مفهوم الحداثة وروحها في فكر طه عبد الرحمن من خلال كتاب "روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية"

فئة :  قراءات في كتب

مفهوم الحداثة وروحها في فكر طه عبد الرحمن من خلال كتاب "روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية"

مفهوم الحداثة وروحها في فكر طه عبد الرحمن من خلال كتاب

"روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية"


يرمي هذا المقال إلى تحديد مفهوم الحداثة عند مفكر مغربي هام، تناول قضية الحداثة والتحديث من منظور فكري مختلف عن المفكرين المغاربة الآخرين الذين تناولوا الموضوع مثل عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري ومحمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي.. وغيرهم. وهو منظور ينتقد الآراء السائدة عن الحداثة في الوطن العربي لدى المفكرين والأدباء والسياسيين، ويسعى إلى بلورة رؤية أخرى للقضية في تشابكها المعرفي والفكري والإيديولوجي. فكيف يقارب طه عبد الرحمن مفهوم الحداثة؟ وأين تتمثل روح الحداثة حسب تصوره؟ وما معالم الحداثة الإسلامية التي يتحدث عنها؟

في ضوء هذه الأسئلة سنتعامل مع القضايا التي يطرحها كتاب "روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية"، وهو كتاب إشكالي على عهدنا بكتابات طه عبد الرحمن التي لا تهادن في تناول قضايا فكرية هامة شغلت المفكرين العرب والمسلمين منذ فجر ما أُطلق عليه عصر "النهضة العربية"، وما تزال تثير الجدل والنقاش في الأوساط الفكرية والسياسية ولدى النخب الثقافية في المشرق والمغرب على السواء.

1- مقاربة مفهوم الحداثة

يرى طه عبد الرحمن في مقدمة كتابه "روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية" أنّ نقده لفهم الحداثة في كتاب سابق له، وهو "سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية"، لم يكن يريد به هدم مفهوم الحداثة كما صار متداولاً في الفكر العربي، وإنما التأسيس لحداثة ذات توجه معنوي، بديلة عن الحداثة ذات التوجه المادي التي يعرفها المجتمع الغربي. ويرى أنّ الحداثة إمكانات متعددة، وليست، كما رسخ في الأذهان، إمكاناً واحداً. وهو يستدل على ذلك بالمشهد الحداثي الغربي المتنوع وغير المتجانس، بحيث يمكن الحديث عن حداثات كثيرة، لا حداثة واحدة، بحسب الأقطار والمجالات والمراتب والأولويات.

وإذا كانت الحداثة الغربية، على وجه الخصوص، ذات أشكال متعددة مع ثبوت اشتراكها جميعاً في التاريخ والمصير، فإنّ الحداثة في بيئات أخرى لا بد أن تكون لها أشكال مختلفة نظراً إلى اختلاف التاريخ والمصير. ومن ثم، لا بد أن يكون للتاريخ الإسلامي والمصير الإسلامي- وحالهما من التميز عن غيرهما أمر ثابت مقطوع به- أثرهما الخاص في تحديد مسلك المجتمع الإسلامي في التحديث. واستناداً إلى قاعدة منطقية يؤكد طه عبد الرحمن أنه كما أنّ هناك حداثة غير إسلامية، فكذلك ينبغي أن تكون هناك حداثة إسلامية. ويبين أنه لا يعقل أن يتقرر في الأذهان أنّ الحداثة تأتي بالمنافع والخيرات التي تصلُح بها البشرية، وأن تتحقق هذه المنافع والخيرات في الأعيان، ثم لا يكون هذا الجزء النافع منها متضمناً في الحقيقة الإسلامية؛ وهل الزمن الإسلامي إلا بمنزلة الزمن الأخلاقي الذي تتحقق فيه ظاهرة الحداثة والذي يتمم ما نقص في سابق الأزمان من المكارم؟ فالإسلام هو الدين الخاتم، بحيث يكون كل زمن يأتي من بعد ظهوره داخلاً في زمنه. ناهيك عن أنّ كل دين مُنزّل يَمُد الإنسان بأسباب الصلاح في دنياه، فضلاً عن أسباب الفلاح في أخراه؛ فإذن لا بد أن تدخل الحداثة الصالحة في الممارسة الإسلامية.

