في تطوّر مفهوم الجهاد عبر تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر

فئة :  قراءات في كتب

في تطوّر مفهوم الجهاد عبر تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر

قراءة في تطوّر مفهوم الجهاد عبر تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر([1])


يظلّ مفهوم الجهاد أحد أبرز المفاهيم الدينيّة التي لم يهدأ حولها الجدل، نظراً لما يُمثله من مركزيّة في فكر جماعات الإسلام السياسي، ولما يُثيره من جدل حول الإسلام والمسلمين في الخارج بسبب ممارسات جماعات الجهاد المُعولم في أوروبا وأمريكا. كذلك الصراعات الداخليّة بين الأنظمة والداعمين له من الجماعات الدينيّة المتبنيّة للجهاد المحلي بدرجات. وعلى الرّغم من أنَّ مفهوم الجهاد كغيره من المفاهيم الدينيّة تُستنبط دلالته بالاستناد إلى النصّ الشرعي إلّا أَّن إدراك هذا المفهوم وتطبيقاته يخضع لتأثيرات الظروف والأحوال الإنسانيّة، سواء المتعلقة بالإنسان أو المتعلقة بالواقع المتغير، وهو ما لم ينتبه إليه الكثيرون.

لذا فمن أجل فهم أدقّ لأفهام وممارسات جماعات الإسلام السياسي لمفهوم الجهاد، يأتي كتاب "تطور مفهوم الجهاد: دراسة في الفكر الإسلامي المعاصر" لمؤلّفه: "محمود محمّد أحمد"، الصادر في 2015 عن الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر.

والأمر المميّز في هذا الكتاب هو سعيه إلى استكشاف التطوّرات التي لحقت بالمفهوم عبر تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر، حيث انطلق من فرضيّة رئيسة تقول بتطوّر مفهوم الجهاد لدى المفكّرين المسلمين في العصر الحاضر. ولذا حاول رصد التطوّرات الحاصلة له عبر فهم المصطلحات التي ترافقه عند كلّ من أعطى فهماً للمصطلح، وذلك بدءاً من نصوص الإسلام المؤسّسة، مروراً بالفقهاء والمتكلّمين، وصولاً إلى المدارس الحديثة والمعاصرة، وقراءة التغييرات التي لحقت به، التي تكشف في جوهرها تطوّرات المجتمع الإسلامي وموقع الدين في هذا التطوّر، وحرص المفكّرين الدينيّين على أن يكون الدين ومفاهيمه مواكبة لهذا التقدّم. فنجد من حاول أن يخرج بمفهوم له يتناسب مع الدولة الحديثة وحصره في دائرة الدفاع، وآخرين زجّوا بالمفهوم في معاركهم السياسيّة ليُصبح وسيلة وحيدة للوصول إلى سدّة الحكم.

***

في النصّ المؤسّس

شكّل مصطلح الجهاد في النصّ القرآني حقلاً دلاليّاً خاصّاً به مع مجموعة المفاهيم الأخرى، فلا نجد ذكراً لمصطلح الجهاد في الآثار الجاهليّة قبل القرآن. وحسابيّاً ذكرت كلمة الجهاد ومشتقاته 34 مرَّة، ممَّا يُعتبر مؤشّراً على أنَّه ابتكار قرآني. وعلى الرّغم من أنَّه مشتق من الأصل الثلاثي للجذر العربي "ج هـ د"، إلّا أنَّه وُلد في النصّ القرآني وتبلور بنزوله وشكّل حقلاً دلاليّاً خاصّاً به، مع مجموعة من المفاهيم في المعجم القرآني. فبدراسة السياق نجد أنَّ مدلوله هو بذل الجهد أيّاً كان شكله وصورته من أجل إعلاء كلمة التوحيد. وبخلاف النصوص القرآنيّة المحدودة يحتلّ الجهاد حيّزاً كبيراً في السّنَّة، حيث حظي بقسط وافر في الحديث عنه، وهو ما استند إليه الفقهاء، ليتغيّر مسار الغاية من مفهوم الجهاد في المفهوم القرآني. فمرحلة الجهاد الفقهي ما هي إلا امتداد للحركة التي بدأت في عصر الصحابة من أجل إبلاغ الدعوة الإسلاميّة إلى البشر كافة خارج جزيرة العرب، حيث قرؤوا نصوص القرآن والأحاديث المتعلقة بموضوع الجهاد على أساس التطابق الذي ظنّوه بين الجهاد والقتال، وكان هذا إلى جانب استمرار الممارسة العمليّة للجهاد بصورة قتاليّة في عهدهم.

