الحداثة الغربية ووعد الخلاص الإنساني


فئة :  مقالات

الحداثة الغربية ووعد الخلاص الإنساني

مقدّمة:

اتفقت الأديان والمذاهب الفكرية كافة على هدف واحد، هو محاولة خلاص الإنسان، ومفاده هو الانتقال بالإنسان من واقعه إلى واقع أكثر سعادة ورخاء وإنسانية.

فغالباً ما تبشر الأديان والفلسفات الكبرى التي تحدث تغيرات عميقة في تاريخ المجتمعات بوعد الخلاص الإنساني من المعاناة التي يستبطنها الخوف، والتي تتشكل من مواجهة الإنسان لمخاطر تهدد أمنه، وهي إما أن تكون مادية تتعلق بالحفاظ على عناصر بقائه أو ميتافيزيقية ونفسية تتعلق بالمصير بعد الموت.

وقد أخذ الخلاص أشكالا عدة ووسائل مختلفة ما بين روحي ينظر للجسد، باعتباره عائقا لوصول الإنسان إلى الخلاص، كما في بعض الديانات كالبوذية والهندوكية، وعقلي مجرد باعتبار العقل وحده هو مصدر السعادة والحقيقة كما رأت الفلسفة المثالية العقلية عند الفيلسوف الفرنسي ديكارت، واجتماعي طبقي بتغيير بنية المجتمع الطبقية والتحول إلى المجتمع اللاطبقي كما في المذهب الماركسي أو طبيعي مادي يعترف بكل ما هو مادي ومحسوس وإدارة الظهر لكل ما هو غيبي ميتافيزيقي، أو نسيج بين الإيمان بالله المفارق لهذا العالم، وتبعات هذا الإيمان تقتضي الالتزام بمنظومة القيم الأخلاقية التي أرسل الله بها الرسل وأداء للشعائر والعبادات المحققة لهذا الإيمان.

وتمثل الحداثة الغربية رؤية حضارية ساهمت في تغييرات نوعية على كافة الأصعدة الفلسفية والاجتماعية والسياسية في تاريخ الفكر الغربي على وجه الخصوص، وتاريخ الفكر الإنساني على وجه العموم، باعتبار تجاوز تأثيرها الفكري المدار الأوروبي، نتيجة بزوغ نجم الحداثة الغربية عالميا، خصوصا مع مواكبة ذلك البزوغ حقبة الاستعمار الأوروبي على الشرق، وقد ساهم في ذلك منجزاتها العملية التي نقلت منتجاتها الثقافية والاقتصادية عبر قارات العالم.

فإلى أيّ مدى استطاعت الحداثة الغربية كرؤية كونية تحقيق وعد الخلاص الإنساني الذي دأبت الديانات والفلسفات الكبرى عبر التاريخ البشري في السعي إليه للتخلص من الشعور بالخوف والقلق المصاحب للإنسان في مواجهة التحديات، سواء كانت المادية أو المتعلقة بالأسئلة الوجودية الكبرى المتعلقة بالمصير والموت، وهل استطاعت الحداثة أن تملأ الفراغ الديني الذي واكب انسحاب الدين تدريجيا من المجال العام.

1- وعد الخلاص من الإصلاح الديني إلى الحداثة:

تمركز تاريخ الفكر الأوروبي والأمريكي الحديث حول بذل الجهد لإفراز الحرية من الأصفاد السياسية والاقتصادية التي قيدت الإنسان.[1]

وثمة علاقة عضوية بين حركة الإصلاح الديني ممثلة في المذهب البروتستانتي وبين التغيرات الاجتماعية والسياسية وظهور الرأسمالية ونهاية عصر الإقطاع، إذ يرى ماكس فيبر أن الأفكار الدينية كانت (حاسمة) في نمو الرأسمالية في أوروبا[2]

ثمة علاقة عضوية بين حركة الإصلاح الديني ممثلة في المذهب البروتستانتي وبين التغيرات الاجتماعية والسياسية وظهور الرأسمالية ونهاية عصر الإقطاع

