تجانس الإيقاع في القرآن

فئة :  مقالات

تجانس الإيقاع في القرآن

تجانس الإيقاع في القرآن[1]

مصادر الإيقاع في القرآن وفي الشعر:

للصوتِ قيمةٌ كبيرةٌ في القرآن. فهو تَوْءَمُ المعنى، وشريكُه في التأثير، ورسولُه إلى القلبِ والنفسِ والعقلِ جميعًا. ومنذ أن كان القرآن، فالتلاوة والمصحف قرينان لا ينفصلان، وشريكان لا يفترقان. ذلك لأن القرآن نزل كتابًا يتلى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: 252]. وبلغه رسول الله ﷺ وهو يتلوه: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]. وكان الناس يتلقونه منه بآذانهم ثم تتأثر به قلوبهم ونفوسهم وعقولهم فيؤمن من يؤمن: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 83]. أو يكفر من يكفر: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَاۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية: 8]. فالتركيز على التلقي بالسمع واضح في هذه الآيات وفي كثير غيرها، مما يدل على أن الأُذُنَ هي مَنْفَذُ القرآنِ الأولُ إلى القلب والنفس والعقل، وأن شطراً من تأثيره يكمن في الجهر بقراءته. ولا شك أن للبناء اللفظي للقرآن دخلًا في تأثيره الصوتي مما يعني أن القالب اللفظي الذي يحمل رسالة القرآن لا يقل أهمية عن رسالته، وأن جمال صوته يوازي جلال معناه. ولا يزال القرآن يتلى بعد مُضِيِّ أربعة عشر قرنًا من نزوله، لا يَخْلَقُ على كثرة الرد، تتجدد عذوبته في السمع في كل مرة يتلى فيها في مشارق الأرض ومغاربها، ويتلذذ بالاستماع إليه من يعرف العربية ومن لا يعرفها.

لكن تُرى أين يكمن الجمال في إيقاع القرآن؟ لا بد أنّ هناك تناغمًا في إيقاعه هو الذي تطرب له الأذن، ويهتز له القلب، وترتاح له النفس، وينشرح له الصدر. إذا نظرنا إلى الشعر العربي على سبيل المقابلة (لا المقارنة) بينه وبين القرآن، وجدنا أننا نستطيع أن نحدد مكمن الجمال في إيقاعه لأنه مبنيّ على الوزن والقافية.([2]) فكل بيتٍ في القصيدة يتكوّن من شطرَيْنِ متساوِيَيْنِ، يشتمل كلٌّ منهما على مقاطع صوتية متساوية تتكرر بانتظام، وتسمى تفعيلات. وفي آخِرِ كلِّ بيتٍ تأتي القافيةُ التي تنتهي بحرفٍ واحدٍ في جميع أبيات القصيدة، ويسمى الرَّوِيَّ. والقصيدة لا تُنْسَجُ إلا على بحرٍ واحدٍ، ولا يمتزج فيها بحران. هذه شروط صارمة في الشعر تحفظ له تناغم إيقاعه وتوازن مقاطعه، إذا أخلّ الشاعر بشيءٍ منها فسد شعره، واضطربت موسيقاه، ومَجَّتْهُ الأذن. لنأخذ على سبيلِ المثالِ هذا البيتَ من معلقةِ امْرِئِ القيس:

أَلَا أَيُّهَا الَّليلُ الطَّويلُ أَلَا انْجَلِ

 

بِصُبْحٍ ومَا الإِصبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ

هذا البيت من أحسنِ ما جادت به قريحةُ شاعر، لأنه يصوّر تجربةً إنسانيةً خالدةً من الممكن أن يمر بها كل إنسان في كل زمان ومكان. إنه يصوِّرُ الهمَّ الخانق المقيم في ليلٍ طويلٍ يجْثُمُ على الصدر لا يكاد يَرِيم، ويصوِّرُ اليأسَ القانط من الفرج حتى مع إقبال الفجر وإسفار الصبح. والنفسُ عادةً تتوقع الفرج مع الصباح وكما يقال: الصباح رباح. لقد صاغ الشاعر هذه التجربة شعراً موزونًا مقفًّى، وأعطاها قيمةً صوتيةً فوق قيمتها الدلالية، جعلتها أشدَّ وقْعًا في الحس وأبقى أثرًا في النفس. ولو قيل هذا الكلام نثرًا على النحو الذي شرحنا به البيت لذهب شطرٌ من جماله، بل كلُّ جماله، ولأصبح كلاماً باردًا لا يحرك في النفس ساكنًا، ولا يرسم في الخيال صورة. ذلك لأنّ تأثيره نابع من التعاون القائم بين خلود التجربة الإنسانية التي يصورها البيت وجمال الإيقاع الذي تُنقل به التجربة إلى السمع. إنَّ وقوع خلل في الإيقاع، ولو يسير، يُفْسِدُ إحساسَنا بالبيت، فلو قال الشاعر مثلًا: «وما الصَّباحُ» بدلًا من «ومَا الإِصبَاحُ»، لانكسر الوزن. ولو قال: «وما الصُّبحُ» لكان الانكسار أشدّ، مع ملاحظة أن «الإصباح» هو الأنسب للسياق وللمعنى الذي يريده الشاعر وهو انفلاق الصبح، لا الصبح نفسه ولا الصباح. وكذلك لو قال: «منك بأَحْسَنِ»، بدلاً من «مِنْكَ بِأَمْثَلِ» لرفضته الأذن لأنها تنتظر قافية اللام في نهاية كل بيت.

