الإنسان والعَدَم: عن الإلحاد ورفض النص الديني


فئة :  مقالات

الإنسان والعَدَم: عن الإلحاد ورفض النص الديني

ثمة فرق بين:

1- (الإلحاد) بصفته موقفاً عدَمياً من الإله على الإطلاق، لناحية عدم الإيمان بوجوده أساساً كـ "علّة أولى" انبنى عليها كل شيء في هذا العالَم. فهو في أعنف الحالات - أي الإله - صناعة بشرية محضة، غير مفارقة لحركة تطوّر الوعي اللاهوتي عند الإنسان. فصورة الله كما تتمثّلها الحركة الإلحادية - في أقصى حالاتها - متموضعة أساساً في الذهن الإنساني، وأمكن - عبر مكابدات معرفية - التحرّر من ضغط هذه الصورة، وإعلان سيادة الإنسان النهائية في هذا العالم.

2- (رفض النص الديني) بصفته موقفاً عدَميا من إلهٍ بعينه، لا من الإله على الإطلاق. فهَهُنا ثمة إقرار بوجود إلهٍ ما، لكن التحفّظ المبدئي يكون على إله دينٍ بعينه، يجعل من الإنسان ملحداً بدون إطلاقية. فالملحد الهندوسي، قد يعجبه الإله المتموقع في الدين الإسلامي، والهرطوقي المسيحي قد يروقه الـ (بوذا)، والزنديق المسلم قد يتسلّح لاهوتياً بإلهِ المانوية؛ وهكذا.

يمكنني الاصطلاح على النوع الأول الذي يرفض الإله على الإطلاق بـ (الملحد الكلّي)، والاصطلاح على النوع الثاني الذي يرفض إله النص الديني بـ (الملحد الجزئي).

الملحد الكلِّي:

يسعى الملحد الكلّي إلى التبشير بزمنٍ إنساني خالص، مع ما يحتمله هذا التبشير من نفي لفكرة الألوهة أصلاً، والتعامل معها على أساس أنها جزء من الحِراك الفكري اللاهوتي الإنساني؛ فالإله اختراع إنساني محض، ووجود تاريخ لاهوتي عتيد وراسخ في ثنايا التجربة الروحية للجنس البشري، لا يعني بالضرورة وجود إله مُفارق لهذا العالم. بل إن الإنسان هو ذروة النشاط السيروري لحركة الكائنات، انطلاقاً من الخلية الأولى، وصولاً إلى الإنسان الفائق بالتعبير النيتشوي.

وقد كان للفكرة الإلحادية بمضمونها الكلّي أن تتعاظم بالتقادم، ابتداءً من مقولة "الإنسان مقياس كل شيء" لـ "بروتاغوراس"، وليس انتهاء بما آله إليه بعض أتباع المدرسة العلمية الحديثة مثل "ريتشارد دوكنز" و"لورانس كراوس"، وتبنيهم لأطروحة نفي وجود إله خارج هذا العالم، والتسليم بأن فكرة الله محض هاجس إنساني صرف. مروراً بكثير من الفلاسفة والمفكرين، أمثال: نيتشه وفرويد، الذي أعتقدوا أن الإله هو نتاج ذهني ليس إلا، ولا وجود له في الأساس خارج الذهن الإنساني.

ولم تكن مثل هذه الدعوات محض ترف فكري لدى مُتبنّيِّها أساساً، بل عبّرت عن هاجس إنساني عميق مطمور في خفايا الواعية البشرية، وإن تجلّى عبر أشخاص بعينهم، لناحية قدرة الإنسان على إحكام سيطرته على هذا العالم. وإذا كان للفكرة أن تخبو في الأعماق في فترات سحيقة من الوجود البشري، فقد بدأت تطفو على سطح الوعي في فترات لاحقة، لا سيما بعد أن أخذت مكنة العقل بإعمال آلتها في مادة هذا العالم، وتجلية الدور الكبير الذي يمكن أن يضطلع به هذا العقل في التحكّم بالمسلكيات الوجودية، إلى درجة عدم الاعتماد على أي قوة مفارقة للإنسان في عالَم ميتافيزيقي، نظراً لعدم وجودهاً أساساً.

