المعرفة الميتافيزيقية: من انغلاقية التحليل إلى انفتاحية الحدس عند "برجسون"

فئة :  مقالات

المعرفة الميتافيزيقية:  من انغلاقية التحليل إلى انفتاحية الحدس عند "برجسون"

المعرفة الميتافيزيقية:

من انغلاقية التحليل إلى انفتاحية الحدس عند "برجسون"

ساكو زهير

تحصّل الذات المعرفة وفق عمليات ذهنية معقدة ومتشابكة، ليس من السهل الكشف عن طبيعة المحددات المشكلة لها؛ وذلك لأن الذات وحدة كلية تحتوي في ماهيتها الكثير من الخاصيات المتداخلة: كالتفكير، والشعور، والتذكر...، ثم القدرة على حدس أشياء العالم باستحضار ماهيتها أمام الوعي كما هي، وبشكل مباشر. إضافة إلى قدرتها على إدراك البعد الزمني المُلَمْلِم لشتات تغير صفات هذه الأشياء الكيفية، والذي يعدّ الضامن لاستجلاء عمقها وكنهها. فكيف يتم للذات، حسب "هنري برجسون" Henri Bergson، إنجاز معرفة حول موضوعات ذات طبيعة زمنية لا مجال لتصورها مكانيا دون السقوط في الأخطاء؟

يعتبر "برجسون" المعرفة بناءً شاقا ومحفوفا بالمخاطر، مصدرها الأساس هو الحدس باتخاذه منهجا حيويا روحيا ينسجم تمام الانسجام وطبيعة القضايا الميتافيزيقية. وينْصب على المعنى الجوهري لمفهوم الديمومة الباطنة، والتي تفيد، حسب الرجل، تلك الزمنية التي لا انقطاع ولا انفصال في ما بين عناصرها. إنها استمرار دائم على مستوى الذات، كما على مستوى نموها العميق. فالحدس، بهذا المعنى يدرك الشيء في تسلسل مستمر لمظاهره ولكيفياته. إذ بهذا التسلسل تعيش الذات نموا وتراكما من داخلها وليس خارجها، وهو نمو لا يعرف أي توقف أو انفصال، بل استمرار دائم بزمان الديمومة، الذي يعد جوهر وروح الحياة على وجه الخصوص. هكذا، فما ينبغي علينا فهمه هنا، هو أن الزمان دوام واستمرار، تقدم الماضي الذي تتزايد أحداثه شيئا فشيئا، إلى أن يتضخم فيكوّن المستقبل. فماضي الحياة، بهذا المعنى، يبقى ولا يضيع منه شيئ.

وبما أن الزمان عبارة عن تراكم الصور التي مرت على الوجود، فلا محالة أن المستقبل سيكون مختلفا عن الماضي، ولا يمكن أن يشابهه في أي شيء. لأن في كل خطوة من خطوات الديمومة زيادة تضاف إلى ذلك التراكم، وفي كل آنٍ من آنات الزمان ينشأ شيء جديد غير متوقع، يفاجئ الذات، حيث تكون هذه الأخيرة في تغير دائم وصيرورة متواصلة لا انقطاع فيها. ولعل في فلسفة "برجسون" الكثير من الأمثلة، التي تعبر حق التعبير، عن ذلك اللامتوقع في الحياة، والذي قد يكون حاملا لغرابة أمام أعيننا، يقول في كتابه «الضحك» على أن هذا الأخير: "يكبر ويتسع، فهو ينتقل من هيئة إلى أخرى، وذلك عن طريق التدرج، إنه يتحول تحولات غريبة... لن نحتقر كل ما سنراه، ربما سوف نربح من هذا الاتصال شيئا ليّنًا، أفضل من تعريف نظري، إنها معرفة علمية وحميمية، كالتي تتولد نتيجة صداقة قديمة"[1].

وعليه، فالمعنى المقصود بالربح في هذا المثال، كامن في أن دعائمه ضاربة بجذورها في عمق الحدس، والذي عبره تدرك الذات أشياء خصبة، ومرنة، قد تفهمها، وتعيش عليها، لكن من دون القدرة على إخراجها في تعريف نظري إلى حيز الوجود. اعتبارا لذلك، نقول إن الحدس: هو كيان يخلق علاقات مباشرة لا وسائط فيها مع الروح ومع الحياة. كما تغيب كل التجليات والمفاهيم التي تتخذ من الخصائص المكانية مسرحا لها؛ زد على ذلك اللغة هي الأخرى غير قادرة، بكل نفوذها، أن تعبر عن هذه العلاقات المباشرة.

