قراءة في كتاب الله والإنسان: دراسة في الجبر والاختيار للدكتور سامح محمد إسماعيل

فئة :  قراءات في كتب

قراءة في كتاب الله والإنسان: دراسة في الجبر والاختيار للدكتور سامح محمد إسماعيل

قراءة في كتاب الله والإنسان:

دراسة في الجبر والاختيار للدكتور سامح محمد إسماعي


صدر الكتاب عن "دال للأبحاث والإنتاج الإعلامي" و"مؤمنون بلا حدود" عام 2014م، وتتمركز إشكالية الكتاب الرئيسة حول صورة الله في ضوء قضية الحرية والإرادة، إذ ظلَّ العقل الإنساني مسكونًا بهاجس الجبر والاختيار، وانقسم المفكرون إلى فرق ومذاهب اختلفت حول الجبر والاختيار، من الجبر السياسي إلى الاختيار العقديّ إلى محاولة عدم التفسير المطلق، كمحاولة الأشاعرة في عدم القطع بحل أو تفسير، وحاول كل فريق أن ينتصر لمذهبه، وقد تنوعت الدراسات وتعددت حول هذا المفهوم بأسمائه المختلفة، كل يدلي برأيه في القضية، فمن محاولة تغليب وجهة نظر فريق على آخر، أو محاولة التوفيق بين الرأيين، إلى غير ذلك من الدراسات والقراءات، لن يجد القارئ جهدًا كبيرًا في الوصول إلى هذه الدراسات، فلن تخلو جامعة أو مدرسة من كتاب أو رسالة تحاول الاقتراب من هذه المعضلة الإنسانية.

ويأتي كتاب الله والإنسان محاولة لاستعراض أهم منطلقات مذاهب الجبر والاختيار، والوصول إلى مفاهيم وطروحات تتمظهر من خلالها صورة الله عند كل فريق، ولم يتناول الباحث الإشكالية من وجهة واحدة عبر التاريخ، ولكنه استعرض الأبعاد الكاملة للقضية محاولاً تقديم طروحات مغايرة.

يأتي الكتاب في تصدير وتمهيد وأربعة فصول وخاتمة، وثبت للمراجع وفهرس عام. وصدّر المؤلف الكتاب بسؤال حول إشكالية أو معضلة يوثيفرو في حوار خارج المحكمة بين سقراط ويوثيفرو، والسؤال هو: هل يختار الإله الإنسان الصالح لأنه صالح؟ أم إن الصالح صالح لأن الإله يختاره؟ هذه هي الإشكالية الرئيسة التي حاول المؤلف أن يدخل من خلالها إلى تقديم كتابه ويشير في الإطار نفسه إلى ما يثار حول هذه الإشكالية من إشكاليات أكثر تعقيدًا، وهي إشكالية الحرية والإرادة، التي ظلت تشغل العقل الديني والفلسفي على السواء.

ويوضح المؤلف أن الغرض من الدراسة ليس مجرد سرد أو استعراض الآراء والمذاهب وإثبات أحقية مذهب على آخر أو الانتصار إلى رأي على حساب آخر، بل الهدف، كما أوضح، محاولة تحديد الأنماط الرئيسية للتناولات الفلسفية لمفهوم الإله في إطار إشكالية الحرية، أو بمعنى أكثر دقة، إيجاد صياغة عامة لتصور العقل البشري عن الإله في ضوء أو رفض أو قبول الإرادة البشرية الحرة؛ لأن إله الجبرية يختلف عن إله الحرية من حيث المضمون والممارسات.

التمهيد:

افتتح المؤلف التمهيد بسؤال عن كيفية معرفة الإله، وهل هو بدهيّ أم يحتاج إلى تجربة واختبار وإخبار فيقول: هل كان الوصول إلى معرفة الله نتاجًا بدهيًّا يؤدي إليه ذلك الدافع الموضوعي لتفسير الوجود، بالإضافة إلى دافع آخر ذاتي لتأكيد هذا الوجود وكينونته؟ وهل يمكن القول: إن الإنسان تمكّن من الوصول إلى وجود الله، واستشعار هذا الوجود من حوله وفي داخله دون الحاجة إلى الأديان.

