حوار مع رشيد دحدوح: في الأفق الفلسفي المقبل ورهان الفلسفة البيوطيقية

فئة :  حوارات

حوار مع رشيد دحدوح: في الأفق الفلسفي المقبل ورهان الفلسفة البيوطيقية

حوار مع الباحث الأكاديمي الجزائري، الدكتور رشيد دحدوح

في الأفق الفلسفي المقبل ورهان الفلسفة البيوطيقية


الدكتور رشيد دحدوح، باحث أكاديمي، أستاذ الفلسفة بجامعة قسنطينة - 2 - بشرق الجزائر، مهتم بقضايا الإبستمولوجيا وتاريخ العلوم، حيث تمحورت جل أبحاثه الفلسفية حول الفلسفة التطبيقية (البيواتيقا) وبالضبط العلوم البيوطبية وعلاقتها بالأخلاق، وهو يشرف على العديد من المشاريع العلمية في هذا الحقل الفلسفي الراهن كمشروع "الأبحاث والتقنيات البيوطبية ومشروعية قيام أخلاق حياتية Bioéthique" ومشروع "علوم الصحة بين مطلب النجاعة العلاجية والمساءلة الأخلاقية"، كما يشتغل خبيرًا ومحكمًا لمشاريع الدراسات الجامعية، وكذا المجلات الفلسفية.

من إنتاجاته العلمية:

1.إبستيمولوجيا العلوم البيولوجية والطبية عند جورج كانغيلهم، دار ابن النديم، 2013

2.Rachid Dehdouh, « statut épistémologique de la psychologie et actualité de la critique canguilhemienne », in: Louise Ferté,Aurore Jacquard et Patrice Vermeren (sous la direction), La Formation de Georges Canguilhem: un entre deux guerre philosophique, 2013, Edition Hermann, Paris, PP.199-218

3."معجم مصطلحات فلسفة ميرلوبونتي (عربي- فرنسي)"، كتاب جماعي بعنوان "كوجيتو الجسد: دراسات في فلسفة مير لوبونتي" تقديم د. حسن حنفي مركز الكتاب للنشر، القاهرة، 2004

4."بياجي ومشكلات المعرفة البيولوجية"، فصل في كتاب جماعي: مدخل جديد إلى فلسفة العلوم، تحت إشراف الزواوي بغورة، دار الهدى، عين مليلة، 1999

5."تاريخ العلوم عند جان بياجي"، فصل في كتاب جماعي: مدخل جديد إلى فلسفة العلوم إشراف الزواوي بغورة، دار الهدى، عين مليلة، 1999

يدور هذا الحوار حول نوعية الخطاب الذي أضحى ينتجه الفكر العربي المعاصر بغية تحليله إبستمولوجيا لمعرفة مدى ارتباطه بالواقع العربي، ومن ثمة الوقوف عند معيقات التغيير فيه، ومدى ارتباطه بالأطروحات الأيديولوجية التي حالت دون وصوله إلى الانتقال إلى طرق القضايا الفلسفية المعاصرة كتلك التي أصبحت تطرحها الفلسفة التطبيقية، مثل علاقة التطور العلمي بالأخلاق (أخلقة العلم)، ومنه هل يمكن أن يكون للفكر العربي إسهامات في الحقل الفلسفي الراهن؟

خالد عبد الوهاب:إنّ المتأمل للخطاب العربي المعاصر على تنوع أطيافه الفكرية بغية تفكيكه من منظور أصول المعرفة (الإبستمولوجيا) يلاحظ أنّ جلّ المشكلات التي شكلت بؤرة اهتمام المشاركين في صنع الفكر العربي واستهلاكه، أو أطراف الخطاب العربي المعاصر، تمحورت حول قضايا وأسئلة قد مضى على طرحها أكثر من قرن على الأقل، ولم تزل بالنسبة إلى هذا الفكر قضايا راهنة، بم تبررون هذه المفارقة؟