هاتان الخاصيتان، خاصية تساوي المقاطع وخاصية التردد المنتظم، من محاسن الشعر بلا جدال لأنّه بهما ينتظم إيقاعه وفيهما يكمن جماله. ولكنهما من مساوئه أيضاً. فالخاصيةُ الأُولى تكبله بقيود الوزن، والخاصيةُ الثانية تُورِثُهُ الرتابة. أما القيود فلأنّ الشاعر لا يستطيع أن يختار من الألفاظ إلا ما كان موافقًا لبحر القصيدة، ومن التراكيب إلاّ ما كان متفقًا مع زحافات البحر وعلله. فليست اللغة كلها، على اتساعها وتراكيبها التي لا حد لها، في خدمته وطوع بنانه، ولا يستجيب له منها إلاّ ما كان من لغة البحر الذي اختاره لقصيدته. إنّه بعبارة أخرى، يَمْتَحُ من لغة البحر، لا من بحر اللغة. لننظرْ مثلًا إلى هذه الأبيات من قصيدة امرئ القيس نفسها:

وُقُوفًا بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ

 

يَقُولُونَ لَا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَمَّلِ

وَيَوْمَ عَقَرْتُ لِلعَذَارَى مَطِيَّتِي

 

فَيَا عَجَبًا مِنْ كُورِهَا المتَحَمَّلِ

تَقُولُ وَقدْ مَالَ الغَبِيطُ بِنَا معًا

 

عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأَ القَيسِ فَانْزِلِ

إذا تأملنا هذه الأبيات وجدنا الشاعر ينتقي فيها من الألفاظ والتراكيب ما يلائم بحر القصيدة. فمن الألفاظ اختار في البيت الأول مثلًا «صَحْبِي» ولم يختر «أصحابي» لئلا ينكسر الوزن مع أن الثانية هي الأكثر شيوعًا في اللغة، كما قال: «مَطِيَّهُم» ولم يقل «مطاياهم» ليحافظ على الوزن مع أن الثانية هي الأكثر دورانًا في اللغة. واختار في البيت الثاني «مطيَّتي» وفي البيت الثالث «بعيري» لا لشيء إلا لأن الوزن ينكسر لو وضع إحداهما مكان الأخرى. ومن التراكيب اختار في البيت الأول «عليَّ مَطِيَّهُمْ» مراعاةً للوزن ولم يختر «مَطِيَّهُمْ عَلَيَّ» مع أن هذا الترتيب هو الأكثر جريانًا في اللغة. وقال في البيت الثاني: «للعذَارَى مَطِيَّتِي» مجاراةً للوزن ولم يقل «مطيَّتِي للعَذَارَى» مع أن هذا هو الترتيب المعتاد في التراكيب إذْ غالبًا ما يقع المفعول به بعد فعله مباشرةً ويكون التركيب هكذا: «عَقَرْتُ مطيَّتِي.» والشاعر نفسه يستعمل هذا الترتيب في البيت الثالث حين يقول: «عَقَرْتَ بعيري».

وهكذا يتحايل الشاعر دائمًا على ألفاظ اللغة وتراكيبها حتى يستخرج منها ما يلائم البحر الذي منه القصيدة، ولا يستطيع أن يستعمل كل ما تتيحه له اللغة من مفرداتٍ وتراكيبَ لِمَا يفرضه عليه الوزن من قيود وحدود. وليس هذا بعيب، وإنما هو قيدٌ فَنِّيٌّ فحسب. ووظيفة التراكيب هي تخفيف هذا القيدِ الفني وتوفير البدائل الممكنة، وقارئ القصيدة يجد متعةً عقليةً كبيرةً حين يهتدي إلى حيل الشاعر في تقديم عبارةٍ وتأخيرِ أخرى حتى يستقيم له المعنى والوزن جميعًا.

