مفهوم تطبيق الشريعة من القواعد إلى العقائد

فئة :  مقالات

مفهوم تطبيق الشريعة من القواعد إلى العقائد

من الأفكار التي تكاد تحظى بإجماع الدارسين لتيّار الإسلام السياسيّ، أنّ ما يميّزه عن سائر الفكر المتبنّي للإيديولوجيا الإسلاميّة، اختزاله لحلول معضلة التخلّف الحضاري في المسألة السياسيّة، وتنظيره لها في سياق إعادة تأويل مخصوص لنظريّة السلطة في الإسلام، يواجه به نظريّة الدولة الغربيّة العلمانيّة الليبراليّة التي بانت سوءاتها وتكاثرت في حقبتها الإمبرياليّة. ومن هنا تكتسب دعوته بعض عناصر شرعيّتها مادامت تؤصّل نفسها في الإرث البعيد والقريب للفكر الإسلاميّ، سواء في تركيزه على المسألة السياسيّة، أو في استمداد عناصرها من نظريّة السلطة الإسلاميّة، وما دامت تسعى وإن صوريّاً إلى الاستجابة لمتطلّبات المنظومة القيميّة المؤسّسة للدولة المعاصرة التي تستوعبها فكرة الديمقراطيّة.

على هذا النحو، تقرأ تأكيداتهم أنّ السلطة في الإسلام مدنيّة، وأنّ هدفها حماية الحريّة، والعدل والمساواة بين الناس، ولهذا فهي شوريّة لا تناقض الديمقراطيّة في آليّاتها المانعة للاستبداد، وهي كذلك ذات سند شرعيّ اجتهاديّ يترك المجال مفتوحا للكفاءة الإنسانيّة كي تمكّن روح التشريع الإسلاميّ من التوافق مع حركة الزمن، ومدّ الدولة والمجتمع بأدوات الضبط والرقابة الضروريّين، لمسيرتها التاريخيّة.

هذه الأفكار وغيرها هي التي يدفع بها تيّار الإسلام السياسي في سياق الحراك السياسيّ الراهن في العالم العربيّ الإسلاميّ لتأسيس دولة ما بعد الربيع العربيّ، في كلّ من مصر، وتونس، والمغرب، خاصّة، في شكل شعارات كليّة من قبيل الإسلام هو الحلّ، والسلطة في الإسلام مدنيّة، والدولة المطلوبة هي دولة الشريعة. ومن الطبيعيّ أن تكون هذه الشعارات كافية لتلقى دعم شريحة مهمّة من الجماهير، ولتجرّ وراءها موجة واسعة من الولاء، فثمّة عوامل عدّة تعمل عملها هنا، منها ما هو واقعيّ، ومنها ما هو من فعل الوعي الفرديّ والجمعيّ، ومنها ما هو متّصل بلعبة السياسة، وقدرتها على الحشد والتعبئة، واستغلال الجدل الخفيّ للمصالح المعلنة أو الخفيّة لدى الخاصّة والعامّة على حدّ سواء. ومن الطبيعيّ أيضا أن لا تأخذ هذه الأفكار حظّها من التفسير والتفهّم، من قبل من يرفعها، ومن قبل من يصادق عليها، يعود بعض ذلك إلى السرعة التي تجري بها إجراءات المنافسة على السلطة، في فترة تتّسم بالحاجة المستعجلة إلى بناء البديل لما وقع تقويضه، وتحقيق ما كانت الثورة وعدت به، ويعود بعضه الآخر إلى نكوص بعض القادة الإيديولوجيين أنفسهم عن مراجعة بعض أطروحاتهم النظريّة في ضوء نتائج امتحان الممارسة السياسيّة التي نال بعضهم حظّ خوضها في موقع القيادة، فلا ندري هل السبب في ذلك سرعة اللحظة، أم الثقة المطلقة في الأفكار، أم الولاء القديم لمشروع، أو لجهة كان لها فضل شدّ الأزر في زمن الأزمة.

يجري كلّ هذا، رغم أنّ تراكماً فكريّاً واضحاً جرى تطويره من قبل الفكر الناقد لهذا التيّار منذ بداياته مع حسن البنّا، وهو مستمرّ إلى الآن، دون أن يفلح في الإقناع بالمآزق النظريّة التي ما انفكّ يعانيها فكر الإسلام السياسيّ، وما توشك ترجمة مشروعه على أرض الواقع أن تجرّ الشعوب العربيّة الإسلاميّة إليه من نتائج عمليّة.