الدكتور رشيد دحدوح: هي معاينة صحيحة. يؤلمني كثيراً الاعتراف أنّ الفكر العربي طرح القضايا الكبرى المتمثلة في التساؤل عن أسباب تخلفه بعد حملة نابليون على مصر مباشرة، وأحب أن أذكر على سبيل المقارنة أنّ الاتصال نفسه بالغرب كان لليابانيين قرنًا من بعدنا، لكن اليابان بنت دولة وحضارة وصناعة ونحن مازلنا نراوح مكاننا لم نبرحه. من أقطاب النهضة العربية ما بعد غزوة نابليون من شخّص حالة التخلف وأسبابه، وقد أدى ما عليه حيث واكب تلك اليقظة الفكرية هجوم الاستعمار البغيض وإرخاؤه لسدوله على جميع أقطار الأمة العربية والإسلامية، فكانت أولوية الوعي هي التحرير وإرجاع الحقوق والحريات المسلوبة. وفعلاً لم يكن ذلك بالأمر الهين. لكن بعد أن تحقق تحرير غالبية الأوطان العربية والإسلامية، لم تنشأ لدينا نخب سياسية مثقفة Elite politico-intellectuelle يمكن أن تتولى مهمة البناء والتشييد، بل بالعكس وقعت حالة من الانسداد - ولا أقول أزمة - لأنّ الأزمة تولد الهمة وتشجع، وهي عائق معرفي يشجع على الإبداع والتجاوز- لأنّه في غياب النخبة الحاملة لرؤى إستراتيجية ومشاريع نهضوية وبرامج فعالة، هيمنت على العالم العربي والإسلامي أنظمة عسكرية استبدادية لا تؤمن إطلاقًا بالحريات، وخصوصاً الحرية الفكرية وحرية التعبير والنقد والرأي. ومن ثمة ساد الجمود والستاتيكية وقد عززا بلجوء تلك الأنظمة فكريًّا وأيديولوجيًّا إلى الاستنجاد بأنساق فكرية تاريخانية شعارها أنّ صلاح حاضر الأمة لا يكون إلا بما صلح به أولها ومن ثمة تم غلق باب الإبداع والابتكار معرفيًّا، وتم الاستغناء عن المفكر والفيلسوف، بل وحدثت عقدة عميقة في عقل الفرد العربي المسلم تجاه كل من يفكر بحرية ويبدع ويأتي بجديد.

خالد عبد الوهاب: فإذا كان مفهوم «الخطاب» هو عملية متواصلة من التعاطي المستمر بين طرفين؛ أحدهما مرسل والآخر مستقبل، أو بين فكر وواقع إنساني، فإن الخطاب العربي المعاصر فيه من الانفصال عن الواقع بما لا يقاس بمستوى اتصاله به، على الرغم من التطورات العنيفة التي يشهدها عالمنا المعاصر، خاصة منه العالم العربي. ألم ترجع في نظركم هذه الهوة بين الفكر العربي وواقعه الإنساني؟ وبعبارة أخرى بم تفسر ميل الفكر العربي المعاصر إلى النظرية على حساب الواقع؟

الدكتور رشيد دحدوح: هذه ليست خصيصة يتميز بها العالم العربي فحسب، بل كل الشعوب والمجتمعات التي عزمت على بناء نهضة شاملة صادفتها، مثل أمريكا الجنوبية اللاتينية والصين واليابان، وهي تعود في منشئها إلى حقيقة أنّنا لسنا صانعي التاريخ، لذلك فمركز الاهتمام الفكري والعلمي لسنا نحن من نحدده، بل العالم المتقدم هو من يفعل ذلك. خذ عينة من الإعلام العالمي: ما مقدار مشاركتنا في تحديد أولويات هذا الإعلام والقضايا المطروقة من طرفه؟ إنّه لا شيء، فنحن مستهلكون لكل شيء، حتى الكلام لا ننتجه بل أزعم حتى صورتنا عن أنفسنا يشكلها الآخرون. لهذه الأسباب وغيرها خطاباتنا الفكرية والمعرفية غير متزامنة ولا مطابقة مع واقعنا الحقيقي. ويعود ذلك بالأساس إلى عدم قدرتنا على إدراك موقعنا الحقيقي التاريخي والجغرافي في هذا العالم. إنّ ذلك ازداد تفاقماً مع انخراط النخب العربية بعد تحرير الأوطان في مشكلات ليست بذات أولوية وأضاعت الكثير من الجهد والمال وحتى الدماء، مثل مشكلة الهوية والطائفية فضلاً عن المشكلات السياسية. إنّ هوية الإنسان الحقيقية هي ما سيكون وما يخطط كي يكون: من المفارقات الغريبة أنّ أعظم قوة مسيطرة على العالم اليوم، وهي أمريكا ليست لها هوية بالمطلق. لذلك فالسؤال من نحن؟ على أهميته لم يكن ليطرح لو توجهنا مباشرة إلى بناء إنسان مسلح بتربية راقية ومثقف ومتعلم وهمه المستقبل، ولن يتعارض ذلك بتاتاً مع من يكون، ولكان اليوم يجاهر بسعادته وفخره، لأنّه عربي كما يفعل الأمريكي اليوم. أما وقد اقترن التخلف بنا، فإنّ الجميع يذم كل ما هو عربي.