من هنا، فعوض أن تكون حالات الوعي متجاورة juxtaposition مع غيرها من الحالات، ستكون بإزاء استمرارٍ غير قابل للقسمة؛ وذلك لأن من طبيعته الأصالة والجوهرية. لكن لما اكتشفنا مع "برجسون" أصالة هذه المعرفة الحدسية، ظهر لنا كيف أن المذاهب والأنساق الفلسفية التقليدية غافلة لطبيعة الوعي الحدسية هذه. من زاوية أخرى وباتصال متجدد مع فكر الفيلسوف، يمكن أن يفضي بنا عن طريق تشبعنا التدريجي به، إلى إحساس مختلف كليا، يقول برجسون: "أنا لا أقول إن المقارنة التي أنجزناها كانت مضيعة للوقت، فبدون ذلك المجهود القبلي الساعي إلى إعادة تركيب فلسفة معينة مع ما ليس هي، والهادف إلى ربطها مع ما كان قبلها، لا يمكن التوصل أبدا إلى ما يشكل حقيقتها، فالفكر الإنساني مكون هكذا: لا يبدأ بفهم الجديد إلا ببذل كل ما في وسعه من أجل رده إلى القديم. ولكن بقدر ما نبحث عن المزيد من الاستقرار في فكر فيلسوف معين، عوض القيام باستعراضه، بقدر ما نرى مذهبه يتجلى لنا ويدخل أجزاؤه بعضها في بعض. وهكذا يلتئم الكل في النهاية، في نقطة وحيدة نحس معا أنه يمكن لنا الاقتراب منها أكثر فأكثر، بالرغم من اليأس الذي يصيبنا من جراء السعي إلى الوصول إليها[2]".

معنى ذلك، أن هذه النقطة التي تمثل وحدة هذا الكل الذي نحس وكأننا على وشك القبض عليه، معها يوجد شيء بسيط، في غاية البساط، وعلى حد تعبير الرجل، يشكل طابع خارق للعادة. وإلى درجة أنه من الصعب التعبير عنه. "ولذلك... لم يكن بإمكانه أن يصوغ ما كان في ذهنه بدون أن يشعر بأنه ملزم بتصحيح تصحيحه. وهكذا، ومن نظرية إلى أخرى، وبينما هو يصحح نفسه معتقا بأنه يكملها، لم يفعل سوى إنتاج بساطة حدسه الأصلي بشكل تقريبي وتصاعدي، عن طريق تعقيد يستدعي تعقيدا آخر وبتفاصيل مضافة إلى أخرى[3]". هكذا، فكل تعقيد قد يشوب مذهب الفيلسوف، حيث هو تعقيد سائر فيما لا نهاية، يكون غير قابل للقياس incommensurabilité بين حدسه البسيط والأصيل، وبين الرسائل التي كان يتوفر عليها من أجل التعبير عنها. يتساءل "برجسون" عن طبيعة هذا الحدس؟ طبيعته صابونية المعنى، ونسيجه منزلق الدلالة، فإذا لم يتمكن الفيلسوف من أن يعطي صياغة له، فلن يستطيع الإنسان العادي أن يقوم بذلك.

لكن ما يقدره هذا الأخير من الفهم، هو ضبط هذا الحدس في صورة معينة، هي بمثابة حلقة وسطى، بين بساطة الحدس الملموس وتعقيد التجريدات التي تترجمه. والحال، إنها صورة منفلتة، تسكن أذهاننا من دون أن ندركها. فهذه الصورة: "إن لم تكن الحدس نفسه، فهي قريبة منه أكثر مقارنة مع التعبير المفهومي، والذي هو رمزي بفعل الضرورة، يلجأ الحدس إليه من أجل إعطاء تفسيرات. لنتأمل على سبيل المثال، الظل: سنهتدي إلى وضع الجسم الذي يعكسه، وإذا بذلنا جهدا من أجل محاكاة ذلك الوضع، أو إذا نجحنا في أن ندخل أنفسنا فيه، فإننا سنرى وبقدر الإمكان، ما رآه الفيلسوف. إن ما يميز تلك الصورة هو قوة السلب الذي تحمله في ذاتها[4]".

