تصورات خاطئة حول مفهوم الأمومة

فئة :  مقالات

تصورات خاطئة حول مفهوم الأمومة

كرّس التاريخ الاجتماعي تصورات خاطئة بمفهوم الأمومة؛ بسبب الفهم القاصر له؛ فمن ذلك أن الأطفال يجعلون الزواج البارد أكثر حرارة، والزواج الفاتر أكثر دفئًا، لكن الدراسات الدقيقة تشير إلى أن الزيجات التي لا يتأتّى عنها أطفال هي أكثر إسعادًا للمرأة[1]. وإلى ذلك، فإن لعب البنات بالعرائس بوصفهن مفطورات على الأمومة غير صحيح؛ إن البنات الصغيرات يُعطين العرائس فيفرحن بها، ولكن يفرح بها الأولاد الذكور أيضًا، بل رغب الأولاد الذكور بالألعاب الأموميّة أكثر مما رغبت فيها البنات، وعبّروا عن سعادتهم بها بالغناء، والهدهدة بالأسلوب الأمومي، كما أثبتت ذلك التجارب[2]. ومهما كان مستقبل الفتاة، فهي تعدّ لتصبح أمّا. وتأكيدًا على هذه الفكرة يقول "جوود": لا تلقّن المرأة بواسطة المجتمع ليكون لها طفل، فحسب، بل إن أمّها تلقّنها أنّها لا بد من أن يكون لها طفل. تلك الأمّ التي تعلّق كل حياتها على أسطورة الأمومة سوف تجبر ابنتها حديثة الزواج على التدرّب مبكرًا بأن تطلب أن يكون لها حفيد. والأزواج يسوّقون هذه الفكرة بنجاح، فلديهم هم أيضًا أسطورة الأبوة؛ فالرجل المتزوج ينبغي أن يكون له أطفال كثيرون، وهذا مرتبط بالقدرة الجنسية وتوفير الخلود له[3]. على أن الأكثر خطورة هو ما تحدثه الأمومة بالأحاسيس الجنسية للمرأة؛ فقد رسخ في عقلية كثير من الأمّهات، والأزواج أن المرأة حينما تصبح أمًّا تفقد كونها امرأة؛ ليس لأن الأمومة سلبتها جاذبيتها، بل، فضلًا عن ذلك، تصوّرها بأن واجبات الأمومة تلاحقها بما ينتهي بها إلى تدمير أحاسيسها الجنسية[4]. وذلك ما تذهب إليه "نانسي فرايدي" في كتابها "أمّي مرآتي" إذ تقول: إنّ الأمّومة تغدو عذرًا جيدا للتخلّي عن الجنس؛ فلدى الأمّ أشياء أكثر أهمية من العاطفة المضطرمة، وهذا يثير لها المشاكل طوال حياتها، فتكفّ عن التفكير بنفسها بوصفها امرأة جنسية[5].

الأمومة في مجتمع ذكوري، يلقي بعبء الأولاد على المرأة، تحتاج إلى وعي وإدراك بالمسؤولية الملقاة على عاتق الأمّ

وترى الناقدة "ماريا مانز" أنه "إذا كان للمرأة المبدعة أطفال، فلا بد من أن تدفع مقابل ذلك حملًا ثقيلًا من الإحساس بالذنب؛ لأن حياتها سوف توزّع بين ثلاثة واجبات: أطفالها، وزوجها، وعملها. لا توجد امرأة لها قلب تستطيع كتابة فقرة بينما طفلها لديه متاعب، المرأة المبدعة لا توجد لديها زوجة لتحميها من الدّخلاء، الرجل إلى مكتبه في غرفة مقفلة الأبواب هو رجل يعمل، في حين المرأة إلى مكتب في غرفة يكون من السهل استدعاؤها في أي لحظة لتلبية طلبات زوجها أو أولاده"[6]. وإلى ذلك، فإن الأمومة في مجتمع ذكوري، يلقي بعبء الأولاد على المرأة، تحتاج إلى وعي وإدراك بالمسؤولية الملقاة على عاتق الأمّ، ومن ثم تقرر الاختيار بأن تكون أمًّا أو لا تكون.

