إيريك فروم والوجود في عصر التملك أو في خيبة الإنسان المعاصر


فئة :  مقالات

إيريك فروم والوجود في عصر التملك أو في خيبة الإنسان المعاصر

إيريك فروم والوجود في عصر التملك

أو في خيبة الإنسان المعاصر

مقدمة:

في الآونة الأخيرة، أصبحت أعاني قلقا بالغا حيال العديد من الأمور التي كنت أوجزها في قولي: "لدي مشكلة"، ولكثرة حديثي عن هذه المشكلة أكاد لا أعود أنا من يمتلكها، بل هي من أصبحت تتملكني، لدرجة لا أعود معها كائنا مستقلا، قادرا على التفاعل، بل أكون مملوكا.

قد يظن البعض أن هذا الأمر لا يخرج عن كونه لعبة لغوية لا طائل من ورائها، لكن العكس هو الصحيح؛ ذلك أن إشكالية الوجود والتملك، هي إشكالية أكبر وأعمق مني ومن مشكلتي. إنه إذن سؤال الكينونة في عصر التملك.

فالمعروف أن المسألة لم تكن مطروحة في وقت سابق - على الأقل بالقوة التي طرحت وتطرح بها اليوم-، ومع بداية العصر الحديث، وتعليق الإنسان لكل آماله على هدف كبير، وهو "السيطرة على الطبيعة"؛ ذلك كان هدف وأساس المجتمع الصناعي منذ بدايات تشكله الأولى، هذا الهدف الذي يقول بصدده "إيريك فروم": "الوعد العظيم بالتقدم غير المحدود -وعد السيطرة على الطبيعة، والسعادة القصوى للأغلبية العظمى، والحرية الشخصية غير المحدودة- هذا الوعد كان محط الآمال ومنبع الإيمان للأجيال منذ بداية العصر الصناعي".[1]

لقد كان الأمر، إذن، بمثابة وعد عظيم، وعد تحقيق سعادة الإنسان وضمان حريته، مع السعي صوب مضاعفة الإنتاج بشكل غير محدود، والمثير للاهتمام هنا أن الأمر مرتبط في جزئه الأكبر بما هو اقتصادي، وقد تكون الغاية المتعلقة بالإنسان؛ أي تحقيق الحرية، في خدمة الاقتصاد؛ ذلك أن مضاعفة الاقتصاد تتطلب مضاعفة الاستهلاك، هذه الغاية التي يرعاها "وهم" الحرية (= أنا أقتني وأستهلك لأنني حر).

إن السؤال الجدير بالطرح- تبعا لذلك- هو موقع الإنسان ككائن في هذا "الوعد العظيم"، وإذا كان قد تحقق، وأصبح الإنسان -كما ادعى- "غنيا" و"سعيدا"، فهل هو (=الإنسان) تلك السيارة التي يملكها، أم هو مشاعر المحبة والعطاء التي يفترض فيها أن تحدد علاقاته بالآخرين؟ وإذا كان قد أحكم سيطرته على الطبيعة -بفضل تطور العلوم- وانهال عليها بالاستغلال غير المحدود، فأين هي إنسانية هذا الإنسان -التي أصبحت كلمة فارغة من أي معنى-، ألم تنصهر بالفعل في الآلة التي تحكم العصر، أم إن الإنسان نفسه قد غدا آلة؟ هل يستقيم أن نحمل المصباح مع "ديوجين" في وضح النهار بحثا عن الإنسان؟ وإذا كان هذا الوعد قد فشل، فما الذي أدى إلى إخفاقه؛ هل أخفق لشيء في ذاته، أم لشيء خارج عنه؟

وفي حديثه عن ذلك، وضع "إيريك فروم" (1900-1980) كتابا حمل عنوان "الإنسان بين الجوهر والمظهر"، حيث كان -إلى جانب كتب أخرى- بمثابة تشخيص لحالة المجتمع المعاصر، الذي نعته في أكثر من كتاب بكونه مجتمعا "مريضا"؛ فبأي معنى يكون هذا المجتمع مريضا؟

إننا لا نتوخى في هذا العمل الوقوف على مظاهر المرض الذي يعاني منه المجتمع المعاصر كاملة، بالنظر لما في الأمر من صعوبة، لكننا سنحاول -قدر المستطاع- الوقوف عند أحد هذه الأمراض الخطيرة، ألا وهو السعي المتواصل إلى الاستزادة في الملكية. إنه مرض التملك الذي طغى على حساب الوجود أو الكينونة.