فالمعتقدات الدينية الجديدة كانت تلبية لاحتياجات نفسية ظهرت بسبب انهيار النظام الاجتماعي القديم في العصور الوسطى وبدايات الرأسمالية. لقد أصبح الفرد بمعتقداته البروستنانتية مهيئا سيكولوجيا للدور المنوط له في النظام الصناعي الحديث؛[3] فالخلاص البروتستانتي لدى مارتن لوثر تجسد في انتزاع السلطة من الكنيسة وإعطائها للفرد، فمضمونه للإيمان والخلاص متمثل في التجربة الفردية، ومن ثم فالمسؤولية كلها تقع على عاتق الفرد لا في أية سلطة أخرى.[4]

ويبدو هذا التوجه الديني تأسيسا للنزعة الإنسانية الحديثة في أوروبا وانبعاثا للروح السفسطائية التي تأسست على مقولة بروتاغوراس، «الإنسان مقياس كلّ شيء». وهو لا يقصد الإنسان الفرد المعين، بل الإنسان بعامة.[5]

وفي الكنيسة الكاثوليكية، قامت العلاقة بين الله والفرد على أساس العضوية في الكنيسة؛ ومن ثم فهي من جهة تقيد فرديته إلا أنها تجعله يتعامل مع الله، باعتباره جزءا لا يتجزأ من جماعة الرب.[6] فعلى الرغم من افتقاده للحرية في مجاله الخاص، إلا أن هذا الانتماء الديني لمجتمع الرب، يبعث في ذات الوقت الشعور بالأمن.

أما البروتستنانية، فقد جعلت الفرد يواجه الله وحيدا؛ فالإيمان الذي عند لوثر تجربة ذاتية تماما وهذه النزعة الفردية الروحية لا تختلف كثيرا من الناحية السيكولوجية عن النزعة الفردية الاقتصادية. فالفرد في الحالتين يواجه القوة العظمى، سواء كانت قوة الله أم قوة المنافسين وحيدا.[7] لذلك يرى ماكس فيبر، أن الإنسان الكاثوليكي أكثر سكونا لأن فطرة الكسب لديه أقل نموا، فإنه يرنو إلى مجرى عيش مضمون قدر الإمكان ولو بدخل محدود نسبيا، أكثر من عيش حر يجلب له الوجاهة والثراء، لكنه محفوف بالمخاطر ومثير للقلق.[8] فالتحرر من القيود التقليدية للمجتمع الإقطاعي أعطي للفرد شعورا جديا بالاستقلال، إلا أنه جعله في نفس الوقت يشعر بأنه وحيد قد تشبع به الشك والقلق، ودفعه إلى خضوع جديد ونشاط اضطراري لا عقلاني.[9]

فالبروتسنتانية بسعيها إلى تحرير الإنسان روحيا ومواصلة الرأسمالية ذلك عقليا واجتماعيا وسياسيا، قد تخلص الإنسان من أعداء الحرية القدماء، إلا أنه ثمة أعداء جددا من طبيعة مختلفة قد ظهروا، وهم أعداء ليسوا قيودا خارجية أساسا، بل هم عوامل باطنية تغلق الباب أمام التحقق الكامل لحرية الشخصية.[10]

ويمكن فهم طبيعة الحداثة، بالنظر إلى ما أطلق عليه كارل شميث مفهوم النطاق المركزي لها، ويعني أن ثمة نطاقاً مركزياً تحل في إطاره نطاقات أخرى وتعد مشكلاتها ثانوية، إذ يأتي حلها بصورة تلقائية ما إن تحل مشكلات النطاق المركزي.[11]

والحداثة الغربية في مسيرتها ارتكزت على مشروع التنوير، واستندت إلى فرضية أن التصور الديني الذي بدا هو الطريق للخروج من المعاناة هو ذاته مصدر تلك المعاناة. فاستبدلت أشكال الإيمان المتعالي بأخلاق عقلية نقدية، على الرغم من التنوع والاختلاف داخل هذا المشروع.[12]