وأثقل قيود الوزن يقع على القافية لأنها، فوق كونها خاضعة لقيود الوزن الذي هي جزء منه لا يتجزأ، مثقلةٌ بقيدٍ آخرَ هو حرف الروي الذي يلزمها في كل القصيدة.([3]) واللغة على اتساعها لا تشتمل إلا على عدد محدود من الألفاظ التي تنتهي بحرف معين، وعلى عدد أقل من الألفاظ التي تلائم المعنى الذي يريده الشاعر. وهذا بدوره يَضْطَرُّ الشاعرَ إلى إخضاع المعنى الذي يريد للكلمة التي فيها حرف القافية. يقول الدكتور إبراهيم أنيس: «ولا شك أن التزام قافية واحدة قد حدد من طول القصائد، فلا يكاد الشاعر يجاوز السبعين من الأبيات، حتى تكون القافية قد أجهدته وألزمته طريقًا من التكلف والتعسف فيه قد يُضَحِّي بشيءٍ من المعاني والأخيلة.»([4])

أما الرتابة فتنشأ من الخاصية الثانية في الشعر، خاصية التردد المنتظم. ونعني بالتردد المنتظم تلك الحركات والسكنات التي تتوالى بنفس الترتيب في نفس المكان تواليًا موضعيًّا في كل بيت في القصيدة دون أي اختلاف ذي خطر إلا اختلاف الألفاظ والتراكيب. فبحر الطويل، مثلًا، الذي منه معلقة امرئ القيس التي اقتبسنا منها الأبيات السابقة، يتكون من تفعيلتين هما فَعُولُنْ ومَفَاعِيْلُنْ. يتكرر كلٌّ منهما مرتين في كل شطر في البيت، أي أن البيت الواحد يتكون من ثماني تفعيلات (فعولن + مفاعيلن + فعولن + مفاعيلن = فعولن + مفاعيلن + فعولن + مفاعيلن).

فعلى تردّد هذه التفعيلات، وما فيها من حركات وسكنات، يقوم بناء القصيدة من أولها إلى آخرها. فإذا أخذنا تفعيلة فَعُولُنْ كمثال لرتابة التكرار، وجدناها تشتمل على خمسة أحرف: حرفَيْنِ متحرِّكَيْنِ، فحرفٍ ساكنٍ، فمتحَرِّكٍ، فساكن. هذه هي الصورة المثالية للتفعيلة كما تصورها الخليل. ولكن عادةً ما يطرأ عليها زحاف القبض ويحذف منها الساكن الخامس، فتصبح فَعُولُ. وهاتان، أي فَعُولُنْ وفَعُولُ، هما الصورتان الوحيدتان لهذه التفعيلة في بحر الطويل وتتكرران في البيت الواحد أربع مرات. فإذا كانت القصيدة مكونةً من خمسين بيتًا، مثلًا، تكررت هاتان الصورتان مائَتَيْ مرةٍ في نفس الموضع من كل بيت من أبيات القصيدة، والأذن تتلقى ذاتَ الحركاتِ وذاتَ السكناتِ على توالي الأبيات. ولولا وجود زحاف القبض الذي سمح بوجود هاتين الصورتين لتكررت فَعُولُنْ مائَتَيْ مرةٍ بصيغة واحدة ولكانت رتابة القصيدة شيئًا لا يطاق.

وفي الحقيقة إنّ الزحافات هي التي تمنح إيقاع القصيدة قدرًا لا يستهان به من التلون الإيقاعي بتسكين المتحرك أو حذفه أو بحذف الساكن. ولولا هي لكانت رتابة الشعر سببًا للسآمة والملل، لا للاهتزاز والطرب. على أن هذا التلون الإيقاعي يتضاءل ويبهت إذا ما وُضع بإزاء الرتيب. لذلك فإنّ الإنسان منّا يطرب لسماع القصيدة مرةً أو مرتين أو في فترات متباعدة تكفل نسيانه لإيقاعها، ولكنه لا يطرب لسماعها كل يوم، لِمَا في تكرر الإيقاع المصبوب في قالب واحد من الرتابة والملل.([5])

هذا وللزحافات فضلٌ آخرُ عظيمٌ على الشاعر، وهو أنها توسِّع القاموسَ الذي ينتخب منه كلماتِه وتراكيبَه. فزحاف القبض الذي مرَّ بنا في بحر الطويل، مثلًا، هو الذي يسمح للشاعر أن يستعمل كلماتٍ مثل «تَقُولُ» في قول امرئ القيس: «تقولُ وَقَدْ مَالَ الغَبِيطُ بِنَا معًا» أو «عَقَرْتَ» في قوله: «عَقَرْتَ بَعِيرِي». ولولا وجود مثل هذا الزحاف لضاقت سبل التعبير بالشاعر، ولما استطاع أن يستعمل أفعالًا شائعةً كالفعل المضارع المعتل العين: نحو «أَقُولُ»، أو الفعل الماضي الصحيح أو المعتل الآخر المتصل بتاء المتكلم أو المخاطب: نحو «عَقَرْتَ» أو نحو «سَعَيْتَ»، وغير ذلك من الصيغ الكثيرة التي لا غنى عنها في نسج الكلام من الكلمات. إذا كان الوزن قيدًا في الشعر، فالزحاف يوسِّعُ دائرةَ هذا القيد ويَفْسَحُ للشاعر مجالًا يتحرك فيه. وهذا ما نعنيه بقولنا إن الشاعر يمتح من لغة البحر، لا من بحر اللغة. فبحر اللغة أوسع بكثير من لغة البحر.