وتعتبر ثنائية التملك\الكينونة، أحد المفاهيم الأساسية التي تؤطر فلسفة "إيريك فروم"، لاسيما أن كتابه كان يحمل عنوان (to have or to be ?)، الذي يمكن ترجمته حرفيا بما معناه "أن تملك أو أن تكون؟"، لكن مترجمه للعربية اختار عنوان "الإنسان بين الجوهر والمظهر". لذلك، فالسؤال الذي يطرح هو: بأي معنى يتحدث "إيريك فروم" عن هاذين النمطين؟ وإذا كان العصر الحديث، عصر التملك بامتياز، فهل هناك مجال للحديث عن الكينونة، أم إن الأمر قد غدا طوباوية لا تطاق؟ بمعنى آخر، هل هناك من مجال للحديث عن علاقات محبة وعطاء بين الناس بما هم ذوات حية، أم إن الحديث كل الحديث عن علاقات آلية بين أشياء؟

وقبل الخوض في هذا الموضوع، سنقف عند أسباب فشل الوعد العظيم للعصر الصناعي كما تحدث عنها إيريك فروم.

إخفاق الوعد العظيم أو في صدمة إنسان المجتمع الصناعي:

يبدأ "إيريك فروم" كتابه بالحديث عن إخفاق الوعد العظيم للعصر الصناعي، هذا الإخفاق الذي تجلى في عدة مظاهر؛ إذ إن هدف بلوغ الحياة الطيبة لا يمكن أن يتحقق عن طريق إشباع الرغبات بلا قيود، فذلك ليس السبيل إلى السعادة، بل لا يمكنه حتى أن يحقق لنا المتعة القصوى، كما أن حلم الإنسان بأن يصير حرا قد تلاشى لكونه قد تحول وأصبح مجرد ترس -بلغة فروم- في الآلة البيروقراطية، حيث صار يحيا حياة موجهة في ظل تحكم الصناعة والحكومة وأجهزتها الإعلامية في تشكيل أفكاره ومشاعره وأذواقه والتلاعب بها، إلى جانب كون الاستزادة في الغنى كان من نصيب الأغنياء فقط وازداد الفقراء فقرا، وبالتالي توسع الهوة بين الطبقتين.

من جانب آخر، خلق التقدم التكنولوجي مخاطر إيكولوجية كبيرة، حيث أصبح يهدد البيئة كما الإنسان بسبب الخوف من نشوب حرب نووية. الشيء الذي يهدد بإعدام آخر فرصة للحياة على ظهر هذا الكوكب.

إن من الأسباب التي أدت إلى إخفاق الوعد العظيم للعصر الصناعي، هي -حسب فروم- المقدمتين النفسيتين التي بني عليهما، وهما:

- اعتبار أن الهدف من الحياة هو السعاة، أي تحقيق أقصى متعة، من خلال تحقيق؛ أي رغبة أو حاجة ذاتية للإنسان، وهو ما يسميه فروم بـ "مذهب اللذة الراديكالي"، حيث يقدم تأريخا لهذا المذهب، فاعتبر أن حياة الأغنياء منذ القدم كانت ممارسة لهذا المذهب، من خلال محاولتهم إيجاد معنى للحياة في الحصول على المتعة القصوى (روما القديمة، والمدن الإيطالية خلال عصر النهضة...).

لكن من جهة أخرى مقابلة، لم تكن المتعة القصوى بذلك المفهوم الراديكالي نظرية للحياة الطيبة-إذا استثنينا "أريستبوس"، تلميذ سقراط، الذي اعتبر أن وجود اللذة يمثل أساسا للحق في إشباعها- لدى من يسميهم المعلمين الكبار لفن الحياة، في الهند والصين...إلخ، ولعل هذا ما يفسر عودته الكبيرة لهؤلاء، وتأثره ببوذا والبوذية.

وبمجيء القرنين السابع والثامن عشر، اعتبر الفلاسفة أن الهدف من الحياة هو تحقيق كل رغبات الإنسان، وهنا-في هذه الفترة- اكتسى مفهوم "الكسب" معنى ماديا ونقديا صرفا، لا الكسب الروحي كما جاء ذلك في الكتاب المقدس، وعند "اسبينوزا" فيما بعد. ولعل ذلك راجع إلى تحطيم الطبقات المتوسطة لكل روابط الحب وعلاقات التكافل، واعتبرت أن جزء من تعظيم الذات أن يعيش الإنسان لنفسه فقط؛ فهذا "هوبز" يعتبر السعادة تقدما من شهوة لشهوة؛ وذاك "لا ميتري" يحبذ تعاطي المخدرات لكونها -على الأقل- تعطي وهما بالسعادة.