وبالطبع، حملت الحداثة الغربية وعد خلاص الإنسان عن طريق سعيها إلى تحريره من الخوف من طريق نبوءتها بتحرير العقل وإخضاع الطبيعة والسيطرة عليها، فقد كان ينظر إلى الحداثة على أنها تمثل القفزة الكبرى إلى الأمام بعيداً من ذلك الخوف، إلى زمن تنتهي فيه المفاجآت والأوهام وأنماط الحياة الطفيلية، زمن خال من كل شيء ينتج عنه الخوف.[13]

والحداثة الغربية قدمت رؤية مغايرة للخلاص تشبعت بروح العقلانية المادية حولت مسار الخلاص من السماء إلى الأرض، فلم يعد طريق الإيمان بالله هو طريق الخلاص، بل المعرفة فقط وليس الإيمان هي طريق الخلاص وهي رؤية نابعة من الاستقواء بمنجزات الحداثة العلمية والإيمان بقدرات العقل وتفرده في إدارة شئون الحياة بمنأى عن الدين. وبهذا تحولت مركزية الكون من الإله أو الكنيسة إلى الإنسان.

إلا أن منجزات الحداثة الغربية العلمية والثقافية لم تتناسب مع قدرتها على سد منافذ الخوف المتولد من منتجاتها، وقد خرج الخوف من دائرة الوحدة إلى دائرة الشتات.

فالمعتقدات الدينية في العصور الوسطى عالجت الخوف على أنه تأسس على خطيئة، يسعى الفرد إلى تجاوزها من خلال معاناة دنيوية أملا في حياة أبدية؛ فالمذهب الكاثوليكي أوجد صياغات للمحن التي يمر بها الإنسان وكيفية معالجتها والبحث في المصير الإنساني ما بعد الحياة. وبالتالي، كان الخوف ذا دلالة واضحة وباتت هناك مسارات معلومة لتجاوزه، فيما أضحى الخوف في مرحلة الحداثة يتسم بدرجة كبيرة من الغموض والتشتت، عائما دون عنوان بل إنه يستحوذ علينا دون سبب معقول.[14]

في هذا السياق، يرى زيغموند باومان أن الخوف يأتي في أفظع صوره عندما يكون مشتتاً وغامضاً، وعندما يستحوذ علينا من دون سبب معقول، بل إن تجربة العيش في أوروبا في القرن السادس عشر الذي شهد اقتراب ميلاد العصر الحديث تلخصها عبارة بليغة شهيرة هي "الخوف دائم في كل مكان"؛ فالطريق المأمول للهروب من معاناة الخوف، أثبتت الأيام بعد خمسة قرون أنه طريق دائري يعيدنا إلى المكان نفسه الذي بدأنا عنده، فيبدو أن الزمن الذي نعيش فيه هو زمن الخوف مرة أخرى.[15]

وبهذا تعثر وعد الخلاص الحداثي، فبدلا من أن يكون الإنسان سيدا على هذا العالم تحول الإنسان إلى جزء من الطبيعية (إنسان طبيعي) تسري عليه قوانينها يمكن تفسيره من خلال مقولات طبيعية فوظائفه بيولوجية (الهضم - التناسل - اللذة الحسية) ودوافع غريزية مادية (الرغبة في البقاء - القوة والضعف - الرغبة في الثروة)[16]

فعلى الرغم من المنجزات العلمية للحداثة الغربية، والتي أحدث نقلة نوعية في التاريخ البشري إلا أن بعض المفكرين أدركوا أن الاستنارة المضيئة والعقلانية المادية تولدت منها استنارة مظلمة. فقد وصف كل من جورج زيميل وماكس فيبر أن تزايد هيمنة الإنسان مع تزايد معدلات الاستنارة ستودي بالإنسان وتدخله القفص الحديدي.[17]