بيّن المؤلف مدى حاجة الإنسان إلى إله "كائن أسمى"، وذلك يرجع إلى القصور المعرفي والعجز عن تحقيق التماهي الكامل مع العالم بمكوناته، وتعدد الأنماط السيكولوجية، إذ أصبحت الحاجة إلى الإله أكثر إلحاحًا. يأتي ذلك مع الرغبة المتنامية في تجاوز إشكاليات النفس والوجود، ولم يكن دافع الإنسان مجرد الإعلان عن وجود إله، وإنما الشعور بالاهتمام المتبادل ورعاية الله لهذا الإنسان، فكانت الأديان هي التجسيد الحقيقي لهذه الحالة بشكل واضح، من أجل حل إشكالية الوجود. ثم تعرّض المؤلف لدور السلطة في تكوين الصورة النمطية لعلاقة الإله بالإنسان من خلال الخطاب الديني المؤدلج في قوالب الصراعات الغيبية من أجل إضفاء الشرعية الوجودية للسلطتين الدينية والسياسية والتسويغ الدائم لما تراه مناسبًا لها من أجل استمرارها.

وهل يملك الإنسان مصيره ومساره؟ وهل يملك القدرة على الاختيار؟ وهل حرية الإرادة قدرة ذاتية أم أنها ترتبط بعوامل أخرى تخرج عن نطاق الإنسان؟ سؤال آخر ضمّنه المؤلف في تمهيد الكتاب، فبين أن الحرية قضية إنسانية ارتبط وجودها بالإنسان الأول، فآدم في النصوص الدينية حين ارتكب الخطيئة كان حرًا، وقابيل حين قتل أخاه كان حرًا، فهل يمكن القول بأن الحرية تقود الإنسان دومًا إلى الخطيئة؟

يرى المؤلف أن مفهوم الحرية يعتبر من أغنى المفاهيم الفلسفية، حيث يجعلها سمة خاصة تميز الإنسان من حيث إنه موجود عاقل يعبر عن أفعاله وإرادته، وأوضح في تعريفه للحرية من خلال المعنى الاشتقاقي، وهي: عبارة عن انعدام القسر الخارجي، وتميز بعض الباحثين بين نوعين من أنواع الحرية "حرية التنفيذ وحرية التصميم"[1].

تعرض المؤلف في تمهيده لفكرة الإرادة عبر التاريخ، مؤكدًا أن الإنسان عرف كيف ينظم حياته، وشعر كذلك بضرورة إعمال عقله في جميع نواحي الحياة حتى يأمن الشرور ويحقق لنفسه أكبر قدر من الأمن والأمان، وتطرق لفكرة القدر عند الإغريق، أو ما كان يعرف عندهم باسم نظرية الضرورة، كما ظهرت عند ليبوقبس، ومذهب الصدفة عند "أبيقور" مقابلاً لمذهب الضرورة، وتأثير هذه النظريات على طروحات الفلسفة الإنسانية، كما ألقى الضوء سريعًا الدراسة على فكرة الحرية والإرادة في المسيحية، وكذلك في الفكر الإسلامي، ليؤكد أن موضوع الحرية متعدد الجوانب والمدلولات، فحرية الإرادة تعني فيما تعنيه حرية الفكر والفعل الاجتماعي، والحرية الاجتماعية تعني الانطلاق بالضرورة نحو آفاق رحبة من العمل الإنساني والإبداع الفكري، وتقود بالتالي إلى مفهوم أكثر شمولاً، ألا وهو الحرية السياسية.[2]

