الدين والسياسة وظهور الفكرة "العلمانيّة"


فئة :  مقالات

الدين والسياسة وظهور الفكرة "العلمانيّة"

مقدمة

إذا نظرنا إلى فكرة الدولة المدنية، سنجدها قد غابت طوال العصور القديمة؛ لأسباب لا يتسع المقام هنا لسردها. وكذلك فقد غابت فكرة الدولة المدنية إلى حد كبير طوال العصور الوسطى، سواء المسيحية أو الإسلامية، حتى جاء الفيلسوف الإيطالي "مكيافيلي" (1469-1527)، الذي يُعَدُّ أول منظر حقيقي للدولة المدنية بالمعنى المتعارف عليه الآن.

سيطرت على الفكر السياسي في العصور الوسطى المسيحية، بنية لاهوتية أساسها نظرية الحق الإلهي. وإذا كان الدين يمثل رافدًا مهمًّا للحياة الإنسانية، باعتباره أحد مصادر الإشباع الروحي للإنسان، فقد اتخذ رجال الدين المسيحيون، بمعاونة من بعض المفكرين المحافظين، من «الديني» الإطار المعياري لتقييم كل سلوكيات الإنسان في مسار حياته الدنيوية، وكل ممارساته السياسية. وبالتالي، كنا أمام «ديني» يسجن «الدنيوي»، و«روحي» يسجن «الزمني». وقد اكتسب رجال الدين سلطتهم على رقاب الناس بما يملكون من احتكار لفهم النص الديني، وهي سلطة صارت مسيطرة على الروح والجسد معًا، على شؤون الدين وشؤون الدنيا على السواء.

لكن ما ساد طوال هذه القرون من محاولات إدخال «الديني» لتنظيم الشئون الزمنية أدى- تاريخيًّا- إلى نقد الدين، باعتباره أداة سجن وقمع كما يقدمه رجال الكنيسة وليس أداة تحرير كما هو في رسالته الأصلية. لم يكن دور «الديني» و«الروحي» في حياة الناس محدّدًا، بل صار مهيمنًا على شؤون «الزمني» و«الدنيوي»، وصار له الحق في صياغة قوانين «الزمني» وفقًا لما تمليه مصالح رجال الدين في كثير من الأحيان.

وقد كان العامل المهم في انفصال "الديني" عن "السياسي"، وتأسيس النظريات الحديثة في الدولة- القومية، هو ظهور التيارات السياسية العلمانية. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، وإنما هو يحتاج إلى مزيد من التوضيح: فماذا نعني بالعلمانية؟ هل تعني المعنى الذي ساد منذ مطلع العصور الحديثة؛ أي الفصل بين الدين والدولة، أو بين السلطة الدينية والسلطة السياسية؟

( أ ) - ( 1 ) مكيافيلي وصعود الفكرة "العلمانية".

يمكن القول إنّ الموقف العلماني والقطيعة السياسية مع تراث العصور الوسطى ظهر مع كتابات «مكيافيلي»، الذي يُعَدُّ أول من دعا إلى تقويض السلطة الكنسية، مؤسّسًا لفكرة "العلمانية" في السياسة، والتي تقوم على أساس الفصل بين «الديني»، و«السياسي»، أو بين السلطة الدينية من جانب والسلطة السياسية من جانب آخر. وقد أسهم كتاب "الأمير" لمكيافيلي في صعود «الفكرة العلمانية» في السياسة، والانتصار النسبي لفكرة الدولة- القومية. وتقوم فلسفة مكيافيلي -في مجملها- على فكرة عدم إمكانية قيام دولة حديثة قوية، إلَّا عن طريق استقلال السياسة عن كل المعايير التي تحكم المجالات الإنسانية الأخرى بما في ذلك المجال الديني، والعلمانية بذلك تعني الفصل بين السلطتين السياسية والدينية.

