترض أن الانتماء إلى الدين يمنح الريادة في المعرفة - كان من الممكن أن يكون انحيازاً في العرق أو اللغة أو الجنس...إلخ- وهو، في جميع الأحوال، افتراض شوفيني استعاض المركزية الإسلامية بالمركزية الغربية.