إذا نظرنا إلى القرآن في ضوء هذا الوصف المجمل لخصائص النظم في الشعر، لم نجد في آياتِه مقاطعَ متساويةً تتردد بانتظام. ذلك لأنّ القرآن ليس موزونًا ولا مقفًّى، وإن كانت فيه الفاصلة التي تشبه القافية ولكن لا تماثلها، كما سنرى. فآيات القرآن تتفاوت في طولها تفاوتًا شديدًا. فبعضها يتكون من كلمةٍ واحدة، وبعضها من بضع كلمات، وبعضها من عدد من الجمل، وبعضها يغطي ربع الصفحة أو ثلثها أو نصفها في المصحف. ومن ثَمَّ فليس من الممكن أن تتساوى مقاطعه على النحو الذي نجده في الشعر.

وكذلك لا تلتزم فاصلتُه رويًّا واحدًا في السورة الواحدة، وإنما تتنوع تنوعًا شديدًا يسمح بتعاقب عدَدٍ من الحروف الهجائية، كالذي نجده في سورة البروج حيث تتعاقب في فواصلها الاثنتين والعشرين سبعةُ أحرف: هي الجيم والدال والقاف والراء والباء والطاء والظاء. وكذلك لا تلتزم الفاصلةُ وزنًا عَرُوضيًّا واحدًا، وإنما تتنوع أوزانها كما في قوله تعالى: ﴿البُروجِ﴾ وقوله: ﴿الموْعُودِ﴾ في بداية سورة البروج. هذا الاختلاف البيِّنُ في النظم بين القرآن وبين الشعر يكشف لنا عن المرونة الكبيرة التي يتمتع بها نظم القرآن إذا ما قِيسَ بالقيود الكثيرة التي تحيط بنظم الشعر.

لكن إذا كان نظم القرآن بهذه المرونة التي لا تتردد فيها مقاطعُ متساويةٌ من الآيات، فمن أين ينبعث الإيقاعُ الذي يسري في جسم السورة، وليس فيها الوزنُ الذي في الشعر، ولا القافيةُ ذاتُ الرويِّ الواحد؟ إنّ الإيقاع في القرآن ينبعث من حروفه وكلماته وفواصله جميعًا. إنه ينبعث من تردد الحروف والتنوين والضمائر وأدوات النحو والفواصل في أنساقٍ متنوعةٍ ومتجددةٍ لا تكاد تُحْصَى. لكن هذه العناصر اللغوية، باستثناء الفواصل، ليست من مصادر الإيقاع التي اتجهت إليها الأبحاثُ في القديم وفي الحديث، وإنما هي مما نحاول كشف النقاب عنه في هذا الكتاب. ولكن قبل أن نمضي في هذه المحاولة، لا بد أَنْ نُلْقِيَ نظرةً على ما قاله الباحثون عن تردد بعض هذه العناصر في القرآن في معرض حديثهم عن الفصاحة والبلاغة.

لقد بحث علماؤنا الأولون بعض هذه العناصر اللغوية في دراساتهم النقدية للشعر والأدب، ووضعوا شروطًا للفصاحة لا تتفق كلها مع أسلوب القرآن. بل يصطدم به بعضها اصطدامًا مباشرًا. من ذلك أن ضياء الدين بن الأثير (ت: 637هـ) يرى أن تكرار الحروف مما يعيب الكلام المنثور أو المنظوم. ويضرب لذلك مثلًا قولَ واعظٍ قال: «جَنَى جَنَّاتِ وَجَنَاتِ الحبِيب». ثم يقول: «فصاح رجل من الحاضرين في المجلس، ومَادَ وتَغَاشَى، فقال له رجل كان إلى جانبه: ما الذي سمعتَ حتى حدَثَ لك هذا؟ فقال: سمعتُ جيمًا في جيمٍ، فِي جيمٍ فَصِحْتُ». ثم يعقِّبُ ابنُ الأثيرِ على هذا الكلام قائلًا: «وهذا من أقبح عيوب الألفاظ».([6]) ولكننا نقرأ قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6]. فنرى الجيم تتكرر ثلاث مرات في كلمات متوالية، ولا نجد شيئًا مما يستهجنه ابن الأثير ذلك الاستهجان الشنيع.