في بدايات الوجود الإنساني، كان ثمة شعور بالتضعضع والانسحاق أمام الظاهرة الطبيعية، وقدرتها على الفتك بالمنجزات الحضارية. لكن مع تطوّر قدرة الإنسان، ليس على إبصار هذا العالم وإعمال النظر في موجوداته، بل تبصّر القدرة الداخلية المتموضعة داخل العقل، والإمكان الذي تنطوي عليه مثل هذه القدرة، لناحية إجراء تعديلات كبيرة وأساسية على المنظومة الخارجية، وجعلها مُساعدَةً للإنسان في تحقيق منجزه الحضاري في هذا العالم، لا مُحطمّة له ولمنجزاته. فقد أخذت هواجس الأعماق بالتململ والتحرّك إلى درجة انها بدأت تطفو على السطح، وتظهر على هيئة أفكار تنادي بضرورة إعلان سيادة الإنسان الكبرى وقطع العلاقة مع ما هو مفارق له، بصفته مجرد وهم ذهني، ابتدعه الإنسان في لحظات الخوف من المجهول، وآن أوان التخلّص من هذا الوهم، لا سيما مع تطوّر حركة الوعي العقلي، وانتقالها إلى مراحل جدّ متقدمة.

وإذا كان الأمر مقتصراً قديماً على التأملات والأفكار الفلسفية، فاليوم قدّم العلم فرصة كبيرة لتعزيز مسلكيات الإنسان الإلحادية الكلّية، والدفع بها قدما ناحية آفاق لم تكن موجودة من قبل. فإحكام السيطرة على مجريات الأمور في هذه الحياة، عزّزت فكرة أقنوميته في هذا الوجود، وقدرته على التحكّم بالنواميس بعيداً عن تدخّل الإله. إلى درجة أن السؤال الذي بدأ يطرح نفسه أخيراً بقوة وفاعلية: إلى أي مدى الإنسان بحاجةٍ إلى قوة مُفارقة تُعينه على هذه الحياة، لا سيما مع وجود حزمة كبيرة من المنجزات العلمية والطبية والتكنولوجية، التي جعلت منه سيد هذا العالم بلا منازع؟.

هنا، في هذا السياق الذي يضخّ مياهه الإلحاد الكلِّي، لا بد من التأشير على الفكرة المقابلة التي يمكن أن تطرحها هكذا سياقات، ليس على المستوى المعرفي فحسب، بل على المستوى السيكولوجي، أعني فكرة التخلّي عن الطمأنينة والسكينة التي تخلّقت للإنسان - عبر تاريخ طويل - بركونه إلى الرَحِم الإيماني، لا سيما مع وجود ذهني عتيد لفكرة الله في العقل والوجدان البشريين.

لتقريب الصورة على المستوى السيكولوجي، سأستحضر مثلاً يضرب غالباً للتدليل على تحكّم اللاوعي البشري بمجريات الوعي، حتى بعد آلاف مؤلّفة من السنين:

لماذا يخاف الإنسان من العقرب أكثر من خوفه من السيارة؛ رغم أن السيارة قد تتحوّل إلى أداة قتل جماعي، في حين أن لدغة العقرب قد لا تكون مميتة، وتبقى فردية؟.

