معتز الخطيب: التراث ومعضلة النهوض والتجديد

فئة :  حوارات

معتز الخطيب: التراث ومعضلة النهوض والتجديد

 معتز الخطيب: التراث ومعضلة النهوض والتجديد*


الأستاذ معتز الخطيب باحث سوري، حاصل على الدكتوراه في "السنة وعلوم الحديث"، يعمل أستاذا مساعدا في مركز التشريع الإسلامي والأخلاق بقطر، وباحثا زائرا سابقا في معهد الدراسات المتقدمة ومركز الدراسات الشرقية في برلين، وأستاذا زائرا للدراسات الإسلامية في جامعتي قطر وبيروت الإسلامية.

من مؤلفاته "رد الحديث من جهة المتن: دراسة في مناهج المحدثين والأصوليين"، "سيد قطب والتكفير" (تحرير ومشاركة)، و"الغضب الإسلامي: تفكيك العنف، دراسة نقدية"، إضافة إلى العديد من البحوث والدراسات المحكمة المنشورة في عدد من المجلات العربية.

محمد بوشيخي: اشتغلتم في عدد من أبحاثكم على دراسة قضايا الإصلاح والتجديد، وهي قضايا استحدث الكلام فيها تحت وقع صدمة الحداثة الغربية، فكيف تقرؤون مسار وتفاعلات الفكر العربي منذ عصر النهضة إلى اليوم؟

معتز الخطيب: بدأت جهود البحث عن "الإصلاح والنهضة" منذ القرن التاسع عشر، ثم تحولت منذ خمسينيات القرن العشرين إلى بحث عن "التجديد"، وأمكن لي في عملٍ سابق قراءة تلك التحولات من خلال صيغ الأسئلة التي كانت تُطرَح؛ فقد تم الانتقال من سؤال "لماذا تقدم الغرب؟" إلى سؤال "لماذا تأخر المسلمون؟" ثم سؤال "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟"، ثم سؤال "لماذا أخفقت النهضة؟"، وهي صيغ تختزل زوايا النظر وأولويات التفكير، كما تظهر أن الغرب الناهض هو محور التفكير والمقايسة من جهة، ومن جهة أخرى شكّل التراثُ محورًا لإعادة التفكير تحت أهداف ومقاصد متعددة لتحقيق النهوض المنشود.

وقد حفل تاريخنا الفكري والثقافي الحديث بالعديد من الاتجاهات والمشاريع في هذا الخصوص، ولا يمكن اختزالها في أسطر قليلة هنا، ولاسيما أن ثمة قراءات ومداخل مختلفة، لكن شاع تقسيم رضوان السيد لذلك إلى مرحلتين: الإصلاحية (الأفغاني وعبده) وإشكاليتُها كيف نتقدم؟، والإحيائية (رشيد رضا في مرحلته الثانية وحسن البنا وحركته) وإشكاليتُها كيف نصون هويتنا؟، إلا أن المتتبع للتاريخ الفكري والثقافي الحديث، يجد أنه موّارٌ وحافلٌ بالفعالية والإنتاج ما يجعله أوسع من تلك الثنائية الطاغية والمهيمنة، ولا نزال نفتقر إلى تأريخ فكري رصين ومستوعب بعيدًا عن التنميطات السائدة.

وفي الجملة يمكن القول إنه وُجدَ طيفٌ واسع من التوجهات تبدأ بالنهضوي التغريبي الذي يعمل على شاكلة الغرب، حذو القُذة بالقُذة، مرورًا بالنهضوي العصريّ الذي رأى في فكرة المنافع العمومية والتنظيمات وإقامة الدولة العصرية مخرجًا دون حاجة إلى قطيعة مع الإرث الثقافي والديني (كالطهطاوي وخير الدين التونسي)، ثم الإصلاحي الإسلاميّ (كمحمد عبده ومدرسته) الذي رأى ضرورة إصلاح مناهج التربية والتعليم للنهوض بالمجتمعات وضرورة الإصلاح الديني للنهوض المدني، ولو تجاوزنا القرن التاسع عشر إلى العشرين سنجد مشاريع صون الهوية واستعادة الخلافة أو الدولة الإسلامية (البنّا وحركته)، وحركة الإصلاح الفكري وأسلمة المعرفة، وأطروحة مشكلات الحضارة، وأن الإصلاح يبدأ بإصلاح الإنسان نفسه مع موقف سلبي من العمل السياسي (مالك بن نبي)، إلى غير ذلك من المشاريع والأطروحات.