تناول المؤلف في الفصل الأول، المعنون بـ "الله بين السماء والعرش"، فكرة "الله" وكيف تحول المطلق المقدس إلى إله بشري، وكيف تمثلت صورة الإله في المسيحية انطلاقًا من إشكالية حرية الإرادة الإنسانية، إذ تبلورت صورة الإله في العقل المسيحي من خلال نسقين: الأول نسق سلطوي يسعى إلى تكريس سلطة الكنيسة وتدعيمها في شتى المحاور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية، من خلال سلطة إلهية يمثلها البابا، باعتباره النائب الأول عن السماء. والثاني خارج عن سلطة الفكر النقلي الآلي، ويعتمد على أولويات العقل البشري وقناعاته للخلاص من ربقة رجال الدين. كانت دعوى "جريجوري السابع"، في الإطار الأول، بأن سلطة الكنيسة مستمدة من فيض إلهي، وأن رسالتها أسمى من أية رسالة، وظهرت نظرية السيفين ومفادها: أن هناك سيفين: الأول روحي سلمه الله للبابا، والثاني: زمني سلمه الله للإمبراطور عن طريق البابا.

وعليه، أصبحت السلطة الدينية تملك لعنة الحرمان وصكوك الغفران في آن واحد، مما يعني سيادة الفكر الديني واستخدام سلطة الكهنة بلا حدود، وهو ما أثر على كافة مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية والأخلاقية، وقد تناسى هؤلاء أن المسيح رفض أن تتحول المسيحية إلى سلطة، فرسالة المحبة المطلقة التي جاء بها لم يكن ممكنًا أن تتلاقى مع أيه تطلعات سلطوية نسبية، وكانت مقولته الشهيرة: "مملكتي ليست من هذا العالم" ردًا واضحًا وحاسمًا لمن حاولوا تنصيبه ملكًا، فمملكة المسيح الحقيقية كانت في قلوب المعذبين، وأحلام المهمشين، حيث تعلو قيم الخير، وترقد السيوف في أغمادها، فلا تعلو غير رايات المحبة والسلام، يقول المسيح للقديس بطرس حين رفع سيفه دافعًا عنه: "ضع سيفك في الغمد لأن الذين يأًخذون بالسيف، فبالسيف يؤخذون."[3]

واستعرض المؤلف ملامح حرية الإرادة في عصر الآباء، وهي الفترة التي جاءت منذ بدء المسيحية وحتى القرن التاسع في تاريخ الفلسفة المسيحية، حيث كان السعي المحموم نحو السلطة، ومحاولة إسباغها بهالة من القداسة انقضاضًا على القيم المسيحية التي صلب في سبيلها المسيح، وعانى من أجلها تلامذته، واستشهد الآلاف دفاعًا عنها وإيمانًا بها، وفي رأيه كان من الطبيعي أن تقف السلطة ضد أيَّة محاولة للنزوع إلى العقل وتحرير الإنسان، فبدأت السلطة الكهنوتية في محاصرة "بيلاجيوس" الذي رفض التوجهات الجبرية للكنيسة، وشن "أوغسطين" وأتباعه حربًا لاهوادة فيها على البيلاجية، وانتهى الأمر بإصدار مجمع أفسس قرار الحرمان ضد "بيلاجيوس" وأتباعه، واعتبرت البيلاجية نمطًا من أنماط الهرطقة والتجديف؛ لأنها تقول إن الإنسان بقوته الطبيعية يستطيع الوصول إلى أسمى درجات القداسة بدون انتظار النعمة. فلم تستطع الكنيسة تجاوز تلك الإشكالية في عصورها الأولى، فتدعيم السلطة الجبرية للرب يستتبعها بالتالي تدعيم سلطة المؤسسة الدينية البابوية، وبسط سيطرتها من خلال قائمة طويلة من الأوامر والنواهي.