وبالنظر إلى ما وقع في هذه السبيل من "الفتوحات الإسلاميّة"، يتبيّن لنا حاليَّاً ـبحسب الكتاب- أنَّ حجم القوّة التي صدّت عن سبيل الله حينئذ كان هائلاً، ولذلك استخدم الصحابة أشدّ الوسائل الجهاديّة "القتال" لمواجهته، ممّا تسبب في بروز هذا "الوجه القتالي" للجهاد، الذي استثمره الفقهاء إلى الحدّ الذي أصبح فيه المفهوم في مصنّفاتهم مساوياً ومطابقاً للقتال، وتمّ اختزاله بشكل أساسي في المواجهة العسكريّة بين دار الإسلام ودار الكفر، وانحصر مجاله -أو كادَ- في قتال الكفّار الحربيين بهدف إعلاء كلمة الله وإعزاز الدين، وحماية دار الإٍسلام من الاعتداء.

ويشير الكتاب إلى مساهمة الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة للمجتمع المسلم في ذلك، فبعد حدوث الفتوحات امتدّت رقعة دار الإسلام، ودخلت بلاد كثيرة بشعوبها ومختلف أديانها وتقاليدها في هذه الدار نتيجة مواصلة الجهاد (القتال)، وهذا أدّى إلى تأسيس دولة الخلافة وبسط سلطانها على مساحة كبيرة من العالم. ودولة كبيرة كهذه تحتاج إلى أنظمة ومؤسّسات تسهّل على الخليفة تدبير شؤونها، فبرز الجهاد في ثوب جديد ليؤدّي دور أحد أهم مؤسّسات الدولة، حيث بدأ الفقهاء بالتنظير لمؤسّسة الجهاد التي أصبحت جهازاً عسكريّاً ضخماً، وتقعيدها والتقنين لها. فقد أصبحت وظيفة هذه المؤسّسة رسم العلاقات الخارجيّة لدولة الخلافة، فأبقى الفقهاء على وظيفتها لنشر الدعوة وأحدثوا لها وظائف ناتجة عن وظيفتها الأولى، أي إدارة شؤون دار الإسلام العسكريّة وعلاقتها بدار الكفر "الحرب" سلماً وحرباً. وهذا هو السبب الذي يراه المؤلف في تسمية الكتب المخصّصة لهذا الموضوع في كثير من المدوّنات الفقهيّة بكتب السير بدلاً من كتب الجهاد. إذ أريد من ذلك أن يبينوا سيرة المسلمين في المعاملة مع المشركين من أهل الحرب ومع أهل العهد منهم من المستأمنين وأهل الذمّة ومع المرتدّين...لذا كان من الطبيعي أن يتكلّموا في هذا الكتاب (كتاب السير) عن تفاصيل الحروب وما يدور في أرض المعركة ومعاملة الإمام للجيش ومعاملة الجنود له ومعاملتهم جميعاً لأهل الحرب قبلها وفي أثنائها وبعد انتهائها...وكلّ هذا أدّى بشكل حاسم إلى حصول التطابق المفهومي التام بين الجهاد والقتال في عصر الاجتهاد الفقهي بمختلف مدارسه. وعلى الرغم من عرض الفقهاء المعاني الأخرى للجهاد في بعض المواضع، إلّا أنَّ عرضهم لها كان هامشيّاً، حيث لم يتجاوز التعريف اللغوي، حيث لم ينبنِ عليها حكم فقهي. في حين حدّد المتصوّفة الجهاد في مجموعة من الأعمال والنشاطات البدنيّة وتحميل المشاق على النفس بآداب مخصوصة من أجل تخليتها من الرذائل وتحليتها بالفضائل، وبالتالي بقي في دائرة محدودة ولم يتحوّل إلى مطلب رئيس للصوفيّة، وإنَّما هو وسيلة فرعيّة وأداه مقطعيّة يستخدمها السالك في طريقه. ودور الجهاد في هذا المشروع هو الوسيلة الأنجح التي يكفل استخدامها نجاح المسلمين في مهمّتهم، والمستند الأساس لكلّ ذلك هو عمل الصحابة والمسلمين الأوائل يوم خرجوا ثائرين ضدّ حكم كسرى من جانب وقيصر الروم من جانب آخر، وأزالوا الاثنين وأقاموا النظام الإسلامي.