إن الدولة المدنية- أو الدولة العلمانية- دولة تقوم على أساس واقعي لا ديني. وإذا كانت العلمانية تعني التفكير في النسبي بما هو نسبى وليس بما هو مطلق، فإن الأمر كذلك بالنسبة إلى الدولة العلمانية، أو الدولة المدنية في جانبها السياسي، ومن ثم فإن أيّة محاولة لإقحام الدين في السياسة، أو جعل الدين متحكمًا في تصريف شؤون الدولة من شأنه أن يضر بالدين والدولة معًا. ومن هنا تمثل العلمانية حماية للدولة المدنية الديمقراطية من تدخل رجال الدين، وهي تمثل أيضًا حماية للدين من تدخل السياسة وتوظيفها له لخدمة مصالح وأهداف بعينها.

إن ما نعنيه بقولنا إن مكيافيلي من أوائل المنظَّرين الحقيقيين للدولة المدنية- العلمانية- في العصر الحديث هو أنه من أوائل الذين أسهموا في توطيد أركان هذا النوع من الدول على أسس فلسفية وسياسية قوية. فقد جاء مكيافيلي إبان عصر النهضة، حاملًا معه أفكاره الواقعية في السياسة، ليؤسس نظرية في الدولة المدنية محاولًا تقويض "نظرية الحق الإلهي" التي كانت سائدة خلال العصور الوسطى؛ فقد عاش في فترة مليئة بالتناقضات، وفي عصر كانت سمته المركزية وقوع التقلبات السياسية، والثقافية، وهي فترة الانتقال من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة، وهو العصر الذي يُعرف باسم «عصر النهضة» Renaissance. ولقد كان لسقوط بلدته فلورنسا- إحدى المدن الإيطالية- في عام 1512 على يد شارل الثامن، ملك فرنسا، وما ترتب على ذلك من اضطرابات سياسية واجتماعية، وتناحر ديني، أبلغ الأثر على كتاباته السياسية.

إن مكيافيلي من أوائل المنظَّرين الحقيقيين للدولة المدنية- العلمانية- في العصر الحديث

لقد دفعت هذه الظروف والاضطرابات الحاصلة في عصره، إلى الإيمان بأن المخرج الوحيد من هذه الحالة هو وجود دولة مدنية (أو علمانية) قوية، يحكمها شخص يحوز على سلطات واسعة ومطلقة، وحيث يكون من حقه استخدام كافة الوسائل الممكنة، بما في ذلك القوة، والكذب والخداع والعنف، لتأسيس الدولة المدنية القوية، وإصلاح ما فسد في الدولة القائمة. ومن هنا جاءت أطروحاته مرتكزة على مبدأ تمجيد القوة، في محاولة منه لإصلاح الواقع الإيطالي، والقضاء على الفتن الداخلية من جانب، وصد العدوان والغزو الخارجي من جانب آخر.

من ناحية أخرى، كان مكيافيلي من أقوى خصوم الكنيسة، ومنتقديها، لأنها تركت أمراء إيطاليا يتناحرون، ويتقاتلون، ومن ثَمَّ تسبّبت في جعل إيطاليا فريسة للفرنسيين والألمان. ومن هنا، نجده يدعو إلى تقويض الحكم الكنسي الذي كان سائدًا في ذلك الوقت، إلى أن تتوطد أركان الدولة المدنية الحديثة (الدولة القومية).

من هنا وشيئًا فشيئًا، تداعت نظرية «الحق الإلهي» في أوروبا، وقد مثَّلت الفكرة العلمانية جوهر تأسيس الدول القومية الحديثة، وعلى حد تعبير «مارسيل جوشيه» (Marcel Gauchet): «كان للعلمانية؛ أي النزعة التي تنادي بانفصال سلطة الدولة عن سلطة الكنيسة، الدور الرئيس في تأسيس الدول القومية والجمهورية الحديثة، كما أسهمت إسهامًا كبيرًا في تمجيد الدولة والرفع من شأنها»([1]). كذلك فرضت العلمانية أن تكون الدولة محايدة تجاه الأديان والمعتقدات الدينية. والحياد بهذا المعنى، يعني الاستقلال التام عن كل المعتقدات الدينية في تنظيم أمور السياسة([2]).