ويؤكد المفكر أيضاً تصوراً مفاده أنّ الحداثة الإسلامية ليست بالضرورة شكلاً واحداً تماماً كما هو حال الحداثة الغربية، وبذلك يعتبر أنّ مقاربته للحداثة الإسلامية، هي في الحقيقة، مقاربة لواحد من الأشكال التي يجوز أن تتخذها الحداثة الإسلامية، مبيناً أنّ مقاربته للحداثة هي مقاربة فلسفية تقويمية، لا تحقيقية كما هي المقاربة العلمية، وكل تقويم ينبني على النظر إلى ما يجب أن يكون، بحيث يبقى النظر إلى الواقع أمراً عارضاً وتابعاً له.

يقف طه عبد الرحمن- في بداية المدخل التنظيري العام- عند التعاريف التي وُضعت لمفهوم الحداثة بشتى مشاربها وتوجهاتها، سواء تلك التي ربطتها بحقبة تاريخية ممتدة أو مختزلة، أو التي نظرت إليها باعتبارها تطوراً في الصناعة والتقنية والمعلوماتية، أو تلك التي ربطتها بسمات محددة مثل التقدم، والتحرر، والعقلانية، والديموقراطية، والعلمانية، وحقوق الإنسان، وينتهي بتصور هابرماس الذي يعتبر الحداثة مشروعاً غير مكتمل. ويلاحظ أنّ هذه التعاريف جميعها تهول من أمر مفهوم "الحداثة" حتى تبدو كأنها كائن تاريخي عجيب يتصرف في الأحياء والأشياء كلها تصرف الإله القادر، بحيث لا راد لقدره، ويعتبر أنّ هذا التصور للحداثة غير حداثي لأنه ينقل الحداثة من رتبة مفهوم عقلي إجرائي إلى رتبة شيء مقدس. ومن هنا يدعو المفكر طه عبد الرحمن إلى التخلص من التشييء الذي أدخلته هذه التعاريف على مفهوم الحداثة، وذلك بالتفريق بين جانبين اثنين:

1ـ روح الحداثة

2ـ واقع الحداثة

فما هي خصائص روح الحداثة حسب طه عبد الرحمن؟ وما واقع الحداثة في منظوره؟ وما معالم الحداثة الإسلامية كما يبينها الكاتب؟

2- روح الحداثة وواقعها

تنبني روح الحداثة عند طه عبد الرحمن على مبادئ ثلاثة، وهي: مبدأ الرشد الذي يتكون من ركنين: الاستقلال والإبداع، ومبدأ النقد الذي يتكون، هو أيضاً، من ركنين: التعقيل والتفصيل، وأخيراً مبدأ الشمول الذي يتكون، هو الآخر، من ركنين: التوسع والتعميم. وتترتب على هذا التعريف لروح الحداثة نتائج أساسية هي:

* أنّ روح الحداثة تختلف عن واقع الحداثة.

* أنّ واقع الحداثة الغربية هو واحد من التطبيقات الممكنة لروح الحداثة.

* أنّ روح الحداثة متأصلة إنسانياً وتاريخياً.

* أنّ الأمم الحضارية كلها تستوي في الانتساب إلى روح الحداثة.

* أنّ واقع المجتمعات الإسلامية هو إلى الحداثة المقلدة أقرب منه إلى الحداثة المبدعة.

* أنّ الحداثة لا تُنقل من الخارج، وإنما تُبتكر من الداخل.

* أنّ ابتكار الحداثة الإسلامية الداخلية يستلزم إبطال المسلمات التي صاحبت تطبيق الغرب لروح الحداثة، وأدخلت عليه آفات تختلف باختلاف أركان هذه الروح.

ويقترح طه عبد الرحمن ست خطوات لإبطال المسلمات التي صاحبت التطبيق الغربي لروح الحداثة، وهي:

1ـ إبطال مسلمات الاستقلال الغربي، لأنّ وصاية الأقوى الخارجي لا تعني العناية بالأضعف، وإنما هي وصاية مُستعمر، كما أنّ وصاية الداخل قد لا تكون وصاية رجال الدين، وإنما وصاية رجال الاستعمار.

2ـ إبطال مسلمات الإبداع الغربي، فالإبداع لا يقتضي الانقطاع المطلق، لأنّ الحداثة الحقة هي حداثة قيم لا حداثة زمن، ولا هو أيضاً يقتضي الاختراع المطلق للحاجات، لأنّ الحاجات الحقيقية هي الحاجات الروحية.