في ضوء الفكر النهضوي والفكر التجديدي

وفي إطار سعيه إلى رصد التطوّرات المفهوميّة للجهاد عند روّاد النهضة والإصلاح الديني في المجتمعات المسلمة، يحدّد الكتاب هذه الفترة بالحقبة الزمنيّة الممتدة من بداية الاستعمار حتى منتصف القرن العشرين وقيام الدولة الوطنيّة في معظم البلاد الإسلاميّة، مقتصراً على من لهم دور ريادي في إحداث التغييرات وكانوا المعبّرين الأساسيين عن الفكر الإسلامي في تلك الحقبة. ويشير المؤلف في خصوص هؤلاء إلى حدوث تطوّر نوعي وتحوّل في النقاش حول مفهوم الجهاد وممارسته، وذلك بدخول مُفردة الجهاد في نسق جديد من المفاهيم مختلف تماماً عن المنظومة المفاهيميّة لدى الفقهاء، حيث تقاطعت هذه التطوّرات مع المفهوم التراثي الذي حدّدت صيغته النهائيّة في الفقه الإسلامي. وعليه يميّز الكتاب بين أربعة اتجاهات في فهم الجهاد كالتالي:

1- الجهاد دفاع عن الدين لا الأوطان: وهو عبارة عن قراءة للفقه الحنفي في إطار ضيّق، حيث يعاد تأويلها بأثر رجعي لتصوّرات حديثة. وحيث يُفترض مُسبقاً أنَّ مفهوم الجهاد مُرادف للحرب الدينيّة التي يقابلها مفهوم الحرب المدنيّة، زاعمين أنَّ ذلك ما يقوله التراث وليس النصوص المؤسّسة، ومن روّاد هذا الاتجاه السيد أحمد خان الهندي.

2- الجهاد إصلاح (جهاد الوقت): حيث يقارب أصحاب هذا الاتجاه مفهوم الجهاد من منظور اجتماعي، فالجهاد وسيلة للوصول إلى مقصدهم الكبير وهو إصلاح المجتمع وإخراجه من التخلّف. وهو مرتبط بتبادل الناس مواهبهم وقدراتهم الفرديّة وإمكانياتهم الماديّة والمعنويّة، حيث يكون الاعتماد على أفراد المجتمع وليس على الحكومة، فيكون من الطبيعي أن يتجنّب فيه المنظّرون "السياسة"، ولكن مع عدم الالتفات إلى الحكومة والرهان على أفراد الأمّة، وتحضيرهم لهذه المهمّة. ليخرج بذلك الجهاد عن معناه الفقهي المرادف للقتال في محاولة لتعميمه، لكنَّهم سرعان ما يعودون إلى تخصيصه مرَّة أخرى بالجهاد في سبيل الإصلاح بالأموال والأنفس.

3- الجهاد بمعناه العام: أي بإرجاع المفهوم إلى أصله، حيث يكون هناك فاصل مفهوميّ واضح بين الجهاد والقتل.

4- جهاد الدفاع: وأصحاب هذا الاتجاه بحسب الكتاب، هم من فرّقوا بين جهاد الدفاع وجهاد الطلب، وناصروا مفهوم الجهاد الدفاعي رافضين الجهاد الابتدائي رفضاً تامّاً.

