تحرير الكنيسة من عقدة اللاهوت

فئة :  مقالات

تحرير الكنيسة من عقدة اللاهوت

تخلع تصريحات البابا فرنسيس عليه، منذ توليه البابوية، صفة المصلح والثائر، أكثرَ مما تخلع عليه صفة رجل الدين المتوّج في مؤسسة كنسيّة. إنه ينهل من معين سلفه القريب، البابا يوحنا بولس الثاني، في وجوب استئناف تصورات إصلاح الكنيسة التي قاد ثورتها في القرن السادس عشر، القسيس الألماني مارتن لوثر وأستاذ اللاهوت الذي يُعد مُدشّن عصر الإصلاح في أوروبا.

لوثر، كان قد دعا إلى تحرير الكنيسة من عقدة اللاهوت، ما يعني أن زهاء خمسمائة عام مرت، والكنيسة تتلكأ في إحداث الإصلاح الذي يجعلها تنفتح على التطورات المعاصرة، من دون الخروج عن مبادئ الإيمان الأساسية.

لوثر تبنى في رسالته، التي نشرها في العام 1517، وضمت خمسًا وتسعين نقطة، التحرّرَ من فكرة العقاب الزمني للخطيئة، عبر اعتراضه على مبدإ "صكوك الغفران"، وكذلك رفض السلطة التعليمية للكنيسة، والاعتراض على حصر تأويل الخطاب الديني بالبابا، داعياً إلى أن يكون التأويل متاحًا لكل امرئٍ؛ وهنا تكمن المعضلة الكبرى في الكتب السماوية.

ولئن كانت بعض تصريحات البابا فرنسيس قد نُسبت إليه، وجرى نفيها من قبل المكتب الإعلامي للفاتيكان، إلا أنها كأفكار مجردة لا تتناقض ومفهوم الاعتقاد، لأن كثيراً من المتدينين غير المسلمين، والمتصوفة، والنسّاك في الأديان السماوية وغير السماوية، ذهبوا مذهب الشطحات النورانية التي جعلتهم يصبون في المجرى نفسه لعملية التأويل؛ فالإنجيل أو سواه "كتاب مقدس جميل، لكنه ككل الأعمال العظيمة القديمة، هناك بعض الأجزاء منه عفا عليها الزمن وتحتاج إلى تحيين، وهناك بعض المقاطع التي تدعو حتى إلى التعصب ونصب المحاكم... آن الأوان لمراجعة هذه الآيات واعتبارها كزيادات لاحقة تتناقض مع رسالة الحب والحقيقة".

ومن يطالع "فرحة الإنجيل"، وهو عنوان المشروع الإصلاحي للبابا فرنسيس، المكوّن من 180 صفحة، يجده في المآلات النهائية لا يتعارض مع هذه النتيجة، لأن المقاصدية هنا تكمن في نشدان الخير والعدل والحق.

وفي غضون هذا المشروع الإصلاحي، يتجلى الفهم الحقيقي للكنيسة ودور العبادة التي لا يتعين أن تزهو بغطرستها كهيئة رقابية مركزية، بل أن تترجل عن برجها العاجيّ، وتشتبك مع آلام البشر وأحزانهم وبؤسهم، وتسهم في التخفيف عنهم، يقول البابا: "بالنسبة لي فإن كنيسة مضغوطة ومجروحة ومتسخة، لأنها خرجت للشوارع، أحبُّ إليّ من كنيسة مريضة بسبب ميلها للكتمان والراحة، وتشبثها بأمنها الخاص".

ويدفع البابا الكنيسة إلى أن تكشف عن جانبها الرحيم، وتكون جوهراً خيّرًا من خلال تبنّيه حملة القضاء على أسباب الفقر، لأنه "السبب الرئيس لكل الشرور الاجتماعية والعنف"، ويتعين، وفقًا لذلك، توزيع عادل للثروة، وقضاء على التفاوت الطبقي الذي خلّفه النظام الرأسمالي، أو ما يسميه "الاستبداد الجديد الخفي".

البابا ظل في كل تصريحاته، باستثناء ذلك الأخير المنسوب إليه، (والذي يقال إن موقعًا إخباريًا مغربيًا قام بفبركته!!) يعتمد مبدأ الصدمة، لكنه ما فتئ يتحرك في دائرة الإيمان، ولم يبرحها. إنه اعتمد وحسب، على طاقة التأويل الفسيحة في النص الديني، وهي الطاقة ذاتها التي ألهمت مارتن لوثر، وشرّعت الأبواب أمام انطلاق عجلة الحضارة الإنسانية بمركزها الأوروبي الذي أعاد ترسيم الحدود بين الديني والدنيوي.

ولعل صيحات البابا ورؤاه الإصلاحية، تجد أصداءها الإيجابية لدى المرجعيات الدينية الإسلامية، فيتحرر الخطاب الديني من التفكير بعقلية الماضي، ويصبح الدين فسحة لتنقية الضمير، وتضميد الروح، وإضاءة القلب بالنور، لا بارودًا يشعل الحرائق، ويحث على القتل والفرقة والكراهية، ويعبّد طريق المستقبل بالظلام!