التدين الكرنفالي في السياق العربي والإسلامي: من الصيام إلى الحج (الجزء الثاني)

فئة :  مقالات

التدين الكرنفالي في السياق العربي والإسلامي:  من الصيام إلى الحج (الجزء الثاني)

بعد أن قمنا في الجزء الأول بإضاءة نظرية ومفاهيمية للتدين الكرنفالي في السياق الغربي، وظروف نشأة الكرنفال في مختلف أبعاده الاجتماعية والثقافية، والتي لا تنفصل بتاتا عن الدين، سنحاول في هذا الجزء، توضيح مختلف تجليات التدين الكرنفالي في مختلف العبادات التي بدأت لعدة ظروف وأسباب وعوامل داخلية وأخرى خارجية، ثقافية واجتماعية، اقتصادية وسياسية تفقد أبعادها الروحية التي على أساسها جاءت لتنظيم تلك العلاقة الفريدة من نوعها بين الله وعباده، في سياق أنسنة المتعالي وروحنة الإنساني، بشكل يجعل كل وساطة بين الخالق ومخلوقاته، ضرباً من الكرنفالية، وكل استعراضية طقوسية هي في العمق نسف لما للدين من قدرة على أنسنة الوجود، حيث يتحول كل غلوّ في التدين إلى نسف لجوهر الدين ورحه. ومن هنا، تصبح العبادات مجرد عادات وتقاليد اجتماعية، مما يجعل الديني يتراجع لصالح الاجتماعي والسياسي، ويتضخم الدين بدوره ليحل محل الثقافة، بالرغم من كونه مجرد مَعْلَم من معالم الثقافة، التي تصبح في النهاية نسقاً لقيم الاستعراض والتباهي.

إذا كانت الكرنفالية تكمن في التركيز على التمظهر الجسدي في بعده الاستعراضي والهيمنة على الفضاء العام، فإن مختلف المساجد تكاد تجدها فارغة خلال النهار

من الصيام إلى الحج:

مع كل رمضان، يشهد العالم العربي والإسلامي، عددا من الممارسات والطقوس، المرتبطة بالصيام، والتي باتت لصيقة بالتدين العربي الشعبي، مما يسيء في العمق إلى روحانية هذه الطقوس التعبدية، كما يسيء إلى صورة المسلمين عموما، وتغدو العلاقات الاجتماعية، بما تخفيه من حيف واستبعاد اجتماعي، محلالا لهذا التدين الكرنفالي، فإذا كان شهر رمضان شهراً مقدّساً عند المسلمين، فإنه، بعد إفراغه من محتواه الروحي الذي لا ينفصل عن بعده المدني والأخلاقي، قد تحوّل إلى مجرد طقس اجتماعي بدون دلالة روحية، مما جعله لا يخلو من عنف بشتى أشكاله.