في المقابل، شكّل التراث معضلة في سياق البحث عن النهوض والتجديد، فقد تَحَول منذ ستينيات القرن العشرين إلى "إشكالية" بعد أن كان في القرن التاسع عشر عنوانًا لنهوض ثقافيّ عام لا يجد أيّ حرج أو إشكال في العودة إليه، أو في إعادة نشره وتحويله إلى فن علمي له تقاليده وقواعده، أو في تعميق الوعي به وبناء معارف جديدة على أساسٍ منه. وإشكالية التراث هنا لم تقتصر على فكرة العودة ودلالاتها فقط، بل تعدَّته إلى إعادة التساؤل عن جدوى التراث نفسه، وعلاقته بالحداثة وسؤال النهضة، بل أبعد من ذلك برزت مشاريع تهدف إلى تفكيكه للتخلص من سلطته التي نُظر إليها على أنها من معوقات الحداثة المنشودة.

فما ميز قراءة التراث والعودة إليه في مرحلة الستينيات وما بعدها هو كثافة التأويل مع اختلاط المعرفة بالأيديولوجيا، ولذلك وجدنا قراءات عديدة ومتنوعة تعيد إنتاج جملة مواقف من التراث، ما بين مواقف انتقائية ونفعية تَقضي بإبراز الجوانب التقدمية للتراث، بما ينسجم مع التوجهات الثورية السائدة في السبعينيات مثلاً (كما لدى حسين مروة وطيب تيزيني ومحمد عمارة في مرحلته الأولى)، ومواقف تَقضي بتفكيك نص التراث وسلطته لتحرير العقل الإسلامي من سلطة الماضي وأوهامه؛ كخطوة ضرورية للتحديث المطلوب والمنشود (كمحمد أركون)، ومواقف تسعى لعقلنة التراث؛ لأنها ترى أن العقلانية هي البداية الفعلية لتشييد مشروع النهضة وتحديث العقل العربي (كمحمد عابد الجابري)، إلى غير ذلك من المشاريع الكثيرة.

فالغرض هنا من التذكير بهذه الخارطة الفكرية هو طَلَبُ الوعي بتاريخ الأفكار وتطورات كل مفكر ومشروعه أيضًا، والوعي بنسبية المشاريع التي يدفع التركيز على أحدها - عادة - إلى تَوهم إطلاقيته، ويساعدنا أيضًا على عدم إعادة اختراع العجلة من جديد لدى بعض المتحمسين.

لكن السؤال الذي ربما يُطرح الآن، هو أنه بعد كل هذه المشاريع والأفكار، لماذا لم تتحقق النهضة بأية صيغة كانت؟ وهل أخفقت فعلاً؟ أعتقد أن متغيرات كثيرة حصلت في الفكر وفي الواقع، ومشاريع النهضة بقيت في إطار المشاريع الفردية أو الحزبية في أحسن الأحوال، وكان تمّ خصام بين ثلاثية الفكر والواقع والسلطة، وقد ابتُلينا بكيانات وأنظمة سياسية مشوهة، فلا هي أتاحت الإمكانات للتطوير الذاتي وفق أطر ومؤسسات قادرة على إحداث النهوض المنشود، ولا هي أنجزت الدولة بمفهومها الحديث، فانعدمت الحريات ووظائف الدولة كما هي في الغرب، بالإضافة إلى معوقات الاستعمار والهيمنة الغربية والصراعات الأيديولوجية التي جعلت مشاريع الهوية تتعملق وتسيطر على المشهد لزمن طويل في مقابل مشاريع العلمنة والتحديث، فبقيت النقاشات الفكرية النهضوية نخبويةً وبعيدة عن إمكانات التنزيل في ميدان أجهزة الدولة ومؤسساتها من جهة، وبعيدة عن عموم الناس فلم تتحول إلى ثقافة عامة ومطلب مجتمعي من جهة أخرى. نعم، ربما دفعت الثورات العربية إلى الحماس من جديد للنهضة والفعل المجتمعي الذي يعيد بناء السلطة والدولة على أسس الحرية والإرادة الشعبية، ولكن سرعان ما تَمَزق هذا الحماس على وقْع الثورة المضادة والانقسامات والصراعات الفكرية والسياسية والسلطوية التي حصلت بفعل القوى الداخلية والإقليمية والدولية.