وتؤكد "بيتي رولن" على أن الأمومة غير مرتبطة بإنجاب الأطفال؛ فمن الممكن أن تؤدي المرأة دور الأمّ بدون أن تنجب الأطفال، وتعطي مثالًا على ذلك ما قامت به "آنا فرويد" ابنة عالم النفس الشهير، وهي المرأة التي شاركت بدرجة كبيرة في علاج الأطفال، وأعطتهم أكثر من أي فرد آخر، ولم تكن أمّا[7]. ولكنها في الوقت نفسه لا تدعو إلى انقراض الأمومة، إذ ليس الغرض من الكلام السابق إيجاد عالم بلا أطفال، بل إنهاء أسطورة الأمومة فحسب، وتحويلها من أمر قهري إلى اختيار واع ومسؤول، فعندما "تصبح الأمومة غير قهريّة ثقافيًا، سوف يقل ما هو موجود منها. بدأت النساء في التفكير والعمل على تطوير الذات في مصادرهن الفردية، بعيدات كل البعد عن أن يكن أنانيات، وهذا التطوّر هو أملنا الوحيد، فهو يعني بدائل أكثر للنساء. والبدائل الأكثر تعني اختيارًا أكبر لأمومة أفضل وأسعد. إنها ليست قضية هل الأطفال رائعون عند إنجابهم وتنشئتهم، السؤال هو، حتى لو كانوا، هل المرء على استعداد لدفع ثمن ذلك؟

ولعل التخلّص من أسطورة الأمومة وتحرر المرأة من ذلك الوهم، سيؤدي إلى تجسيد المعنى الحقيقي لمفهوم الحرية في العالم؛ لأن "الحرية الأساسية للعالم هي حرّية المرأة، فالأحرار لا يولدون لأمّهات مستعبدات، والأمّ المقيّدة بالسلاسل لا تستطيع الاختيار ولكن تعطي بعدًا لتلك العبودية لأولادها وبناتها. لا يمكن لامرأة أن تعتبر نفسها حرّة إلى أن تستطيع الاختيار بوعي ما إذا كانت تريد أو لا تريد أن تصبح أمًّا"[8].

أسهمت الثقافة الذكورية والفكر الأبوي في اختزال المرأة في إطار جسدها ووظائفه، فهناك آراء عدد من الرجال تعكس الإجماع الثقافي على الدور الطبيعي للمرأة. فهم يؤكدون أن طبيعة المرأة تتحدد بقدرتها على جذب الرجال، ولا يرون أيّة قيمة لأيّ تحديد آخر، وكلها ترجع إلى الطبيعة البيولوجية. فالمرأة لها سمة أنوثتها إذا كانت جذّابة كفاية للحصول على رجل، ومن ثم الحصول على بيت، حيث سيسمح لها بالبدء في تحقيق هدف حياتها في الأمومة والإرضاع[9]. والكلام السابق يعني اختزال المرأة في جسدها ووجودها البيولوجي، وهدف حياتها الأمومة والإرضاع. فقد أكد الكاردينال "جريجوريو بارباريجو" مدير الكلّية اللاهوتية في جامعة "بادوا"، وهو أسقف مدينة بادوا، رفضه تعليم المرأة، حينما طُلب منه ذلك، قائلًا: "لا يمكن، لقد خلقت المرأة للأمومة وليس للتعليم"[10]. وحتى علماء النفس والأطباء النفسانيون الذين يحتضنون المعايير الجنسية للثقافة المعاصرة، فمعظمهم لا يرون أبعد من التصورات النمطية لطبيعة الأنثى، وأفكارهم تخدم الصناعة والتجارة جيدًا، ولكن هذا لا يعني قطعًا أنّها صواب، والحال هذه، فإن علم النفس ليس لديه ما يقوله عن النساء: ماذا يردن، وما الذي يحتجن إليه؟ والسبب الأول لإخفاق علم النفس في فهم الناس وكيف يتصرفون أنه يبحث في الخصائص الداخلية للشخصية، بينما يتوجّب عليه البحث أولًا في الظروف الاجتماعية المحيطة بالشخصية وأثرها في صياغة الشخصية ذاتها، والسبب الثاني هو أن واضعي النظريات عن الشخصية هم معالجون بشكل عام. وفيما يخص النساء يجب فهم الظروف الاجتماعية التي تعيش في ظلها النساء حتى نتمكن من فهم التوقعات والدوافع الخاصة لسلوكهن. وباستثناء الفروق بين الأعضاء التناسلية فلا يوجد فرق بين الرجال والنساء[11].

