السرد الاستعماري-1

فئة :  مقالات

السرد الاستعماري-1

اهتم "جوزيف كونراد"، وهو كاتب إنجليزي من أصول بولونية، بدور الرجل الأبيض في المستعمرات الأفريقية والآسيوية، وهو دور تذرّع بمهمة تمدين "الشعوب البدائية" لكنه بالغ في استغلالها، ونهب ثرواتها، والتحكّم في مقادير حياتها. وطرق هذا الموضوع مرارا في رواياته، لكنه غاص فيه باثنتين من أشهرها؛ غوص البحّار العارف بما قامت به الإدارات الاستعمارية في تلك الأصقاع النائية، وهما "قلب الظلام" و"لورد جيم" بالشخصيتين الرئيستين فيهما: "كورتز" و"جيم"، وجعل من "مارلو" راويا مصاحبا للأحداث فيهما، وإذ انصبّ الاهتمام في الأولى على دور وكيل لتجارة العاج في حوض الكونغو، كان مدار اهتمام الثانية الشعور بالإثم من شبهة إغراق سفينة ضمّت نحوا من ثمانمئة حاجّ قصدوا مكة لأداء مناسكهم الدينية، ما جعل البحّارة البيض المسؤولين عن قيادة السفينة، وعددهم خمسة، بمن فيهم "جيم" يفلتون من العقاب المستحقّ عليهم بتهمة التقصير في مسؤوليتهم، فيتوارون عن الأنظار، وجرى الإسراف في وصف شعور جيم بتأنيب الضمير بوصفه رجلا أبيض وجب عليه تحمّل عبء الخطأ الذي اقترفه، بما لا يكافئ اقتراف خطأ كاد يأتي على أرواح المئات من الأبرياء الذين قصدوا بيت الله للتطهّر من آثامهم الدنيوية، فأوشكوا على الهلاك غرقا في طريقهم إليه.

وقبل الولوج إلى العالم السردي للروايتين، تنبغي الإشارة إلى شخصية "مارلو" فيهما، فهو الراوي المصاحب، والناطق بالأحكام، والعارف بالنوايا والهواجس، والبحّار الذي حنكته تجارب الترحال، وعاد يروي ما شاهد وعرِف، فراح يُطنب في وصف تجاربه البحرية، ويدرج فيها أحداثا مأثورة شهدها بنفسه، فـكان "يتناوب بين الهذر والفصاحة المذهلة"، وبسبب الإفاضة والتكرار "يترك شعورا حادّا بأن ما يقدّمه ليس تماما كما ينبغي أن يكون أو كما يبدو ظاهريا" كما خلص إدوارد سعيد إلى ذلك في كتابه "الثقافة والإمبريالية". وتكمن في شخصية مارلو مجمل خبرات كونراد بحّارا محترفا، وظلّت هذه الشخصية في تطور، وتحوّل، فلم تستقرّ على حال؛ فبعد سلسلة من التخبّطات في ابتكار شخصية أصيلة اشتقّ كونراد هذه الشخصية التي تفعل وتروي في وقت واحد، وهي ذاته البديلة، وبها استطاع "أن يسرد الأحداث، ويتأمّل فيها"، فاتّخذت صورتها الواضحة في رواية "قلب الظلام"، ثم استوفت شروطها السردية في رواية "لورد جيم". ومن خضمّ تجارب مارلو في أعالي البحار انبثقت أهم شخصيتين ابتكرهما كونراد في حياته كاتبا، وهما "كورتز" و"جيم".

استعان مارلو بالسرد التفسيري لكشف أحداث الماضي مستخدما ضمير المتكلّم، وأحاط ببناء شخصيتي كورتز وجيم بكثير من التفسيرات التي تعترض مسار الأحداث، وتعيقها، وهو مولع بالتعليق على الأحداث المستعادة، فيبطئ في إيقاعها، أو يزيد في توسّعها، لكنّ تعليقاته تلقي الضوء على الأبعاد الخفيّة للشخصيات التي يروي تجاربها بكثير من الاهتمام، وهو يزاحمها بالانصراف للحديث عن نفسه، وبيان انطباعاته، وشرح آرائه، فلا يمكن فصله عن الشخصيات التي يروي تجاربها، باعتباره شاهدا على أفعالها، أو عارفا بأسرارها، أو متعاطفا معها. ولم يكن كونراد قادرا على الدفع بمارلو إلى الوراء، ومباشرة الحكاية براو مستتر، أو قليل الفضول، فمنح الفرصة لقرينه كي يروي قصصا مستعادة جرت في زمن مضى من تاريخ الإمبراطورية المجيد.