محمد بوشيخي: انطلقت خلال العقود الأخيرة سلسلة من الكتابات النقدية الذاتية لمثقفين إسلاميين، كان لها أثر واضح في المقاربات السياسية لعدد من التيارات الإسلامية، واكبها انفتاح قطاع واسع من النخبة الإسلامية على الكتابات النقدية للجابري وأركون وأبو زيد وغيرهم، ألا يؤشر هذا على تحول يجري على مستوى المقاربات المنهجية لذوي الطروحات الإسلامية؟ وهل يمكن توقع استمرار عمليات النقد والمراجعة، لتطال "الانفتاح"على المقاربات الحداثية كما تبلورت في التجربة الغربية؟

معتز الخطيب: لا يمكن وضع كل هذه الأسماء والكتابات في سلة واحدة؛ على ما بينها من اختلاف؛ فالجهود النقدية داخل التفكير السياسي الإسلامي لم تنقطع عامةً؛ لعوامل عدة، بعضها يعود إلى الممارسة السياسية وإكراهاتها، وبعضها يعود إلى حيوية هذا المفكر أو ذاك وتقلباته، كما نجد لدى حسن الترابي والغنوشي مثلاً، وبعضها يعود إلى أثر الصراعات والسجالات الفكرية والأيديولوجية التي دفعت إلى بعض التقارب ما بعد الثمانينيات.

أما بخصوص الحالة النقدية تجاه بعض العلوم الإسلامية، فقد بدأت منذ زمن الإصلاحيين في القرن التاسع عشر في مصر وتونس والشام، وقد شرحتُ هذا في دراسة لي عن "مشكلة العلوم عند الإصلاحيين"، وقد اتسع هذا النقدُ بعد خفوت النزعات الأيديولوجية وصراعاتها بين الإسلاميين والقوميين واليساريين وغيرهم، وقد تراكم لدينا نقدٌ معرفيٌّ جيدٌ مع تطور الدراسات في مجال القرآن والحديث والفقه بأثرِ من التفاعل مع الواقع ومشكلاته من جهة، وبأثر من تطور حقول الدراسات الإسلامية وفق منهجيات حديثة من جهة أخرى، ومع بروز عقليات نقدية، خصوصًا من قبل العقليات الأكاديمية الشابة من أبناء جيلنا في العقدين الأخيرين. ولكن الكتابات النقدية غير العلمية استمرت في المقابل، كحديث البعض عن "جناية البخاري على الحديث" و"جناية سيبويه على اللغة" ونحوها من المحاولات المبتذلة من خارج الحقل العلمي. أما محاولات جمال البنا، فهي لا تحظى باحترام علمي في الأكاديميات؛ لافتقارها إلى المنهجية وكثرة اضطراباتها؛ رغم دأب وتفاني صاحبها.

وبالجملة، أفرزت كتابات الجابري ونصر أبو زيد وغيرهما تفاعلات نقدية وساهمت في تطور المعرفة، رغم أن الجابري في العقل العربي يختلف عنه في تفسير القرآن وفهمه من حيث المستوى والقيمة، ورغم أن الدراسات القرآنية الحديثة تجاوزت بمراحل كتابات نصر أبو زيد، ولكن تلك الكتابات كانت مهمة في حينها، فهذا شأن المعرفة نامية ومتطورة، وباب النقد يتسع بالتراكم واتساع أفق النقد وأدواته وبتطورات الحالة الفكرية.