إذا كان الدين عملياً أحد أهم العوامل المساعدة على تخليص الإنسان من التوتر وتبديد طاقة التدمير والموت لديه وتحويلها إلى طاقة للحياة، خاصة إذا ترافقت أشكال التدين بالتأمل الروحي، باعتباره جوهر الدين الذي يجعل الإنسان يرتقي إلى مستويات من المدنية والسلم، كفيلة بإشاعة قيم المحبة والخير، فإن هيمنة البعد الفرجوي والكرنفالي لأشكال التدين المختلفة، باختلاف الثقافات والسياقات على الجانب التعبدي، يجعل التدين نفسه عاملا ومسرحاً لشتى أنواع الانحرافات والأنوميا، بما في ذلك العنف ذاته، وهو ما يمكن أن نستشهد عليه مثلا في السياق المغربي بظاهرة "الترمضينة"؛ أي انزياح عن أخلاق المؤمن الصائم القانت إلى ربه، والذي يصوم رضمان إيمانا واحتساباً، ومن الموظف الذي يسيء معاملة المواطنين بحجة الصيام، إلى اقتراف عموم الناس العنف بدعوى صيام رمضان، وهي الحالة التي يبرر من خلالها "الصائم" ما اقترفه، حجة تدل في عمقها الدلالي على غياب أي بعد روحي لرمضان، وهو ما يتم التعبير عنه بكون الإنسان في هذه الحالة يكون "مقطوعاً"، حيث يتحول الانقطاع الإرادي عن شهوتي البطن والفرج إلى انقطاع قسري، بما يلزم من قسرية تعبدية تجعل الجسد أساس الدين والتدين بدل الروح، والمظهر بدل الجوهر، وهو ميسم بات يميز مختلف أشكال التدين المظهرية، والتي أسميها بالكرنفالية، من قبيل إقامة صلاة التراويح في الفضاء العام، بما في ذلك الشوارع والطرقات، بالرغم من كونها مجرد بدعة ابتدعها عمر بن الخطاب، ولم يكن النبي محمد (ص) يصليها أصلاً، بكل ما يقتضي من مخاطر قطع الطريق على الناس في ظروف صعبة أو حرجة: المرض، سيارات الإسعاف، استعجال قضاء حاجة، توقيف حركة السير، كما يحدث في المدن الكبرى مثلا.

إذا كانت الكرنفالية تكمن في التركيز على التمظهر الجسدي في بعده الاستعراضي والهيمنة على الفضاء العام، فإن مختلف المساجد تكاد تجدها فارغة خلال النهار، كما تجد مساجد دون غيرها تعرف الظاهرة بامتداد صفوف المصلين إلى الشارع العام لمجرد توفرها على إمام مقرئ حسن الصوت في قراءته للقرآن، والناس في ذلك يتوافدون من كل حدب وصوب بحثا عن خشوع مفترض يخلّصهم تعبدياً من قهر الزمن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ويمنحهم فرصة للبكاء، كلما بكى وانتحب المقرئ والخطيب، حيث يتحوّل البكاء نفسه إلى رمز تلخيصي للعبادة، إذا جاز لنا استعارة مفاهيم تيرنر.

هكذا، إذن، يتحول الصوت إلى اقتصاد للجسد الكرنفالي، طالما أن الخشوع مسألة روحية جوهرية عميقة وداخلية بالأساس، أكبر من كونها مجرد صوت، ومن كونه ظاهرة خارجية أو في حاجة إلى محفز خارجي حواسي. ولعلنا نجد في توصيف عبد الله القصيمي في: "العرب ظاهرة صوتية" خير دليل على ذلك. ومقابل الجسد الاستعراضي في كافة مجالات التدين التي باتت تفتقد الخشوع الحقيقي، بات المجتمع يفتقد إلى القيم الأخلاقية الروحية النبيلة، متعلّقاً بالبعد الاجتماعي للعبادات التي تم تحويلها إلى مجرد كرنفال، ولنا في الحفلات والاحتفالات التي تقام بعد عودة الحجاج والمعتمرين من الحج، وفي الولائم التي تقام في العزاء، بكل ارتباطاتها المظهرية، ما يفي بالتبرير الدلالي للمفهوم، وهو عينه ما يقود الصائم الكرنفالي إلى إعلان صيامه لرمضان عبر "الترمضينة". (وتعني في اللسان المغربي العامي، تحلي الصائم بالبذاءة والخشونة التي قد تؤدي إلى أعمال عنف من سب وقذف وضرب...إلخ).

هكذا، إذن، وفي سياق توفر عدد من المحددات، من قبيل التردد والكثافة والانتشار، أصبحت "الترمضينة" ظاهرة اجتماعية قائمة الذات، مرتبطة في الوقت نفسه بظواهر أنومية وانحرافية أخرى، وعلى رأسها ظاهرة العنف والسرقة...إلخ. بمعنى أنها تجاوزت البعد الفردي إلى البعد الجماعي، خاصة حينما تحصل الفوضى وكافة سلوكيات العنف الناتجة عن غياب الحوار والتسامح والإيثار، إذ ينتقل الخلاف بين الصائمين إلى خلاف جماعي يتسم بالعنف والعنف المضاد، وهذا ما تشهده الحارات والأسواق والفضاءات الشعبية بشدة.