وقد ظهرت بعد ذلك نظريات أخلاقية اعتبرت شكلا من أشكال تهذيب مبدأ اللذة، واتجه آخرون إلى رفضه أمثال: كانط، ماركس، ثورو.. غير أن سرعان ما تم الرجوع إليه وربما بنوع من التطرف أو لنقل الراديكالية، لا سيما بعد الحرب العالمية الأولى، وإن كان في هذا الأمر (=اللذة) تناقض صارخ مع اعتبار العمل المنضبط المثل الأعلى للمجتمع؛ إذ من غير المعقول أن شخصا منضبطا في عمله يجري بكل راديكالية خلف رغباته، كما في القبول بتسلط أخلاقيات العمل ومثله، والتطلع للكسل التام خلال باقي اليوم تناقض.

والحال أن ما يسمح بالجمع بين هذه المتناقضات هو وجود خط الإنتاج اللانهائي والروتين البيروقراطي من جهة، والتلفاز والسيارة والجنس من جهة أخرى، فالجمع بين الجانبين هو ما يمكن الإنسان من تحمل الحياة، وإلا جنّ.

ويمثل هاذين الموقفين معا، استجابة لضرورة اقتصادية، لكون رأسمالية القرن العشرين، إنما تقوم على ركيزتين أساسيتين هما؛ استهلاك السلع والخدمات إلى أقصى حد ممكن، والعمل الروتيني الجمعي. ولذلك، ولأن ممارسة مذهب اللذة الراديكالي لا يحقق السعادة، أصبح الإنسان المعاصر تعيسا.

-اعتبار أن الأنانية والسعي لتحقيق المصلحة الشخصية، والجشع- الصفات التي يولدها النظام لتسيير أموره- تفضي إلى الانسجام والسلام، -هذه المقدمة هي نفسها التي رفضها واحد من الاقتصاديين فقط، وهو "دافيد ريكاردو" (1772- 1823)- الشيء الذي يكذبه الفكر النظري والواقع الملموس.

إن الأنانية معناها أن أريد كل شيء لنفسي، وأن أجد متعة في الاقتناء لا في المشاركة. بالتالي، تكون الأنانية أول مشجع على الاستزادة في الملكية، حيث يصير الكل خصما للكل. وبالتالي نشوب حرب طبقية لا تنتهي، هذه الحرب التي ادعى الشيوعيون إمكان إنهائها بالقضاء على الطبقات.

فلئن كان النظام الشيوعي يقوم على مبدأ الاستهلاك غير المحدود، باعتباره هدف الحياة. فإن الرأسمالية -بدورها- قد تغيرت بشكل كبير مع بلوغ القرن الثامن عشر، فغدا السلوك الاقتصادي منفصلا عن نظيره الأخلاقي والإنساني. فلم يعد الهم تحقيق خير الإنسان، إنما خير النظام الاقتصادي، فقد "اعتبرت الآلة الاقتصادية كيانا بذاته مستقلا عن احتياجات الإنسان وإرادات البشر"[2]. بالتالي، يتوجه البعض إلى اعتبار صفات الأنانية والجشع الأصل في الطبيعة الإنسانية، والنظام والطبيعة إنما يقومان "على حد سواء" بتعزيزها وتقويتها لا أكثر، لتصبح بذلك المجتمعات التي لا تعرف الأنانية مجتمعات بدائية.

إن أنانية الإنسان التي يرعاها النظام الاقتصادي، هي التي ستجعله يتوجه إلى الطبيعة بأبشع أشكال الاستغلال، متناسيا أن مواردها يمكن أن تنفذ، وأن وقت الثأر قادم. لقد أعمتنا روح العداء والتدميرية عن رؤية هذه الحقيقة، فمن سمات المجتمع الصناعي احتقار كل ما ليس من صنع الآلة؛ إذ الناس ميالون لما هو ميكانيكي آلي، وينجذبون- بالتالي- يوما بعد يوم للتدمير. فالنظام الاقتصادي يكسب الناس صفات ممرضة، فيخلق إنسانا مريضا، وبالتالي مجتمعا مريضا.

في الفرق بين التملك والكينونة:

ينطلق "إيريك فروم" من اعتبار أنه من غير السليم، اعتبار أحد النمطين بديلا عن الثاني، لا سيما عندما يتم اعتبار الكينونة نمطا بديلا عن التملك، وبالتالي معارضا له؛ ذلك أن التملك هو وظيفة طبيعية لحياتنا، فمن أجل أن نعيش يجب أن نملك أشياء فضلا عن ضرورة أن نملك لنستمتع بما نملك. والهدف الأسمى في مجتمع كالذي نعيش فيه هو التملك، وفي مثل هذا المجتمع لا يمكن اعتبار التملك بديلا عن الكينونة، بل جوهره؛ ذلك أن من لا يملك شيئا لا يساوي شيئا.