يشير "برجسون" هنا، إلى مثال جيني سقراط Le démon de Socrat الذي كان يتصرف وفق إيقاف إرادة الفيلسوف في لحظة معينة، لم يكن يملي عليه ما كان أن يفعل، بل كان بالأحرى يمنعه من الفعل، من هنا يبزغ قول "برجسون" التالي: "يبدو لي أن الحدس يتصرف فيما يتعلق بالتأمل تماما، مثل جيني سقراط، في الحياة العملية، أو على الأقل هكذا يبدأ، وعلى هذه الشاكلة أيضا سيستمر في الظهور والتجليات الأكثر وضوحا، إنه يمنع"[5].

هكذا يبدو، أن هناك أفكارا جمة شاع قبولها لدى الجميع، وقضايا تظهر بديهية، وأقوال كانت تقدم على أنها علمية، يهمس الحدس في أذن الفيلسوف: غير ممكن، غير ممكن، مع أن الوقائع والتبريرات يبدو وكأنها تدعوك إلى أن تظن بأن ذلك الأمر ممكن وواقعي وأكيد. لكن "برجسون" يرى أن ذلك غير ممكن؛ لأن تجربة معينة، ربما غامضة ولكنها حاسمة ستقر، لا محالة، أنها غير متوافقة مع الوقائع المزعومة والتعليلات المقدمة. كما قد نلاحظ أن تلك الوقائع لم تتم ملاحظتها بشكل جيد، وبأن تلك التبريرات خاطئة. كل ذلك، وعلى حد تعبير الرجل، نظرا لفرادة القوة السالبة لذلك الحدس والمحايثة لصورته. من هنا، فبمجرد ما تغادر الذات منحى فكرها كي تقتفي أثر الخيط الناظم، تصبح خارج نفسها، حيث ستعود إليها ما لم يعد إليها الحدس.

نتساءل الآن عن الأساس الجوهري الذي يتم من خلاله ذلك؟ للإجابة عن هذا السؤال نستطيع القول إن العلم بمنهجه التحليلي يسهل عليه القبض عن أصل الموجودات المادية، لكن فيما يخص الشعور، باعتباره هو الأساس الجوهري للحياة، يعجز هذا العلم. فمن أين يأتي هذا الشعور؟ ما طبيعته؟ هل نستطيع إدراكه وقياسه بالزمان الفيزيائي؟ كل هذه الأسئلة هي من طبيعة فلسفية؛ لأن ما تشتغل فيه مفتوح على الكيف، والزمن، والتوتر، والاستمرار الدائم المتغير بالصيرورة.

لذلك، نجد "برجسون"، يسدد ضربات قوية وعنيفة، بل نكران دور العلم في تحديد الطبيعة النهائية للأشياء؛ وأيضا قصوره في معرفة الروح، إذ يمكن للفلسفة أن توظف مفاهيم العلم أو ما يسميها "برجسون" بمعطيات درس المادة في رسم معالم التجربة الشعورية بعيدا عن أفعال المادة. فالشعور[6] هو المبدأ الأساس في الحياة الروحية الخالصة، والتي تختلف بالضرورة عن السلوكيات الآلية التي تحتكم للتغيرات الخارجية، بيد أن عالم الشعور يخضع لتغير وخلق ذاتي مستمر، مما يؤدي إلى انبثاق صراعات متعددة لثنائيات أخرى متداخلة مضمونا، ومتباعدة منهجا وفهما، ثنائيات: كالفلسفة والعلم، الديمومة والمكان، الكم والكيف.

يسعى "برجسون" من خلال ذلك، إلى إبراز أوجه الاختلاف والتباين فيما بينها، حيث صياغة أطروحات إشكالية جديدة تحاول القطع مع كل الفلسفات التي شكلت في صميمها، مذاهب وأنساق. فهذه الأطروحات الجديدة تتأسس على المنهج الحدسي في البحث عن المعاني المتراكمة، والدلالات المضمرة للواقع. فهذا المنهج يتأسس حسب "دولوز"، في خلق المشكلات وإبداعها أكثر من حلها. لهذا، انصب اهتمام "برجسون" واقعيا بطرح المشكلات ومسائل الحياة طرحا صحيحا.