لذلك اعتبر فيبر أن الرأسمالية جهاز يمارس الإكراه بشرت الحداثة بآلياتها البيروقراطية بتدني الإنسان المتعلم لمصلحة الخبير التقني، ولذلك فهي ليست موقعا للحرية، [18] بل إن فيبر يرى أن المجتمع الجديد الذي يخضع إلى عملية الترشيد البيروقراطية سيزيد من فعالية إنتاجه، إلا أنه يصف هذا المجتمع الجديد بعبارات تشاؤمية ؛ فالترشيد في تصوره سيفرغ المجتمع من أية دلالة أو معنى، ويحيله إلى مجموعة من المعادلات الرياضية؛ بمعنى أنه سيصبح مثل الآلة التي تجبر الأفراد على أن يشغلوا أماكن محددة ومقررة ويقوموا بأدوار مرسومة، حيث يصبح كل إنسان ترسا صغيرا في الآلة، ولأنه يدرك ذلك، سيكون همه الأوحد هو أن يصبح ترسا كبيرا، ثم يضيف "لا أحد يعرف من سيعيش في هذا القفص في المستقبل، أو لعله نهاية هذا التطور الرهيب سيظهر أنبياء جدد تماما، أو قد تبعث الأفكار والمثاليات القديمة" ويصف المرحلة الأخيرة من هذا التطور الحضاري بأنها تتضمن "متخصصين لا روح لهم، حسّيين لا قلب لهم".[19]

وقد بدت الدولة الحديثة مصدراً للقلق، فقد اعتبرها البعض فاعلاً له مصالح خاصة لا تعكس بالضرورة مصالح المجتمع، بل إن الدولة القومية هي العلة النهائية لوجودها، بل هي الهدف الذي يمكن التضحية من أجله بالأهداف الأخرى.[20]

هذا بجانب ممّا أشار إليه المفكر الفرنسي الليبرالي ألكسيس دي توكفيل في مؤلفه الشهير (الديمقراطية في أمريكا) في حديثه عن سوءات النظام الديمقراطي، والذي خرج بنتيجة مؤداها أن الأمم الديمقراطية التي جعلت من الحرية جزءا أساسيا في نظامها السياسي هي نفسها التي جعلت النظام الإداري مستبدا.[21]

كما يراها كارل شميث مؤسسة على مفاهيم لاهوتية معلمنة، وبالتالي فإن لها وسائلها الخاصة في ممارسة الإكراه، ولكن تختلف عن وسائل اللاهوت الديني في العصر الوسيط.[22]

هذا المشروع الحداثي انبثق منه نوع جديد من الخوف في إطار معادلة جديدة، فإذا كانت معادلة الخوف القديمة بين الإنسان وغوايات الشيطان أو قسوة الطبيعة، فإن معادلة الخوف الحديثة أصبحت بين الإنسان والآخر. وإن كانت المعادلة الأولى يحكمها منطق الإيمان الديني الذي يعلي من شأن القيمة الأخلاقية للخروج من المعاناة، حتى وإن لم يستطع المنطق الديني تحقيق الأمن المأمول، إلا أن تلك المعادلة تظل بسيطة الإدراك واضحة المعالم، على حين يحكم معادلة الخوف الحديثة المنطق العقلاني المادي لحسمها، وهو منطق يتسم بالسيولة والنسبية، أنتج نوعاً جديداً من الخوف يكون مصدره علاقات البشر في ما بينهم. وردّ سيغموند فرويد المعاناة التي يلقاها الناس إلى ثلاثة مصادر: الأول، من أجسادنا التي كُتب عليها الموت والفناء، ومعاناة أخرى تأتينا من العالم الخارجي الذي يمكن أن يصب غضبه علينا بقوى التدمير الساحقة. وأخيراً معاناة تأتينا من علاقتنا بالناس، وهي أكثر إيلاماً من غيرها.[23]

2- ما بعد الحداثة والترشيد الديني:

بيد أن العقل الغربي أنتج من رحم الحداثة رؤية جديدة للخلاص هي (ما بعد الحداثة) فحسب مالك بن نبي، فإن الحضارة هي التي تلد منتجاتها [24] التي حاولت تفكيك أنساق الحداثة الغربية العلمية والعقلية إلى عدمية ما بعد الحداثة بالتشكيك في قدرة العقل في الوصول إلى الخلاص الحقيقي، بعدما أصبحت مفتقرة إلى اليقين المعياري الذي كان الدين مصدرا له.