إن الحديث عن التملك أو الكينونة، ليس حديثا عن صفة منفصلة ملحوقة بموصوف؛ ذلك أنهما أسلوبين أساسيين للوجود، فهما يحددان نظرة الإنسان للنفس والعالم. إنهما صنفان مختلفان من بناء الشخصية؛ فالمعلومات الأنثربولوجية المستمدة من التحليل النفسي تفيد بأن التملك والكينونة هما طريقان أساسيان ومختلفان لخبرة الحياة، وقوة أحدهما على الآخر هو الذي يحدد الفوارق بين شخصيات الأفراد.

ولتوضيح الفرق بين النمطين، يقدم "فروم" نموذجين شعريين، وهما نموذجي الشاعر الإنجليزي "تينسون" والياباني "باشو"، حيث يعبر كل من هاذين النموذجين عن نمط معين، فيقدم القصيدة التي تعبر عن نمط التملك، التي يقول فيها "تنسون":

يا زهرة في جدار متصدع

إنني أنتزعك من بين الشقوق

وأقبض عليك، هنا في يدي بجذورك وكيانك كله

أيتها الزهرة الصغيرة -آه لو أستطيع أن أفهم

ماذا تكونين- جذورك وكيانك جملة وتفصيلا

إذن لعرفت الله والإنسان.

فهنا يظهر كيف يسعى "تينسون" إلى امتلاك الزهرة، حيث يتوجه إلى انتزاعها جملة وكيانا. إنه هنا -يعتبر" فروم"- أشبه بالعالم الغربي الذي يبحث عن الحقيقة بتمزيق أوصال الكائن الحي.[3] وعلى الجهة المقابلة، نجد الشاعر الياباني "باشو"، يسير على العكس تماما في قصيدته التي يقول فيها:

وإذ أنظر وأمعن النظر

أرى النازونا [نوع من الورد] مزدهرة

في سياج النباتات

هكذا لا يميل "باشو" إلى امتلاك الوردة من خلال قطفها، إنما يكتفي بإمعان النظر إليها وتأملها، حتى إنه يتجاوز ذلك إلى التعبير عن رغبته في أن يكون معها فعليا.

والحال، أنه من غير المستبعد، أن يكون فروم قد حاول الانتصار للفكر الياباني على حساب الإنجليزي، من خلال التمثيل للتملك ب "تنسون" والتمثيل "للكينونة" بـ "باشو"، وإن كان الأمر ذا غرض توضيحي لا أكثر، ولاسيما أن "إيريك فروم" قد تأثر بالشرقيين، حيث ينعتهم بكونهم معلمي الحياة الأوائل. من دون إغفال إشارته للشاعر الألماني "غوته" (1749-1832)، الذي لعب دورا توفيقيا، من خلال رفضه قتل الزهرة، فاعتبر أنه يمكن اقتلاعها لغرسها في مكان آخر تلافيا؛ لأن يداهمها الموت. فالإنسان لا يملك شيئا ولا يشتاق لشيء[4]. لقد كان "غوته" يرفض الوضع الذي كان يعيش في ظله الإنسان آنذاك، وكان مناهضا لأي شكل من أشكال تمزيق الذات الإنسانية ومكننتها، يقول:

أعرف أن لا شيء ملكي،

وكل لحظة يجوبها قدري السمح،

تملأ أعماقي فرحا.

اللغة خادمة للنظام؟

لقد تعرضت اللغة لتطور كبير؛ وذلك تماشيا مع التطور الذي حدث في أوروبا، حيث التوجه صوب الملكية والتملك؛ إذ حلت صيغ لغوية تعبر عن التملك للدلالة عن أنشطة، مع أن النشاط لا يمتلك بل يمارس، فأنا يمكنني أن أقول إني أملك ساعة، لكن لا يصح أن أقول إني "أمتلك" فكرة؛ ذلك أن التفكير هو نشاط. وقد يبدو أن هذا الطرح غاية في البساطة، لكنه في الواقع ليس كذلك؛ إذ يعكس توجها سائدا بل مسيطرا في المجتمع الصناعي؛ أي التوجه صوب الاستزادة في الملكية. [في اللحظة المعاصرة، بدل أن أقول أنا قلق، أقول" لدي مشكلة"، رغم أن المشكلة ليست شيئا يقتنى؛ أي لا يمكن أن تكون عندي.]

لقد غدا مجتمع اليوم مجتمعا تملكيا، والخطير أنه غدا كذلك في لغته أيضا، وهذا ليس غريبا مادام أن كل لغة هي لغة جماعة، وأن ما يطال هذه الجماعة من تغيرات تطال كذلك لسانهم، أي لغتهم.