وعلى الرغم من أن فكرة «الاستثناء» أو «الضرورة القصوى» تشكل عصب السياسة عند مكيافيلي، وتمثل نقطة انطلاقه الأساسية في تمجيد سياسة القوة والعنف، فإن أساس هذه الفكرة عنده هو أساس علماني بحت- وليس دينيًّا- بمعنى أنه يقيم هذه الفكرة على اعتبارات فلسفية بالدرجة الأولى، وليس على أية ركائز دينية أخرى.

( أ ) - ( 2 ) الدين والحداثة السياسية

شهد العصر الحديث صعود النزعات العلمية والعقلانية الأوروبية في السياسة، ويُعَدُّ «فرانسيس بيكون» و«ديكارت» من أوائل فلاسفة العصر الحديث الذين أكدوا على ضرورة إعمال العقل في جميع المجالات الإنسانية، والابتعاد عن التفكير الغيبي. وقد جاءت الدفعة الثانية مع «هوبز» (1588-1679) و«لوك» (1632-1704) مؤسسي العقلانية الأوروبية التي تطورت الحداثة في أحضانها، وازدهرت بظهور فلسفات «كانط»، و«هيجل»، و«ماركس». وقد أكد جون لوك على فكرة «سيادة القانون» (Rule of Law)، وأن القانون هو الذي يؤسس السيادة، كما عارض "السلطة المطلقة" من منطلق إيمانه بالقانون الطبيعي الذي لا يحوي أي استثناء([3]).

( أ ) - ( 3 ) فلسفة التنوير وظهور «الدين الطبيعي»

جاءت الدفعة المهمة لانتصار فكرة الدولة القومية الحديثة- بعد كتابات مكيافيلي- مع فلاسفة الحداثة والتنوير الأوروبي؛ إذ فصلوا تمامًا بين الديني والزمني، وحاولوا تأسيس نظرية في الدولة لا تستند إلى أي اعتبارات دينية. وقد ساعد على تراجع نظرية «الحق الإلهي»، ظهور مذهب الرّبوبيّة* Deism، الذي أسَّس لما أصبح يُعرف «بالدين الطبيعي» (Natural Religion)، في القرن الثامن عشر، عند كل من "فولتير" (Voltaire) (1694-1778)، و"هيوم" (David Hume) (1711-1776)، و"جان جاك روسو" (Rousseau) (1712-1778) وغيرهم.

ويقوم هذا المذهب على الاعتقاد في وجود الله، وخلود الروح، لكن مع عدم التسليم بصحة العقائد الدينية والمذهبية التقليدية؛ أي عدم الإيمان بالوحي والنبوة، وهو بذلك يختلف عن مذهب الألوهيّة Theism من حيث إيمان الأخير بوجود الله، وخلود الروح، والتسليم بصحة الوحي والنبوة والمعجزات، والإقرار بأن الله يتحكم في تسيير أمور العالم والكون وتنظيمهما. وقد ساعدت على ظهور هذا المذهب، كثرة الصراعات الدينية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، علاوة على ما أحدثته الثورة العلمية في القرن السابع عشر في أوروبا من تغيرات على جميع المستويات، وهو ما حدا بفلاسفة التنوير بعد ذلك إلى تفسير الكون بشكل عقلاني، والإيمان بأن الله لا يتدخل في أمور الكون والعالم، ويمكن معرفته- أي الله- بالطرق العقلانية لكن ليس بطريق الوحي؛ أي إنهم لم يؤسسوا الدين على الوحي المُنزل.

كذلك اعتقد فلاسفة التنوير أن الكون يسير بِناءً على قوانين دقيقة دون تدخل إلهي مباشر، وبالتالي رفضوا الاعتقاد في المعجزات والنبوات واعتبروها غير علمية وغير قابلة للتفسير، الأمر الذي أدى بهم إلى إنكار فكرة التدخل الإلهي في الأمور البشرية وفي سير العالم الطبيعي بأي شكل من الأشكال، سواء عن طريق الوحي أو الأحداث الخارقة كالمعجزات. وهذا ما جعلهم يذهبون إلى القول بحتمية «قوانين الطبيعة»، ونفي أية إمكانية لتعليقها أو خرقها.