بمجرد رؤية الإنسان للعقرب، فإنه يجفل وينقز ويعود خطوة إلى الوراء، ويتخذّ وضعية احترازية - خوفاً - من جهة، واستعدادية للقتل - للقضاء على هذا الخوف - من جهة ثانية. إن سلوكه الواعي بإزاء العقرب، هو تجلّ لـ لا وعي راسخ في أعماق النفس الإنسانية، كان قد غرس، عبر آلاف مؤلفة من السنين، نبتة الخوف من العقرب والتعامل معها بحذر شديد، إلى درجة تحوّل هذا الخوف إلى جين سيكولوجي لا يفتأ يتبلور سلوكاً جسمانياً مُرتبكاً، ساعة رؤىة العقرب من قبل الإنسان. في حين - من جهة ثانية - أن الإنسان يشعر بإطمئنان إذا ما شاهد سيارة إلى جانبه، بل إنه قد يشاهد سيارة قد عملت حادثاً مُروّعاً، ثم يركب سيارته ويغادر مشهدية الخراب، وكأن شيئاً لم يحدث.

في موضوعة العقرب، ثمة خبرة إنسانية خائفة، قلقة، عديمة الثقة؛ عمرها عشرات الآلاف من السنين، لذا من السهل انبثاقها إلى الوعي لحظة رؤية العقرب. أما في موضوعة السيارة، فلا زالت الخبرة الإنسانية بإزائها خبرة متواضعة لا تزيد عن القرن الواحد إلا قليلاً، لذا لم تترسخ في الخافية الإنسانية، ولم يصار إلى الخوف منها بَعْدُ. إننا بحاجةٍ إلى خبرة قرون عديدة، لكي نوثّق خوفنا من السيارة - بصفتها أداة قتل فردية وجماعية معاً - ونطمره في أعماقناً، ثم نعود نستعيده لاحقاً.

في موضوعة الإلحاد الكلِّي، ثمة تجربة دينية راسخة في أعماق النفس الإنسانية الجمعية، لذا لا تفتأ تطفو على سطح الوعي البشري، وهذا ما عاينه الإنسان قديماً، ولا زلنا نلمسه في حياتنا اليومية، عبر سلوكيات تنمّ عن تمكّن التجربة الدينية من النفس الإنسانية، وقدرتها على التحكّم بالظواهر الاجتماعية والسيكولوجية والاقتصادية والثقافية. ولكي تؤتي المُدونة الإلحادية أُكلها في التجربة الإنسانية، وتتحكم في مسلكياتها المختلفة، عليها أن تتوثّق كتجربة جمعية، ومن ثمّ تترسّخ بالتقادم، ثم تنطمر في أعماق اللاوعي، وتتحوّل بالتالي إلى مُكوّن رئيس من مكونات الإنسان، ليس فقط المعرفية، بل والسيكولوجية أيضاً.

بانتظار ذلك، سيبقى الإلحاد الكلّي، موقفاً اغترابياً في التجربة الإنسانية، مع ما يمكن أن يفضي إليه من استحقاق عدَمي، يُزعزع الإنسان، وقد يفقده معناه الأنطولوجي، ويجعله قلقاً على الدوام. ولقد أجاد "كارل غوستاف يونغ" إذ شرح موقفاً مشابهاً ساعة قال: "إذا أجلستُ إنساناً بجانب جدار وقلت له: سينهار هذا الجدار بعد أسبوعين، فإنه سيبقى قلقاً ومتوتراً طلية هذه الفترة، أما إذا قلت له: إن هذا الجدار سيبقى إلى أبد الآبدين، فإنه سيشعر بالاطمئنان والراحة والسكينة، حتى لو انهار عليه بعد لحظة واحدة".

إن الإلحاد الكلِّي، لن يفقد المرء سكينته الأنطولوجية على المستوى السيكولوجي على الأقل، ويجعله نهباً لقلقٍ دائم فقط، يُوفّره له - بسخاء - الإيمان بالإله. بل إنه أيضاً سيضع الإنسان في حرج إبيمستولوجي كبير، لناحية أنه ينقل الإنسان إلى موقف حِدِّي، بما ينقله من وضع (الصيرورة) المُتحرّك إلى وضع (الكينونة) الثابت؛ أي أنه - بمعنى أو بآخر - انتقل من طور الإنسانية التي تخضع لشرط الصيرورة الجدلي إلى طور الألوهة التي تتموقع في شرط ثابت غير قابل لأي زحزحة؛ إبستمولوجية كانت أم أنطولوجية. ولربما هذا ما وعاه أحد أبرز الملحدين في التاريخ الإنساني - أعني إيفان كارامازوف([1])، أحد أبطال رواية الإخوة كارامازوف لدوستويفكسي - الذي تفهّمَ الشرط الإنساني في حقيقته العميقة، ساعة انتقل من مرحلة رفضه للإله على الإطلاق، إلى مرحلة رفضه للعالَم الذي خلقه هذا الإله، متراجعاً بذلك عن إلحاده الكلِّي إلى نوعٍ من الإلحاد الجزئي، سأتحدث عنه حالاً.