تناثرت آراء مارلو في الروايتين حول الأعمال الجليلة التي قام بها رجال بيض فيما وراء البحار، وأورد بعض تجاربهم بعيدا عن الوطن؛ فانقطاع مارلو عن اليابسة هو المكافئ السردي لعدم وجود وطن له عليها، وتلك كناية عن حال كونراد نفسه. وعلى الرغم من ذلك لم تخل أحكامه عن الآسيويين والأفارقة من الانتقاص الذي يوافق الرؤية الاستعمارية التي تشبّع بها. وما بخل مارلو في دسّ مزيد من القصص الاعتراضية في سياق روايتيه بهدف الإعلاء من شأن كورتز وجيم، وإطراء كبريائهما، فهما النموذج الأرفع للأوربيين الذين استوطّنوا بلاد الآخرين، وامتلكوا الجزر وما عليها، بما في ذلك المزارع وفلاحيها، والسفن وبحّارتها، وحازوا هيبة استثنائية بقوة الإمبراطوريات الحامية لمصالحها التجارية، والحال، فكتابة كونراد تترحّل بين الأقاليم، وتطوف بين القارات، ولا تلبث في مكان واحد ما يكشف الحضور الإمبراطوري في العالم الذي لم يعجبه في كثير من الأحيان. وقد لفت ذلك انتباه "إدوارد سعيد" فرأى فيها مثالا دالا على "جوّ الانخلاع وعدم الاستقرار والغربة الذي لا مجال للخطأ فيه. فما مِن أحد أمكنه أن يمثّل مصير الضياع، وفقدان الوجهة، بأفضل مما فعل"، فهو صاحب نبرة متفرّدة بين أقرانه الروائيين "وما مِن أحد مِثله كتب عن أوضاع غريبة ومتطرّفة، وما من أحد حقّق تلك الآثار الكابوسية والمُقلقة كالتي حقّقتها كتُبه".

استعان مارلو بالسرد التفسيري لكشف أحداث الماضي مستخدما ضمير المتكلّم، وأحاط ببناء شخصيتي كورتز وجيم بكثير من التفسيرات التي تعترض مسار الأحداث وتعيقها

ظهر "كورتز" وكيلا تجاريا للعاج في رواية "قلب الظلام"، ومع أنه تقمّص دور داعية لتمدين "القبائل البدائية" في قلب أفريقيا، إلا أنه مارس الترويع ضدّها حتى انتهى به الأمر معبودا لها؛ فالخوف يفضي إلى الإيمان. ويمثّل كورتز خلاصة الدور الأوربي في غزو القارة السمراء بحجّة تحديثها، ولهذا نُثرت أوصافه في تضاعيف الرواية بما يؤكد قصد كونراد منه رمزا للرجل الأبيض حامل مشعل التنوير، وقد أخفى طمعه خلف رسالة حضارية، فهو "رسول الشفقة، والعلم، والتقدّم"، وكان "عبقريا عالميا"، وهو "الشبح المطّلع على الأسرار"، و"أوربا بكاملها ساهمت في صنعه"، ولأنه "أشبه بوحش غريب غامض مخيف لا يشفى غليله"، فقد أرغم القبائل أن تأتي إليه زحفا على بطونها، ولمزيد من ترويعها علّق رؤوس المتمردين على الأعمدة تحت نوافذ منزله، وجعل من الجماجم قلائد تحيط بداره، وما لبث أن فرض سلطته على المجتمعات القبلية في حوض نهر الكونغو، فرحلة كورتز من الشمال إلى الجنوب تستّرت بغطاء ديني وثقافي، لكنها تغذّت على الطمع بالعاج الذي تولّى جمعه، وشحنه إلى أوربا.