ويُشير الكتاب إلى الغياب التام للجهاد المطابق للجهاد الذي يمارس في ميدان الحرب. كما أنَّ هناك قاسماً مشتركاً بين جميع الاتجاهات في فهم الجهاد منفصلاً عن القتال بعيداً عن العنف وشهر السلاح، وهذه نقلة نوعيّة في المفهوم، حيث يتقاطع المفهوم في هذه المرحلة مع ما سبقه، وتحصره حزمة أخرى من المفاهيم. حيث ارتبط بمفاهيم أخرى مثل الإصلاح والتنمية والتربية والتعليم والنهضة والتقدّم والولاء للحكومة والتعايش السلمي ونبذ العنف، وغيرها من المفاهيم التي أثرت في فهم الجهاد وتفسيره وطريقة ممارسته.

وممَّا ساهم في تشكيل رؤى جديدة للعالم لدى أصحاب هذه الاتجاهات توافر عدّة عوامل أبرزها:

1- الانشغال الفكري بالحاجة إلى التقدّم والنهضة (التنمية): خاصة وأنَّ البلاد الإسلاميّة كانت غارقة لقرون في النكوص الحضاري بعد نهضة سابقة وصلت فيها الحضارة الإسلاميّة إلى ذروتها، لتصبح مجمل الأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة سيّئة، في وقت تشهد أوروبا قفزات في جميع نواحي التقدّم البشري. لتدفع هذه الحيرة إلى فكرة التنمية والتقدّم والنهضة ومواكبة التمدّن. فكانت هذه المفاهيم استجابة لأمر عبور الهوّة وسدّ الثغرة بين هذين العالمين. حيث يبدأ منذ ذلك الحين الأخذ بمنجزات الغرب. وبعد الاطلاع على قدراته المختلفة -ومنها العسكريّة- كان تطوير المفكّرين لمفهوم الجهاد، إذ أنَّهم كانوا بحاجة لفهم الدين وخاصّة عند التعامل مع الغير بطريقه تعينهم على تحقيق هدفهم وهو النهوض بالمسلمين.

2- الاستعمار: فمع دخول أوروبا في العصر الصناعي بما أنتجه من تراكم الثروات والبضائع وبروز النزعة الاستعماريّة، كانت الحاجة إلى البحث عن أسواق جديدة تستوعب منتجاتها مع الاستفادة من مصادر جديدة تؤمّن المواد الأوليّة والعمالة الرخيصة، فكان وقوع غالب الدول تحت وطأة الاستعمار، ومع الانتفاضات والمقاومة تفشل كلّ هذه الجهود نتيجة عدم التوازن في القوى. لتدفع كلّ هذه الظروف إلى تقليص البُعد العسكري للجهاد لصالح التعايش السلمي، والأخذ به في جميع المستويات بغية التخلص من المستعمر في نهاية المآل.

3- التصدي للخطاب التنويري ومن ضمنه الاستشراق الوافد على البلاد المسلمة: فقد حرص الاستعمار على تكوين طبقة من السياسيّين وكبار الملّاك والمثقفين والمتعلمين ترتبط مصالحها بمصالحهم وتقوم بالدعاية المدروسة لهم لإكسابهم شيئاً من الشرعيّة، إلى جانب الدراسات الاستشراقيّة التي استهدفت توظيف أيديولوجيّة تبرّر حضور المستعمر وتصرّفاته، حيث حظي موضوع الجهاد بحصّة الأسد في التشكيك والتنديد من قبل مثقفي أوروبا ومناصريهم في الداخل. ممّا دفع المفكّرين المسلمين إلى تطوير خطاب إٍسلامي يتناسب مع تطوّرات المشهد الثقافي وتجريد الجهاد من جملة الاتهامات الواردة.