ويشير خوسيه أورتغا إي غاست إلى أن "رسالة الأنثى البشرية التاريخية تظهر من غير وضوح لنسياننا أن المرأة ليست الزوجة، ولا هي الأم ولا الأخت ولا البنت. وكل هذه الأشياء رواسب تضفي على الأنوثة أشكالًا تتبناها المرأة حينما تتخلى عن أن تكون امرأة، أو حينما لا تكون امرأة. لا شك في أن العالم يظل مبتورًا بشكل مخيف إن أبعدت منه هذه القوى الروحية العجيبة التي هي الزوجة والأم والأخت والبنت، المقدرة والممتازة جدًا حتى يبدو محالًا أن يوجد شيء يفوقها. لكن، من الضرورة القول إنه لا تكتمل بها طبقات الأنوثة، وهي أدنى وثانوية إذا قورنت بما هي المرأة، حينما تكون امرأة ولا شيء آخر"[12]. وواضح أن الكاتب لا يرفض وظيفة الأمومة أو غيرها مما تؤديه المرأة، لكن هذا ينبغي أن لا يتعارض مع كينونتها الأصلية بوصفها امرأة قبل أن تكون أمّا أو زوجًا أو أختًا أو بنتًا، ويجب أن لا يلغي تلك الكينونة؛ لأن كل الأدوار السابقة ستمسي لغوًا، إذا ما فقدت المرأة كينونتها الأصلية.

أسهمت الثقافة الذكورية والفكر الأبوي في اختزال المرأة في إطار جسدها ووظائفه، فهناك آراء عدد من الرجال تعكس الإجماع الثقافي على الدور الطبيعي للمرأة

وحينما تحيد المرأة عن النمط الذي وضعها في داخله التمركز الذكوري، وتقوم بوظيفة غير معتمدة في اللائحة الذكورية، فإن هذه الوظيفة تكون منبوذة، وتوصف صاحبتها بشتى الأوصاف التي تحطّ من شأنها، ولا يتفهّم الرجال أنّها تقوم بالوظيفة الصحيحة لها، بل تكون قد شذّت عن القاعدة، لأنها لم تأخذ في الاعتبار الأولوية في وظيفتها، وظيفة الأم. ومثال ذلك نموذج الملكة إليزابيث الأولى (1533 - 1603م)، ملكة إنجلترا لنحو من نصف قرن، وقد عرفت بـ"الملكة العذراء" لأنها امتنعت عن الاقتران بزوج، ما حال دون ظهور وظيفة الأم في حياتها، ولهذا وصفت بأنها كانت رجلًا متنكّرًا، وامرأة غامضة، ومتعطشة للدماء، وعديمة الأنوثة، وحادة الطبع؛ لأنّها خرجت على النسق السائد لصورة المرأة من منظور الرجل، ولأنّها نجحت في دورها بوصفها ملكة عظيمة، ولعلّ من أهم إنجازاتها أنها أثبتت أن وظيفة الملكة هي إحدى الوظائف التي تلائم النموذج الصحيح للمرأة[13].