محمد بوشيخي: هناك من ظل يراهن لعقود على دمقرطة الأنظمة السياسية وإدماج القوى الإسلامية لدفعها إلى إعادة قراءة مفاهيمها حول الدولة الإسلامية وتحكيم الشريعة وغيرها، فهل هذا الرهان لازال قائما بعد انبعاث الفكر الجهادي من ركام القراءات الحرفية؟ وهل من شأن الاحتدام السياسي بين القوى الإسلامية والعلمانية في دول الربيع العربي أن يفرز توافقات تنعكس على الرؤى الفكرية من خلال مباشرة، وتعميق التأصيل في الحقوق والحريات لليبرالية المصدر؟

معتز الخطيب: الفكر الجهاديّ لم ينبعث من فراغ، وكان قد شهد خفوتًا مع ما بدا أنه نجاحٌ للأدوات السلمية والتظاهرات الشعبية في عملية التغيير، فحين تُثبت السلمية نجاعتها يفقد الخطاب الجهاديّ مشروعيته وجاذبيته، ولكن ما جرى من إقصاء لتيار الإسلام السياسي بأدوات غير ديمقراطية - وهي تجربة متكررة - أعطى زخمًا كبيرًا لصعود المشاريع الجهادية والعنيفة، وخصوصًا مع تصاعد وتيرة عنف الأنظمة السياسية كما في سوريا؛ فالفكر الجهادي يتمدد ويجد بيئته في ظل فشل الدول من جهة، وفي سياق القمع السلطوي وفشل الأدوات السلمية في إحداث التغيير المنشود من جهة أخرى.

وما جرى في مصر من تأييد ما سمي بالقوى المدنية للحكم العسكري والخروج على العملية السياسية وأدواتها، سيترك أثره السلبي في المستقبل على مسار الديمقراطية وقيمها ومسائل الحريات والحقوق في المجال العام. أما على المستوى النظري، فقد راكم الفكر الإسلامي الكثير من الأدبيات والتنظيرات الفكرية والفقهية حول الحقوق والحريات، ولكن يبقى الإشكال الحقيقي في تحويلها إلى ممارسة حقيقية في ظل ظروف معقدة من الاستبداد السياسي السلطوي ومع فشل كثير من النخب المدنية في أن تُظهر قناعة حقيقية بتلك القيم نفسها كما بدا جليًّا في مصر مثلاً.

محمد بوشيخي: أدى ظهور "داعش" إلى انبثاق رؤى نقدية داخل المنظومة السنية، تفسر مسؤولية ما يقع بعوامل ذاتية، ترجعها إلى مضامين النصوص التراثية؛ ألا يعني هذا أن تسييس الدين، والانتقال به من السياق الثقافي إلى التوظيف الأيديولوجي، يعود لقابلية الثقافة الإسلامية للأدلجة، ما دامت تبيح للدين حق التدخل في السياسة ومراقبتها؟

معتز الخطيب: إحالة ظواهر العنف كلها - إسلامية وغير إسلامية - إلى النصوص نظرٌ شديد القصور، فمعنى ذلك أن النصوص الدينية أو الفقهية تولّد - بذاتها – مثل تلك الظواهر وبشكل تقنيّ، وهذا غير حقيقي، وهو خلاف الواقع، فظواهر العنف السياسي المنظم ظواهر حديثة في حين أن النصوص قديمة. ثم إن الإحالة إلى النص لا تفسر لماذا لم تُنتِج النصوص مثل هذه الظواهر في كل مكان وزمان ومع الجميع؟. هناك عوامل مركبة تشمل الفاعلين وتكوينهم الاجتماعي وبيئاتهم وتجاربهم وبناءهم النفسي، كما تشمل تعقيدات الفعل والانفعال، بمعنى هل هؤلاء الأشخاص هم نتاج البيئة أم مؤثرون فيها ومساهمون في صياغتها وصناعة ظروفهم، أو هما معًا؟. فالأفكار تتشكل في سياقات مركبة تؤثر فيها وتتأثر بها في عملية معقدة لا ينفك فيها النص عن الواقع، بغض النظر عن أيهما أسبق في ذهن الجهاديّ: النص أم الواقع؛ لأن هذه الأسبقية تؤثر في تحديد طبيعة ونوع العلاقة بالنص وبالواقع هل هي علاقة صدور عن النص أم هي عودة شعائرية إلى النص، وهل النص حاكم أم مجرد غطاء يُتَوسَّل به من أجل الشرعية الدينية، ولكنها - الأسبقية - لا تؤثر في أن الناتج هو مركّب منهما ونتاجُ تفاعل بينهما؛ وفق شروط خاصة بعضها نفسيّ.