من هنا، تنكشف لنا رؤية "برجسون"، الكامنة في محاولة توجيه السؤال عن الوجود، وتغيير سياق البحث كله، من تلك الرؤية العلمية المؤلِهة لدور العقل في فهم ظواهر وعمق أشياء الحياة، إلى معرفة حدسية تسعى لجعل الأنا العميق هو الحامل للمعاني الفعلية للوجود. كما اعتباره المحرك الحق للحياة. فبقدر ما نحاول فهم هذه الأخيرة، بأنها ذاك الاتصال الزمني المستمر، والذي تُدرَك معانيه بالحدس، بقدر ما نستطيع إدراكها ك: "تنوع على مستوى الصفات، استمرارية في التقدم، وحدة في التوجه؛ إذ لا يمكننا التعبير بواسطة الصور، لكن نعبر عنها بواسطة الأفكار المجردة العامة أو البسيطة. فبدون شك أية صورة من هذه الصور لن تعكس الإحساس الحقيقي الذي أحس، لكن ليس من الضروري أن أقوم بعكس هذا الإحساس[7]". إذن، فالذي لن يستطيع البتة إعطاء نفسه حدس الديمومة المكونة لذاته، لن يتمكن بأية طريقة أخرى؛ حتى ولو بالمفاهيم والتصورات. فالهدف الحقيقي للفيلسوف، من وجهة نظر "برجسون"، يجب أن يكون هو تهييج العمل الذي يحاول أغلب الناس كبحه، كما تلك العادات الروحانية[8] المفيدة للحياة، والتي غالبا ما تتعرض للكبت والانحصار. هكذا، "فأي تصور كيفما كان لن يعوض حدس الديمومة، لكن مجموعة من التصورات المتنوعة والمستعارة من أشياء مختلفة، والتي سيمكنها في طريق تداخلها فيما بينها أن تقود وعينا إلى النقطة التي يوجد فيها نوع من الحدس[9]"، والذي يقوم على أساس التجربة، سواء كانت داخلية أو خارجية. فالحدس قد يكون، لا محالة، وحده الكفيل بتحقيق درجة من الموضوعية للفلسفة، عكس العلم الغارق في التصورات والقوالب الجامدة. هنا يبدو واضحا دفاع "برجسون" عن الفلسفة من خلال إثبات أن الوعي والحياة هما منبعًا للحدس، ولزمن الديمومة.

وبالتالي فهما غير قابلان لأي اختزال أو حصر، يقول: "بقدر ما أن الأفكار المجردة تمكننا من التحليل، أي لدراسة علمية للشيء، في علاقته مع الأشياء الأخرى، بقدر ما هي عاجزة عن تعويض الحدس[10]"؛ وذلك يعني أن هذه الأفكار المجردة، سوف لن تستطيع الخوض في الأغوار والأسرار الميتافيزيائية، لجوهر وخصائص العالم.

من جهة أخرى، ونتيجة لذلك، فهذه المفاهيم لن تعطينا أبدا إلا إعادة تشكيل اصطناعي لهذا العالم، حيث لا يمكنها أن تعبر إلا عن بعض المظاهر العامة. فهي إذن تكرس صعوبة الوصول إلى حقيقة ومغزى الحياة الداخلية، التي لا نستطع إدراك دلالاتها، حسب "برجسون"، إلا بواسطة الحدس، وهذه الدلالات والمعاني تكون مطلقة، لا نسبية. كما ينطبق على المعارف الخارجية والسطحية التي تخوض فيها العلوم، عن طريق مبدأها التحليلي، إضافة إلى الرموز اللفظية التي ترتكز عليها من أجل التعبير عن هذه المعارف.