من الصحيح أن رواية "قلب الظلام" شُغلت بوصف رحلة مارلو من أوروبا إلى أفريقيا في قيادة سفينة باتجاه الكونغو، واتّخاذها النهر طريقا للوصول إلى شركة الاتجار في العاج، حيث يعمل كورتز فيها وكيلا، وخلال الارتحال الطويل اتضحت أحوال الناس على ضفتي النهر، غير أنّ هذا لا يشكل سوى الإطار الذي بالغ مارلو في الاستفاضة به، فلبّ الرواية شخصية كورتز التي كلما اقترب القارئ من معرفتها حُجبت وراء كثير من الأستار الدينية والثقافية والتجارية؛ فالشخصية الاستعمارية تتلوّن بحسب الظروف التي تحيط بها، وحينما بلغ مارلو مقرّ شركة العاج تكشّفت له الجوانب المتناقضة لشخصية كورتز، ومنها شخصية الأوروبي الذي ارتقى مرتبته البشرية، فأصبح موضوعا للتأليه في مجتمعات أرغمها على الطاعة بالترهيب بدعوى تخليصها من ضلالها وتوحّشها، ولم تغب عن النظر قسوة سلوكه، وجشعه باكتناز العاج، وتنكيله بالمعارضين له، وفي تلك الفيافي لاقي كورتز حتفه.

لفتتْ معالجة كونراد للظاهرة الاستعمارية انتباه "إلبرتو مورافيا" الذي رحل إلى أفريقيا، واصطحب معه مذكّرات كونراد، وشرع يقرأها في أثناء إبحار السفينة في نهر الكونغو، ووجدها "مذكّرات مليئة بتفاصيل تقنية يبتعد فيها عن الانفعال بشكل مدروس، وفيها يتحدّث الكاتب إلى نفسه بضمير المفرد، وبأسلوب تربوي صرف"، فكان يصرف نظره عن تلك المذكّرات الجافة، بين وقت ووقت، وينظر إلى النهر، فيرى التباين بين جفاف أسلوب الكتاب وجمال منظر النهر، ورأى أنها ورواية "قلب الظلام" وحدة لا تتجزّأ، فالأولى تكمل الثانية، مع أن الموضوع، وهو النهر بأعماقه، وامتداده، وضفافه، ودوّاماته، يسيطر على المذكّرات، فيما تسيطر الذات بمشاكلها المتعلّقة بالحضارة التي ينتمي كونراد إليها على الرواية، فقد وجد أنّ الموضوع، وهو النهر، والذات، وهي كونراد، يذوبان في نهاية المطاف في كلّ واحد، لكنّ الذات تتسامى على الموضوع، فالمادة الأدبية في الرواية، وهي الاستعمار، تنزلق من رقابة الكاتب، ويعود ذلك إلى أن كونراد لم يبلور تصوّرا واضحا عن الآفاق التاريخية والاجتماعية للاستعمار في نهاية القرن التاسع عشر، لسببين: كونه عضوا في المجتمع الاستعماري الذي أرسى دعائم التجربة الاستعمارية في العالم، ولأن ذلك المجتمع كان يروق له، كشخص محافظ، أكثر من أي مجتمع آخر.

رسم "إدوارد سعيد" حدود الكتابة السردية عند كونراد، وقوامها حكاية ملفّقة، أو تقرير تاريخي، أو خرافة متداولة، أو استعادة ذكرى نابضة بالحياة، واقتضت هذه الحدود تداول المادة الحكائية بين متحدّث، هو مارلو، ومستمعين في إطار سياق يوفّر هذه المداولة بين الإخبار والإصغاء اللذين هما أساس الحكاية لديه، فتبدو الحكاية، وكأنها منقولة شفويا من طرف مارلو لمستمعين من معارفه، وهو يسترسل في إيراد تفاصيلها، وهم يصغون إليه، وهو يجوب بهم راويا في أصقاع العالم البعيد باستمتاع وزهو يكشفان عن تجاربه وخبراته. وحرص مارلو على دمج صوتي كورتز وجيم في سياق حديثه الاستعادي، وأفسح لهما الفرصة للكلام كلّما اقتضى الحال، لكنه هيمن على السرد بشكل شبه مطلق، فحضوره فاق حضورهما، ونبرة صوته ثابتة، وظهوره واضح، فيما توارى مستمعوه من المشهد فاسحين لروايته الاسترسال المغرم به، وعلى هذا فقوام روايات كونراد تبادل المواضع بين الحضور والغياب في اللغة، فحضور الكلمات المنطوقة في الوقت المناسب يخفّف من وطأة نسختها المكتوبة، إن لم يعمل على تغييبها نهائيا، فثمة متكلّم يتوالى السرد بصوته في الوقت الذي يطغى صوته على حقيقة غيابه عن مستمعيه إبان كلامه.