وكذلك أنكر أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد العسكري (ت: 395هـ) على المتنبي قولَه: «سَبُوحٌ لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا شواهدُ»، وذلك لأنّ الأخير كرر حروف الصِّلات، أي حروف الجر، في موضع واحد في قوله: «لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا»، فأتى بذلك «من الاستكراه بما لا يُطار غرابُه».([7]) وقد تبعه ابن الأثير في هذا الاستنكار، فقال معلِّقًا على بيت المتنبي: «فقوله: لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا من الثقيل الثقيل الثقيل». هكذا ثلاث مرات!([8]) فماذا يقول هذان الناقدان الكبيران في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: 69] والذي نجد فيه: ﴿لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ﴾، وهو عينُ ما عابَاه على المتنبي. ويلاحظ أنهما ما عابا عليه استعماله هاء التأنيث في المواطن الثلاثة، وإنما عابا تكراره للحروف بلا فاصل.

ومثله ما عابوه على أبي تمام في قوله: «كريمٌ متى أَمْدَحْهُ أَمْدَحْهُ والوَرَى» لِمَا في الكلام من تكرر حروف الحلق في قوله: «أَمْدَحْهُ»، أي توالي الحاء والهاء في كلمة واحدة.([9]) ولكن ماذا عسى أن يقول هؤلاء في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: 40]؟ إن عبارة ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ تشتمل على نفس الحروف الحلقية التي عابوا تواليَها. ومن هذا القبيل إنكارُ أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت: 403هـ) على امرئ القيس تكريره لكلمة «خِدْر» في قوله: «ويوم دخلتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ» وقولُه إنَّ امرأ القيس «ذكره تكريرًا لإقامة الوزن، لا فائدةَ فيه غيره، ولا ملاحة ولا رونق!».([10]) لا ندري كيف خَفِي على الباقلاني، وهو صاحب أشهر كتاب في إعجاز القرآن في عصره، وحتى اليوم، أنَّ مثل هذا التكرار من أبرز أساليب البيان في القرآن! اقرأ مثلًا قوله تعالى: ﴿لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: 35-36]. وقوله: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: 15-16]. وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6-7]، والفاتحة خاصةً مما نتلوه كل يوم.

كذلك يعيب الباقلاني على امرئ القيس قولَه: «تَقُولُ وَقَدْ مَال الغَبيطُ بِنَا مَعًا» بعد قوله: «فَقَالَتْ لَكَ الويلاتُ إنَّكَ مُرْجِلِي». وذلك لأنه كرر الفعل «تَقُولُ»، وهذا في نظر الباقلاني «لا فائدة فيه غير تقدير الوزن! وإلا فحكاية قولها الأول كاف، وهو في النظم قبيح؛ لأنه ذكره مرةً: "فقالت"، ومرةً: "تقول"، في معنًى واحد، وفَصْلٍ خفيف».([11]) ليت شعري ماذا يقول الباقلاني في هذه الآيات الثلاث من سورة غافر: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: 41-43]. في هذه الآيات يتكرر الفعل «تَدْعُونَنِي» ثلاث مرات، ولا يفصل بين وروده الأول والثاني إلا قوله: ﴿إِلَى النَّارِ﴾، بالإضافة إلى الفعل ﴿أَدْعُوكُمْ﴾ الذي تكرر مرتين. نكتفي بهذا القدر من هذه الأمثلة التي تدل دلالة صريحة على أن علماء البيان الأولين لم يستشيروا القرآن حين وضعوا كثيرًا من شروطهم في الفصاحة والبلاغة.([12])

* * *

ثم نلقي نظرةً أخرى سريعةً على ما قاله الباحثون في العصر الحديث عن مصادر الإيقاع في القرآن قبل أن ننتقل إلى ما نحن بصدد الكشف عنه. لعل كتاب التصوير الفني في القرآن لسيد قطب هو أولُ كتابٍ مُهِمٍّ في العصر الحديث حاول أن يتلمس مواطن الإيقاع في القرآن الكريم. إنَّ هذا الكتاب المؤسِّسَ نقل البلاغةَ القرآنيةَ نقلةً لم تشهد مثلها منذ عهد عبد القاهر الجرجاني (ت: 474هـ) وجار الله الزمخشري (ت: 538هـ). فهو يمتاز بالجدة والأصالة، ووفرة الأمثلة، وتنوع الصور البيانية التي يعرضها، والأسلوبِ الأدبيِّ الجميل المشرق الرصين.([13]) إلا أنه عند الحديث عن الإيقاع في القرآن يتسم بالعموم وقلة الأمثلة، وخصوصًا إذا اتصل الأمر بالإيقاع الداخلي الذي يتجاوز الفاصلة القرآنية، والذي يقول عنه سيد قطب: إنه «يُلْحَظُ ولا يُشْرَحُ، ... وهو كامنٌ في نسيج اللفظة المفردة، وتركيب الجملة الواحدة. وهو يُدْرَك بحاسةٍ خفيَّة، وهِبَةٍ لدُنيَّة.»([14]) واضح أنَّ سيِّدًا كان يدرك بحسه الأدبي المرهف أن هناك مصادر للإيقاع في القرآن غير الفاصلة، وإن لم يَضَعْ يدَهُ عليها. وقد صدرت أبحاث ودراسات بعد هذا الكتاب الفذِّ تتناول الجانب الإيقاعي في القرآن، لكنها لم تأت بجديد يُذكر، بل ظل كثير منها يردد ما جاء فيه إلى حد كبير.([15])