وقد ارتبط مفهوم المابعدية في الفكر الغربي بفلسفة الحداثة في محاولة لاستدراكها، لكنّها أخذت منحى يسعى إلى تبديد المنظومة الفكرية للحداثة من الأساس. فيشير مصطلح (ما بعد الحداثة) إلى فكرة تجاوز الحداثة ذاتها أو نقضها؛ أي أنه ينطوي على خصومة مع الحداثة، كما أنه يشير إلى التوالي الزمني، ويوحي بالتأخر الزمني في الوقت نفسه.[25]

لذلك يرى ديك هيبدايج أستاذ علم الاجتماع البريطاني (إن ما بعد الحداثة هي الحداثة الخالية من الأحلام والآمال التي مكنت البشر من احتمال الحداثة)[26]

يمكن القول إن فلسفة نيتشه هي التي بشرت بالإرهاصات الأولي لفلسفة (ما بعد) الحداثة؛ فبحسب فوكو فإن نيتشه هو أحد ثلاثة مفكرين كبار دشنوا النقد الجذري للحداثة في الغرب.[27]

إن فلسفة نيتشه هي التي بشرت بالإرهاصات الأولي لفلسفة (ما بعد) الحداثة

وقد مثلت فلسفة نيتشه المظلة الفكرية التي خرج منها فكر الاستنارة المظلمة والمذهب الإنساني أمثال ليفي شتراس وفوكو ودريدا.[28]

لقد تأسّست فلسفة نيتشه على مقولات عدمية من أبرزها عبارته (لقد مات الإله) ويرى هيدجر أن الإله بالنسبة إلى نيتشه هو (العالم المتسامي) الذي يتجاوز عالمنا المادي، الإله هو اسم عالم الأفكار والمثاليات والمطلقات والكليات والثوابت والقيم الأخلاقية.[29]

بل إن العدميين البرجماتيين، مثل دريدا يرون أنه لا جدوى من الحرب ضد الظلمة، فلابد من تقبلها والتكيف معها.[30]

فهذه النزعة العدمية تبشر بعالم لا توجد فيه ثوابت ولا مطلقات، عالم سائل بسيط عالم بلا قيمة ولا ذاكرة كما يقول رورتي: (عالم مادي تماما، خال من القداسة، لا يعبد الإنسان فيه شيئا ولا حتى نفسه)[31] ثم يبين نتيجة هذا الموقف بقوله: (إن الحضارة العلمانية الحديثة لن تكتفي باستبعاد فكرة القداسة أو بإعادة تفسيرها بشكل جذري، وإنما ستهاجم الذات الإنسانية نفسها كمصدر للحقيقة)[32] فثمة معاناة ناتجة من انسحاب الدين من المجال العام كمرشد لسلوك الأفراد تدريجياً في مقابل سيادة العقل، وهو ذلك المشروع المركزي للتنوير الذي استبدل الأخلاق المحلية والعرفية وكل أشكال الإيمان المتعالي بأخلاق نقدية عقلانية، على الرغم من الاختلاف والتنوع داخل هذا المشروع، والذي سعى إلى تجريد أزمات الإنسان ومعاركه اليومية من اليقين المفارق للعالم المادي.