محمد بوشيخي: كيف تفسرون ظهور السلفية الجهادية، والهجومات العنيفة لرموز التيار السلفي كأبي قتادة وأبي محمد المقدسي على تنظيم الدولة؟

معتز الخطيب: نشأت السلفية الجهادية في سياق مركّب لا يقر بشرعية ما نشأ بعد سقوط الخلافة ونشوء النظام الدولي، ولا يعترف بالأنظمة القائمة التي يرى أنها فرَضت قيمًا مغايرة لقيم المجتمعات خالفت العقيدة التي تحكمها، وضيّعت المقدّرات ونشرت المظالم، والمشروع الجهادي عامة سواءٌ في هذه الرؤية.

فمشروع الجهاد العالمي يقوم على "الحكم بما أنزل الله"، وأن باقي المشاريع الأخرى التي تتوسل بالسياسة والسلمية على ضلال، وتبدأ المنظومة الجهادية بمسألة التكفير أولاً، وعنها يتفرع تكفير الحكام الذين يحكمون بالقوانين، وتكفير الراضين بذلك، وتكفير من لم يكفّر هؤلاء جميعًا، كما أن البلدان التي تحكم بالقوانين تصبح كلها دار كفر، فيعود الإسلام غريبًا وتعود "حروب الردة" سيرتها الأولى، ويجب الجهاد الذي يتحول - معهم - إلى ركن من أركان الإسلام. في المرحلة الثانية من المنظومة يأتي السلوك الواجب على الطليعة الجهادية المؤمنة، وهو الخروج على الحكام الكفار وقتالهم بغض النظر عن القدرة، وفي المرحلة الثالثة يتم النظر إلى كل أحكام هؤلاء الحكام الكفار على أنها ساقطة وغير معتبَرة شرعًا، فلا تعود تنطبق عليهم أحكام "الإمامة" في الفقه الإسلامي، فتسقط كل أحكام الذمة ودار الإسلام والمعاهدات والقوانين وكل المنظومة السياسية المعاصرة. وفي المرحلة الرابعة، تأتي إقامة الحكم الإسلام وتطبيق الشريعة، ونَصْب الخليفة الشرعي.

هذه المنظومة لم تكن لتستقيم على هذه الصورة دون الطعن في عامة العلماء والمؤسسات ومصادر العلم الإسلامي والعودة المشوهة والانتقائية إلى الكتب، واتخاذ فقهاء مخصوصين من خارج النظام الفقهي، وبما أن المنظومة الفقهية الإسلامية لا تُسعفهم في هذا البناء، تجدهم حريصين على الكتابة في فقه الجهاد بصورة مختلفة وبطريقة شديدة الانتقائية.

محمد بوشيخي: أليست مرجعية داعش من صنع تلك الرموز نفسها؟ ثم ألا يمس الخلاف في الحقيقة المرجعية الفكرية بحد ذاتها بقدر ما يهم الاستراتيجية الجهادية على الأرض وسياساتها التكتيكية؟

معتز الخطيب: أبو قتادة وأبو محمد المقدسي لا يجادلان في أصل مشروع الدولة الإسلامية، وإنما في تفاصيله الإجرائية وكيفية تحقيق الخلافة، فهما يرون أن تنظيم الدولة انحرف وتَفَلّت من قيود العمل الجهادي، وخرج على سلطة فقهاء القاعدة، ونحن نرى أن تنظيم الدولة هو تطور داخل العالم المفاهيمي للجهاد العالمي وانفلات من القيود المفروضة من القيادة المركزية؛ تجاوبًا مع الإمكانات التي يتيحها المشروع الجهادي نفسه، وما تفرضه التطورات على الأرض، والاختلاف حول الوسائل الأجدى لتحقيق المشروع، بالإضافة إلى الصراع على الإمارة نفسها التي هي مركزية في المشاريع الحركية التنظيمية عامة. فلا يمكن لمسلسل الخروج عن "نظام الفقه الإسلامي" الذي بدأه فقهاء الجهاد العالمي أن يقف عند الحدّ الذي رسموه هم لأنفسهم وأتباعهم، فمنطق الخروج متسلسِل ويدفع إلى مزيد من التشظي، وهو ما عرفناه من تجارب هذه التنظيمات، حيث تسيطر فيها الأفكار والتصورات دون القوالب التنظيمية وقيودها، فتنفجر الحدود وفق شروط معينة.