في هذا السياق، نسترجع الجانب الديني لتعميق الفهم وتسييج الظاهرة؛ فالترمضينة في العمق التحليلي هي رد فعل طبيعي عن تحول الصيام من شعيرة روحية إلى طقس اجتماعي؛ أي إن الصيام الذي يكمن أساسه الجنيالوجي في الإمساك عن الكلام الفاحش، إذا عدنا إلى تاريخ الصيام في الديانات السابقة، وحتى في فلسفة رمضان الروحية، قبل أن يكون إمساكا عن شهوات البطن والفرج، أصبح مجرد طقس تعبدي وكرنفالي اجتماعي، وهو ما يسم مسارات تحول التدين بالعالم العربي والمغرب عموما؛ فالعبادات والشعائر التعبدية الرمزية زاغت عن أساسها الروحي، وأصبحت مجرد أشكال طقوسية. ولهذا، فالصائم يصوم عن الأكل والشرب، دون أن يصل روحياً إلى حالة التماهي مع الإلهي والوجد الروحي؛ يعني يبقى الصائم مجرد جائع، ممسك عن الأكل والشرب. ولهذا، فالترمضينة هي رد فعل عنيف وسوسيوباتي لجائع يرى أمامه مختلف الملذات والشهوات معروضة في سوق اجتماعية استهلاكية كبيرة، لا تسمح قدرته الشرائية بولوجها، مع إحساسه بالحكرة.

إن أصل السبب هو العلة، والعلة جوهر السيرورة السببية، من هنا فعِلّة الترمضينة، تجد تجلياتها في القيم التربوية التي يتلقاها الفرد في المدرسة والأسرة، وبما أن هاتين المؤسستين باتتا على هامش المجتمع والدولة، فإن الخطاب الإرشادي والتوعوي لا طائل منه. الأساس هنا هو إعادة الاعتبار للأسرة سوسيو- اقتصاديا من خلال رفع الحيف والتهميش والاستبعاد عن السواد الأعظم من المجتمع؛ فالأسرة التي يمكن أن تكون صمام أمان أمام كل الانحرافات وأشكال الأنوميا، بما فيها العنف والتطرف والغلو، تصبح هي منتجة للانحراف، وهذا ما يقودنا حتماً نحو الدور المحوري للمدرسة على مستوى التربية على القيم والمواطنة، التي تنتفي مع قيم الكرنفالية التي تسم الانتماء إلى الاجتماعي والجماعي ضدّاً على الديني والفردي، إذ لا يستطيع المريض أو الحائض، أو المسافر أو حتى غير المسلم، التمتع برخصة الإفطار التي يقرها الدين نفسه، وإلا أصبح ضحية تهجم، عادة ما يكون عنيفاً، ناهيك عمّا اختار أن يفطر دون توفره على رخصة دينية، والذي يمكن أن يكون ضحية الدولة كما المجتمع، خاصة وأن القانون الجنائي في المغرب كما في الكثير من الدول العربية والإسلامية يوجب مجموعة من العقوبات، تصل إلى السجن في دول، وإلى السجن والجلد في دول أخرى.

إن أصل الداء هو استئصال التفاوت الطبقي الفاحش، وإحقاق دولة الحق والقانون، عبر التأسيس للمشروع المجتمعي، الذي يجب أن ينطلق من الأسرة والمدرسة، وإلا فإننا سنبقى أمام تحول كل الشعائر الدينية وكل القيم النبيلة إلى مجرد طقوس كرنفالية فاقدة للمعنى، وهو ما لا ينفصل عن التربية الدينية والأخلاقية، الموكول لها إحداث انقلاب كبير في الممارسات والطقوس التعبدية، بإرجاعها إلى أصلها، وتفكيك كل كرنفالية واستعراضية لا تمت لروح الدين بصلة، وهنا تصبح المسؤولية معقدة ومركبة بامتياز، وتشمل كل الفاعلين، مؤسسات وأفراد.