في هذا السياق، يرى علي عزت بيجوفيتش أن العدمية ليست إنكارا للألوهية ولكنها احتجاج على غيابها، فالعدمية خيبة أمل ليس بسبب العالم والنظام، وإنما بسبب غياب الخير في العالم.[33]

وفي سياق مغاير يقابل مصطلح ما بعد الحداثة في الفكر الغربي مصطلح مالك بن نبي «إنسان ما بعد الحضارة».[34]

فالإشكالية الكبرى لديه هي أزمة انبعاث الوعي الحضاري التي يراها بالأساس أزمة تغيير الإنسان في كل زمان فيقول: «إن كل تفكير في مشكلة الإنسان هو في النهاية تفكير في مشكلة الحضارة»[35]

فالحضارة تنبعث بميلاد الفكرة الدينية، فالحضارة لا تظهر في أمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء، أو على الأقل تقوم أسسها في توجيه الناس إلى معبود غيبي أو على حد قول كيسر لنج (عندما يدخل التاريخ مبدأ أخلاقي).[36]

ويدخل الإنسان في عهد (ما بعد الحضارة) عندما تتفسخ الحضارة، والإنسان (في مرحلة ما بعد الحضارة) يحتاج إلى تغير جذري لكي تعود له فعاليته الحضارية[37]

وعلى العكس من ذلك، فإن الإنسان السابق على الحضارة يظل مستعدا كما هو الحال مع البدوي المعاصر للنبي صلى الله عليه وسلم للدخول في دورة الحضارة.[38]

وثمة اختلاف بين النموذجين في فاعلية التغيير والتطور؛ فإنسان ما بعد الحضارة الذي يراه مالك بن نبي متفسخاً حضارياً، يحمل قدراً من الخرافات والأوهام، في حين أن إنسان ما قبل الحضارة يكون أكثر استعداداً وقبولاً للدخول في الدورة الحضارية، لأن إصلاح إنسان (ما بعد الحضارة) يتطلب عملية نفسية أكثر تعقيداً تتمثل في إصلاح المدركات الدينية وإعادة بناء نفسيته. وفقاً لهذه المدركات، فإن إنسان ما بعد الحضارة يعيش أزمة أكثر تعقداً، بينما إصلاح مدركات الإنسان الطبيعي يعتبر أكثر سهولة، وإعداده لمرحلة الانطلاق الروحي الحضاري أقل تعقيداً من الإنسان المتفسخ حضارياً.

ومن الفرد ينتقل مالك بن نبي إلى المجتمع الذي يراه لا يستحق هذا الاسم، إلا إذا أصبح جماعة تسرع في الحركة وتغير دائماً خصائصها الاجتماعية بإنتاج وسائل التغيير، مع علمها بالهدف الذي تسعى إليه من وراء هذا التغيير.[39]

وتبدو شبكة العلاقات الاجتماعية هي رأس مال المجتمع الذي لا يقاس غناه بقدر ما يملك من أشياء، بل بمقدار ما فيه من أفكار[40].

وبالنّظر إلى نموذج ما بعد الحداثة ومقابلته بنموذج ما بعد الحضارة لدى مالك بن نبي، نلمح أن النموذج الأول استند إلى النظرة الثنائية المحكومة بانفصام علماني مادي للتنوير الغربي في تعاطيه مع الظاهرة الإنسانية، بين عالمين، عالم الروح أو الميتافيزيقا وبين عالم المادة، وتكريس فكرة قدرة استغناء الإنسان الحديث عن كل ما هو خارج نطاق المادة أو الطبيعة، وأن يعيش في حدود عالمه المادي. فالتقليد الحداثي العلماني أراد الفصل بين الوجود المرئي للإنسان والوجود غير المرئي حتى يُؤخذ بالأول ويُنسى الثاني، بيد أن الإنسان محاط بعالم الغيب إحاطته بعالم الشهادة، بل إن إحاطته بالغيب فوق إحاطته بالشهادة لأن الإنسان لا تنحصر ذاته في النفس، بل تتعدى ذلك إلى الروح ولا تنحصر رؤيته في البصر، بل تتعدى إلى البصيرة.[41]