3ـ إبطال مسلمات التعقيل الغربي، لأنّ العقل لا يعقل كل شيء، لأنه لا يمكنه أن يعقل ذاته، كما أنه لا ينقُد كل شيء، لأنّ الأشياء ليست كلها ظواهر، وأخيراً لأنه لا يسود الطبيعة لأنها أُمُ الإنسان وليست أَمَةً له.

4ـ إبطال مسلمات التفصيل الغربي، فلا إطلاق في الفصل بين الحداثة والدين، لأنّ أهل الحداثة توسلوا بمفاهيم دينية كما أنّ رجال الدين ساهموا في بناء الحداثة؛ كما أنه لا إطلاق في الفصل بين العقل والدين، لأنّ العقلانية مراتب، ينزل الدين إحداها، وأخيراً لا محو للقدسية من أفق الإنسان لأنّ الإنسان كائن متصل، ولأنّ العالم جملة من الآيات، فضلاً عن كونه جملة من الظاهرات.

5ـ إبطال مسلمات التوسع الغربي، فالتطبيق الغربي لروح الحداثة ليس واقعاً حتمياً، لأنّ الإنسان أقوى من هذا التطبيق، ولا هو يورث القوة الشاملة، لأنّ جسمانية الإنسان بقيت منقطعة عن روحانيته، وأخيراً ليست ماهية الحداثة ماهية اقتصادية، لأنّ ماهية الإنسان الحقيقية ماهية أخلاقية.

6ـ إبطال مسلمات التعميم الغربي، فروح الحداثة لا توجب التفكير الفرداني، ولكنها توجب التفكير المتعدي المناسب للمجتمع العالمي، كما أنّ الحداثة العلمانية لا تحفظ حُرمة الأديان، لأنها تنفي عنها عقلانية الآلات، وتنكر عليها عقلانية الآيات، وأخيراً ليست كونية قيم الحداثة الغربية كونية إطلاقية، وإنما كونية سياقية.

بهذه الكيفية يدعو الكاتب إلى تفعيل روح الحداثة بمبادئها الثلاثة بعد إبطال المسلمات التي جعلت من الحداثة في مفهومها الغربي وبكافة مستوياتها المذكورة نموذجاً أوحد للتحديث والنهوض الحضاري، وبهذه الكيفية التي استندت إلى نقد الفهم المتداول للحداثة وتوضيح ملابساته وتبيان ما يكتنفه من نظرة منحصرة ضيقة ينتقل طه عبد الرحمن إلى تحديد معالم حداثة إسلامية. فما هي هذه المعالم؟

3- معالم الحداثة الإسلامية

ممّا لا شك فيه أنّ الحديث عن معالم الحداثة الإسلامية كما سطّرها طه عبد الرحمن في كتابه "روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية" هو الذي يستغرق الحيز الأكبر من الكتاب، وهو الذي اقتضى من المفكر جهداً كبيراً واجتهاداً ملحوظاً، نظراً إلى أنّ هذا الحديث يُعد بمثابة خطوط عريضة لتأسيس مشروع الحداثة الإسلامية التي يتوخاها الكاتب ويصبو إليها باعتبارها بديلاً للطرحين التقليديين حسب تصوره: التقليد التراثي (السلفي) والتقليد الغربي (الحداثوي)، وليس الحداثي. وبما أنّ طه عبد الرحمن قد بيّن أنّ مقاربته للحداثة هي مقاربة فلسفية تقويمية، لا تحقيقية كما هي المقاربة العلمية، وأنّ كل تقويم ينبني على النظر إلى ما يجب أن يكون، بحيث يبقى النظر إلى الواقع أمراً عارضاً وتابعاً له، فإنّ معالم الحداثة الإسلامية ترتبط لديه بما هو ممكن التحقق من تطبيقات لروح الحداثة؛ وهكذا يعرض في الأبواب الثلاثة المشكّلة للكتاب سبل تفعيل روح الحداثة انطلاقاً من المبادئ الثلاثة التي اعتبرها روحاً لكل حداثة، وهي: مبدأ الرشد الذي يتكون من ركنين: الاستقلال والإبداع، ومبدأ النقد الذي يتكون، هو أيضاً، من ركنين: التعقيل والتفصيل، وأخيراً مبدأ الشمول الذي يتكون، هو الآخر، من ركنين: التوسع والتعميم؛ غير أننا سنكتفي بالخطوط العريضة التي يقترحها المفكر لتفعيل روح الحداثة باعتبارها معالم ممكنة لحداثة إسلامية مستقبلية. ومن ثم سننظر إلى كل مبدأ من المبادئ الثلاثة على حدة:

أـ الشروط الخاصة للتطبيق الإسلامي لمبدأ النقد

وفي هذا الجانب يركز الكاتب على ضرورة الانتقال من التعقيل المقلد إلى التعقيل المبدع، ملحاً على تصور مفاده أنّ الطريق الإسلامي في التعقيل الحداثي لا يصارع الطبيعة ولا يتسلط عليها كما ادعت الحداثة الغربية، كما أنه لا يتعاقد معها كما تخيل العقل الغربي، وإنما يُخاطبها ويودها ويراحمها حتى تبوح له بأخبارها وأسرارها، وكلما زاد اطلاعاً على حقائقها زاد رحمة بها وعطفاً عليها، ولكنه أبداً لا يقدسها، وإنما يُقدّس من بث فيها هذه الأسرار سبحانه. فالطبيعة أمّ الإنسان لا أمة له؛ فقد خرج من رحمها كما خرج من رحم أمّه التي ولدته، والوالدة لا تكون أمة لولدها؛ فإذا كان لا بد من ميثاق- حقيقي أو اعتباري- يعقده الإنسان مع غيره، فلا يمكن أن يكون ميثاقاً منحصراً في العالم المرئي كما ذهب إلى ذلك أهل التطبيق الغربي للحداثة، بل ينبغي أن يكون ميثاقاً يشمل العوالم كلها، المرئي منها وغير المرئي...وعلى الجملة، فإنّ الحداثة التي يورثها التطبيق الإسلامي لركن التعقيل حداثة داخلية مبدعة، لأنه لا يكتفي بالعقل الأداتي، بل يدمجه في عقل أوسع يحيط هذه الأداتية بكمالية القيم التي ينشأ عليها المسلمون وبجمالية الوجدان الذي يخصهم، ولا يفتأ العقل الواسع ينقد ذاته من خلال مقتضيات التداخل بين المجالات التي ينظر فيها، بحيث تكون الأدوات التي ينتجها هذا العقل خادمة لأجلّ وأجمل وأعقل المصالح... وفي هذا السياق يبين طه عبد الرحمن كيف سيطرت على الحداثة الغربية التقنية في كل المجالات بحيث تم الإخلال بمبدأ العمل، وخاصة في زمن العولمة الذي أضحت فيه العلاقة بين العلم والتقنية علاقة تداخل قوي، وهذا ما جعل الآفة الخُلقية التي تطبع هذا العصر هي آفة الإخلال بمبدأ العمل، وهو المبدأ الذي يوجب الجمع بين مقتضى التحكم ومقتضى الحكمة. وهذا ما يغيب عن كنه التعقيل العولمي بشتى تمظهراته في حياة الإنسان المعاصر، وبهذا يغيب "العمل المقصدي" في العلاقات الكونية التي تنتجها تبعية العلم للتقنية. وإلى هذا الأمر يشير الكاتب بقوله:

"إنّ أرباب العولمة في علاقاتهم التقنية يكتفون بالإجراءات الآلية التي هي ثمار التعقيل الأداتي المهيمن فيها، ولا يتطلعون إلى الأعمال المقصدية التي تستلزم تعقيلاً موسعاً يجاوزها؛ فأخلاقهم، من هذه الجهة، أخلاق الواقعين في تقديس للعلم والتقنية أشبه بتقديس العلم الإلهي الذي لا يُحد؛ وما الفتنة التقانية التي نراها من حولنا إلا شاهد على هذا التأليه للتقنية".(روح الحداثة، ص82)

ولتجاوز هذه الآفة، وفي سياق التطبيق الإسلامي لمبدأ النقد، يدعو طه عبد الرحمن إلى تصحيح مفهوم "العالم" المتداول عند أرباب العولمة، فليس العالم، كما يتصورون، مجالاً واحداً من العلاقات مع إطلاق مدلول "العلاقة"، وإنما هو مجال واحد للعلاقات مع تقييدها بالأخلاق، أي أنّ العالم هو مجال علاقي أخلاقي. ويوضح طه عبد الرحمن تصوره بقوله:

".. لما كانت أفعال الإنسان أفعالاً خلقية صريحة، كان لا بد أن تتجه هذه الأفعال إلى الآخر باعتباره إنساناً، أي كائناً أخلاقياً، بمعنى أنّ التعامل الذي يحصل في دائرة أفراد البشرية جمعاء هو تعامل أخلاقي، ثم لما كانت هذه الدائرة الواسعة هي التي يُطلق عليها اسم "العالم"، وليس على ما دونه كالمجتمع أو القبيلة، صار العالم هو المجال الأصلي الذي يدور فيه الفعل الخلقي، بحيث تكون لكل فرد فيه واجبات أخلاقية نحو غيره كما تكون لهذا الغير واجبات أخلاقية نحوه؛ فإذن الطبيعة الأخلاقية للأفعال الإنسانية تجعل صاحبها مسؤولاً في الأصل إزاء العالم كله، وليس إزاء بعضه فحسب، مجتمعاً كان أو جماعة أو أسرة". (الكتاب، ص90)

وبهذه الشاكلة يجعل طه عبد الرحمن العولمة عنصراً من عناصر الحداثة ما دامت تتصل بالعقل وترتبط بالأخلاق، حسب الفهم الذي بيّنه. وفي هذا السياق يؤكد الفيلسوف والمفكر قائلاً: "..وبعد هذا التصحيح، يصير مدلول "العولمة" هو السعي إلى تعقيل العالم بما يجعله يتحول إلى مجال واحد من العلاقات الأخلاقية، أو مجال علاقي أخلاقي واحد، ولمّا كان الزمن الذي يحصُل فيه هذا التعقيل للعالم هو بالذات الزمن الأخلاقي الخاص بالإسلام، فقد صار واجب هذا الدين الخاتم أن يرتقي بالتعقيل المادي المضيق الذي أخذ به أرباب العولمة إلى تعقيل موسَّع يعيد الاعتبار للأخلاقية في العلاقات التي تقيمها العولمة بين أفراد البشرية، عاملة على توحيد نمطهم في الحياة". (الكتاب، ص90)

بعد هذا التأكيد الهام الذي يجعل من توظيف العقل الموسع مع إعادة الاعتبار للأخلاق في علاقات العولمة ببني البشر صار من الممكن تناول العنصر الموالي في المشروع الذي يرى المفكر طه عبد الرحمن أنّ التطبيق الإسلامي قادر على إنجازه.

ب- الشروط الخاصة للتطبيق الإسلامي لمبدأ الرشد

في هذا السياق يدعو الكاتب إلى الانتقال من الاستقلال المقلد للغرب إلى الاستقلال المبدع، مبيناً أنّ وضعنا في التفكير ليس وضع من يفكر بنفسه، وإنما وضع من تولى غيره التفكير عنه، أو وضع من تنازل عن حقه في التفكير لهذا الغير انبهاراً أو انصياعاً؛ ومع هذا نتوهم أنه يفكر من أجل مصلحتنا بأفضل مما لو فكرنا نحن بأنفسنا، وهذه الحال شر وصاية فكرية يمكن أن يقع تحتها الإنسان. وعلى الجملة، فإنّ الحداثة التي يورثها التطبيق الإسلامي لركن الاستقلال من أركان روح الحداثة حداثة داخلية مبدعة، فالوصاية القائمة في المجتمع المسلم والتي ينبغي التخلص منها ليست وصاية الفقهاء، وإنما هي وصاية قوى الاستعمار والهيمنة الأجنبية التي تلبس ألواناً شتى حتى إنها تنطق بلسان بعضنا. ويلح طه عبد الرحمن على الانتقال من الإبداع المقلد إلى الإبداع المبدع دون تقليد للفكر القديم ولا للفكر الحديث. ويرفض طه عبد الرحمن، خاصة، تقليد الفكر الحديث لأنه يزيد من ترسيخ طبع التقليد في نفوس المسلمين الذين لا يرون في هذا الأمر تقليداً، بل تجديداً، والحال أنه أشد ضرراً عليهم لأنه تقليد لما ليس أصله ولا تاريخه عندهم فلا يملكون أسباب التصرف فيه بحسب ظروفهم ومتطلباتهم. وفي هذا الجانب يقف الكاتب في فصله الرابع من الباب الثاني عند ضرورة القراءة الحداثية للقرآن والإبداع الموصول، مبيناً كيفية هذه القراءة الحداثية التي تنبني على أساس مبدأ الرشد الذي يقوم على ركن الإبداع ـ باعتباره ركناً جوهرياً من أركان روح الحداثة- الذي يتخذ صورة الإبداع الموصول، إذ إنه يحفظ فيه المسلم صلته بما ثبت نفعه من تراث الأمّة، علماً أنّ النفع الذي تسعى إليه هذه الأمة لا تقف آثاره عند حدود الذات، بل تتعداها إلى نطاق الآخرين، كما لا تقف عند حصول الصلاح في العاجل، بل تتعداه إلى طلب الفلاح في الآجل. ويركز طه عبد الرحمن في هذا الفصل على تبيان كيف أنّ "الإبداع المفصول" الذي انبنت عليه ممارسة القراءة القرآنية في العصر الحديث لدى عدد من المفكرين المقلدين للفكر الغربي، لم تكن قراءة تفي بمقتضيات القراءة الحداثية للقرآن.