من هنا، فهذا المنطلق لمغزى العالم هو مرتبط بملكة الحدس، ولعل ذلك ما اتضح بالملموس في قوله: "إن الحدس هو ذلك الإحساس بالتعاطف sympathie الذي يسمح لنا بالدخول إلى عمق الأشياء، بهدف معرفة جوهرها وتفردها التي يصعب التعبير عنها".[11]

على غرار ذلك، ينكشف الاعتراض البرجسوني للمفاهيم المجردة، والتي تسقطنا في أوهام قد نتخذها حقائق عن الواقع؛ فهي تجري مجرى التعميم، أكثر مما تهدف إلى تجريد واقع الحياة. وعلى ذكر التجريد، بالنسبة إلى "برجسون"، فهو من خصائص الميتافيزيقا التي هي ذلك الانشغال الجدي للذات. ومنه ضرورة أن تتعالى على المفاهيم حتى تتوصل إلى الحدس الذي هو منبع زمن ديمومة الحياة. وبالتالي، يمكنها أن تثبت كيانها، لكن شريطة التجاوز المستمر للمفهوم، وخلق مفاهيم أخرى جد مختلفة، يجب أن تكون فيها حيوية الحياة سارية، وانطباعات مرنة ومتحركة، دائما مستعدة لأن تدور على الأشكال الهاربة للحدس، لكن "حتى إذا كان يكفينا لكي نبين أن ديمومتنا يمكن أن تقدم لنا بشكل مباشر في حدس ما، أو حتى إذا كان هذا الحدس سيقترح علينا بشكل غير مباشر عن طريق صور، فإننا لن نتعرف على هذا الحدس إلا إذا تركنا لكلمة المفهوم معناها الحقيقي، حيث أنه سينغلق في تمثل مفاهيمي"[12].

وعليه، تكون الديمومة ذات وحدة متحركة ومتغيرة قابلة للتعدد، حية، لا تشبه قط الوحدة المجردة غير المتحركة. إنها فارغة من أيّ معنى. هكذا، يجب أن نفهم بأن الديمومة تُعرف انطلاقا من الوحدة والتعدد معا؛ وذلك بغية محاكاة الحدس البسيط الذي هو جوهرها ونسيجها الممثل للحياة عموما. فهو في صميمه استغناء عن تلك المفاهيم المجردة، والرموز الجافة. إنه إدراك مباشر للواقع، له ميزة لا تشاركه فيها أية ملكة أخرى، فهو وحدة تلك التجربة الميتافيزيقية التي معها تنكشف لنا ذواتنا، فندرك المطلق من دواخلنا. والواقع، إن الشعور بالذات هو تجربة ميتافيزيقية أولية ننفذ عبرها إلى باطن الكون في عين اللحظة التي فيها ننفذ إلى ذواتنا.

بذلك، قد نقول إن الديمومة تتفرق إلى وجهين؛ الأول تكون فيه المفاهيم خارجة عن وجهة نظرنا، ولن تستطع بها البتة أن تقتحم أغوارها، والوجه الثاني يكمن في أن الغوص في أعماق الديمومة لا يكون إلا عن طريق الحدس. وفي هذا الصدد، فمعرفة خارجية مطلقة للديمومة بواسطة الذات تكون ممكنة، وعلى ذلك تقدر الميتافيزيقيا هنا أن تحصل على الحدس، ولن تكون في حاجة أبدا إلى التحليل. بهذا إذن، قد يتضح قول "برجسون" التالي: "يبدو لي... بأن الميتافيزيقيا تسعى في هذه الآونة إلى تبسيط نفسها، وإلى أن تقترب أكثر من الحياة، أظن أنها على حق، وبأننا يجب أن نشتغل جميعا في هذا الاتجاه. ومع ذلك، فإننا لن نقوم بعمل ثوري، فنحن سنكتفي بإعطاء الصيغة الأكثر ملائمة لما هو مضمون الفلسفة. أقصد الفلسفة التي تمتلك وعيا تاما بوظيفتها وبوجهتها؛ لأن صعوبة الحرف، لا ينبغي أن تجعلنا نغفل بساطة الفكر".[13]

وفي هذا السياق، قد نجد ونحن بصدد قراءة الفصل الرابع L’intuition Philosophique من كتاب "برجسون" la pensée et le mouvant، أنه يشير ويتحدث عن مفهوم البساطة، حيث ينقشع على مستوى أذهاننا لأول وهلة السؤال التالي: أيمكن القول حسب ذلك، إن فلسفة "برجسون" حول الحياة، هي فلسفة السهولة؟