على هذا الصعيد تبدو أكثر الشعارات خطورة المقولة ذات الأثر السحريّ، حتّى أنّه لا يلتفت إلى الأدلّة الحيّة على خطورتها فيما تمارسه التنظيمات المتشدّدة في العراق وسورية، من عمليّات سفك وحشيّة للدماء، تمارس على الموحّدين أنفسهم، بل تطال فصائل المحاربين من أجلها فيما بينها حتّى، وهي مقولة تطبيق الشريعة؛ فهي المقولة التي يتمسّك بها أولئك وهؤلاء، وهم يتبرؤون في الآن نفسه من بعضهم البعض، فلا يكفيهم صراع المتشابهين للتفكير لحظة في إعادة التفكير فيما صار عندهم في حكم الإرادة الإلهيّة، علّهم يكونون أخطأوا الطريق إليها، أو تعدّوا على قاعدة ما آمنوا به من أنّ وضع البشر محدود أمام وضع الألوهيّة، محكوم بحدود العبوديّة.

صحيح أنّ هذه المقولة مختلفة الدلالة بين التوجّه الذي يسمّي نفسه وسطيّا، في تيّار الإسلام السياسيّ؛ أي الذي يستمدّ نظام تفكيره العام من حسن البنّا، وبين التوجّه المتشدّد التكفيري سليل القطبيّة المتحدّرة من سيّد قطب، ثمّة هنا فرق القبول والرفض للدولة، وللديمقراطيّة، في المبادئ، وفرق الخيار الفقهيّ التفسيريّ والأصوليّ لمدلول الشريعة، في الفهم والتطبيق، وفرق التدرّج في فرض تطبيقها، في الإجراء. يرفض الثانون الدولة في كامل منظومتها القيميّة والجهازيّة، ومن ثمّ يعارضون الديمقراطيّة كفاءة إنسانيّة في الحكم، في مستوييها القيميّ والإجرائيّ، وعمدتهم في ذلك خيار فقهيّ هو التفسير الحرفيّ، وخيار أصوليّ يستبعد المصادر الاجتهاديّة، وهو خيار يوجّههم نحو ممارسة القوّة في فرض تطبيقهم للشريعة، مفهومة هذه القوّة تفسيرا لمعنى الجهاد في القرآن والسنّة. وبالمقابل لا يرفض الأوّلون الدولة جهازيّا، ما يرفضونه فيها فلسفتها الماديّة الإلحاديّة، بسبب تمركزها الإنسانيّ في نظرهم، ولذا فهم لا ينكرون الديمقراطيّة في الإجراء، ما ينكرونه فيها دعواها قدرة الشعب على حكم نفسه بنفسه لنفسه، ههنا تعدّ عندهم على متطلّبات الخلق الإلهي للكون والإنسان في مستويات الأهليّة للحكم، والاستحقاق، والهدف. ولذا فهم يؤمنون بضرورة أسلمة هذه الدولة، بربطها بالشريعة، عمدتهم في ذلك خيار فقهي بين التفسير والتأويل، مستمدّ من خيار أصوليّ منفتح على المصادر الاجتهاديّة، يستعيدون به مفهوم المقاصد من عند الشاطبي، فيمنحهم فسحة المجاز الكافية للتقلّب في تأويل الشريعة، وتحديد ظروف إمكانيّة تطبيقها.

لكن هل تكفي هذا الفوارق بين "المتشدّدين" و"المعتدلين" في ظلّ إيمانهم المشترك بتطبيق الشريعة، لتؤمّن انتقالا سياسيّا للمسلمين، يقيهم خطر تكرار حرب التأويلات القديمة على الشريعة، أو تكرار مخاطر التسلّف التي عرفتها الحركة المبشّرة بها في العصر الحديث، لمّا هجرت تلفيقيّة حسن البنّا، إلى وضوح سيّد قطب، فوجدت نفسها تكفّر كلّ المجتمعات الإسلاميّة التي لا تطبّق الشريعة، على غرار ما تفعله تنظيمات "داعش"، و"أنصار الشريعة"؟

لا تكفي هنا الإجابة بالنوازع والرغبات والأحاسيس، فهذه ما عادت تصلح بعد تبيّن تهاوي الغائيّة، ينبغي هنا تجاوز الشعارات العمليّة للوقوف على العمق النظريّ للأفكار، ليس للعمليّ على التاريخ إلاّ سلطة ظرفيّة، فهو يبقى قشرة تغطّي النظريّ الذي يظلّ الوحيد القادر على اختراق التاريخ، والتحكّم الخفيّ فيه، وإعادة توجيهه كلّما واتته الفرصة. ومن هذا المنظور لا يبدو النظريّ بين "المتشدّدين" و"المعتدلين" بنفس صورة الاختلاف الظاهر بينهما في العمليّ، وههنا أيضا يمثّل تطبيق الشريعة النقطة الكبرى لهذا الالتقاء الخطر.