خالد عبد الوهاب: لقد أفرز الفكر العربي ظاهرة الاستبداد الفكري التي قادت إلى استحكام المنطق الأيديولوجي، وهذا المنطق أدى بدوره إلى «انغلاق النسق المعرفي»؛ أي انغلاق تطور المعرفة (الفلسفيّة) المتعلقة بمشروعات النهضة ومشكلات الواقع والدخول في حلقات مفرغة، وبالتالي تعسر على الخطاب العربي الدخول في تغييرات جذرية في مسلَّمات نسقه المعرفي أو في قضاياه الكلية أو مقولاته الكبرى. في تقديركم إلام يعزى هذا العسر في التغيير؟

الدكتور رشيد دحدوح: يجب أولا تحديد خصائص الخطاب الأيديولوجي: إنّه بالأساس خطاب مؤسس على دوغمائية تضع جملة من القبليات بمرتبة الحقائق المطلقة التي لا يجب تجاوزها. ثم إنّه يجد حساسية مفرطة من كل فكر نقدي تساؤلي ويريد أن يفهم. والمحصلة، أنّه لا يريد التغيير ولا التجديد، لأنّ ذلك يعني ضياع الهيمنة وتهديد المصالح الضيقة. لمّا تسقط هذا على واقعنا العربي تجد بالفعل أنّ الاستقلال السياسي الذي تمتعت به شعوبنا هو كما يرى جاك بيرك استقلال وهمي وناقص طالما لم نبن اقتصاديات منتجة وتنافسية قوية. ثم إنّنا لم نحقق استقلاليةً ثقافيةً وفكريةً تجعلنا نستغني أو على الأقل نقاوم ما يرد إلينا من الغرب المنتصر، وخصوصا فيما يتعلق بأنفسنا. إلى الدرجة التي جعلت البعض مثلاً في مصر ممن عايش الفترتين الملكية والجمهورية بعد الثورة يجزم أنّ في عهد الملكية كانت هناك بالفعل حرية في التعبير وانتخابات نزيهة نسبيًّا أكثر من عهد الاستقلال والجمهورية. إذا اعتبرنا أنّ هذا ينطبق على المستوى السياسي، فإنّ المستوى الفكري أشد إيلامًا لما ترى الصور النمطية التي ألصقت عمدًا بكل فكر نقدي وبالفلسفة تحديدًا: فأحياناً يصفها بعضهم بالكلام الفارغ الذي لا معنى له، وهي في أحيان أخرى كفر وإلحاد والمسلم لا يحتاجها في حياته. وكل ذلك عن عمد حتى لا يصل المواطن العربي إلى القدرة على استيعاب واقعه وفهمه ومن ثمة نقده وتمييز الغث من السمين فيه. الغرض هو إبقاؤنا مستهلكين إلى الأبد لا غير.

خالد عبد الوهاب: لقد شهدت النظريات والأفكار والأيديولوجيات في القرن الماضي ولادة وتطوراً وأفولاً مدهشاً، فيما ظهرت إلى الوجود منظومات فكرية كبرى، وجرت فيها تحولات عميقة، ونشأت فلسفات جديدة، في حين لم يلعب فيه الفكر العربي أي دور سوى المكرِّر والمقلد، فلم يستطع إنجاز إشكالياته وإبداع منظوماته المعرفية، وبقي يعيد إنتاج نفسه مع تغيّر الأشخاص دون أي تحول في جوهره المعرفي (الإبستمولوجي). وهكذا أصبحت قضاياه محدودة تدور في إشكاليات لم يستطع تجاوزها كالهوية، الدولة، الأمة، الإسلام، التراث، الحداثة، وغيرها من المقولات. في رأيكم لماذا لم يتمكن الفكر العربي من تجاوز هذه الأطروحات التقليدية إلى أطروحات راهنة كتلك التي أضحت تتناولها الفلسفة التطبيقية المعاصرة؟

الدكتور رشيد دحدوح: يا صديقي الفلسفة التطبيقية المعاصرة من: كارل أوتو آبل وراولس وهابرماس وصولاً الى أنجيلهارد تقوم على الحوار الديمقراطي الحر والعادل. في حين نحن نحارب الفكر الحر والحوار النزيه الذي يقول الوقائع والحقائق كما هي. التجاذبات الإيديولوجية والمصالح الشخصية الضيقة هي المسؤولة عن ظهور فكر نمطي موجه ولا يقول سوى ما يريد الحاكم سماعه. إنّ هذا تشخيص ليس إلاّ، وهو ليس مدعاة لليأس بل بالعكس من المفروض أن يزرع فينا روح التحدي والاستعداد للتضحية كما يفعل أهلنا في غزة اليوم. ألم يكن المفكر الفيلسوف والناقد سمه ما شئت عبر العصور، منبوذًا ثم بعد زمن طويل أو قصير يعود المجتمع إلى ذلك الفكر المنبوذ ويستلهم منه الحلول لمشكلاته ومعضلاته؟. لا أطنب في ذكر أمثلة لأن تاريخ العلوم وتاريخ الأفكار حافل بنماذج كثيرة عن هذا، لكن أحب أن أستشهد بمقولتين متباعدتين زمانًا ومكانًا وحتى عقائديًّا، لكنّهما مشتركتان في المعنى والغرض: سئل الإمام علي كرم الله وجهه: بما يعرف الحق يا إمام؟ قال: بقلة سالكيه. ولما سئل إيمانويل كانط عن سبب صعوبة تحقيق أخلاق الواجب المجردة التي يدعو إليها أجاب: مهمة الفيلسوف أن يدل على الطريق لا وصفه، إن كان سهلاً أم صعبًا. لذلك على مفكرينا أن يتأهبوا لتشخيص الواقع ونقده نقدًا موضوعيًّا دون الخضوع للإغراءات والاستقطابات.