الجواب طبعا سيكون بالنفي، فرغم دعوة الرجل إلى البساطة، والزعم بخصائص ومميزات الحدس، إلا أنه يجب أن نعي بالفرق العظيم بين مفهوم البساطة والسهولة، وبين النظر السطحي العابث للحدس الباطن والعميق، والذي عن طريقه تولد حقائق ومعاني الحياة. يقول برجسون: "إن ماهية الفلسفة هي روح البساطة[14]". لكن هذه البساطة في الحياة، تكون بجهد شاق، وتركيز ذهني حاد، ومحاولة صراعية من أجل الغوص في أعماق ونواة واقع هذه الحياة. من هنا، يتضح سبب رفض "برجسون" إلى تلك النزعات التصورية، والآراء الميكانيكية التي ترتكن إلى الكسل والتراخي في تفسيرها العالم، ولا تستعين إلا بتصورات جاهزة، وأفكار تامة معدة من ذي قبل.

استنادا إلى ما سبق، نستطيع القول إن الحدس البرجسوني هو طريقة عسيرة في التفكير، بل هو جهد شاق يستلزم استعدادا عقليا سابقا. ولذلك حرص "برجسون" نفسه على أن يؤكد أن حدسه هو أقرب إلى التفكير réflexion منه إلى العاطفة[15]، إذ أساسه تحليل وقائع ودراسة الحياة، بهدف تحقيق نتائج مطلقة. هكذا إذن، تكون المعرفة الحدسية مجرى وينبوع الزمن المبدع للحياة، والذي بواسطته نقوم بتلك العملية الشاقة التي فيها تعود النفس إلى ذاتها، وتنعكس على حياتها الباطنية. وذلك بهدف إدراك ديمومتها، والنفاذ إلى صميم كيانها الروحي.

على غرار هذا المعنى، نجد "برجسون" يقر، بأن الوظيفة الرئيسة للحدس، إنما تتمثل في هذا الإدراك المباشر للروح بالروح. مما جعله مشكّلا ومقعّدا لميتافيزيقيا إيجابية، قوامها تقرير واقعة الحرية وإثبات حقيقة هذه الروح. كما تفسير ظاهرة الخلق، والكشف عن مبدأ الفعل والمحبة في الوجود. لكن بواسطة الامتثال لفلسفة تجريبية تكاملية تعبر عن مختلف أنواع مظاهر احتكاكنا وعلاقتنا بالواقع. فالتجربة عند "برجسون" هي الأصل في نزعته الحدسية؛ لأن الحدس هو خاصية من خصائص الاحتكاك بالواقع؛ "لأن أي وجود كائنا ما كان إنما ينكشف لنا من خلال التجربة، وهذه التجربة تتخذ صورة عيان أو ملامسة، أو إدراك خارجي على العموم، حينما نكون بصدد موضوع خارجي، وإما حينما نكون بصدد الروح أو الذهن نفسه لأنها تتخذ صورة حدس"[16].

ولكن كيف يمكن أن نفسر من جهة أخرى، ذلك الخلط البارز والواضح في العلوم بين التحليل والحدس؟ إنه إشكال خلق نقاشات ساخنة بين المدارس والمذاهب، وصراعات حامية الوطيس داخل التيارات والأنساق. نتيجة لهذا، أيضا علم النفس ذاته، يستند على التحليل كباقي العلوم الأخرى، والذي سيقوم بتحليل الأنا المعطى له في صورة حدس بسيط، عبر أحاسيس وعواطف وتمثلات... إلخ. فعلم النفس هذا، يدرس الحدس كتفريق لمعانيه، ويعوض الأنا بسلسلة من العناصر التي تنحو إلى ما هو سيكولوجي. فالمشكل هنا، يتجلى من خلال اعتبار هذه العناصر أجزاء مشكلة للشخصية الإنسانية، ومما لا شك فيه أن حالة سيكولوجية لوحدها، ولشخص ما تعكس كل شخصيته. لذا، "فلا يوجد هناك إحساس، ولو كان بسيطا، لا يحمل في طياته، ولو افتراضيا، الماضي والحاضر للفرد الذي يحسه، والذي يمكن له أن يقترب منه ليكون حالة عبر التجريد وليس التحليل"[17]، حيث يخول لعالم النفس ذلك، حينما يريد أن ينزل حالة سيكولوجية وحصرها على شكل أجزاء مستقلة. لكن السؤال المطروح، هو على ماذا يرتكز السيكولوجي في هذه العملية؟ فهو يبدأ أولا بتجاهل كل ما هو خاص بالنسبة إلى الشخص، والذي لا يعرف كيف يعبر عما هو معروف ومشترك، وبعد ذلك يحاول أن يعزل في الشخص مظهرا من مظاهره. من هنا، فعالم النفس يترك جانبا الفوارق، غير المعبرة للشخصية.