فهذه المقولة تأسيسيّة أساسيّة عند جميع الفروع المرنة أو المتشدّدة للإسلام السياسيّ بشتّى أصنافها هي تأسيسيّة، لأنّها تمثّل جوهر المشروع النظريّ الذي بنيت عليه الحركة منذ بداياتها مع حسن البنّا، وصولاً إلى انعطافتها الدمويّة التكفيريّة مع سيّد قطب والقطبيين بعده، وهي كذلك عند المبشّرين بها الأوائل بعد الثورة، وصولاً إلى الجهاديين الذين يقاتلون من أجلها في سوريا والعراق واليمن.

وهي مقولة أساسيّة، لأنّها ليست مجرّد استجابة نظريّة للمكوّن القانوني الضروري لكلّ بناء دولتي عند بعضهم، أو معارضة لهذا البناء عند بعضهم الآخر، إنّما هي تتجاوز ذلك لتعبّر عن تأويل ميتافيزيقي كامل للوجود ومنزلة الإنسان فيه، إذ تتّصل في تصوّرهم النظريّ بالمقولة السياسيّة الأمّ، وهي الخلافة، لتكوّن إلى جانبها نظريّتهم في الحقّ الدولتي، في الوقت الذي تشرح فيه الخلافة نظريّتهم في السلطة الدولتيّة، ولكنّهما معا تمثّلان التطبيق السياسي للحاكميّة تصوّراً للوجود.

ففضلاً عن كونها استمراراً لإشكاليّة التشريع الإسلاميّ الممتدّة في تاريخه إلى عهود الخلافة الأولى، بمختلف ارتباطاتها بحركة المجتمعات الإسلامية، وصراع مختلف الأطراف الاجتماعيّة على السلطة، فإنّها امتداد لإشكاليّته الميتافيزيقيّة الكبرى والصعوبات التي تؤدّي إليها في ربط الإسلام بوقائع الحياة المتحوّلة. وليست هذه الإشكاليّة غير إشكاليّة العقيدة الإسلاميّة الكبرى وهي عقيدة التوحيد، التي صاغوا مفهومها الحديث فيما سمّوه الحاكميّة.

لا ضرورة للعودة هنا إلى العلاقة الأكيدة لمفهوم الحاكميّة الحديث بمفهوم التوحيد الإسلاميّ، ولاستمرار إشكاليّاته القارّة في الفكر الإسلاميّ إلى اللّحظة الرّاهنة، فهذه أفكار باتت من الأمور المعلومة، ولكنّ الذي يعنينا هنا هو أنّ مقولة تطبيق الشريعة، تعدّ الحاضنة الرئيسة لهذه الإشكاليّات، ففيها تتجلّى كلّ نتائج غموض مفهوم التوحيد، ومفارقاته المعروفة التي كشفها الفكر الاعتزالي في مباحثه حول العدل الإلهيّ، ومشاكله المتعلّقة بالتنزيه والتشبيه، أو المتّصلة بنمط المعرفة، وبالكسمولوجيا خاصّة. وهذا طبيعيّ بما أنّ التوحيد عدّ الفقه الأكبر أو الفكرة المرجعيّة التي يفهم في ضوئها الدين والشريعة، سواء عدّت ديناً أو قانوناً، لا سيما ونحن نشتغل في إطار الفهم السنيّ لهذه العقيدة الذي وجّهها توجيهاً فقهيّاً، مكّنه تغلّبه التاريخي من ترسيمه باعتباره الحقيقة المطلقة. وفي هذا الفهم، فإنّه لمّا كان الله لا يمكن أن يدرك ويعرّف، فإنّ الأولى تنفيذ إرادته بطاعة أوامره،، وهذه تكون بتطبيق شريعته. من هنا، صار تطبيق الشريعة صنواً لتحقيق الإرادة الإلهيّة، ولمفهوم التوحيد، ومن هنا كانت كلّ إشكاليّات التوحيد متجسّدة في مفهوم تطبيق الشريعة.