خالد عبد الوهاب: إنّ المتتبع لمسيرتكم العلمية يلاحظ انشغالكم اللامحدود بمسائل الفلسفة التطبيقية وإشكالياتها؛ أي بقضايا ''البيوإيطيقا'' أو أخلاقيات الطب، ما الذي استقطب اهتمامكم بهذا الفضاء الفلسفي الراهن؟

الدكتور رشيد دحدوح: في الحقيقة منذ المراحل الأولى من تعليمي المتوسط والثانوي ثم الجامعي لم أكن مقتنعًا أنّ النظر العقلي والفلسفة تحديدًا يمكن أن تمارس هكذا عشوائيًا بدون الحصول على تكوين رصين وممتاز في علوم شتى، أو على الأقل تحصيل ثقافة علمية تكون بمثابة المادة الأولية التي يشتغل عليها الفيلسوف فيما بعد. لا يمكن ونحن نعيش في حضارة تقنو-علمية Civilisation technno-scientifique أن يتجاهل المشتغلون على الفلسفة هذا الكم الهائل والمعطيات والوقائع والمعلومات التي تعرضها علينا مجانًا مختلف العلوم. ما معنى الواقع من وجهة نظر فلسفية؟ أو الطبيعة؟ أو المادة؟ كيف تستطيع أن تجيب على هذا السؤال دون الاطلاع على نتائج الأبحاث الفيزيائية والميكانيكا، بالإضافة إلى الأبحاث الكيميائية وصولاً إلى علوم الحياة وعلم النفس والعلوم المعرفية Sciences cognitives وغيرها؟. سيكون الفيلسوف مفتقدا للأمانة العلمية إذا ادعى زورًا أنّه بمحض التأمل الفارغ يمكنه الإجابة على تلك الأسئلة. والشيء نفسه، إذا أراد أن يجيب على سؤال: ما الحياة؟ ما الموت؟ يجب أن يطلع على آخر ما توصلت إليه الأبحاث في علوم الفيزيولوجيا والبيولوجيا والطب في دراستها لمختلف الظواهر الحيوية. وكذلك كيف يمكنه الحديث عن الموت، وهو غير مطلع على المعايير الطبية والعصبية المحددة لمظاهر الموت السريري وحالات الغيبوبة العميقة وغيرها وعلاقة ذلك بالدماغ والأعصاب والقلب. حتى الميتافيزيقا لا يمكن للفيلسوف اليوم أن يبحث فيها دون المرور والتعمق فيما وصلت إليه اليوم الفيزياء الكوانطية ونظرية الانفجار الأعظم والكسموغونيا Cosmogonie أو علم نشأة الكون ونظرية العوالم الممكنة وغيرها كل هذا يدعم قول الفيلسوف اليوم ويكسبه مصداقية، ويجعله في قلب قضايا عصره وزمانه.