وفي حين يعرّف الكتاب أصحاب الفكر التجديدي بأنَّهم معظم علماء المسلمين الذين برزوا على الساحة، وأثروا بكتاباتهم في مسار الفكر الإٍسلامي بشكل عام في الأوساط العامّة أو لدى الحركات الإٍسلاميّة، يشير إلى أنَّ أصحاب هذا الاتجاه يرون الدعوة لمشروعيّة الجهاد والقاعدة التي ينبني عليها، ولكنَّهم من أجل أن يخرجوا بتفسير دفاعي لمفهوم الجهاد أكّدوا سلميّة الدعوة في جميع الظروف والحالات، وبمعنى آخر تمَّ حصر الجهاد في دائرة القتال من أجل الدفاع فقط، لأنَّهم قرّروا أنَّ الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو السلم. وحتى يؤصلوا شرعيّاً أي "فقهياً" ذلك، لجؤوا إلى التأويل الانتقائي لبعض النصوص الفقهيّة في مختلف المذاهب، لكنّهم لم ينجحوا في إثبات انبناء تصوّراتهم على الآراء الفقهيّة. حيث اختلفوا مع الفقهاء في بيان طبيعة الدعوة إلى الإسلام والأصل في علاقة المسلم بالآخر وتحديد الباعث على القتال.

في فكر الحركة الإسلاميّة

دخل مفهوم الجهاد على يد أصحاب هذا الاتجاه في الفترة من سقوط الخلافة العثمانيّة حتى عهد الاستقلال الوطني مرحلة جديدة بعيداً عن موقف الفقهاء الذين يرونه الدعوة القهريّة أو الدعوة بالقوَّة، والإصلاحيّين والتجديديّين الذين يرون الجهاد وسيلة دفاع عن المسلمين وحماية الدعوة الإسلاميّة. كان الجهاد لدى سائر المعبّرين عن الفكر الإسلامي قبل الحركيين مرتبطاً بالدعوة، ليأتي الحركيّون ويفصلوا بين مهمّة الجهاد ومهمّة الدعوة على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعبر التفسير الذي قدّموه للمنكر، ووظيفة المسلمين في إزالته كواجب وضعه الإسلام على عاتقهم، وتفسير الإٍسلام على أنَّه في أحد جانبيه نظام للحكم يصل إلى سدّته بالقوّة الثوريّة، ويُقيم حكمه وحضارته على أنقاض سائر الحضارات الفاسدة الموجودة بالعالم. وقد غذّت السياقات السياسيّة مثل هذا الطرح، خاصَّة بعد سقوط الخلافة المتمثلة في الدولة العثمانيّة، التي كان يراها كثيرون من مفكّري الإسلام "الرابطة" بين المجتمعات الإسلاميّة وهي الرابطة التي انقطعت، وقامت بدلها الدولة الوطنيّة في معظم الأقطار الإسلاميّة. ويشهد العالم في الوقت نفسه حربين عالميتين اجتاحتا معظم أرجاء العالم الإٍسلامي ولم يسلم من تبعيتها مجتمع مسلم، وانضاف إلى كلّ هذا ما تعرّضت له فلسطين، وتهميش الإسلاميين في مؤسّسات الدولة الجديدة. كلّ ذلك كان له انعكاساته حيث وّجه المفكرون الإسلاميون النقد للغرب. وهو نقد لم يتوقف عند حدّ سياساته، بل امتدّ ليشمل الثقافة والحضارة بأكملها، ومن هنا برزت كتابات أبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي.