غير أننا نجد في ميدان نقد الشعر مَنْ وَضَعَ يدَهُ على هذه المصادر، وهو الدكتور عبد الله الطيب، في الجزء الثاني من كتابه المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، والذي لاحظ أن الشعراء الأقدمين يكررون بعض العناصر اللغوية كالحروف والتنوين والتشديد والضمير لإبراز مَعْنًى معينٍ أو لتقويةِ جَرْسِ البيت.([16]) ولكنه، مع ذلك، لم يحاول تتبع هذه الخصائص الإيقاعية ذاتها في القرآن، على ما كان له من اشتغالٍ بالتفسير الشفوي الإذاعي للقرآن لفترة غير قصيرة من عمره. لعله لم يفعل ذلك لأنه كان يرى أن القرآنَ أجلُّ من أن يشتمل على شيءٍ «من هذه البلاغات التي يتعاطاها الناس، إنه كلام الله المنزل القديم.»([17])

لا بد أن نذكر في هذا السياق كتابَيْنِ مُهِمَّيْنِ لهما شهرةٌ واسعةٌ بين الذين يحبون بلاغة الألفاظ، والذين يعجبهم منهجُ الجدلِ المنطقيِّ في إثبات إعجاز القرآن، على طريقة علماء الإعجاز الأولين كأبي سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي الخطَّابي (ت: 388هـ) والباقلاني وغيرهما. أحدهما كتاب النبأ العظيم لمحمد عبد الله دراز، والآخر كتاب إعجاز القرآن لمصطفى صادق الرافعي. فأما دراز فيرى أن القرآن متفرد بتأليفه الصوتي، وأن هذا التأليف الصوتي هو أول ما يلاقيك ويسترعي انتباهك، وأنك عند الاستماع إلى ترتيله المجوَّد بقلب حاضر، ستجد فيه «اتساقًا وائتلافًا يسترعي من سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر. على أنه ليس بأنغام الموسيقى ولا بأوزان الشعر. وستجد شيئًا آخر لا تجده في الموسيقى ولا في الشعر».([18]) ولكنه لا يقدم مثالًا واحدًا على هذا الشيء الآخر الذي لا يوجد في الموسيقى ولا في الشعر.

وأما الرافعي فيعقد فصلًا نظريًّا طويلًا للحديث عن تلاؤم الحروف وأصواتها والكلمات وحروفها، ولكن عند التطبيق لا يأتي بأمثلةٍ من القرآن استخرجها هو بنفسه، وإنما يأتي بأمثلةٍ ذكرها ابن الأثير في مثله السائر، ثم يعيد شرحها وتفسيرها، ويوشحها بحجج بلاغية من عنده. وقد تأخذه الحماسة البلاغية فيستثقل كلمة قرآنية لم يستثقلها ابن الأثير نفسه، ثم يشرع في نفي ذلك الثقل عنها بلغته الأنيقة. فمن ذلك أنَّ ابن الأثير يستثقل الضمة إذا توالت على الكلمة كما في «الجُزُع»، ولكنه مع ذلك يرى أن الضمة قد تتوالى في بعض ألفاظ القرآن، كما في «النُّذُر»، في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: 36]، ولا تُحْدِثُ «فيها كراهةً ولا ثِقَلًا».([19]) واضح أن ابن الأثير هنا يحكِّم ذوقه الشخصي في مسألة الاستثقال. ولكنَّ الرافعيَّ يرى أن «الضمة ثقيلةٌ فيها [أي في النُّذُر] لتواليها على النون والذال معًا، فضلًا عن جسأة هذا الحرف ونُبُوِّهِ في اللسان، وخاصةً إذا جاء فاصلةً للكلام».([20]) ثم ينفي عن الكلمة تلك الجسأة وهذا النُّبُوّ بتحليل عناصر الآية وما فيها من ضمة، وفتحة وغُنَّة وقلقلة.