فالحكمة كما تصورها اليونان ومن بعدهم المسلمون فيها جانبان أساسيان مكملان لبعضهما بعضا: الأول نظري يتمثل في أشكال المعرفة السائدة في العصر وتصوراتها ونظرياتها. والثاني عملي تطبيقي، لأنّ الحكيم يجب أن يعيش ويحيا ويدافع بالتزام عن أفكاره، حيث ستكون الفلسفة ضربًا من النفاق الممقوت، إذا تحولت إلى مجرد كلام وخطابات ديماغوجية لا يصاحبها فعل وتأثير والتزام. ولهذا دافعنا من البداية عن التصور الذي يرى أنّ الفيلسوف مطالب أكثر من غيره بالتخصص في علم من العلوم التي يرغب في نقدها أو يريد أن يلج من خلاله إلى مشكلات فلسفية عامة تخص الوجود الإنساني والقيم والمعرفة. كيف يمكن للفيلسوف أن ينقد المعرفة الفيزيائية أو الطبية أو البيولوجية، وهو لا يعرف عن هذه العلوم أبسط مبادئها ولا قوانينها. أذكر في هذا الصدد أنّني قرأت حوارًا لـ جون بول سارتر J-PSartre قبل وفاته بأشهر طرح عليه السائل سؤالا يتعلق بالشيء الذي يتأسف سارتر في هذه السن المتقدمة على أنّه لم يقم به في حياته فأجاب: أنّه يتأسف على عدم إسعافه الحظ في الحصول على تكوين علمي معمق في مجال علمي ما. واليوم عندما وصلت الإنسانية جمعاء إلى مستوى تحولت فيه الكرة الأرضية إلى مركبة فضائية مشتركة تندفع في الكون بسرعة هائلة وتحفها المخاطر من كل الجهات والجبهات. تلك المخاطر ليست خارجية فقط، بل حتى داخلية أي من الإنسان في حد ذاته. اليوم، اقتنعت الإنسانية بضرورة تضافر جهود كافة التخصصات والعلوم والمباحث من أجل البحث عن غد أفضل للإنسانية. لهذا أكرر ما قلته في سياق آخر إنّ العيب يعود إلى نظامنا التعليمي الذي فصل بين العلم وأدبيات العلم: فمن أجل غايات مدرسية بيداغوجية تم الفصل التعسفي وغير المثمر بين هذا أدبي وهذا علمي، وذاك رياضي وكل واحد يعتقد أنّه وحده حصل على العلبة السرية في حين المعرفة البشرية الحقة وذات القدر العالي من المصداقية هي تلك الناتجة عن منهجية البينية Interdisciplinaire Méthodologie.

أما فيما يخصنا، فإنّ اختيار العلوم الحيوية والطب تحديدا تمليه العديد من الاعتبارات منها على وجه الخصوص: 1- الطب أقرب العلوم إلى الفلسفة: موضوع الطب الإنسان، وهو موضوع الفلسفة نفسه. 2- الطب هو العلم الأقرب إلى المعاناة الإنسانية في صورها الحقيقية المعيشة نتيجة الأمراض والعلل والآلام واليأس والتهميش. لذلك، فالأسئلة الأنطولوجية الكبرى التي تطرحها الفلسفة تجد تجسيدًا حقيقيًّا ومعيشًا لها عند إنسان يائس مصاب بسرطان لا يرتجى شفاؤه، وهو على أبواب الاحتضار والرحيل عن هذا العالم. فضلاً عن المشكلات الأخلاقية العويصة التي تطرح فعلاً من خلال الأبحاث والممارسات والتقنيات البيو- طبية Biomédicales، والتي غدت اليوم تصنع الحدث العلمي والإعلامي والسياسي عبر العالم.

خالد عبد الوهاب: ما هي أهم التساؤلات التي أضحت الفلسفة التطبيقية تطرحها، باعتبارها فلسفة راهنة تزاحم كثيرًا من المجالات العلمية كالطب والبيولوجيا؟

الدكتور رشيد دحدوح: هي لا تزاحم الطب والبيولوجيا. إنّما تتساءل عن المشكلات الطارئة التي ستواجه الإنسان بفعل الممارسات والتقنيات الجديدة والمعارف المعتمدة في هذه العلوم، حين تطورت التقنيات الطبية في التشخيص والعلاج أصبح التواصل اليوم بين الطبيب والمريض غير موجود على الإطلاق، بل إنّ المريض في أحيان كثيرة لا يرى أصلاً الطبيب عند زيارته في العيادة أو المستشفى. هذا يطرح العديد من المشكلات النفسية والاجتماعية وحتى الوجودية. فلما تحول الطب كما يحلل ذلك م. فوكو M.Foucault إلى سلطة معرفية وإدارية وسياسية وأخلاقية رهيبة وجب مساءلته من طرف المجتمع. فإذا كان الطبيب يطالب المجتمع أن يوفر له جميع الشروط المادية والمعنوية من أجل إنجاح عمله، فإنه بالمقابل من حق المجتمع أن يراقب ويقنن وينظم علم الطب والمهنة الطبية ويطالب بالحساب. وفي هذا تتدخل جميع الأطراف: السياسي ورجل القانون والدين والفيلسوف والجمعيات والإدارة والمالية وغيرهم، لأنّ الطب تحول إلى صناعة Une industrie تذر أموالاً بأرقام خيالية، ولم يبق مجرد عمل خيري تطوعي وقفاً على عائلات معروفة كما كان عند نشأته في أول الأمر عند اليونان.