هكذا فالسيكولوجي حينما يستخلص حالة نفسية من شخصية الشخص بكاملها، فهو بهذا يجعلها حالة معزولة، مثلها مثل ذلك التصميم الأولي الذي يقوم به مهندس البناء. وعلى ذلك، فهو يصور الحياة في شكل اصطناعي ثابت خال من حدس زمن الديمومة المبدعة، والتي هي العمود الفقري لحياة الإنسان.

يتبين إذن، أن السيكولوجي هنا لم ينهج منهج طبيعة المعرفة الحدسية، بقدر ما اكتفى بالأداة التي يستعملها العلماء في مجال الطبيعة، إنها أداة التحليل. لذلك، فالحدس هنا يصدر بزمنيته الكيفية، والخالصة من شوائب المكان، كما يصدر الماء من الينبوع، حيث لن نستطيع البتة إيقافه وتثبيته. إن الحدس بهذا يشكل الكل في جوهره التعددي الكلي، حيث يرى "برجسون" أن: "علماء النفس ظلوا ميتافيزيقيين النتيجة موضوع الدراسة الذي يقترحونه، فهم يريدون حدسا دون نتيجة، وبشكل غريب يريدون هذا الحدس للتحليل الذي هو نفي للحدس"[18].

ما يفهم من ذلك، من ناحية "برجسون" نفسه، أن هؤلاء السيكولوجين يبحثون عن الأنا، ويدعون أنهم وجدوها في الحالات النفسية لحياة الإنسان. في حين ليس في المستطاع الحصول على هذه الحالات المتعددة والسيكولوجية التي نضعها خارج الأنا، وقد نشير، من وجهة نظر أخرى، وانطلاقا مما سلف، أن الفلسفة التجريبية يحصر وجودها "برجسون"، باتخاذها نتيجة الخلط الذي حصل بين الحدس والتحليل.

لهذا، جاءت فلسفته لتحدث ثورة مفاهيمية على مستوى وقائع وظواهر الحياة؛ وذلك بإعادة صياغة بعض المفاهيم الوجودية وتحديد إطارها العام كالقيم والحرية، الصيرورة والثبات، الكم والكيف، المادة والروح، المكان والزمان، الوجود والماهية وغيرها؛ وذلك باعتبارها مفاهيم تنطوي تحت التمايز الذي يقيمه "برجسون" بين مجال بحث كل من الفلسفة والعلم.

فإن كان العلم يبتغي طريق التحليل والتركيب مؤلها دور العقل في بلوغ الحقيقة وفي تحديد طبيعة الأشياء المادية والروحية على حد سواء، فإن "برجسون" يبوئ للحدس مكانة الأداة الفعلية في إدراك مصير وحقائق الحياة، والكشف عن بواطن الذات. هكذا، فإشكالية العلاقة بين الحدس والتحليل تحمل في طياتها حدود السؤال الدولوزي حول الحدس كمنهج فلسفي قادر على مجاراة أكثر المناهج الفلسفية. كما قدرته على إدراك وتوصيف العلاقة بين الذات والعالم الكمي المغلق والمحدود. ولعل هذا ما يؤكده "برجسون" حين يقول: "إن العالم الذي يتناوله الرياضي يموت ويولد في كل آن، وهو لا يختلف عن العالم الذي فكر فيه "ديكارت" عند كلامه على الخلق المستمر. ولكن كيف يمكننا في عالم متصور على هذا النحو أن نفهم التطور. أعني الصفة التي تتميز بها الحياة؟ إن التطور في حد ذاته يتضمن اتصالا حقيقيا للماضي بالحاضر؛ أي يتضمن ديمومة تعد خط اتصال بينهما، ونقول بعبارة أخرى أن معرفتنا بالكائن الحي أو بالمنظومة الطبيعية تعتمد على الديمومة نفسها. أما معرفتنا بالمنظومة الصناعية أو الرياضية، فلا تعتمد إلا على الطرف النهائي. وهكذا يبدو لنا أن استمرار التغير وبقاء الماضي في الحاضر والديمومة الحقة هي الصفات المشتركة بين الكائن والنفس الواعية"[19].