وهنا يشير الكتاب لخصوصيّة جغرافيّة وسياسيّة لأفكارهما، وهو ما لم ينتبه إليه كثير ممَّن اتَبع أطروحاتهم من عموم المسلمين، حيث تزامنت تلك النقاشات مع الحديث حول من سيخلف حكم الإنجليز في نهايات الفترة الاستعماريّة للهند ذات العرقيّات والإثنيّات المتعدّدة، التي يُشكل المسلمون فيها أقليّة والهندوس أغلبيّة. بالنظر إلى أهمّ ما كتبه الندوي نجده وصل في تحليله إلى أنَّ الأوضاع العامَّة تكشف عن مدى الجاهليّة التي يعيش فيها العالم تحت حكم الحضارة الغربيّة، كذلك الخسارة التي تكبّدتها البشريّة بانحطاط المسلمين، لأنَّهم عاجزون عن تقرير مصيرهم. وقد نبّه المودودي لفساد الحضارة الغربيّة وتسرّب العبوديّة الفكريّة للغرب في التعليم، كذلك انتقد القوميّة ومبادئها ومظاهرها، وأعلن عن وجود مشروع حضارة بديلة للحضارة الغربيّة ألا وهي الحضارة الإسلاميّة. في حين كانت مقاربة المودودي للجهاد عبر نقده المرير للقوميّة بناء على خلافه مع القادة القوميين ومعارضته لفكرة باكستان، ووصفه للحضارة الغربيّة التي كانت مُعتمد الجميع في بناء الدولة بالفساد. حيث واجه المودودي الجميع بفكرة تمايز الإسلام الذي كان يساوي عنده الحزب الإٍسلامي في مقابل أحزاب "الرابطة الإسلاميّة" و"المؤتمر الهندي" الذي أسّسه القوميّون، وبين طرحه للدولة والسيادة عبر "الحكومة الإسلاميَّة" وسيادة قانون الإسلام الذي ترجم إلى العربيَّة بـ"الحاكميَّة".

وبصفة عامّة، فالإضافة التي حققها الحركيّون لمفهوم الجهاد تمثّلت في أمرين: الإضافة الاستراتيجيّة، وهي ربط الجهاد بالحركة وجعله وسيلة للتغيير في يد الحركيين. والثانية الإضافة المعرفيّة، وهي الردّ بقوّة على دعاة الجهاد الدفاعي وبيان معالم الدور الحركي التغييري للجهاد.

وثمَّة ملاحظة يشير إليها الكتاب، وهي مرتبطة بفكرة الخصوصيّة التي سبق الإشارة إليها، تدفع إلى الانتباه إلى محاولات بعض الدارسين حصر كتابات بعض المنظرين في الأجواء التي عاشوا فيها وتضخيم المشاكل الفرديّة التي واجهوها، وذلك في إطار الحديث عن سيد قطب الذي حاولوا تحديد نصوصه في الإطار الضيّق لفترة الخمسينات والستينات من القرن المنصرم حيث عاش، والربط بتكلف بين القضايا التي يعالجها والمشهد السياسي والاجتماعي والثقافي. على الرغم من أنَّ النص ساكت عن إرجاع التحليلات إلى الأوضاع المعاصرة للمؤلف. فتبقى إذن عمليّة الإرجاع مجرَّد تخمينات وتقييم لا يدعمه دليل من فحوى النص، خاصّة وأنَّه ثمَّة إشارات في نصوص المؤلف تدلّ على أنَّه كَتبَ ليعبر الحدود الجغرافيّة والاجتماعيّة والثقافيّة الضيقة التي عاشها، ولربما أُريد له أن يتجاوز الزمان أيضاً، ليكون مخططاً واضحاً لمشاريع التغيير عبر الأجيال، وهو ما انتبه له البعض، حيث أشاروا إلى عدم حدوث تغيير جذري في البنية الإبستمولوجيّة لعقليّة المؤلف، على الرغم من مروره بتحوّلات فكريّة متنوّعة وتجارب ثقافيّة عديدة، وأيضاً تعرّضه للتعذيب والتنكيل.

ويشير الكتاب إلى أنَّ أهمّ ما نجح هذا الاتجاه في ترسيخه هو جعل إقامة الدولة الإٍسلاميّة الأولويّة المقدّمة، والهدف الرئيس لدى جزء كبير من المنتسبين إلى الحركة الإسلاميّة، حيث اعتبروا إقامة هذه الدولة السبيل الوحيدة لاستعادة الإسلام وتحكيم قيمه وقوانينه من جديد في مجتمعات خرج الجميع فيها من ربقة الإٍسلام وفضّلوا العيش تحت أنظمة الجاهليّة.