بين الكينونة والثبات:

بحث موضوع الكينونة بشكل كبير، وكتبت حوله آلاف الكتب في الفلسفة الغربية، لكن يكاد تناول "إيريك فروم" له يختلف، حيث أراد لتناوله أن يكون تناولا أنثربولوجيا- سيكولوجيا مع عدم انفصاله عن الفلسفة. ولأن الأمر كذلك، فإنه قد عاد إلى فلسفة ما قبل سقراط للتنقيب عن هذه الفكرة، فوجد أنها كانت حاضرة -وإن بشكل خافت- في تلك المرحلة، إذ وجد لها حضورا تحديدا في فكرة "الصيرورة والفاعلية والحركة"، بوصفها من ضمن العناصر المشكلة للكينونة.

لذلك -والحال هذه- فاعتبار الكينونة متضمنة للتغير، فيه عودة لأول الفلاسفة نفيا للثبات؛ أي "هيرقليطس"، فالكينونة صيرورة وتغير، وهذه الفكرة حاضرة كذلك في الشرق من خلال أفكار "بوذا"؛ فعنده أيضا لا مجال للحديث عن الثبات؛ ذلك أن التغير هو الحقيقة الوحيدة في الأشياء والذات البشرية على حد سواء (=وهي الفكرة التي ستعيد العلوم إحياءها وتطبيقها). وفي المقابل، هناك الفكرة التي تعتبر الكينونة جوهرا دائما لا يتغير، وبالتالي هي عكس الصيرورة. ولعل ذلك هو ما نادى به "بارمندس"، وفيما بعد "أفلاطون".. وهذه الفكرة -لعمري- لا تستقيم إلا على أساس الرأي المثالي الذي يعتبر المثال هو الحقيقة وكفى.[5]

تملك أم استهلاك؟

لقد أضحت الثقافة في المجتمع التكنولوجي بضاعة،

وحتى موسيقى الروح أمست موسيقى تجارية أو قابلة للتتجير.[6]

-جورج طرابيشي

كانت لي بعض الكتابات في السابق، حول مسألة الاستهلاك في علاقة بالفيلسوف "إيريك فروم" نفسه، حيث كنت قد عنونت أحد النصوص بما معناه التربية ضد قيم الاستهلاك. فلقد كان يدعو الرجل إلى ضرورة نبذ قيم الاستهلاك القاتلة لإنسانية أي مجتمع.

ولذلك، فلا مجال للفصل بين التملك والاستهلاك، فالسعي إلى التملك هو استهلاك في نهاية المطاف؛ ذلك أن التملك هو "اندماج" -وإن كنت أفضل إدماج؛ لأنه المقابل الصحيح للكلمة الإنجليزية incorporating- شيء ما، بأكله أو شربه أو وضعه في الفم (=في حالة الطفل)، وهذه أحد أشكال التعبير عن التملك. فالاندماج [الادماج] هنا أشبه بنوع من الإيمان الأعمى بشيء ما، حيث لا يظل هناك مجال للاطلاع أو قبول أي شيء آخر يخالف ما أتشبث به من أفكار. فمن مظاهر الاستهلاك ذلك النزوع إلى ابتلاع العالم بأسره، حيث يغدو الإنسان الاستهلاكي كالرضيع، رضيع القرن العشرين، الذي لا يكف عن الصراخ طلبا لزجاجة الرضاعة.

إن الاستهلاك هو أحد أشكال التملك الذي يكتسي أهمية كبيرة في داخل مجتمعات الوفرة الصناعية. إنه عملية ذات سمات استهلاكية متناقضة، فهي من جهة تخفف القلق عن الإنسان؛ لأن ما يمتلكه حينها لا يمكن انتزاعه، لكنها من جهة أخرى، تدفع به إلى مزيد من الاستهلاك، بدعوى أن كل استهلاك سرعان ما يخفت تأثيره الإشباعي، لتصبح هوية الإنسان المعاصر هي: "أنا موجود بقدر ما أملك وأستهلك."[7]

التملك والكينونة في الحياة اليومية:

لكثرة اندماج الناس في المجتمع اندماجا لا واعيا، أصبحوا يعتبرون سلوك التملك، النمط الطبيعي للحياة؛ إذ يعتقدون أن كل شيء في مجتمعنا مكرس للحيازة والتملك والربح، لذلك يكاد يغيب أسلوب الكينونة في الحياة. فالناس يصعب عليهم -في نظر فروم- فهم المقصود بأسلوب الكينونة، كما يصعب عليم تقبل فكرة أن "التملك" ليس إلا إمكانية واحدة من مجموع إمكانيات محتملة؛ إذ للنمطين معا جذور في التجربة الإنسانية.

يبحث "إيريك فروم" في أشكال انعكاس النمطين في ميادين الحياة اليومية، ففي التعليم يحضر النمطين معا، فنجد طلبة يسلكون مسار التملك، يكتفون بالاستماع للمحاضرة، وتسجيلها، وتحويلها إلى أفكار يتم ترسيخها في الذهن، دون ترك أي إمكانية لتغييرها؛ إذ إن كل فكرة جديدة تخلق لديهم اضطرابا وفزعا، كما لا يحدث أي تفاعل بين العنصرين (الطلبة والمحاضرة) بل يظل كلا العنصرين غريبين عن بعضهما البعض.