واستعرض المؤلف إشكالية الحرية في العصور الوسطى من خلال دور الكنيسة في الحياة بشكل عام، وتحكمها في مقاليد الأمور، وكانت أبرز الطروحات النظرية هي نظرية "التحديد الأزلي للطبيعة" التي حاول من خلالها "توما الأكوينى" (1225 - 1274) التوفيق بين الحرية الإنسانية والجبرية، ويعرض المؤلف في كتابه لرأي "إسبينوزا" (1632-1677م) الذي يوحد بين الله والطبيعة، في مذهب وحدة الوجود، وهي صورة تتعارض مطلقًا مع القول بالحرية، فهو ينكر الحرية باسم طبيعة الله، ويرى أن جميع الأفعال محددة بقوانين شاملة في الطبيعة لكنها في ذات الوقت تعتمد على قرارات يتخذها البشر، ويصل الكاتب إلى أن أغلب الطروحات التي تناولت مسألة حرية الإرادة الإنسانية في العصور الأوروبية الوسطى وبدايات عصر النهضة قد انطلقت من تصورين لطبيعة الإله:

-التصور الأول: إله ذا طبيعة بشرية، سامٍ ومحبٍ يتمتع بأقصى درجات الكمال، وهو إله لديه قدرة مطلقة تنفي بدورها وجود قدرة إنسانية مستقلة.

-التصور الثاني: انطلق من نظرية وحدة الوجود، والله هو العلة الأولى والحقيقية في هذا الكون.

أما الفصل الثاني، فجاء بعنوان "نقد العقل الديني بين الإصلاح والإلحاد"، ورصد فيه المؤلف التطور الكبير والحركة الإصلاحية التي قامت في أوروبا ضد سلطة الكنيسة الكاثوليكية مع بداية عصر النهضة، ومع بدء حركة الإصلاح البروتستانتي، وتطور الأمور عقب صلح ويستفاليا، ولعل أهم إنجازات صلح "ويستفاليا" في رأيه إقرار مبدأ التسامح الديني، وحرية العقيدة بعد عقود من الحروب الدينية، وتجريد البابوية من حق التدخل في الشؤون السياسية، وانسحاب سلطة الرب الممنوحة لآباء الكنيسة تدريجيًا، ويعتبره الحدث السياسي الذي انتشل الواقع الأوروبي من دائرة العصور الوسطى، إذ أرسى مبدأ سيادة الدولة، ووضع حدًّا للحروب الطاحنة التي مزقت أوصال القارة الأوروبية.

ثم ألقى المؤلف الضوء على أولئك الفلاسفة الذين أسهموا في تحوّل الفكر الأوروبي نحو الحداثة والحرية ومواجهة سلطة الكنيسة؛ فبدأ بصاحب كتاب "الثناء على الحماقة" "أرازموس"، وخلافه مع "لوثر" حول حرية الإرادة، ثم ديكارت وتحرير الإرادة الإنسانية، واعتماده على وجود الإرادة الإنسانية الحرة بذلك الاستبطان الداخلي للنفس، ويستطيع عن طريقه أن يشعر بحرية الاختيار وفق إرادة حرة غير محدودة، وأوضح المؤلف الفرق بين فلسفة "ليبينز ومبدأ السبب الكافي" وفلسفة ديكارت، وذلك فيما يتعلق بالعلاقة بين الذهن والمادة، كما تعرض المؤلف لـ "كانت" وطبيعة الحرية في الإطار القانوني، وكيف فرق "كانت" بين نوعين من الأوامر الأخلاقية: أوامرأخلاقيةشرطية، وأوامرأخلاقيةقطعية. وتعرض المؤلف كذلك لصورة الله في العقل الإنساني باعتباره حاجة أصيلة وملحة وثيقة الارتباط بالظاهرة البشرية، وجزءًا مكونًا من معطياتها، وذلك من خلال فلسفة "سورين كيركجارد" والمدارج الثلاثة التي يتنقل الإنسان فيها، وهي: المدرج الحسي والمدرج الأخلاقي والمدرج الديني، ثم يأتي دور "لكييه" و"لاشيليه" و"برجسون" ليقدموا طروحات على تقوم أساس الفعل للحر للإنسان.