ويتتبع طه عبد الرحمن خطط القراءات الحداثية المقلِّدة التي اتبعت استراتيجيات انتقادية مختلفة تتكون ـ في عمومها- من عناصر ثلاثة يسميها الكاتب "أركان الخطة"، وهي:

1-الهدف النقدي الذي تقصد تحقيقه.

2-الآلية التنسيقية التي توصل إلى هذا الهدف.

3-العمليات المنهجية التي يتم التنسيق بينها للوصول إلى هذا الهدف.

ونكتفي بالإشارة إلى هذه الأركان التي اتبعتها الاستراتيجيات الانتقادية التي أشار إليها الكاتب في قراءة القرآن، وهي عناصر حادت بالمفكرين المحدثين المقلدين للفكر الغربي عن الوفاء بمقتضيات القراءة الحداثية للقرآن الكريم، لننتقل إلى محور آخر من محاور الكتاب.

ج- الشروط الخاصة للتطبيق الإسلامي لمبدأ الشمول

وفي هذا الإطار يبيّن طه عبد الرحمن شروط الانتقال من التوسع المقلد إلى التوسع المبدع، مشيراً إلى أنّ الحداثة المزعومة لم تستوعب مجالات الحياة كلها في المجتمعات الإسلامية؛ فإذا كانت قد استوعبت المجالات العلمية والتقنية والاقتصادية بالقدر الذي يقوي طاقتنا على الاستهلاكية ولا يقوي طاقتنا الإنتاجية، فإنها لم تستوعب كل المجال السياسي والمجال القانوني والمجال الاجتماعي، وحتى الجزء الذي استوعبته من هذه المجالات تبقى الحداثة فيه شكلية أو سطحية، والسبب في هذا التفاوت في التوسع الحداثي- حسب المفكر- هو أنّ حداثة الآلات أسرع تمثلاً من حداثة الأفكار...وعلى الجملة، فإنّ التطبيق الإسلامي لركن التوسع هو الآخر حداثة داخلية مبدعة، ذلك أنّ التوسع الإسلامي ينبني على حقائق ثلاث:

1ـ الإنسان أقوى من الحداثة.

2ـ جسمانية الإنسان تابعة لروحانيته.

3ـ ماهية الإنسان ماهية خلقية.

ومن خلال كلّ هذا يمكن القول إنّ التطبيق الإسلامي يسعى إلى الارتقاء بالإنسان إلى رتبة الإحسان، ولا يرمي إلى تحديثه مادياً بما ينحط به إلى رتبة الحيوان شأن التطبيق الغربي.

وفي ضوء كل ما سبق يمكن القول إنّ الحداثة في الأول والآخر- حسب طه عبد الرحمن- تنبني على فعل الإبداع، لأنّ "الحداثة معناها أولاً الإحداث، والإحداث لغة هو أن تفعل شيئاً، ومعناها ثانياً، الاستحداث، والاستحداث لغة هو أن تطلب الحديث من نفسك؛ فكل من يدّعي الحداثة، وليس في فكره جديد يأتي به من عنده، ولا في سلوكه فعل على وفق هذا الجديد الخاص به، فليس هو صاحب حداثة (..) فحقيقة الحداثة إذن هي الإحداث المستحدث، أي الفعل المبدع" (حوارات من أجل المستقبل، ص43).

هوامش ومراجع:

-طه عبد الرحمن، روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1/ 2006

-طه عبد الرحمن، حوارات من أجل المستقبل، كتاب الجيب، منشورات الزمن، الرباط، أبريل 2000