أما الذين يسلكون مسار الكينونة، فإنهم يدخلون المحاضرة بغرض التفاعل بعد أن يكونوا قد استعدوا لها. فهم تثيرهم قضايا وأسئلة في علاقة بموضوعها، كما ليسوا مجرد منصتين سلبيين للأفكار، بل إنهم يتجاوزون ذلك ويخلقون تفاعلا بشأن مختلف الأسئلة التي تثيرها المحاضرة، فهم لا يبقون غرباء عن بعضهما؛ إذ إن ما يستعمون إليه ينشط عملياتهم، ويثير آفاقا جديدة في أذهانهم، فهم هنا منفتحون على أي تغيير، فهم يخرجون من المحاضرة على غير ما كانوا قبل الدخول إليها.

وجدير بالذكر أن فروم لم يقف عند التعليم، بل تجاوزه إلى الحديث عن كل ميادين الحياة، بما في ذلك ما يتعلق بالإيمان والسلطة، حيث يعتبر بصدد حديثه عن هذه الأخيرة أن جميعنا يمتلك ويمارس سلطة لكن بدرجات مختلفة، والسلطة هي عقلانية (=الكفاءة والأهلية) ولاعقلانية (=غياب الكفاءة)، فإذا كان أساس الأولى الكفاءة، وتزيد صاحبها نموا، فإن الثانية تتأسس على القوة ويتم استخدامها لقهر واستغلال الخاضعين لها.

هذا فيما يرتبط بأسلوب التملك، أما فيما يرتبط بأسلوب الكينونة، فإن ممارس السلطة على درجة كبيرة من النضج واستقلال الشخصية، حيث -في حالة الآباء مثلا- يكون هناك تجاوب من طرف الأطفال مصحوبا بنوع من المحبة والشغف، في المقابل يغيب ذلك عندما يمارس عليهم قهر وضغط وإهمال.

وفي المجتمعات الحديثة، حلت المكانة الاجتماعية محل الكفاءة، الشيء الذي أحدث "اغترابا" خطيرا في السلطة، بالنظر إلى غياب الصفات التي تعكس كفاءة صاحب السلطة.

إن وقوف "إيريك فروم" عند انعكاسات وتجليات هاذين النمطين في مختلف ميادين الحياة اليومية ليس بريئا، ولا من باب الترف، وإن كان غرضه الأول تشخيصيا؛ ذلك أن في الأمر تحذيرا من كون المضي في هذا الطريق يسير بالكوكب بأكمله إلى هاوية؛ فهل من مجال للنجاة من الكارثة؟

بناء مجتمع جديد.. حل أخير، أم طوباوية فارغة؟

...لهذا السبب بالذات ستبدو فلسفة ماركس متخلفة[8]، ومن الطراز القديم،

وذات طابع طوباوي، لكثير من القراء المصابين بعدوى روح الإذعان المعاصرة.[9]

-إيريك فروم

إن ما تم ذكره على مدى الصفحات السابقة هي أمور عادية- أو لنقل اعتدناها- ومعروفة، غير أن ما ليس عاديا هو عدم القيام بأي جهد أو محاولة للحيلولة دون مجيء القادم المشؤوم الذي لا راد له؛ إذ إن الرأسمالية تقود العالم إلى انتحار على مستوى الكوكب، ففعلا هي نجحت في السيطرة بعد استبعادها الاشتراكية (=الاتحاد السوفياتي)، لكنها لم تأت إلا بالإفلاس.[10]

إن من أوكلنا إليهم مهمة حمايتنا وخدمة شؤوننا لا يقومون بأي شيء حيال الخطر القادم، كل ما يفعلون هو عقد مؤتمرات شكلية لا تنتهي، ووضع شعارات بليغة دون أي نية تذكر للتنزيل، والحال أن ذلك، يؤكد أن من اعتقدنا أن بإمكانهم حمايتنا هم مجرد كذبة، مثلما أن العالم والصورة التي هو عليها اليوم كذبة وزيف، لا تعكس حقيقة الإنسان ألا وهي إنسانيته. والحديث هنا هو عن إنسان متحرر من كل أشكال الاستلاب، فالرأسمالية حطمت كل ما هو إنساني في الإنسان؛ علاقاته، ومحبته، التي كانت تسم حياته في مرحلة "ما قبل" الرأسمالية.