ومن هذا المنطلق، رفضوا فكرة وجود "الاستثناء" في النظام الطبيعي، وفي النظام السياسي أيضًا. ويوضح الفيلسوف الألماني كارل شميت هذا العامل الأخير بقوله: «إن صعود نظرية الدولة الدستورية الحديثة يرجع في المقام الأول إلى ظهور مذهب الرّبوبيّة، الذي أسس لأفكار ونظريات تنفي فكرة المعجزة من العالم. وتقوم هذه الأفكار والنظريات على رفض أية إمكانية لخرق "قوانين الطبيعة" عن طريق الاستثناء الناجم عن التدخل المباشر كما في حالة المعجزة، وكذلك رفض التدخل المباشر "للإله صاحب السيادة" “Sovereign God” في النظام التشريعي القائم. كما رفضت عقلانية عصر التنوير قبول فكرة الاستثناء في جميع صورها»([4]).

إذن، فقد أبرز فلاسفة التنوير التوتر الداخلي في البنية اللاهوتية المسيحية بين التصور التوحيدي ومفهوم المعجزة الذي يفضي إلى التدخل الإلهي في الطبيعة. وبالتالي كان ظهور مذهب الرّبوبيّة رد فعل على هذه البنية اللاهوتية التي بررت شرعية الأنظمة الملكية والاستبدادية. ومن هنا يمكن اعتبار «الدين الطبيعي» بمثابة التخلص من الحكم الديني في السياسة وهيمنة السلطة الكنسية على الشؤون الزمنية، ودفعة قوية لتأسيس الدولة القومية الحديثة التي تستند إلى الموقف العلماني الذي يؤكد وجوب التطوير التشريعي للقوانين الوضعية لكي تحاكي الطابع الكلي لقوانين الطبيعة، واستحالة تدخل المعجزة الإلهية في مجرى التاريخ والطبيعة. وقد جاءت الثورة الفرنسية عام 1789 فجسدت هذه الأفكار بامتياز.

( ب ) نقد فلسفة عصر التنوير

( ب ) - ( 1 ) الهجوم من التيارات المحافظة

قُوبلت فرضية العَلْمَنة والتحديث التي حاول فلاسفة التنوير ترسيخها في الوعي الأوروبي، برفض كبير من جانب الفلاسفة والمفكرين المحافظين، الذين حاولوا إحياء الموقف الديني المحافظ الذي يركن إلى الإبقاء على الأخلاق والتقاليد الموروثة المستندة إلى الإيمان بإله متعال مفارق. لقد قاوم هؤلاء الفلاسفة والمفكرون المحافظون، وعلى رأسهم «إدموند بيرك» (Edmund Burke) (1729-1797)، ما أسفرت عنه نتائج الثورة العلمية في القرن السابع عشر، وهاجموا العقلانية الأوروبية التي احتضنت فكر الحداثة، كما نبذوا الفكر الرّبوبيّ الذي يتبنى فكرة الحتمية الصارمة لقوانين الطبيعة ويقول بأن الإله- على الرغم من قدرته وعلوه- لا يتدخل في أمور الكون والعالم.