في الفكر الحركي المسلّح

وأمام التحدي الأكبر لكلّ من اعتقد في صلاحيّة هذه الأفكار حول كيفيّة الحفاظ على الدين، حيث لم يعد مُمكناً العيش الإسلامي في ظلّ الأنظمة الجاهليّة، كان لا بدّ "للفتية المؤمنة" الذين بقوا على الإٍسلام أن ينتظموا ضمن تنظيم غايته الاستيلاء على السلطة، بغية إقامة النظام الذي يحكم بما أنزل الله، مستهدفين إحياء الفريضة الغائبة. إضافة إلى ما رأوه من سيادة القيم والمبادئ غير الإسلاميّة التي حوّلت المجتمعات المسلمة إلى كافرة، وممارسات الحكام الشركيّة بحسب الكتاب.

وبالنظر إلى الصورة النمطيّة التي تمّ تسويقها إعلاميّاً تجاه هؤلاء الشباب، نجد أنَّهم مجموعات غير متحضّرة ساذجة بعيدة عن الحضارة والمدنيّة لديهم عقد نفسيّة تجاه المجتمع، ولا يستطيعون التعايش مع الواقع، كما حرص رجال الدين على ربطهم بالفرق العقديّة القديمة في تاريخ المسلمين وخاصَّة الخوارج.

ويشير الكتاب إلى تعدّد العوامل التي أدّت إلى تشكيل وعي الشباب ودفعتهم لاختيار نهج العنف المسلّح، بالإضافة إلى أدبيّات المودودي وسيد قطب ومن أبرزها:

1- تفاقم الأزمات الاقتصاديّة وتردّي الأوضاع المعيشيَّة لشريحة واسعة من أفراد الطبقة الوسطى، إضافة إلى انسداد الأفق السياسي، فضلاً عن القضيّة الفلسيطينيّة التي لم تحل. هذا الإفلاس من قبل الأنظمة دفع بجميع الإسلاميين نحو طرح البديل الجاهز لديهم، وهو الإٍسلام بشموليته.

2- حالة المرجعيّة الدينيّة منذ أواخر الستينات؛ فتبعيتها للأنظمة أسقط مرجعيتها في وعي المجتمع، فهي لم تعد مستقلة ولا قادرة على التصدّي للمستجدّات، حيث أصبحت مجرَّد مؤسَّسة من ضمن مؤسَّسات الدولة.

لكلّ ذلك رأى هؤلاء الشباب وضع الدول الحديثة في المجتمعات المسلمة في تحاكمها إلى الدساتير والمواثيق شبيهاً بدولة التتار، تُنازع الله في التشريع، كما تتبنّى المرجعيّة العلمانيّة، مُتخذة المواقف الإسلامّية ورجال الدين داعمين لشرعيتها ولتبرير علمانيتها.

وبعد عقدين تقريباً من مواجهة الأنظمة تنشقّ جماعات الجهاد إلى شقين:

- جزء تخلّى عن منهج العنف: وقام بسلسلة من المراجعات حول مفاهيم رئيسة في أيدلوجيّتها. وذلك لعدة أسباب أبرزها: فشل مشروع تغيير النظام السياسي بالقوة -الجهاد، نتيجة المواجهات الأمنيّة التي تسبّبت في اعتقال وقتل وهروب الكثير من الكوادر، ممّا شلّ حركتهم وزاد من خسائرهم. إضافة إلى التطوّر العميق الذي حدث في تفكير القادة المسجونين نتيجة القراءة والتأمّل الذي وفّرته فترة السجن وعزلتهم.