ثم تطرق المؤلف لقضية حرية الإرادة والنزعة الإلحادية، التي سعى أصحابها نحو تأسيس حرية إنسانية مطلقة من خلال تقويض مذهب الألوهية، وإعلان موت الله اللاهوتي نقطةَ انطلاق لتحرير الإرادة البشرية في رأيهم، إذ كانت القضية الأساسية في النزعة الإلحادية هي تحرير الإنسان من كافة أشكال استلاب الحرية، وما يؤدي إليه ذلك من طمس الفرد وإفقاده حرية الاختيار ومسؤولية هذا الاختيار بقيم لاهوتية جبرية،[4] وكان أهم فلاسفة هذا الاتجاه "لودفيج فويرباخ" الذي تأثر بآراء "هيجل"، ولقد أراد "فويرباخ" تحرير الإنسان من سطوة القيود اللاهوتية، والتحليق به نحو عالم جديد لا قيمة فيه تسمو فوق قيمة الحرية، وهو ما أطلق عليه العالم الحقيقي، ثم "كارل ماركس" الذي ذهب إلى مدى أبعد في تحرير الإنسان من سطوة الإله من عند "فويرباخ"، حيث سعى إلى استبعاد الله من الحياة العملية، من خلال التأكيد على قدرة الفاعل الحر للإنسان، فيرى ماركس أن المادة لا الروح هي القوة المحركة، أما "فردريش نيتشه" فقد دفع تيار الإلحاد إلى مدى أبعد مما أرتآه ماركس ليعلن بلا مواربة عن موت "الله" بكل ما يعنيه ذلك من سقوط نظام المعايير والسلوك القائم على التسليم بفكرة الإله، ولاقت صيحة التمرد التي أطلقها "نيتشه"، وتردد صداها في الفكر الإنساني المعاصر رواجًا عند "سارتر" الذي أكد أن فكرة "الله" مجرد افتراض لا طائل من ورائه، وتُحمّل وجودية "سارتر" الإنسان المسؤولية كاملة عن كل أفعاله وأفكاره وعواطفه، ولكن يبقى سؤال: هل يمكن لتلك الحرية التي تبدو إلى حد كبير ذات طبيعة متوترة أن تؤسس لمنهج أخلاقي سليم؟ ويقدم "ألفريد جولس آير" الإجابة على ذلك بتقديم نسق أخلاقي جاء مبهمًا عند "سارتر"، فالإنسان عنده حر في اختيار أفعاله، وتتضمن هذه الحرية المسؤولية، إلا أن هذه الحرية ليست بحاجة إلى افتراض وجود الله أو أي تفسير لاهوتي لها.

ويمكن القول بأن كلا من الصورة النمطية للإله والنظرة الإنسانية لطبيعة الفعل البشري قد أفلتتا أخيرًا من الجبرية اللاهوتية.

وقد جاء الفصل الثالث بعنوان "الله في العقل الإسلامي، بين الفقه والسياسة"، وقدحاول المؤلف في هذه الجزئية أن يناقش طبيعة فكرة الحرية في التاريخ الإسلامي، وكيف أنها لم تتبلور إلا في وقت متأخر، إذ لم ينشغل المسلمون الأوائل بالتعرف على علاقة معينة تربطهم بالإله سوى أنه مناط التقديس والعبادة والخشية والخضوع، فهو مصدر الخلق والرزق والضر والنفع، وصاحب القدرة والقوة والسلطان، لا راد لقضائه ولا معقّب لحكمه، بيده الأمر كله، وما سواه عبيد له، وخير مثل على هذا الذي أخرجه الترمذي في سننه عن أَبِي هُرَيْرَةَ، إذ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي الْقَدَرِ؛ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ - حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ حَبُّ الرُّمَّانِ- ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: "أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ؟ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ لَكُمْ؟ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ. عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلَا تَنَازَعُوا فِيهِ."[5]