وقد حاول هؤلاء المفكرون المحافظون أن يُعيدوا الأنظمة الملكية القديمة، وكان ذلك يتم، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بالرجوع إلى الأفكار والنظريات اللاهوتية القديمة، التي تقوم على الإيمان بالإله الواحد المتفرّد الذي يقوم بتسيير أمور العالم الطبيعي وتنظيمه، ويتدخل عند الضرورة في الأوقات العصيبة، ويوضح كارل شميت هذا بقوله: «سعى الكُتَّاب المحافظون والمعارضون للثورة الفرنسية- وكان معظمهم يؤمن بمذهب الألوهية- إلى تدعيم نظريات "السيادة الشخصية" Personal Sovereignty للملك، من خلال العودة إلى "لاهوت التّوحيد". ويمكن أن نجد مثل هذا التناظر عند المفكرين المسيحيين الذين تبنوا الاتجاه المضاد للثورة الفرنسية، مثل "جوزيف دي ميستر" (Joseph de Maistre) (1753-1823)، و"لويس دي بونالد" (Louis de Bonald) (1754-1840)، و"دونوسو كورتيس" (Donoso Cortés) (1809-1853)»([5]).

على هذا النحو، لم تكن الثورة الفرنسية بحاجة إلى اختراع أعداء لها، فقد كانوا موجودين منذ البداية. فبالإضافة إلى هواجس المفكرين اليعقوبيين من التغيرات الجذرية التي قد تُحدثها الثورات العنيفة، كان هناك أيضًا نفس الهواجس من المفكرين اليمينين أمثال إدموند بيرك. فالتآمر على الثورة إذن كان موجودًا حتى قبل أن تندلع. وتشير الأبحاث الحديثة في هذا الموضوع إلى أنه في المراحل الأولى للثورة الفرنسية كانت نظريات المؤامرة أكثر انتشارًا من جانب المفكريين اليمينين منها من جانب المفكرين اليعقوبيين([6]). والملاحظ أن الثورة المضادة لعصر التنوير كانت تصدر من منطلقات دينية يمينية، وأنصارها الفكريون ظلوا موجودين حتى الآن. لقد كانت تصدر من قناعة دينية لمجموعة من المسيحيين الذين طرحوا آراءًا ورؤى لاهوتية متشددة ردًا على التهديدات التي مثلتها الثورة الفرنسية وأفكار التنوير- سواء كانت تهديدات حقيقية، أو مصطنعة([7]).

ترتبط السياسة والدين في نظر شميت ارتباطًا وثيقًا، فالمفاهيم السياسية هي مجرد عَلْمَنة لمفاهيم دينية

( ب ) - ( 2 ) «عَلْمنة» المفاهيم اللاهوتية

يجيء الفيلسوف الألماني «كارل شميت» (Carl Schmitt) (1888-1985) في رؤيته حول العلاقة بين الدين والسياسة، كصفحة أخرى من صفحات الثورة المضادة لعصر التنوير وفكر الحداثة، وتنصب محاولته في هذا الإطار على البحث عن الجذور اللاهوتية للحداثة السياسية. وفي رأيه، أنه لا يمكن فهم العَلْمَنة وغيرها من المفاهيم الأخرى المرتبطة بها والتي شكلت الحداثة السياسية، دون الوقوف على البنية الدينية التي تستند إليها. ووفقًا له، فإن كل المفاهيم السياسية المرتبطة بالدولة هي بالدرجة الأولى مفاهيم لاهوتية مُصاغة في قالب علماني، وعلى حد قوله: «كل المفاهيم المحورية في النظرية الحديثة عن الدولة ما هي إلا مفاهيم لاهوتية مُعَلْمَنة»([8]).

وتتضح الطبيعة اللاهوتية للمفاهيم السياسية الحديثة من ناحيتين([9]):

الأولى من ناحية تطورها التاريخي؛ أي من حيث كونها انتقلت من دائرة اللاهوت إلى دائرة السياسة، كما هو الحال مثلًا بالنسبة إلى مفهوم "الله القادر على كل شيء" “Omnipotent God”، والذي أصبح يشير إلى "المشرِّع القادر على كل شيء" “Omnipotent Lawgiver”.

أمّا الثانية، فمن ناحية بنيتها الفلسفية (النسقية- المنهجية)، والتي يُعَدُّ فهمها ضروريًا لكي نستطيع فهمها وتفسيرها من الناحية السوسيولوجية. فمفهوم "الاستثناء" Exception في الفقه القانوني الحديث مماثل لمفهوم "المعجزة" في الدين. وبنفس طريقة التماثل هذه، يمكننا أن نقف على الطريقة التي تطورت من خلالها جميع المفاهيم الفلسفية المرتبطة بالدولة في القرون الأخيرة الماضية.