محمد بوشيخي: تستمد السلفية الجهادية مقومات تصورها الأيديولوجي من خليط غير متجانس، يجمع بين الاجتهادات الفقهية لعلماء الدعوة النجدية، وتنظيرات سيد قطب الجهادية، وتأصيلات ابن تيمية العقدية، ألا ترون أنه بناء نظري هجين؟ وأن نقد الفكر الجهادي لازال حبيس نتائجه السلوكية دون القدرة على تفكيك منطقه الداخلي؟

معتز الخطيب: لا يمكن تجاهل أن الإخوان المسلمين هم من بدأوا تشكيل المذهبية السياسية للدين، حين حاولوا أن يعوضوا غياب الخلافة التي سقطت بمشروع الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة تمهيدًا لاستعادة الخلافة، ثم سعَوا إلى بناء النظام الإسلامي الشامل الذي يَقطع مع الأنظمة السائدة في مختلف المجالات، إلا أن تلك الأفكار سَرَت وانزلقت إلى مشروع الجهاد العالمي؛ ولكن بأدوات وأساليب مناقضة لما رجاه الإخوان، وعبر وسيط إخوانيّ هو سيد قطب الذي طرح أفكار الجاهلية والحاكمية وتكفير المجتمعات؛ نظرًا لغياب المعنى الحقيقي لشهادة التوحيد التي لا تتضمن توحيد الله في التشريع الذي أضافه الجهاديون إلى أنواع التوحيد التي قررها ابن تيمية، فأصبحت ثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد التشريع، وسيد قطب، شكّل مَعينًا لكل الفكر الجهاديّ بدءًا من عبد الله عزام والظواهري ووصولاً إلى جبهة النصرة وفقهاء تنظيم الدولة.

ولم أقرأ نقدًا متينًا للفكر الجهاديّ؛ فالنقد الذي قرأته محكومٌ بالتفكير الفقهي التقليدي الذي يُغرق في النقاش الفقهي الجزئي دون أن يَنْفُذ إلى تفكيك الرؤى والتصورات الكلية، فلا تزال أطروحات الجهاديين وردود بعض المشايخ عليهم يكتنفها الغموض والإشكال، حتى ظن البعض أن المشكلة في النص الفقهي نفسه، دون وعيٍ بأن المشكلة تكمن في تحولات النظام بشكل مفارق للنظام الذي تَرَكّب عليه النظام الفقهي الموروث، فافترقا مع نشأة الدولة الوطنية الحديثة، وكل هذه التشوهات القائمة ناتجة عن هذا الانفصام.

وحتى لو مشينا على النظام الفقهي الموروث، فهو مُفارق لما تصوره الجهاديون كليةً؛ فـ"الحكم بما أنزل الله" ليس له حكم عامّ في الفقه، ولذلك قيل لابن عباس: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: "كفره ليس كمن كفر بالله واليوم الآخر"، وعن عطاء بن أبي رباح قال: "كفرٌ دون كفر، وفسقٌ دون فسق، وظلمٌ دون ظلم"، وقال طاووس: "كفرٌ لا يُخرج من الملة"، كما أنه لا ملازمة في الشريعة بين التكفير كشرط للإيمان وبين سلب الكافر حقوقَه. فالفقه الإسلامي يقرّ بشرعية الحكام إذا وصلوا إلى الحكم بواحد من ثلاث طرق: الاختيار، أو البيعة، أو التغلب (كإضفاء شرعية على أمر وقَع لا يمكن دفعه، لا كتشريع للقيام بالتغلب)، وأن الحاكم لا يكفر إلا إذا صدر عنه كفرٌ بَوَاحٌ لا يحتمل التأويل، وأما ما يصدر عنه من أحكام، فإن وافق الشرع وجب الالتزام به، وإن خالف فلا طاعة له، ويُنكَر عليه ذلك التشريع المخالف وفق قواعد الأمر والنهي في الفقه الإسلامي.