قد يكفي عرض بعض الإشكاليّات المتولّدة عن هذا الفهم، في مستوى دلالة مفهوم الشريعة عن قدر الإرباك الذي ينتج عن هذا المفهوم، فهي إن كانت معبّرة عن الإرادة الإلهيّة، فهل هي كلّ الدين، عقائد، وعبادات، ومعاملات، أم أنّها المعاملات وحدها؟ فإن كانت الأخيرة، فهل هي الآيات القانونيّة دون سواها، المسمّاة في الفقه حدوداً، وهي خمسة، أم أنّها آيات الأحكام، وهي تناهز المائتين في القرآن؟ فإن كانت تعني الدين كلّه، فما المقصود بالدين؟ هل هو القرآن والسنّة أم يضاف إليها ما أنتجه الإجماع والقياس؛ أي ما جاء في القرآن والسنّة، وما أنتجته اجتهادات الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، ومن يليهم في كلّ جيل؟ وهل هو علاقة بين العبد وربّه، أم علاقة بين الناس فيما بينهم، أم الاثنين معا؟ وفي هذه الحالة كيف يمكن تحويل العلاقة الأولى إلى ممارسة؟ هل تجري هذه الممارسة في مستوى الفعل السلوكيّ والاجتماعيّ، أم في المستوى الضميري كما فهمها المتصوّفة، وكيف يمكن تحويل الدين في شموله؛ أي في بعديه الأخلاقيّ والقانونيّ إلى ممارسة سياسيّة بالذات؟

يقدّم دعاة الإسلام السياسيّ عن هذه الأسئلة إجاباتهم، ولكنّها لا تختلف عن الإجابات القديمة عنها، توتّراً، وتقلّباً، ونسبيّة، ولذلك فهي تبقي الباب مفتوحاً على كلّ المعضلات التي تولّدها، فأقصاها خطورة ما قد تؤدّي إليه من تعارض مع الهدف الأكبر للتوحيد، وهو تحرير البشر، حين توشك أن تصنع في الإسلام سلطة سياسيّة، لا تتحكّم في الحياة الخارجيّة وحدها إنّما في الحياة الضميريّة أيضا، لمّا تصيّر تطبيق الشريعة قانوناً للعقائد والعبادات والمعاملات، وحين ترسّم في قمّته سلطة للفقهاء، تضاهي سلطة رجال الدين في العصور الوسطى الأوروبيّة. فإن تنازلنا عن هذه الإشكاليّات القيميّة، إلى أدناها؛ أي التي يسبّبها المفهوم في جانبه الإجرائيّ، وقفنا على إشكاليّات الفقه وأصوله، وهي إشكاليّات فهم القرآن تأويلاً أو تفسيراً، والتفريق بين محتواه التشريعيّ ومحتواه الأخلاقيّ والعقائدي، والتفريق بين ما كان فيه تشريعاً ظرفيّاً، وما كان تشريعاً مطلقاً، وإشكاليّات النسخ، وأسباب النزول. ومنها أيضاً إشكاليّات حجيّة السنّة وما يتبعها من المصادر الاجتهاديّة، وإشكاليّات الاجتهاد، في مفهومه، وحدوده، وشروطه، وغيرها.

جميع هذه الإشكاليّات متّصلة بمفهوم الشريعة، تطرحها الدعوة السياسيّة إلى تطبيقها، ورغم أنّها تقترح إجاباتها فيها، فإنّها لا تقدّم لها صياغة نظريّة سليمة، كما أنّها لا تنجح في الإقناع بشرعيّة إقصائها لإمكاناتها التأويليّة الأخرى. فإن كانت الشريعة مرتبطة بالتوحيد، مفهوماً تعبيراً عن الإرادة الإلهيّة، فمن منّا بمقدوره أن يدّعي التعبير عنها، وإن كانت الشريعة من ارتباطها ذاك بهذا الاتساع في المعنى والدلالة، فمن منّا بمقدوره ادّعاء احتكار الحق في تطبيقها، أو اعتبار تطبيقه ذاك هو الحقّ. ومن هنا تحمل هذه الدعوة كلّ المخاطر الممكنة التي قد يجرّها تطبيقها السياسيّ، والتي تشاهد بعض مظاهرها في أحداث العنف التي تمارسها تنظيمات تدّعي بدورها تنفيذ الإسلام سياسيّاً، ومن هنا أيضاً يحتاج الخوض في موضوعها إلى بداية جديدة بالمقدّمات. تماماً كما فهم المسلمون الأوائل العقائد قبل أن يتعلّموا القواعد أو في أثنائها من واقعهم العيني، يتعيّن علينا أن نبدأ بفهم عقائدنا قبل أن نخوض في قواعدنا.