ومن ذلك أيضًا أنّ ابن الأثير يرى أنّ بعض الألفاظ لم تَرِدْ في القرآن مفردةً وإنما وردت مجموعةً كلفظة «الكُوب»، «وهي وإن لم تكن مستقبحةً في حال إفرادها فإن الجمع فيها أحسنُ».([21]) أما الرافعي فيرى أنّ هذه اللفظة جاءت مجموعةً ولم تأت مفردةً «لأنّه لا يتهيأ فيها ما يجعلها في النطق من الظهور والرقة والانكشاف وحُسْنِ التناسب كلفظ (أكواب) الذي هو الجمع».([22]) ولكن الحقيقة أنه لو كان القرآن يتحاشى حقًّا الحروف التي في «الكُوب»، كما خُيِّل إلى الرافعي، لَمَا ورد فيه قوله تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: 31].

فرحم الله الرافعيَّ ودرازًا، فقد كان يغلب على نهجهما في الكتابة طابعُ السرد النظري الجدلي لصور الإعجاز، وطابع التحليل الأدبي الذي يعتمد في الإقناع على أناقة الأسلوب أكثر مما يعتمد على قوة الحجة، وطابع الحماس الديني الذي يحاول أن يصوِّر الذوق الخاص على أنه حق لا ريب فيه.

[1] - مقتطف من كتاب "نظم القرآن: قراءةٌ جديدةٌ في تَجَانُسِ إيقاعِهِ وَتَلَاحُمِ بِنَائِهِ" للكاتب جوهر محمد داود، صدر الكتاب عن دار مؤمنون للنشر عام 2022.

([2]) يقول ابن رشيق القيرواني (ت: 456هـ): «الوزن أعظم أركان حدِّ الشعر، وأولاها به خصوصية، وهو مشتمل على القافية وجالبٌ لها ضرورة، إلا أن تختلف القوافي فيكون ذلك عيبًا في التقفية لا في الوزن.» انظر: أبا علي الحسن بن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر، وآدابه، ونقده، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (القاهرة: دار الجيل للنشر والتوزيع والطباعة، 1981)، 1: 134.

([3]) يقول ابن رشيق: «القافية شريكة الوزن في الاختصاص بالشعر، ولا يسمى شعرًا حتى يكون له وزنٌ وقافية.» ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر، 151. سبق ذكره.

([4]) انظر: إبراهيم أنيس، موسيقى الشعر (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الثانية، 1952)، 277.

([5]) الدكتور كمال أبو ديب يغلو في تصوره لقدرة الزحافات على منح الشعر العربي مرونةً في الإيقاع تنفي عنه الرتابة نفيًا تامًّا أو شبهَ تام، وذلك لأنه يحاول أن يتخيل واقعًا للشعر الَعربي غير الذي نقله إلينا الخليل ويقول: إنّ «القصيدة العربية، في المفهوم التقليدي، ذات بنية جامدة رتيبة: بيت له وزن معين يتلوه بيت له الوزن نفسه فبيت يطابقه وهكذا. لكن هذه ليست أكثر من صورة للتراث في عقل معين تحدده شروط ثقافية - مكانية. والقصيدة العربية نفسها شيء منفصل عن هذه الصورة، شيء يمكن أن نكتشفه من جديد.» فقد بنى نظريته هذه التي لا تخلو من مجازفة كبيرة على ملاحظة جزئية للشعر العربي أوحت له بتداخل البحور في القصيدة الواحدة، كالذي نراه في بحر الكامل الذي يدخله زحاف الإضمار فتصبح تفعيلته التي هي مُتَفَاعِلُنْ بعد تسكين المتحرك الثاني فيها مُتْفَاعِلُنْ أو مُسْتَفْعِلُنْ، وهذه التفعيلة من بحر الرَّجَز. وقد فاته أن تداخل التفعيلات أمر طبيعي في البحور الشعرية، وأن المعوَّل عليه هنا هو أن تفعيلة مُتَفَاعِلُنْ هي السمة الخاصة التي تميز بحر الكامل من غيره من البحور. ولا يُشترط أن تَثْبُت هذه التفعيلة على صورة واحدة في مواقعها كافة. انظر: كمال أبو ديب، في البنية الإيقاعية للشعر العربي: نحو بديلٍ جذري لعروض الخليل ومقدمةٍ في علم الإيقاع المقارن (بيروت: دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، 1974)، 513.

([6]) انظر: ضياء الدين بن الأثير، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق أحمد الحوفي وبدوي طبانة (القاهرة: دار نهضة مصر، بلا تاريخ)، 1: 309.

([7]) انظر: أبا هلال الحسن بن عبد الله العسكري، كتاب الصناعتين: الكتابة والشعر، تحقيق علي محمد البجاوي ومحمد أبي الفضل إبراهيم (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1952)، 160.