خالد عبد الوهاب: إذا نظرنا إلى البيوإطيقا من زاويتي جدل الدين والعلم، وجدل الفلسفة والعلم، فإنّنا نلاحظ تدخل رجال الدين في هذا الميدان بمبرر السعي إلى وضع الخطوط الحمراء للبحوث العلمية الطبية، ومنعها من انتهاك كرامة الإنسان، فما الذي يبرر تدخل رجال الفلسفة في هذا الحقل العلمي؟

الدكتور رشيد دحدوح: هذا سؤال جدّ مهم؛ فالفيلسوف أو قل المفكر - إن كان للبعض حساسية من كلمة فلسفة- هو الذي يحمل على عاتقه التفكير فيضبط تراتبية للقيم والمعايير والممارسات Hiérarchie des valeurs et pratiques. نقول هذا ليس معناه الإعلاء من شأن الفلسفة والحط من قيمة المباحث الأخرى، إنّما هناك وقائع وحقائق لا يمكن القفز عليها، وهي كما يلي: الشيء المهم في الفلسفة هو أولاً التفكير الإشكالي النقدي الحر، وهذا غير موجود في أشكال التفكير الأخرى. وكل كلمة تحتاج إلى تفصيل وشرح ليس محله هنا. ثم وحدها الفلسفة تعتبر الاختلاف Différence et Altérité والتمايز جوهرًا فيها. كل العلوم تبحث عن حقائق موضوعية مشتركة ومتفق عليها. وحدها الفلسفة تكرس الاختلاف وتعترف للآخر بالحق في الوجود والتعبير عن رأيه بحرية. ولذلك، اعتمدت المجتمعات الغربية بعد الثورة الفرنسية على الفلسفة من أجل ترسيخ ثقافة السلم وقبول الآخر واعتبار الاختلاف عامل غنى وثراء وليس عامل فرقة. وهنا أسجل ملاحظة تتمثل في احتقار التفكير الفلسفي في بلداننا العربية والإسلامية وهو أمر بالغ الخطورة، لأنّ الفرد والمجتمع والدولة لا يمكنهم الاستمرار وفق إيديولوجيات جاهزة وجامدة. وقد سمح التفكير الفلسفي في المجتمعات الغربية اللائكية بنشر ثقافة الحوار والنقاش العمومي، ولذلك تحل المشاكل العويصة لديهم بعد طرحها لنقاش عمومي ومؤسساتي وخبرة جد واسعة وعميقة، أين الجميع يدلي برأيه دون تهميش ولا احتقار لأحد ثم القيام بعملية تركيبية وصياغة ملخصات وتقارير من طرف خبراء متعددي الاختصاصات وتعرض على المؤسسات المنتخبة المخولة قانوناً.

خالد عبد الوهاب: في نظركم، هل يمكن أن تلعب الفلسفة المعاصرة دوراً أساسياً في تهذيب البحوث العلمية الطبية، وكيف يمكن "أخلقة" هذا الفضاء المعرفي في ظل تنامي جموح المتخصصين في هذه المسائل إلى إجراء المزيد من الأبحاث فيها؟