يحاول شمت إذن أن يكشف عن الطبيعة اللاهوتية للمفاهيم الفلسفية الخاصة بنظرية الدولة من خلال ما يمكن تسميته بـ"عَلْمَنة المقدس" “Secularizing the Sacred”، كما يظهر في الشكل الآتي:

الديني

حلول الديني

في السياسي

السياسي

«الإله»

«الدولة»

«الإله المطلق»

«الدولة- القومية»

«السيادة الإلهية»

«سيادة الأمة»

«الإله صاحب السيادة»

«الملك صاحب السيادة»

«الكتاب المقدس»

«الدستور» (القانون الأساسي)

«المعجزة الدينية»

«حالة الاستثناء»

«الرباط الديني»

«العقد الاجتماعي»

«الأخوة في الدين»

«المواطنة»

«الشعائر الدينية» ممثلة في: الشعار الديني (الصليب)- الترانيم والتسابيح الدينية التي ينبغي تعظيمها وتوقيرها.

«الطقوس العلمانية» ممثلة في: الشعار القومي (العَلم الوطني)- النشيد الوطني الذي ينبغي على المواطنين احترامه وتوقيره وإجلاله.

الشكل رقم: (1) يوضح هذا الجدول رؤية شميت للاهوت السياسي، من ناحية انتقال المفاهيم من مجال اللاهوت إلى المجال السياسي.

على هذا النحو، ترتبط السياسة والدين في نظر شميت ارتباطًا وثيقًا، فالمفاهيم السياسية هي مجرد عَلْمَنة لمفاهيم دينية، وهو ما يجعل- على سبيل المثال- الفعل السيادي الذي يقوم به الملك يتشابه مع المعجزة التي جاء بها النبي؛ فكلاهما يعكس التدخل للسيطرة على الأحداث وتغيير مسارها الطبيعي لتحقيق هدف معين. وبالتالي، فإن الحداثة السياسية في نظره مرتبطة أوثق الارتباط بالدين، والعلمانية لا تعني الفصل بين الدين والدولة، بل هي في جوهرها تجسيد للمفاهيم اللاهوتية في مجال نظريات الدولة. ولذلك، فلا يمكن فصل العلمانية وتجليات الحداثة المرتبطة بها، خاصة ثمارها السياسية «كالمواطنة»، و«السيادة»، و«الدولة- القومية»، ...إلخ، عن أصلها اللاهوتي والديني.

معنى ذلك، وفقًا لرؤية شميت، أن النظريات السياسية العلمانية الحديثة حول الدولة لا تنفصل عن أصولها في النظريات اللاهوتية. وعلى سبيل المثال، فإن النظرية المطلقة في الدولة صاحبة السيادة عند هوبز، والتي وردت في كتابه الشهير "التنين"، وكذلك نظرية هيجل في الدولة الكُليَّة التي تتجسد فيها الروح المطلقة، وغيرها من النظريات الحديثة عن الدولة، ليست في حقيقتها سوى تجل للنسق اللاهوتي حول فكرة "المطلق" في إطار الدولة الحديثة، حيث يحلّ تعظيم الدولة- القومية محل تقديس الإله في القرون السابقة. وبعد أن كان الإله في الأنساق اللاهوتية القديمة هو صاحب السيادة الكُليَّة أصبحت السيادة للأمة وحدها.

كذلك، فإن مفاهيم مثل مفهوم "السيادة" في نظرية الدولة الحديثة، والذي بموجبه تحتكر الدولة جميع السلطات، ليس مفهومًا علمانيًّا في نظر شميت جاء كنتاج للتأمل الفلسفي والعقلي الحر، بل هو مفهوم مستمد من النظرية الدينية في السيادة الإلهية بعد أن يتم استبدال الطابع السياسي بالطابع الديني.