بل إنّ اختزال الوعي في نطاق العالم المحسوس أنشأ وعيا زائفا، لذلك يرى هربرت ماركوز (أنه بمقدار ما يكون الفكر والسلوك مرتبطين بالواقع المعطى، فإنهما يعبران عن وعي كاذب ويساهمان في الإبقاء على نظام زائف للوقائع)[42]

وخطاب الترشيد الديني تمايز عن الخطاب الحداثي المعلمن بأن أسس الوعي الإنساني على وحدة المدركات، فلم يعرف الفصل بين العقل والقلب والحواس، كما في الخطاب المعلمن، بأن يكون العقل محلاً للتجريد الصوري والقلب محلاً للعواطف والانفعالات والحواس محلاّ للرغبات المادية، فالإنسان يدرك بالتعاضد بينهما، فالروح التي هي قبس من الله تعالى، والإنسان يرتقي عن طريق إحياء القلب وتنمية العقل وعمل الحواس وفق الرؤية الحضارية الإسلامية لكي تتحقق حقيقة الاستخلاف.

فالحداثة الغربية راهنت على العقل، والخطاب الديني يعول على الإرادة، فالفضيلة التي يتميز بها الإنسان عن سائر الموجودات هي إرادته، فهو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يعمل بخلاف رغباته وغرائزه.

ويمكن القول إنّ ما بعد الحداثة الغربية نموذج تفكيك، بينما ما بعد الحضارة نموذج تركيب للترشيد الحضاري، فإذا كان النموذج الأول يسعى إلي تبديد البنيات الأساسية لمشروع الحداثة الغربية، فإن الثاني يسعى إلى إعادة فاعلية الأسس والقيم العامة للدين من جديد عن طريق إزالة ما طرأ عليها من شوائب عطلت فاعليتها الاجتماعية وسحب المجتمع إلى خارج الفاعلية الحضارية.

 

المصادر والمراجع:

1- إريك فروم: الخوف من الحرية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولي، 1972

2- تيمونز روبيرتس: من الحداثة إلي العولمة، ترجمة سمر الشيشكلي، الجزء الأول، عالم المعرفة.

3- د. ياسر قنصوة: الليبرالية إشكالية مفهوم، رؤية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2008

4- ماكس فيبر: مقالات في سوسيولوجيا الدين الثقافة البروتستانتية، المنظمة العربية للترجمة، ترجمة منير الفندري، الطبعة الأولى، 2015

5- د. وائل حلاق: الدولة المستحيلة، الإسلام والسياسية ومأزق الحداثة الأخلاقية، ترجمة: عمرو عثمان، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى 2014

6- زيجمونت باومان: الخوف السائل، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ترجمة حجاج أبو جبر، تقديم هبة رؤوف عزت، الطبعة الأولي، بيروت، 2017

7- عبد الوهاب المسيري: دراسات معرفية في الحداثة الغربية، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الأولي، 2006

8- مالك بن نبي: شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1986

9- نيتشه وجذور ما بعد الحداثة: تحرير، أحمد عبد الحليم عطية، دار الفارابي، الفكر المعاصر، سلسة أوراق فلسفية، الطبعة الأولى 2010

10- علي عزت بيجوفيتش: الإسلام بين الشرق والغرب، مؤسسة بافاريا للنشر والإعلام والخدمات، الطبعة الثانية، 1997

11- محمد أبورمان الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولي 2010، ص 50، 54

12- مالك بن نبي: ميلاد مجتمع شبكة العلاقات الاجتماعية، ترجمة عبد الصبور شاهين، الطبعة الثالثة، 1986

13- الدكتور طه عبد الرحمن: روح الدين من ضيق العلمانية إلي سعة الانتمائية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 2012

14- هربرت ماركوز: الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابلسي، منشورات دار الآداب، بيروت، الطبعة الثالثة، 1988

[1]- إريك فروم: الخوف من الحرية – ترجمة مجاهد عبد المنعم، مجاهد المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولي، 1972، ص 11