الدكتور رشيد دحدوح: من أجل مقاربة هذا السؤال يجب التذكير في البداية أنّ أقرب العلوم إلى الفلسفة تاريخيًّا وحتى حاضرًا هو كما أشرت آنفًا الطب بدون منازع. ومن أجل التدليل التاريخي على ذلك، نشير إلى أن الطبيب في التراث العلمي والفلسفي العربي يطلق عليه "الحكيم" لماذا؟ قلة من يعرف أنّ العرب قديما حين ترجموا التراث اليوناني، خصوصا أفلاطون وأرسطو وجدوا أن الطب كأي علم آخر كان لا يمارس إلا وفق نظرية معرفية وعلمية هو ما كان سائدًا لدى اليونان أنفسهم، حيث استلهم الطب الآبقراطي Médecine Hippocratique النظرية المعرفية والأخلاقية الأرسطية وطبقها على الجسد وأحواله المرضية والصحية. وما دامت الحكمة الفلسفية القصوى ينشدها كل فيلسوف وكل عاقل في حياته اليومية تكمن في فضيلة التوازن والوسط العدل بين رذيلتي: الإفراط والتفريط Entre l’Hyper …et l’Hypo، فإنّ فضيلة الجسد هي الصحة، وهي في النهاية عبارة عن حالة من التوازن الكامل والشامل بين مختلف الأخلاط والأمزجة التي تتدفق في العروق، وهي: الدم والنخامة والمرة الصفراء والمرة السوداء. ومادام الطبيب هو ذاك الذي يعالج الأمراض والأسقام عن طريق الاجتهاد في إرجاع التوازن المفقود في حال المرض، فهو إذن حكيم. أما فيما يتعلق بالشق الثاني من سؤالك، وهو مساهمة الفلسفة في "أخلقة" الممارسة والبحوث الطبية، فهذا أصبح ضرورةً حيويةً ملحةً: فاليوم لم يعد الطب كما كان من قبل ممارسة تحركها الدواعي الإنسانية والتعاطف والشفقة على المرضى والمصابين والعاجزين. إنّ الطب اليوم تحول إلى صناعة تحركها قوانين السوق وفي مقدمتها الربح والخسارة. وهنا يكمن الخطر: نحن لم نعد نعيش في عالم طبيعي، إنّما أصبحنا نحيا في عالم تقنو-علمي والحضارة الحالية حضارة تقنو-علمية، ونمط التفكير الوحيد المعترف به فيها هو التفكير الأداتي Pensée instrumentale، حيث لم تعد هناك من قيمة لأنماط التفكير الأخرى، مثل التفكير التأملي والجمالي والتفكير الوجداني... إلخ مع ما يشكل ذلك من مخاطر على الإنسان بصفة عامة سواء من حيث: استعمال جسده لأغراض تجارية وظهور متاجرة جديدة بالبشر. أصبح تعريف الإنسان وتحديد ماهية الطبيعة البشرية من الأمور المعقدة اليوم، لأنّه بالإمكان مثلا أن نحدث تقنيا جيبًا في بطن رجل ونضع له جنينًا صغيرًا يمكن أن يحمل به ويتغذى على جسده حتى موعد الوضع. وبالتالي: من قال إنّ الذكر لا يمكنه أن يحمل ويلد؟ وفي هذا تغيير ثوري واضح لطبيعة الإنسان الولى يخشى أن تعقبها كوارث أخرى أشد. ثم حتى مفهوم الأسرة قد يتغير تمامًا ونهائيًا مع التقنيات الطبية والفيزيولوجية الجديدة في الإنجاب والقضاء على العقم...والسؤال: هل بإمكان الأطباء الإجابة على هذه الأسئلة المتشعبة والمصيرية لوحدهم؟ لسنا بحاجة إلى كبير عناء كي نلاحظ أنها أسئلة تتجاوزهم كثيراً، ولا يمكنهم البتّ فيها لوحدهم: الطبيب يعطي رأيًا طبيًا بخصوص حالة المريض الموجود في حالة غيبوبة لكنّه ليس هو من يقرر نزع أجهزة التنفس والإسعاف الطبي عنه، هنا تتدخل الأسرة والقانون والدين... إلخ. لذلك نقول إنّ الفيلسوف اليوم مدعو مرة أخرى من أجل الإسهام في تأمل الحلول والبدائل الملائمة لمشكلات الإنسان المعاصر وتصورها وإيجادها جنباً إلى جنب مع رجل الدين والقانون والطبيب وعالم الاجتماع والباحث العلمي وغيرهم من مكونات المجتمع على اعتبار أن الفلسفة التطبيقية أو البيوطيقا ليست مبحثًا مستقلاً، إنّما مبحث يوجد على تخوم مباحث علمية وإنسانية متعددة. لذلك، فالكل مدعو إلى المساهمة في تأمل مشكلاتها وحلها. لا نلاحظ اليوم على المستوى العملي والمهني انتشار الأخلاقيات في الجامعات والمعامل ومراكز الأبحاث، وهي تضم العديد من الخبراء والمختصين من مشارب وآفاق متنوعة ومتعددة.

خالد عبد الوهاب: يبدو جلياً من خلال نشاطكم الأكاديمي اهتمامكم بمسائل البيوإطيقا ويتجلى ذلك في إشرافكم على عدة مشاريع في الماجستير ودكتوراه العلوم متخصصة في أخلاقيات الطب والأيكولوجيا، كيف تقيمون هذه التجربة الجريئة؟