بات المجتمع يفتقد إلى القيم الأخلاقية الروحية النبيلة، متعلّقاً بالبعد الاجتماعي للعبادات التي تم تحويلها إلى مجرد كرنفال

فإذا كان الصيام، بالرغم من بعده الفردي المحض، قد تحول إلى ظاهرة تعبدية ذات تجليات جماعية مظهرية، لا تخلو من كرنفالية، بعدما فقد أساسه الروحي- التعبدي، وجوهره الفلسفي الكامن في الإحساس بالجائع والفقير والمسكين، وهو ما جعل من زكاة الفطر رمزاً وسيلياً لتقريب المؤمنين بعضهم من بعض، غنيهم وفقيرهم، والتي تحولت إلى مجرد مناسبة طبقية محضة، تبعد أكثر ما تقرب، وتهين أكثر ما تكرم، فإن الحج، قد تحول من ركن/فريضة مرتبطة بالقدرة المالية والصحية، "لمن استطاع إليه سبيلا"، إلى مناسبة اجتماعية للتباهي والتفاخر، كما تحول الحاج/ الحاجة من اسم مرتبط بهوية المؤمن لحظة الحج وزمنه، إلى لقب اجتماعي ورأسمال ثقافي يتم توظيفه في الاستثمار والوجاهة الاجتماعية والسياسية، دون أن يخلو من مظاهر الكرنفالية، سواء في الحج نفسه، أو بعد انتهاء مراسيمه، في المطارات أو أثناء وصول الحجاج إلى منازلهم، حيث يصبح الاحتفال بالمناسبة أكبر من الفريضة نفسها، فتعم الحفلات والأفراح بالتعاقد مع متعهدي الحفلات، بكل ما يرتبط بذلك من بذخ وإسراف وتبذير، وهو ما ينطبق على العمرة كذلك، والتي تحولت بدورها إلى مجرد زيارات احتفالية للأماكن المقدسة، بعدما عملت الاستراتيجية الإشهارية على تجويدها يتحول إلى سياحة دينية، تعكس رؤية ارتكاسية للحج، باعتباره آلية لمحو الذنوب وتبييض السيرة، وهو ما يتم استغلاله في بناء الوجاهة الاجتماعية التي لا تكتمل أركانها إلا بالاحتفال الكرنفالي، الذي يعكس كرم المحتفى به في الأكل والتنعم بما لذ وطاب، حيث، لم يعد من الممكن فصل هذا البعد الاحتفائي عن كرنفالية الأعراس الباذخة.

لقد أصبح الهدف من زيارة الأماكن المقدسة ليس أداء فريضة الحج في حد ذاته، بل الحصول على اللقب، والتوهم بتبييض السيرة ومحو الخطايا والذنوب، ولذلك، ففي الحج نفسه، لم يعد الاهتمام بتطهير الداخل والتخلص من السلوكيات المشينة، هو الأساس، بما هو وضوء روحي خالص، بقدر ما يتم التركيز على طقوسية المراسيم. وهكذا، تجد العراك والخصام سيد الموقف خلال التزاحم على تقبيل الحجر الأسود، والتسابق على مقدمة الطواف، بكل ما يرتبط بذلك من تدافع وتضارب وغلظة وقسوة، مثلما يحدث أيضاً في الصعود إلى جبل عرفة، ناهيك عن غياب ثقافة النظافة في الطرق والشوارع، بل، وفي الطائرات التي تقل الحجاج. وبطبيعة الحال، فما نشهده مظهرياً في الحج والعمرة، يمكن معاينته في صلاة الجمعة في عدد من المدن عبر امتداد العالم العربي والإسلامي.