[2]- تيمونز روبيرتس: من الحداثة إلى العولمة، ترجمة سمر الشيشكلي، عالم المعرفة، 2004، الجزء الأول، ص 105

[3]- إريك فروم: الخوف من الحرية، ص 89

[4]- إريك فروم: الخوف من الحرية، ص 67

[5]- د. ياسر قنصوة: الليبرالية إشكالية مفهوم، رؤية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2008، ص 31

[6]- إريك فروم: الخوف من الحرية، ص 93

[7]- المصدر السابق، ص 93

[8]- ماكس فيبر: مقالات في سوسيولوجيا الدين الثقافة البروتستانتية، المنظمة العربية للترجمة، ترجمة منير الفندري، الطبعة الأولى، 2015، ص 41

[9]- إريك فروم: الخوف من الحرية، ص 89

[10]- المصدر السابق: ص ص 90 - 91

[11]- د. وائل حلاق: الدولة المستحيلة – الإسلام والسياسية ومأزق الحداثة الأخلاقية، ترجمة: عمرو عثمان، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولي، 2014، ص 38

[12]- د. وائل حلاق: الدولة المستحيلة، ص 40

[13]- زيجمونت باومان: الخوف السائل، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ترجمة حجاج أبو جبر، تقديم هبة رؤوف عزت، الطبعة الأولي، بيروت، 2017 ص 11

[14]- زيجمونت باومان: الخوف السائل، ص 24

[15]- زيجمونت باومان: الخوف السائل، ص 24

[16]- عبد الوهاب المسيرى: دراسات معرفية في الحداثة الغربية، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الأولى، 2006، ص 18

[17]- المرجع السابق، ص 31

[18]- د. وائل حلاق: الدولة المستحلية، ص 204

[19]- د عبد الوهاب المسيري: دراسات معرفية في الحداثة الغربية، ص 142، ص 143

[20]- د. وائل حلاق: الدولة المستحيلة، ص 59 - 71

[21]- د ياسر قنصوه: الليبرالية إشكالية مفهوم، ص 178

[22]- وائل حلاق: الدولة المستحيلة، ص 70

[23]- زيجمونت باومان: الخوف السائل، ص 83

[24]- مالك بن نبي: شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1986، ص 42

[25]- نيتشه وجذور ما بعد الحداثة: تحرير – أحمد عبد الحليم عطية، دار الفارابي، الفكر المعاصر، سلسة أوراق فلسفية، الطبعة الأولي 2010، ص 129

[26]- المرجع السابق، ص 128

[27]- المرجع السابق، ص 122

[28]- د.عبد الوهاب المسيري: دراسات معرفية في الحداثة الغربية، ص 29

[29]- نيتشه وجذور ما بعد الحداثة: تحرير أحمد عبد الحليم عطية، ص 172

[30]- د. عبد الوهاب المسيري: دراسات معرفية في الحداثة الغربية، ص 32

[31]- المرجع السابق، ص 23

[32]- المرجع السابق، ص 23 - 47

[33]- علي عزت بيجوفيتش: الإسلام بين الشرق والغرب، مؤسسة بافاريا للنشر والإعلام والخدمات، الطبعة الثانية، 1997، ص ص 130 - 131

[34]- مالك بن نبي: شروط النهضة، ص 70

[35]- محمد أبورمان: الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولي، 2010، ص 50

[36]- مالك بن نبي: شروط النهضة، ص 70

[37]- المصدر السابق، ص 70

[38]- المصدر السابق، ص 70

-[39] مالك بن نبي: ميلاد مجتمع شبكة العلاقات الاجتماعية، ترجمة عبد الصبور شاهين، الطبعة الثالثة، 1986، ص ص 17 - 18

[40]- المصدر السابق، ص 30 - 37

[41]- الدكتور طه عبد الرحمن: روح الدين من ضيق العلمانية إلي سعة الانتمائية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 2012، ص 24

[42]- هربرت ماركوز: الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابلسي، منشورات دار الآداب، بيروت، الطبعة الثالثة، 1988، ص 182