الدكتور رشيد دحدوح: منذ أن قرأت المقدمة التي كتبها الأستاذ المرحوم "محمد عابد الجابري" لكتاب ابن رشد "الكليات في الطب"، وهي مقدمة رائعة ومطولة عن أهمية الفلسفة الطبية. مذاك الحين، توجهت بحماسة الى هذا المجال الفلسفي غير المستثمر في بلادنا العربية وحتى في الغرب وقد وجدنا فيه كل القضايا الفلسفية الكلاسيكية مطروحة بكيفية عملية ملموسة ومعيشة. فالطب إذا نظرنا إليه من حيث المعايير الإبستيمولوجية الوضعية منذ تصور الجسد الآلة عند ديكارت يمكن الجزم أنّه علم وضعي موضوعي، وتلك هي وجهة نظر الطبيب الذي لا يرى في المرض سوى تصور مجرد، أو مفهوم خال من الحياة. أما إذا نظرنا إليه من وجهة نظر المريض، باعتباره إنسانًا على حافة اليأس والآلام المبرحة والتهميش والمعاناة والاحتضار فالطب سيصبح علمًا إنسانيًّا بامتياز، حيث يجب مراعاة المعاناة الإنسانية فيه، والأخذ بعين الاعتبار التجربة المرضية المعيشة من طرف المريض. ومن غريب الصدف والسعيدة في آن واحد أن الفلسفة الفينيومينولوجية Phénoménologie وجدت أكبر تطبيقاتها الناجحة على الطب، وهو الأمر الذي دفعنا إلى الاهتمام بذلك وعدم الاكتفاء بالقضايا الكلاسيكية في الفلسفة، وهي قضايا الوجود والميتافيزيقا واعتبارها وحدها قضايا فلسفية. إنّ ذلك في الحقيقة يمثل الرؤيا أو النسق اليوناني الذي كان يعتبر الأنطولوجيا هي الفلسفة الأولى. أمّا اليوم، فالنسق اليوناني لم يعد له وجود ومفهوم الحكمة تغير تمامًا، وأصبح الحكيم هو من ينخرط في جميع مشكلات المجتمع وقضاياه وتكون له إسهامات إيجابية وفعالة في تصورها وحلها. وقد كان - ولله الحمد - للتجربة ثمارٌ طبية على مستويات متعددة يكفي أن أذكر مستوى واحداً منها فقط، وهو بداية الاقتناع أنّ التقسيم المدرسي الكلاسيكي والتعسفي بين هذا علمي وهذا أدبي أو إنساني بدأ يفقد مصداقيته. ونحن اليوم أمام واقع معرفي جديد ميزته المباحث البينية الأفقية interdisciplinarité et transversalité. فمن ينتبه إلى التغير العميق في البنية المعرفية للعلوم الحالية يلاحظ أنّ: العلم الكلاسيكي التحليلي الإرجاعي Reductionniste بلغ منتهاه، ولم يستطع الإحاطة الشاملة بالمعرفة والواقع كما وعد بذلك حين انطلق، والسبب أنّه لم يستطع أن يقدم نظرة شمولية Holiste موضوعية وعامة عن موضوعات المعرفة.

خالد عبد الوهاب: تشرفون على التحضير لملتقى وطني يدور حول الفلسفة التطبيقية وتمثلاتها للإنسان المعاصر، ماهي إشكاليته الأساسية، وأهم محاوره؟ وماهي الأهداف المرجوة من هذا الملتقى الواعد؟

الدكتور رشيد دحدوح: الإشكالية الأساسية للملتقى لا تخرج عن إطار ما ذكرته لك أثناء الإجابة على الأسئلة السابقة، وهي عموماً تدور حول قدرة الفلسفة التطبيقية على بناء تصورات ومفاهيم ديناميكية تتمثل الواقع الإنساني الجديد بجميع أبعاده الثورية المعاصرة، لا محاولة إسقاط تصورات قديمة بالية على الواقع: الحكيم المنعزل عن العالم بحجة التأمل لم يعد له وجود ولا نحتاجه أصلاً. أما عن محاور الملتقى، فهي متنوعة وشاملة لجميع القضايا تقريبا بدءًا بــ: مسائل الحقوق والعدالة طرحنا فيها فلسفة الحق والعدالة، معضلات الأخلاق الحياتية، مثل الواقع الإنساني الجديد في مواجهة إنجازات البيوتكنولوجيات وإشكالات الإنسان والبيئة، مشكلات التربية والمعرفة خصوصاً في ضوء تكنولوجيا الاتصال والتواصل، ومقاربات فلسفية للثقافة من خلال طرح مشكلات الهوية والعولمة والمحلية والعالمية وغير ذلك كثير من المسائل.

أما عن أهداف الملتقى الذي نحضر له، إن شاء الله، كي يكون دوليًّا ودوريًّا كل سنة، فهي:

1- تشجيع البحث الفلسفي الجاد والمبدع وإتاحة الفرصة للنخب الفلسفية للالتقاء من أجل تلاقح الأفكار وتبادل مساحات الاهتمام.

2- إبراز مساهمة الجامعة الجزائرية في النقاشات الفلسفية العالمية الراهنة وإبراز جدية مقاربتها للإشكالات المطروحة وأصالتها.

3- إعادة الفلسفة إلى مكانتها الطبيعية في المجتمع بوصفها وسيلةً حضاريةً لتأصيل الحوار السلمي والتسامح وقبول الآخر، وغرس قيم العيش معاً عن طريق ترقية الحجاج العقلي المنطقي وغرس ثقافة التميز والتمايز والاختلاف.