وترى "برودنس ماكنتوش" أن الأقدار الجنسية نتعلمها بالثقافة، ولو أن المدرسة والأصدقاء والتلفاز تخلّصوا من التفرقة الجنسية، فإنّ البنات سيتخلصن من عرائسهن، ويتجهن مباشرة إلى قاعة الاجتماعات، بينما سيفكّر الأولاد في مهمة احتضان الأطفال[14]. إن الكلام السابق يؤكد على دور الثقافة في تنمية الفوارق الجنسية بين الذكر والأنثى، ولولا ذلك لتلاشت تلك الفوارق، ولكن عندما تلحّ الثقافة على خلق صورة نمطية للأنثى، (ومنها صورة الأمّ) وأخرى للذكر، ويعد تجاوزها شذوذًا فإنّ هذا تحديدًا ما ينمّي الفوارق بين الجنسين، ويجعل كل جنس رهين جنسه على أنّه قدر لا يفارقه، لأنّ مفارقته له تجعله شاذًا من منظور المجتمع والثقافة المتحكّمة به. وتوجد شواهد كثيرة نلمسها في حياتنا اليومية، فعندما يبكي الذكر، على سبيل المثال، تنهره أمّه وتقول له: عيب الرجل لا يبكي، أمّا فيما يتعلق بالأنثى، فمنذ لحظة الولادة تُعدّ لتكون أنثى، وبولادتها ومع نموّها تشهد عددًا لا متناهيًا من اللاءات التي تنهرها، لا تفعلي كذا، ولا تفعلي كذا...إلخ، وكل هذه اللاءات، لأنّها أنثى ولا ينبغي أن تقوم بأعمال تخرجها من دائرة الأنوثة، لأنّ هذا سيدخلها في دائرة الذكورة، وبذلك سيجعلها غير مقبولة في المجتمع والثقافة التي تحكمه؛ لأنّها ستبدو شاذة عن النمط السائد والصورة النمطية للأنثى. ووفقًا لذلك، فإن مخالفة الصورة النمطية للذكر أو الأنثى، تظهرهما بمظهر شاذ يرفضه المجتمع، الأمر الذي يجعل كل طرف يدافع عن صورته النمطية، ويكرّسها، حتى لو لم يكن راضيًا عنها. وهذا يفسر مناهضة النساء أنفسهن للحركات النسوية.


[1]- بيتي، رولن: الأمومة.. ومن الذي يحتاج إليها، ضمن كتاب الذكر والأنثى بين التميز والاختلاف، مقالات مختارة، تر: محمد قدري عمارة، مرا: إلهامي جلال عمارة، تقديم: هالة كمال، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط1، 2005، ص388

[2]- المرجع السابق نفسه، ص390

[3]- المرجع نفسه، ص390-391

[4]- المرجع نفسه، ص389

[5]- فرايدي، نانسي: أمّي مرآتي، بحث الابنة عن الهوية الضائعة، تر: راتب شعبو، تيسير حسّون، دار السوسن، دمشق، ط1، 2000، ص ص60-61

[6]- بيتي، رولن: الأمومة.. ومن الذي يحتاج إليها، ص388

[7]- المرجع السابق نفسه، ص380

[8]- سانجر، مارجريت: تنظيم النسل.. مشكلة الرجل أم المرأة، ضمن كتاب الذكر والأنثى بين التميز والاختلاف، ص315

[9]- ويزتين، ناعومي: علم النفس.. ونظرة إلى الأنثى، ضمن كتاب الذكر والأنثى بين التميز والاختلاف ص156

[10]- ماك كيجان، دروثي: أن تكوني امرأة، ضمن كتاب الذكر والأنثى بين التميز والاختلاف، ص231

[11]- ويزتين، ناعومي: علم النفس.. ونظرة إلى الأنثى، ص158-159، 175-176

[12]- أورتغاي إي غاست، خوسيه: دراسات في الحب، تر: علي إبراهيم أشقر، الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق، 2013، ص116

[13]- سايرز، دوروثي: هل النساء بشر؟ ضمن كتاب الذكر والأنثى بين التميز والاختلاف، ص72

[14]- ماكنتوش، برودنس: الرجولة والأنوثة، برودنس، ضمن كتاب الذكر والأنثى بين التميز والاختلاف، ص61