([8]) انظر: ابن الأثير، المثل السائر، 1: 308. سبق ذكره.

([9]) انظر: محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي، سر الفصاحة (بيروت: دار الكتب العلمية، 1982)، 102. وانظر أيضًا: أبا بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1984)، 60.

([10]) انظر: أبا بكر محمد بن الطيب الباقلاني، إعجاز القرآن، تحقيق السيد أحمد صقر (القاهرة: دار المعارف، 1954)، 166.

([11]) المصدر نفسه، 166.

([12]) يقول محمد عبد الخالق عضيمة معلقًا على مخالفة النحاة لأساليب القرآن: «وللنحويين قوانينُ كثيرةٌ لم يحتكموا فيها لأسلوب القرآن، فمنعوا أساليبَ كثيرةً جاء نظيرها في القرآن.» انظر: محمد عبد الخالق عضيمة، دراسات لأسلوب القرآن الكريم (القاهرة: دار الحديث، القسم الأول، الجزء الثاني، بلا تاريخ)، 6.

([13]) لهذا الكتاب بذورٌ في رسالة النكت في إعجاز القرآن لعليّ بن عيسى الرماني المعتزلي (ت: 386هـ)، أحد المؤسسين الأوائل لعلم البلاغة، في الجزء الذي يتحدث فيه عن التشبيه والاستعارة. ويبدو أنَّ سيدًا لم يطّلع على هذا الكتاب مع ما بين الكتابَيْنِ من تطابقٍ في كثير من الأمثلة وتقاربٍ في الإشارة إلى مواطن البلاغة والجمال فيها. فما يسميه الرماني «إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة»، مثلًا، يسميه سيد قطب «المعاني الذهنية التي تخرج في صورة حسية»، وذلك في شرحهما الجانبَ البلاغيَّ لقوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: 18]. فالمثال واحد والتعبيران – كما ترى – متقاربان، إلا أنَّ هذا قد يكون من قبيل توارد الخواطر. ولكن على الرغم من هذا التشابه، فقد جاء كتاب التصوير الفني للقرآن أصيلًا في منهجه، متفردًا في أسلوبه، مبتكرًا في طريقته، وأكثرَ غزارةً وتنوعًا في أمثلته، وأحسنَ تقسيمًا وتنظيمًا لكثيرٍ من أنواع التصوير الفني التي لم يُمِطِ اللثامَ عنها أحدٌ قبله. للمقارنة، انظر: أبا الحسن علي بن عيسى الرماني، النكت في إعجاز القرآن، في ثلاث رسائل في إعجاز القرآن للرُّمَّاني والخَطَّابي وعبد القاهر الجرجاني، تحقيق محمد خلف الله أحمد ومحمد زغلول سلام (القاهرة: دار المعارف، 1956)، 82. وانظر: سيد قطب، التصوير الفني في القرآن (القاهرة: دار الشروق، الطبعة الشرعية السابعة عشرة، 2004)، 38. يضاف إلى ذلك، أن كتاب التصوير الفني قد صدر أول مرة في عام 1948، أي قبل صدور النسخة المحققة لكتاب النكت في إعجاز القرآن للقرآني في عام 1956. وهذا مما يشير إلى أن سيِّدًا لم يطلع على كتاب الرماني، إلا أن الجزم في هذه المسألة يحتاج إلى بحث مستقل ومفصل.

([14]) سيد قطب، التصوير الفني، 106.

([15]) على سبيل المثال، انظر: صبحي الصالح، مباحث في علوم القرآن (بيروت: دار العلم للملايين، 1977)، 334-340؛ ومحمد إبراهيم شادي، البلاغة الصوتية في القرآن الكريم (القاهرة: الشركة الإسلامية للإنتاج والتوزيع والإعلان، 1988)، 28-32؛ وبكري شيخ أمين، التعبير الفني في القرآن (القاهرة: دار الشروق، 1973)، 197 وما بعدها. وواضح أنَّ عنوان هذا الكتاب الأخير مقتبس من كتاب التصوير الفني في القرآن.

([16]) انظر: عبد الله الطيب، المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها: الجزء الثاني في الجَرْسِ اللفظي (الكويت: دار الآثار الإسلامية، 1989)، 161 وما بعدها.

([17]) المصدر نفسه: 389.

([18]) انظر: محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن (الكويت: دار القلم، 1957)، 101-102.

([19]) انظر: ابن الأثير، المثل السائر، 1: 207. سبق ذكره.

([20]) انظر: مصطفى صادق الرافعي، إعجاز القرآن (بيروت: دار الكتاب العربي، الطبعة التاسعة، 1937)، 227.

([21]) انظر: ابن الأثير، المثل السائر، 297.

([22]) انظر: الرافعي، إعجاز القرآن، 232.