وسلّط المؤلف الضوء على أهم المدارس الكلامية في الحضارة الإسلامية التي ناقشت فكرة الجبر والاختيار، فبدأ بالمدرسة الأولى في الظهور، وهي مدرسة الجبرية، وأوضح المؤلف طبيعة النصوص التي اعتمدت عليها في التنظير لأصولها، وكيف أنها سلبت الإنسان قدرته على الفعل واختياره، فكل شيء واقع في الكون لا دخل للإنسان فيه ولا اختيار ولا بُد من الاستسلام والخضوع التام له، بهدف الانقياد لحكم بني أمية وعدم الخروج عليهم، فهم أصحاب السلطة والقوة والنفوذ، والطاعة لهم فرض.

وعلى النقيض من الفكرة السابقة قامت أسس المدرسة التي تؤمن بالحرية المطلقة للإنسان وأنه مسؤول عن أعماله وأفعاله، والتأكيد على أن الموجود البشري حر في أفعاله، ومختار بشكل مطلق، منحه الله القدرة على الفعل، وتركه يخلقه بإرادته الحرة، حيث كانت النزعة الإنسانية حاضرة بشكل فعال ومؤثر في تلك المنظومة، وكان ظهور المعتزلة إيذانًا بطرح سيل من الأفكار حول كثير من المفاهيم، وسبر أغوار عوالم الأفكار المحظورة، وتحرير المنطلقات الفكرية من سلطة الإله التي وضعها الجبرية قسرًا، مع طرح معطيات جديدة في الواقع الجدلي الفلسفي.

ثم تناول المؤلف محاولات التوفيق التي قام بها الأشاعرة، لكن المحاولة لم تقدم طرحًا محددًا، ولم تحدد مفاهيم مطلقة، وإنما وقفت في منطقة وسط عند كثير من المحققين، فيصح أن يكونوا "جبرية"، أو "قدرية" بمفهوم حرية الإرادة، أو كما قيل في حقهم في هذه المسألة: أخفى من كسب الأشعري.ثم عرّج المؤلف، ليتناول المرجعيات الفقهية وقضية الحرية، مؤكدًا أن الفكر الفقهي السلفي نشأ في بوتقة سطوة دينية تعمل بشكل مستمر على تكريس مبدأ الاتباع، وأوضح المؤلف كذلك بعدًا آخر في الفكر الإسلامي، وهي المدرسة النصية المتمثلة في المذهب الفقهي على اختلاف ألوانه، والتباين الواضح بينها وبين المدارس الكلامية، إذ إنهم لم يقطعوا برأي في هذه المدرسة، فتارة يميلون إلى الحرية المجازية، وأخرى يفهم منها: الجبر، فأبو حنيفة يقول: "إن الاستطاعة التي يعمل بها العبد المعصية هي بعينها تصلح لأن يعمل بها الطاعة، وهو معاقب في صرف الاستـطاعــة التي أحــدثـها الله فيـه وأمـــره أن يستـعمـلها في الطـاعـة دون المعصية، وفي موطن آخريؤكد ميله إلى القول بالجبر: رده حين سُئل: "هل يسع أحد من المخلوقين أن يجري في ملك الله ما لم يقض، فقال: لا."

ولم يخرج الإمام "مالك" عن تلك الدائرة، فهو يتحدث عن علم الله الأزلي غير القابل للتغيير، وهذا العلم الأزلي ناتج من إرادة الله ومشيئته، وأن ما علمه الله وشاءه وقدره فلابد من حصوله وتحققه. وامتد عدم القدرة على تحديد المفاهيم والوقوف في أحد المصاف الفكرية لإمام المذهب الفقهي الثالث، إذ يقول الشافعي:"إن مشيئة العباد هي إلى الله تعالى، ولا يشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين، فإن الناس لم يخلقوا أعمالهم وهي من خلق الله تعالى، ولم يستطع الإمام "أحمد"، وفق قناعاته الفكرية، الخروج من دائرة الحتمية تلك، فلم يدرك كيفية التفريق بين علم الله وإرادته، أو أن علم العالم ليس بالضرورة سببًا في فعل الفاعل.