ويوضح شميت أن هذا التماثل بين المفاهيم السياسية والمفاهيم اللاهوتية يكمن في الوقوف على الأبعاد السوسيولوجية للمفاهيم السياسية. فنظرية "السيادة الشخصية للملك" في القرنين السابع عشر والثامن عشر ترتد سوسولوجيًا- حسب ما يذهب شميت- إلى أصل لاهوتي في مفهوم "الإله القادر على كل شيء"، ومفهوم "الاستثناء" في النظام القانوني يرتد سوسيولوجيًا، إلى أصل لاهوتي في مفهوم "المعجزة"، وهكذا. ولكن كما يلاحظه "جورج شواب" (George Schwab)، أنه على الرغم من ربط شميت بين المفاهيم السياسية بأصولها في المفاهيم اللاهوتية المسيحية، فإن دلالة هذه المفاهيم الأولى قد تغيّرت بشكل كبير على مرّ القرون([10]).

من هنا وفي رؤيته لوحدة اللاهوت والسياسة، نلاحظ أن نزعة شميت تُعَدُّ نزعة "حلوليَّة" بالدرجة الأولى؛ إذ إن المفاهيم السياسية تجيء كنتيجة لتخلق الديني وتجليه في مجال السياسي. وبعبارة أخرى، فإن المفاهيم السياسية انبثقت من رحم اللاهوت الديني، الأمر الذي يعني أن مفاهيم الدولة القومية، والسيادة، والشرعية، والاستثناء، ...إلخ لها أصولها في الدين المسيحي. ومن ثم، فلا يمكن بحال من الأحوال فهم «السياسي» دون الوقوف على نظيره «اللاهوتي»؛ فجذور المفاهيم السياسية موجودة كليةً في "لاهوت الألوهيّة"، وليس في لاهوت الربوبية.

لكن محاولة اقتفاء أصول المفاهيم السياسية ضمن إطار المفاهيم الدينية، لا يعني في نظر شميت أن الأولى مجرد صياغات لاهوتية مُعَلْمَنة وحسب، بل هي أعمق من ذلك. وبعبارة أخرى، فإن الانتقال في المفاهيم من مجال اللاهوت إلى مجال السياسة لا يعني الانتقال من مفهوم إلى مفهوم آخر مماثل له، بل هو بالدرجة الأول انتقال على مستوى "البنية" التي تعمل من خلالها. فالمفاهيم السياسية تقوم على نفس البنية النسقية القديمة المستمدة من علم اللاهوت. وعلى سبيل المثال، فإن القول بأن مفهوم "القدرة الكُليَّة" “Omnipotence” لدى صاحب السيادة في النظام القانوني والسياسي الحديث، هو مفهوم مشتق سوسيولوجيًّا من مفهوم "السلطة الكُليَّة" لله، لكن هذا القول لا يعني أن هذا المفهوم مماثل من ناحية التعريف لمفهوم سلطة "الإله القدير" وحسب، وإنما يعني أنه يقوم على نفس البنية اللاهوتية للمفهوم الأخير. وقد أشار «تراسي سترونج» (Tracy Strong)، إلى هذا الأمر بقوله: «لا يستهدف شميث أن يُعيدنا إلى المفاهيم السياسية في ثوبها اللاهوتي القديم، وإنما يريد أن يصل بنا إلى نقطة مهمة تتمثل في الحقيقة التي مؤداها أن ما تم التخلي عنه منذ القرن السادس عشر هو بالتحديد المفاهيم السياسية القديمة التي لم تَعُدْ صالحة لظروف ومتغيرات العصر. فهذه المفاهيم لم يعُدْ لها نفس القوة والتماسك التي كانت تتمتع به في القرون السابقة، وقد أضحت عاجزة عن مواجهة التغيرات التي أحدثتها الثورات العلمية في القرن السابع عشر والثامن عشر. وإن النتيجة التي خلص إليها من فكرته حول العَلْمَنة هي أن يُعيد لمفاهيم السيادة والسلطة السياسية وغيرها من المفاهيم السياسية الحديثة نفس السمات والخصائص التي كانت تتمتع بها في القرون السابقة على العصر الحديث»([11]).