إن الرأي الذي كان سائدا- ولا زال- وهو الذي دفع بـ "فروم" إلى تأليف هذا الكتاب، الرأي الذي يعتبر أنه لا وجود لحل أو بديل للكارثة سوى رأسمالية الشركات الكبرى، أو الاشتراكية الديمقراطية، أو الاشتراكية السوفييتية أو الفاشية التكنوقراطية ذات الوجه المبتسم[11]. ولعل السبب في رواج هذا الرأي يكمن في غياب أي محاولة أو جهد لدراسة إمكانية قيام نماذج اجتماعية جديدة، فلأن مسألة إعادة البناء الاجتماعي لا تحظى بأدنى اهتمام؛ وذلك من طرف العقول الكبيرة التي تكرس نفسها للعلم والتكنولوجيا- لأن الأمر كذلك فسنظل عقيمي التخيل، ورؤية بدائل واقعية جديدة.

إن هناك -إذن- ضرورة تفرض الحاجة إلى إحداث تغيير جذري، ليس في النظام الاقتصادي فقط، وإنما كذلك في النفس البشرية كبديل للكارثة الوشيكة على المستوى الاقتصادي والايكولوجي، حيث بينت بعض التقارير أنه لا يمكن تفادي وقوع ما لا تحمد عقباه إلا بإجراء تغير اقتصادي وتكنولوجي على نطاق عالمي. هذا مع التأكيد من طرف آخرين باستحالة أي تغير في حالة لم ينطلق الأمر من الإنسان، أي من إحداث تغييرات في قيم البشر واتجاهاتهم (=ظهور أخلاق جديدة واتخاذ موقف جديد تجاه الطبيعة.).

هكذا، يعد من غير الممكن إقامة مجتمع جديد، إلا إذا حدثت أثناء تطوير هذا المجتمع، عملية تطوير لإنسان جديد؛ أي إحداث تغير في بناء شخصية الإنسان المعاصر. ضرورة التغير هذه لا تنبع من كونها مطلبا أخلاقيا أو دينيا، بل حتى إن اعتبارها مطلبا سيكولوجيا وحسب، لا يصح؛ إذ هناك تدخل لعدة أطراف، فنجد تداخل لا يمكن إنكاره بين ما هو اجتماعي وما هو اقتصادي.

إن السبل لتضيق بالإنسانية، فأشكال المجتمعات الحالية مدعاة للاختلال والاضطراب؛ إذ المجتمع الاكتنازي، الربحي، المعاصر قد ألحق أمراضا بشعة بنفسية الأفراد. لذلك، فإن تجاوز هذا الأمر رهين بخلق مجتمع جديد لا يكون غرضه الربح، وتبديد فكرة السوق الحرة[12]، والتخلي عن هدف التنمية غير المحدودة، وهدف السيطرة على الطبيعة. مع ضرورة خلق مناخ روحي وشروط عمل تخلف لدى الإنسان رضى معنويا ونفسيا، وضمان ممارسة الناس لحياتهم الطيبة، بدل تركهم عرضة لشهواتهم بشكل غير محدود.

هل تحقق ما سطره إيريك فروم؟ (=قراءة شخصية في ضوء أحداث اليوم)

يتحدد الغرض من هذه الورقة في محاولة القيام باستقراء لوقائع اليوم، ما دمت لا أفضل إبعاد الفلسفة عن الواقع؛ وذلك لأجل الكشف عن مدى تحقق الاقتراح "الفرومي" (=نسبة لإيريك فروم) من عدمه.

لقد كان "كارل ماركس" يرى أن مهمة الفلاسفة لا تتوقف عند مجرد فهم الواقع، بل إن دورهم الأساس هو محاولة تغييره، ولعل هذا المبدأ هو الذي حرك "فروم" في وضع تصور أو لنقل احتمال لتغيير المجتمع الحديث؛ ذلك أن الرجل قد تأثر بماركس بشكل كبير، بل إننا لا نجازف إذا قلنا إن الرجلين يحركهما همًّا مشتركا، يقول "فروم": "إن الفلسفة الماركسية هي احتجاج. احتجاج متشرب بالإيمان في الإنسان".[13]

إن الحديث عن أي انفراج في وضعية الإنسان المعاصر، بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على موت "إيريك فروم"، ومرور أكثر من ذلك على موت "كارل ماركس"، هو ضرب من والوهم؛ ذلك أن الوضعية ازدادت سوءا، وليس أدل على ذلك أكثر من هذا الشعور الخطير بالاضطراب الذي نعيشه مع كل دقيقة وثانية تمر.

إن الأحداث المتسارعة اليوم، وهيمنة الاقتصاد (=قيم الربح) على كل ما هو إنساني في مختلف مناحي الحياة، بما في ذلك الحياة الخاصة للناس، هو المناخ الذي يتحرك في كنفه إنسان هذا القرن. فلقد تحولت قيم الأنوار، وانحرفت عن مسارها؛ فغدت "الفردانية" individualism، أنانية مفرطة؛ إذ أصبحت مصلحة الإنسان فيك هي المعيار الذي يتخذه في تحديد طبيعة علاقاته معك. وأصبحت "العولمة" وسيلة للتحكم في المسار التنموي للضعفاء، من طرف الأقوياء، عبر تصدير مختلف الظواهر وخلق مشاكل من شأنها أن تعيق هذا المسار.