ولأنها منظومة تقوم على استلاب العقل والامتناع عن تناول القضايا الفكرية والتأكيد على غلق باب التفكير بدعوى إغلاق أبواب الفتنة، فقد وقف أصحابها موقفًا متوجسًا من القضية، ولم يستطيعوا تقديم رؤية واضحة تعتمد على النقل أو العقل، بل يأخذهم التفسير، حيث القضية أو الإشكالية إلى التفسير بعدة أوجه، قد يكونوا حرموا إحداها في موطن آخر، هذا الالتباس جعل العقل الفقهي يقف عند نقطة معينة لم يستطع أن يتعداها إلى سواها أو يواكب مقتضيات العصور المختلفة فيقدم البديل أو يقدم حلول وقتية يستطيع أن يبني عليها مستقبلاً، وهي غير المرهونة بكتب التراث.

ويتناول المؤلف الحرية على المستوى السياسي، مؤكدًا على أن غياب التراكم النظري لمفهوم الحرية في الثقافة الإسلامية يؤكد الغياب التاريخي على المستويين الوجودي والسياسي للحرية، وهو ما يؤكد عبث أي محاولة للدفاع عن الحرية في الإسلام من داخل المنظومة الفقهية التقليدية التي فطرت على ثقافة التبعية والانسياق،[6] واستعرض المؤلف في هذا السياق التبعية المذهبية الفقهية للسلطة السياسية، إذ كان على الحكام استخدام الفقهاء الذين وجدوا فيهم ضالتهم، فاستخدموا معهم وسائل الترغيب عبر تقريبهم وبذل العطاء لهم وتكريمهم ورفعهم إلى مواقع اجتماعية عالية، وكان العصر الأمويّ هو الذي افتتح هذه العلاقة مع الفقهاء، وصولاً إلى العصر العباسي الذي عرف تكوّن المؤسسة الفقهية الرسمية، وامتد الأمر بشكل لافت إلى كافة عصور التاريخ الإسلامي.

وجاء الفصل الرابع الأخير بعنوان: "الخروج من نفق التراث"، وفيه يرى المؤلف أن الموروث الفكري والعقدي كان شديد الارتباط بما خلفه الأولون من نصوص ذات صبغة مقدسة كونت بدورها مرجعيات ذات جذور تاريخية، شكّلت فيما بينها الينبوع الرئيس الذي نهل منه دعاة الإصلاح، والذين خرجوا من عباءة المدرسة الدينية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين[7].

وأوضح المؤلف الدور الريادي لمدرسة الإصلاح في العصر الحديث، ومحاولة إخراج الأمة من ربقة الموروث الديني، ويمثل الشيخ جمال الدين الأفغاني الحلقة الأولى في هذه المدرسة، إذ حاول أن يوفق بين الإرادة الحرة وعقيدة القضاء والقدر، وعبثية القول: بالجبر، ثم جاء الشيخ الإمام محمد عبده ليرفض الجبر ويقول بمذهب الكسب، مع التأكيد على حرية الإنسان، ولكنها في رأيه محدودة ومتناهية، وهي أيضًا كفيلة بتحمل الإنسان تبعات أفعاله، ويأتي إقبال صاحب النزعة الروحية ليرى: أن الإنسان الفرد هو وحدة الفعل، فالله عند "إقبال" أسمى من أن يجبر البشر على عبادته، إلا أن هذا المخلوق الذي يقر له بالحرية لا يمكن أن يكون موجودًا إلا بين يدي الله، وعلى أي حال يرى المؤلف أن المدرسة الإصلاحية حاولت اعتماد صيغة منهجية وتطبيقية جديدة لإعادة بعث الفلسفة الإسلامية القديمة[8].