وأما الجهاد، ففي المذهب الشافعي - الذي يُعتبر الأكثر تشددًا؛ إذ يرى أن علة الجهاد هي الكفر - أن الجهاد واجب وجوب الوسائل لا المقاصد؛ وبخصوص تطبيق الشريعة، فهي تختلف عن الفقه الإسلامي؛ فالشريعة هي أحكام الله المنصوصة قطعية الدلالة التي أجمع العلماء على أنها من أحكام الله التي لا تتغير. أما الفقه، فهو نتاج بشري وهو تفسير للشريعة وخاضع للجهات الأربع: الزمان والمكان والأحوال والأشخاص. فالأحكام الشرعية، إما أن تكون منصوصة بأدلة القرآن والسنة، سواء كانت دلالتها قطعية أو ظاهرة، وإما أن تكون من فهم المجتهدين للوقائع الجزئية عن طريق إدخالها في نصوص القرآن والسنة بالاستدلال، وهذا تختلف فيه أنظار المجتهدين ويسميه الفقهاء "تحقيق المناط"، وقد يُجمع الفقهاء في عصر على حكم مبني على واقعٍ معين، ثم يُجمع غيرهم لاحقًا على حكم آخر؛ لتَغَير الواقع الذي بُني عليه الحكم الأول، فنقول: إن تحقيق المناط اختلف، وإنه اختلافُ عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان.

محمد بوشيخي: هناك من يراهن على البعد الصوفي من أجل تطويق الفكر المتطرف، لكن ألا ترون أن مرجعيات التصوف متلبسة بأفهام لا تتلاءم مع الثقافة الحديثة لقيامها على محورية الشيخ وكرامات الولي والإيمان بالأقطاب...، وبالتالي، فنجاعة التصوف في المعركة ضد التطرف ستكون على حساب معركة التنوير والعقلانية؟

معتز الخطيب: لا يمكن الخضوع لإكراهات الواقع السياسي في بناء سياسات تَحَكّمية باختيار التصوف أو تعديل المناهج أو غير ذلك؛ لأن هذا من شأنه أن يُزكي التطرف نفسه؛ لأنه لا يتم في سياق معرفي بل سياسي، ثم إن حسابات الجدوى والنفع لا تشكل معيارًا في الاختيار والحكم في هذا السياق؛ فمشكلة التطرف أو العنف لا تُحل إلا بإزالة شروطها المركبة التي شرحناها هنا، ويأتي الشرط السياسي في المقدمة، فلا يمكن إيصاد الأبواب في وجه سبل التغيير السلمي ومراكمة الظلم والقمع، ثم الحديث عن نشر فكر الاعتدال أو اللجوء إلى تعديل المناهج أو القول بالمقاصد، ولا يمكن استتباع المؤسسة الدينية وهدر حرية العلماء ثم ادعاء محاربة التطرف والدعوة إلى التسامح. فالواجب تجريد خطاب العنف من شروط إنتاجه السياسية والاجتماعية والدينية وتجريده من مشروعيته وجاذبيته التي توفرها حالاتُ القمع وسوء الواقع واليأس من تغييره بطرق أخرى سلمية أو سياسية، وباختصار: إذا أردتَ أن تنتج عنفًا أَوصِد كل الأبواب وكمّم الأفواه وأهِن معتقدات الناس.

وبالنسبة إلى التصوف، فلا يمكن اختزاله بهذه الطريقة؛ فالتصوف تصوفات، يبدأ من التصوف الفلسفي، وينتهي بالتصوف الطرقي وما بينهما، ولا تغني عقلانيةٌ عن روحانية، ولا العكس، فالعقلانية بلا روحانية جفاء، والروحانية بلا عقلانية عَمَاء!


* نشر هذا الحوار في العدد 6، سنة 2015، لمجلة "ذوات" الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.