اعتبارا لهذا القول، يبدو أن العالِم المادي عاجز عن النفاذ إلى عمق الذات، لأنه يعتمد الرموز كوسائط أصلية في بحث المشكلات القائمة، والتي هي في حد ذاتها مشكلات مفروضة علينا تنطوي على خلط دائم بين الكيف والكم؛ فقد توجد في عالم المكان أحوال مادية، غير أنه من غير الممكن أن توجد أحوال نفسية؛ لأن حياتنا الباطنية تُدرك إدراكا مباشرا بالحدس، فهي شبيهة باللحن الموسيقي المنفصل كليا عن فكرة العدد المكانية. إذن، فالحدس قوة مبدعة لمفاهيم الوجود فهو ثاوٍ في مجال الفلسفة وأحد مناهجها الحامل لمعاني ودلالات الإشكالات الوجدانية المستعصية أحيانا عن الفهم.

[1] Henri Bergson; Le rire; Essai sur la signification du comique; 2011 Edition payot & rivages pour la présente édition; 106; boulevard saint- germain; 1982; paris; p: 34

[2] Henri Bergson; la pensée et le mouvant; P.U.F, 9édition: 1985, paris presses universitaires de France, 1938; PP: 118 / 119

[3] Ibid, P 119

[4] Ibid, P: 120

[5] Henri Bergson; la pensée et le mouvant; P.U.F, 9édition: 1985, paris presses universitaires de France, 1938. p 120

[6] يعرفه (هاميلتون) على أنه أحد معطيات الفكر الأولية، ندركه بأنفسنا إدراكا مباشرا من غير أن نتمكن من تعريفه، ولعل أحسن وصف له قولنا: إنه الشيء الذي نفقده رويدا رويدا عندما ننتقل من الصحو إلى النوم، وما نسترجعه رويدا رويدا عندما ننتقل من النوم إلى الصحو، (راجع المعجم الفلسفي، جمال صليبا، الجزء الأول، ص: 703).

[7] Henri Bergson; la pensée et le mouvant; P.U.F, 9édition: 1985, paris presses universitaires de France, 1938; P: 185

[8] وتعني أن جل التصورات والظواهر الكيفية والزمنية للحياة، لا يمكن قياسها وترجمتها على مستوى خصائص المكان، ومن صفاتها الحرية، والفكر العميق الذي يحاول وصول المطلق.

[9] Henri Bergson; la pensée et le mouvant; P.U.F, 9édition: 1985, paris presses universitaires de France, 1938. P: 187

[10] Ibid, P: 185

[11] Ibid, P: 181

[12] Henri Bergson; la pensée et le mouvant; P.U.F, 9édition: 1985, paris presses universitaires de France, 1938, pp: 188 - 189

[13] Henri Bergson; la pensée et le mouvant; P.U.F, 9édition: 1985, paris presses universitaires de France, 1938; P: 117

[14]Ibid, p: 139

[15] Le sentiment: أخذ عدة معاني في تاريخ الفلسفة، لكن قد نستطيع إيجاد معنى لها أقرب إلى ذلك التوظيف البرجسوني، إذ تقابل الانفعالات الناشئة عن أسباب معنوية لاعن أسباب عضوية، كما قد تطلق على اللذات والآلام، وغريزة حفظ البقاء، والمشاركة الوجدانية، والحب، والتواضع والغريزة الجنسية...إلخ.

[16] Henri Bergson; la pensée et le mouvant; P.U.F, 9édition: 1985, paris presses universitaires de France, 1938, p: 50

[17] Ibid; P: 190 

[18] Henri Bergson; la pensée et le mouvant; P.U.F, 9édition: 1985, paris presses universitaires de France, 1938; P: 193

[19] Henri Bergson; L’evolution créatrice; prisse universitaires de france; I2 édition 1941; paris; PP: 22. 23