بعد ذلك يتحدث المؤلف عن مرحلة الانطلاق نحو آفاق الحرية، إذ يرى أن الفكر الإسلامي ظل معطلاً بسبب عدم القدرة على الخروج من غياهب الفكر السلفي ومزالق النزعة الفقهية، وكان لابد من التحليق بعيدًا خارج السرب الزاحف بلا وعي نحو الانتحار العقلي على حد تعبيره. وفي هذا السياق المتحرر من كل ما هو موروث يأتي "زكي نجيب محمود"، الذي يرفض القبول بوجود أي نوع من الحاكمية للنصوص الدينية على أي شيء في حياتنا متخذًا من حاجة الإنسان لحاكمية عليا تقوم بعمل فلترة للتراث الذي فقد مكانته بالتقادم[9].

وكانت مداخلات "علّال الفاسي" في هذا الإطار تعبيرًا عن رؤية أخذ صاحبها على عاتقه مهمة تأكيد ذلك التجانس بين الإسلام عقيدةً وبين الحرية طريق حياة. ولعل طروحات "عبد الرحمن بدوي" قد أسهمت هي الأخرى بقدر كبير في تأكيد رفض سطوة التراث السلفي، إذ يذهب "بدوي" إلى القول إن الشعور بالذات يأتي عن طريق الإرادة أو الفعل؛ لأن الأمر سيرتد حينئذٍ إلى فعل الفكر بوصفه فعلاً إراديًا بعد أن كان يقصد به الفكر بوصفها حالةً.

ويستعرض المؤلف طروحات "محمد أركون" الذي يرى أن أزمة الحركات السلفية الماضوية تتجلى في تلك القطيعة التي اعترتها منذ القرن الخامس عشر بالإبداع والإنتاج الحضاري. ثم يأتي "عبد الله العروي" بمفهوم للحرية يتجاوز فيه حدود الشعارات والمفاهيم الفلسفية لتصبح حاجة، لا حاجة فردية أو سيكولوجية، تاريخية واجتماعية، في حين يطرح "محمد عابد الجابري" العقلانية رهانًا نقديًا وفكريًا من شأنه أن يساعد على تأصيل حداثة فكرية بدلاً من حداثـة عصر النهضة العربية المستلبة التي زادت من تعميق هــوة الاغــتراب الذاتي للمفكر العربي، في حين يحيل محمد شحرور في تأكيده على الحرية المطلقة للإنسان على قراءة معاصرة للنص.

وقد انطلقت الطروحات الحديثة إلى آفاق أكثر اتساعًا بعد تخلصها من سطوة رجال الدين، حيث لم يعد الدين مجرد استجابة للاغتراب الاجتماعي، ولم يعد الله مجرد ذلك العادل الذي يفر إليه الهاربون من سطوة الأباطرة، بل أمكن تحرير الأخلاق من احتكار الدين لها[10].

وفي النهاية يرى المؤلف أن الله كان حاضرًا على مر العصور بكل ما يمثله من زخم على كافة المستويات، وقد تخيل كلٌ إلههُ حسب المنطلقات الفكرية والقناعات المعرفية التي يؤمن بها، فراحت صور الله تتعدد وتتباين بين إله بشري يحكم كالأباطرة، وآخر متسامٍ حر متحرر يشاركه الإنسان في منظومة الكون التي وضعها وفقًا لقوانين موضوعية.


[1]- سامح إسماعيل، الله والإنسان دراسة في الجبر والاختيار، القاهرة، دال للنشر ومؤمنون بلا حدود، 2014، ص 16

[2]- المرجع السابق، ص 28

[3]- المرجع السابق، ص 34

[4]- المرجع السابق، ص 85

[5]- أخرجه الترمذي في سننه، كتاب القدر، باب ما جاء في التشديد في الخوض في القدر.

[6]- المرجع السابق، ص 136

[7]- المرجع السابق، ص 141

[8]- المرجع السابق، ص 149

[9]- المرجع السابق، ص 151

[10]- المرجع السابق، ص 177