كذلك، فإن رؤية شميت للاهوت السياسي لا تعني أنه ينادي بأن يحكم رجال الدين في السياسة؛ على العكس من ذلك هو يدعو إلى تنحيتهم عن السياسة تمامًا، لأنهم إذا حكموا فإنهم يقومون بتسييس المجتمع. وبعبارة أخرى، لا ينبغي أن يُفهم من آراء شميت أنها محاولة لمزج الدين بالسياسة، فهو يستهدف فقط الكشف عن الأصول الدينية للمفاهيم السياسية الحديثة، والتأكيد على الانعكاسات اللاهوتية في السياسة وبأن هذا الانعكاس أساسي وجوهري.

خاتمة

نستنتج مما سبق أن جوهر نظرية شميت في اللاهوت السياسي تقوم على فكرة أن العلمانية لا تعني الفصل بين الدين والدولة، وإنما هي تعني حلول المفاهيم الدينية واللاهوتية في المفاهيم السياسية الإجرائية. ومن ثم، فإن المعايير السياسية والقانونية الوضعية الحديثة لا تتعارض مع المعايير الدينية واللاهوتية القديمة، بل هي انعكاس وترجمة لها في الأنساق السياسية والقانونية.

وبهذه الطريقة التي يربط بها شميت بين المفاهيم السياسية الحديثة والمفاهيم اللاهوتية القديمة، كانت العلمانية ذات أساس لاهوتي في نظره، وكان اللاهوت السياسي في نظره- وليس الفلسفة السياسية- هو الذي يُسير أفق السياسة في الدول القومية الحديثة.

 


 

[1] غوشيه، مارسيل: الدين في الديمقراطية، ترجمة: شفيق محسن، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007، ص. 66

[2] المرجع السابق، ص. 83

[3] ذهب لوك إلى أنه لا يحق لأية سلطة أيًّا كانت، أن تدّعي حق الحكم بواسطة مراسيم تعسفية مرتجلة، بل يتحتم عليها أن تقرّ العدالة، وتفصل في حقوق الناس، بِناءً على قوانين مسنونة قائمة (جون لوك: في الحكم المدني، ترجمة: ماجد فخري، بيروت: اللجنة الدولية لترجمة الروائع، 1959، ص. 220)

* يختلف "الرّبوبيّون" Deists عن "الملحدين" Atheists في أن الآخيرين يقولون بـعدم وجود إله للكون والإنسان. أما الربوبيون، فليسوا ملحدين، وإنما يؤمنون بفكرة وجود إله خالق عظيم، وبأن هذه الحقيقة يمكن الوصول إليها عن طريق العقل وحده، وملاحظة نظام الطبيعة وقوانينها. لكن الربوبيين يتفقون مع الملحدين في النزعة "اللادينية"؛ أي عدم التسليم بصحة أي دين، أو بصحة الكتب المقدسة، وبالمذاهب وبالعبادات الخاصة بدين معين موحي به، وبالتالي فلا حاجة بنا إلى حاخامات وقساوسة وشيوخ (وكل وكلاء الرب على الأرض).

[4] Schmitt, Carl: Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty, trans.: George Schwab, Foreword by: Tracy B. Strong, Chicago: The University of Chicago Press, 2005, P. 36-37

[5] Ibid, P. 37

[6] McMahon, Darrin M.: Enemies of the Enlightenment: The French Counter-Enlightenment and the Making of Modernity, Oxford, Oxford Univ. Press, 2001, P. 64

[7] Ibid, P. 195

[8] Schmitt: Political Theology, P. 36

[9] Loc. Cit

[10] Schwab, George: Introduction, in: Political Theology, xlii.

[11] Strong, Tracy B.: Foreword: The Sovereign and the Exception: Carl Schmitt, Politics, Theology, and Leadership, in: Political Theology, xxiv-xxv.