- وباندلاع الحرب الأفغانيّة وتداعياتها ومشاركة الأفغان العرب فيها، ورمزيّة دور أسامة بن لادن، أعطت هذه التجربة إجمالاً طابعاً عالميّاً، وذلك بالتقاء مقاتلين من بلدان عديدة وخلفيّات فكريّة مختلفة، وتدرّبهم على مُصارعة قوى كبيرة وهزيمتها، ثمَّ سقوط الاتحاد السوفيتي وانفراد الولايات المتحدة فيما بعد بالعالم كقطب أوحد. ونتيجة استحالة الجهاد المحلّي بسبب إجراءات مكافحة الإرهاب التي اتخذتها الحكومات، ممّا صعّب من حركة هذه التنظيمات محليّاً، بالإضافة إلى الممارسات الدوليّة لأمريكا في المنطقة ومطاردات المقاتلين وغياب منظّر حقيقي يدرس المرحلة ويفسّرها للمقاتلين، تشكّلت رؤية جديدة للعالم لدى هؤلاء تفيد بعدم جدوى مواصلة الأساليب القديمة في الصراع مع الأنظمة وتوجيه الضربات إلى أمريكا مباشرة، فبسقوطها يسقط حلفاؤها من الأنظمة المحليّة. وتمَّ حسم هذا التوجّه إثر عودة بن لادن وأنصاره إلى أفغانستان، حين دعا في بياناته إلى إخراج الأمريكيين من أرض الحرمين، وتحالف مع جماعة أيمن الظواهري ليتمّ الإعلان عن "الجبهة العالميّة لجهاد اليهود والصليبيين"، وتأسيس تنظيم قاعدة الجهاد، حيث يتطوّر المفهوم مرَّة أخرى من الطور المحلي إلى الطور العالمي، ليصبح "جهاد الصهيونيّة والصليبيّة العالميّة".

خاتمة

مع حرص المؤلف على قراءة تطوّرات مفهوم الجهاد عبر تاريخ الفكر الإسلامي التقليدي والسياسي- الحركي إلّا أنَّه تنقصه الإشارة إلى مفهوم الجهاد في الفكر الشيعي، حيث انحصر جهده في نطاق الفكر السنّي دون تقديم قراءة مقارنة ولو بسيطة للقارئ -المتخصّص وغير المتخصّص-، كما أنَّ نطاق دراسته وقف على مرحلة فكر تنظيم القاعدة دون الاشتباك مع مرحلة الجهاد في زمن تنظيم الدولة الإسلاميّة "داعش"، لاستكمال التعرّف على مراحل تطوّر المفهوم لدى هذا التنظيم من عدمه.

وعامَّة فإنَّ أبرز ما في الأفكار المطروحة في الكتاب هي تأكيده على تطوّر المفاهيم الدينيّة بانتقالها من حقبة إلى حقبة، بما يشير إلى أهميّة السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي في تشكيل مدلولات المفاهيم. وهذا يدفع نحو التأكيد على أنَّه بتغيير موقع المفكّر في خريطة العلاقات المحليّة والإقليميّة والدوليّة ومدى قربه أو بعده من السلطة السياسيّة وحجم دوره في المجتمع وتأثيره في مجريات الأمور من حوله، يمكن أن يقوم بتقديم تصوّر جديد لمثل هذه المفاهيم، أي أنَّ مفهوم الجهاد الحالي يحمل على عاتقه كلّ تبعات العلاقة بين المفكّر المسلم وفهمه للنصوص التراثيّة على خلفيّة رؤيته للعالم. وهذا يشير إلى أهميّة الدور الذي تلعبه السياقات المحيطة بالمساعدة في حلّ مشكلة العلاقة بين المفكّر المسلم وبين الآخر، ومن ثمَّ إيجاد حلول للهواجس الموجودة لدى هذا المفكّر، من قبيل الشعور بطمس الهويّة والاستهداف في الدين والتبعيّة في الإقصاء والتهميش نتيجة عدم إشراكه في المجالات المختلفة، وحرمانه من الوصول إلى الرأي العام والتعبير عمَّا لديه بحريَّة، وعدم القدرة على التعامل بنديّة والاستقلال بالرأي لتقرير المصير. حينئذ، يمكن أن يُطالب المفكّر المسلم بأن يُعيد النظر في فهمه للجهاد الذي سيخفّف من تبعيته لميراثه القديم، ومن ثمَّ يخرج بفهم أصيل، ومتوازن لهذا المصطلح وغيره بصورة تُساعد على النهوض المعرفي والثقافي والاجتماعي والسياسي بالمجتمع المسلم.

[1] نشرت في كتاب "الجهاد" منشورات مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث سنة 2018، إشراف بسام الجمل، تقديم أنس الطريقي.