وينطبق ذات الشيء عن "الديمقراطية"، التي أصبحت شعارا فارغا من كل قيمه العليا، والتي يمثل مبدأ احترام إنسانية الإنسان وحريته أبرزها. ولا شك في أن اليوم يكثر الحديث عن الحرية الإنسانية، لكن الحرية التي يتم الحديث عنها حرية مشوهة؛ أي حرية "الاختيار" لكن لا وجود لأكثر من خيار، فالمجتمع والنظام يمنحانك حرية الاستهلاك اللامحدود، ويوهمانك أنك حر في ذلك!

من جهة أخرى، فإن "العلمانية"، قد تحولت من كونها إيقاف عملية حشر الدين في أمور السياسة وغيرها، تلافيا لأي خلط، وخدمة للإنسان ذاته، وأصبحت شعارا، فارغا بدوره، ترفعه أكثر الدول توغلا في كاثوليكية العصور الوسطى.

إن هذه الأمور وأكثر، ليست جديدة، بل هي معروفة، لكن إن ما ينقصنا-مثلما تحدث عن ذلك فروم أيضا- هو إرادة في وضع احتمالات جديدة، ورسم سبل الخروج من هذا التخبط. ولعل الخطوة الأولى في هذا المسار، هي الشفاء من الوهم "اللايبنتزي" (=نسبة إلى لايبنتز)؛ أي وهم اعتقادنا أننا في أفضل حقبة ممكنة، وننتمي إلى أفضل الأنظمة الاقتصادية الممكنة !

 

قائمة المصادر والمراجع:

المصادر:

فروم، إيريك. الإنسان بين الجوهر والمظهر. ترجمة سعد زهران. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرفة، ع: 140، 1978

فروم، إيريك. مفهوم الإنسان عند ماركس. ترجمة محمد سيد رصاص. دمشق: الحصاد للنشر والتوزيع، 1998

فروم، إيريك. الإنسان من أجل ذاته. ترجمة محمود منقذ الهاشمي. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 2007.

المراجع:

غارودي، روجيه. كيف نصنع المستقبل. ترجمة منى طلبة وأنور مغيث. القاهرة: دار الشروق، الطبعة الثالثة، 2002

ماركس، كارل، وانجلز، فريدرك. العائلة المقدسة أو نقد النقد. ترجمة حنا عبود. دمشق: دار دمشق، 2002

[1] إيريك فروم، "الإنسان بين الجوهر والمظهر"، ترجمة سعد زهران، الكويت-المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرفة، ع: 140، 1978، ص: 15

[2] إيريك فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، سابق، ص: 21

[3] إيريك فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، مصدر سابق، ص: 31

[4] إ. فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، سابق، ص: 32

[5] ربط الكينونة بالصيرورة والتغير لا أجد له مبررا، -وإن كنت قد حاولت مرارا- وخالجتني أسئلة: هل كان فروم يحاول البحث عن شرعية لتصوره (=الحركة مثبتة علميا)؟ لم أتخذ من الأمر موقفا، ويبقى السؤال.

[6] هربرت ماركيوز، الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابيشي، بيروت، منشورات دار الأدب، ط: 3، 1988، ص: 15

[7] إ. فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، سابق، ص: 40

[8] اعتمدت هنا ما قيل بشأن ماركس، بما أنه طال كذلك فلسفة فروم، بحيث نعته قراء ومفكرون كثيرون، بكونه طوباويا.

[9] إيريك فروم، مفهوم الإنسان عند ماركس، ترجمة: محمد سيد رصاص، سوريا-حصاد للنشر والتوزيع، 1998، ص: 10

[10] روجيه غارودي، كيف نصنع المستقبل؟، ترجمة: منى طلبة وأنور مغيث، القاهرة -دار الشروق، ط: 3، 2002، ص: 19

[11] إ. فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، سابق، ص: 26

[12] يقول روجيه غارودي: ((نطلق كلمة "تقدم" على انحراف أعمى يؤدي إلى تدمير الإنسان والطبيعة (...) ونطلق كلمة "حرية" على نظام يسمح -بذريعة التبادل الحر وحرية السوق- لأولئك الأكثر قوة أن يفرضوا الديكتاتورية عديم الإنسانية)). [كيف نصنع المستقبل؟ ص: 20]

[13] إ. فروم، مفهوم الإنسان عند ماركس، سابق، ص: 10