الملحد الجزئي:

لربما برزت مسألة الإلحاد الجزئي بصورة أشد وضوحاً في التجربة الدينية للجنس البشري، نظراً للصدامية التي طالت العلاقة بين المُتدينين وغير المتدينين، منذ مرحلة ظهور الأديان. فقد وُسِمَ المخالفين للأطر الدينية السائدة بوسم الإلحاد أو الزندقة أو الهرطقة - بحسب الاختلافات الدينية - بصفته عملاً مشيناً، لا يحطّ من قدر المرء دينياً فحسب، بل يستوجب عقوبات مُغلّظة أيضاً. رغم أن اعتراض الملحدين في هذا المقام لم يكن لناحية نسف فكرة الإله من جذورها، بل الاعتراض على نصّ ديني بعينه، وليس على السؤال الديني لدى الإنسان على الإطلاق. فالملحد الجزئي هو - بطريقة أو بأخرى - مؤمن بالإله، لكن ثمة تساؤلات عميقة أو رؤى مغايرة للفكر الديني السائد، تبحث عن إجابات جديد لأسئلة فردية قلقة ومقلقة، حول جدوى النص الديني - مثلاً - أو طبيعة الإله الذي نادى به هذا الدين تحديداً...إلخ. فالأسئلة التي طرحت حول طبيعة المسيح البشرية من قبل بعض الجماعات الدينية المسيحية، والأسئلة التي طُرحت حول الديانة اليهودية برمّتها من قبل أسبينوزا، والأسئلة التي طرحت حول طبيعة النبوّة([2]) من قبل ابن الرواندي، والأسئلة التي طرحها الحلاج وموضعها في أشعاره أو في كتابه (الطواسين)، تمّت شيطنتها لانطوائها على فساد ديني كبير، وعدم انسجامها مع الرؤى الرحمانية! التي يتمثّلها الطرف الآخر بالضرورة. فقد اعتبرت تلك الدعوات المناوئة، بمثابة خرق لجدار الدين العتيد، تستلزم رتقاً فورياً، لكي لا تؤدي إلى ضرر كبير، لذا رأينا استبعاداً لتعاليم تلك الجماعات المسيحية، تحت وطأة التكفير والتعذيب أيضاً؛ وطُرد أسبينوزا بموجب مرسوم كنسي من الرحمة اليهودية، وصُودرت كثير من أعمال الفلاسفة المسلمين، ولم يعد لها وجود إلا من خلال منتقديها.

وفي العموم، كان الإلحاد الجزئي أشدّ وطأة في الاجتماع الإنساني من الإلحاد الكلّي، لعديد أسباب أهمها:

1- لما يُشكلّه الإلحاد الجزئي من تحدٍ حقيقي للمنظومة الدينية الراسخة في الذهن الإنساني. فالتجربة الدينية تحوّلت إلى تجربة جمعية، توثّقت بالتقادم وانتقلت من طور الشعور السيكولوجي، إلى طور العقد الناظم ليس للعلاقات الروحية بين بني البشر في العالم الطبيعي فحسب، إنما بينهم وبين الإله في العالم الماورائي. ولربما اعتبرت حالة سقراط حالةً دالةً في هذا المقام، رغم أنه عاش في مجتمع يؤمن بتعدّد الآلهة لا بإلهٍ واحد حصراً (وهذه التعدّدية كفر وإلحاد بطبيعة الحال من قبل اتباع الديانات التوحيدية) فالحُكم عليه بالموت، يدلّل على ما ذهبنا عليه آنفاً. فالخرق الذي يُحدثه المُلحد الجزئي في الجدار الديني القائم - سواءً أكان مؤمناً بإلهةٍ عديدة أو موحّداً لإله بعينه - يُهدّد بالأساس الثقافة الجمعية السائدة، وما تحتمله من إمكانات سيكولوجية واجتماعية واقتصادية ومعرفية، والخوف من الإطاحة بهكذا منظومات صلبة وثابتة، في حال عدم معاقبة الملحد والتعريض به وبمنظومته الفكرية المضادة، فهي منظومة (فردية) تسعى إلى الإطاحة بالمنظومة (الجمعية)، ولغاية الحفاظ على عقد الأمان - بصرف النظر عن مدى انسجامه مع العقل من عدمه - الذي توفّره المنظومة (الجمعية) للمجتمع والأمة، تتحوّل الإطاحة بالمنظومة (الفردية) للملحد إلى نوع من الواجب اللاهوتي بالدرجة الأولى، فهو - بالضرورة، ولكي تكون النتائج أضمن وأكثر وثوقية - مُلحد بالإله، وتعاليمه المضادة نوع من الكفر بما تعارفت عليه الجماعة المؤمنة، فالتضحية بفرد واحد، وأفكاره الإلحادية؛ أولى من التضحية بالجماعة ومصالحها الراسخة في الاجتماع الإنساني.

2- يعتبر الإلحاد الجزئي أكثر حضوراً في الطبيعة التكوينية للإنسان، بصفته كائناً غير قارّ في (كينونة) ثابتة، بل هو متموضع في (صيرورة) متحركة. فتلك الشرارة التي تحدث بفعل التماسّ الذهني بين اليقينيات الجمعية والشكوكيات الفردية، حول مسائل دينية تأسيسية، تضع المرء في سياق جدلي، لا يفتأ يتنامى ويتوالد تباعاً، فمن ناحية لا هو مؤمن لكي يقرّ بالثبوتية الدينية السائدة، ولا هو بالملحد من ناحية ثانية لكي يركن إلى شكوكياته، بل هو دائم البحث والسعي؛ دائم الهدم والبناء، وتجربته الدينية تنسجم - لحظتذاك - مع جدلياته التأسيسية، فكما هو غير مؤمن وغير ملحد في الوقت ذاته، فلأنه أساساً غير قارّ في كينونة (الفوق) لوحدها، أو كينونة (التحت) لوحدها، بل هو حاصل سياقين معاً: فوقي وتحتي؛ سفلي وعلوي؛ ذكوري وأنثوي؛ ليلي ونهاري؛ شيطاني ورحماني؛ الجدل بين هذه السياقات المتضادّة، يوتّر العلاقة بينهما توتّراً حيوياً، ويخلّق مساحات جديدة للإبداع. وفي حالة الإلحاد الجزئي وقدرته على الجدل مع المنظومة الإيمانية - لا سيما إذا ما توافرت قيمة الحرية المعرفية، ولم يتم تهديد السياقات الفردية من قبل السياقات الجمعية - ثمة فرصة كبيرة لإحداث بناءات جديدة في السياق الديني، وهدمها بالتقادم، عبر إجراء تعديلات جوهرية، حيث لا يتحوّل الدين إلى نسق معرفي ثابت، ذهنياً وزمانياً.

إذن، نحن أمام نموذجين إلحاديين، أولهما يكاد لا يخدم الطبيعة الإنسانية، طالما هي خاضغة لشرطٍ جدلي، لا يمكن للإنسان - بموجب هذا الشرط - التموقع في الليل أبداً، بل لا بد من النهار أيضاً. فالحِدّية والحلول القصوى شيء مضاد لما هو قارّ في التكوين الإنساني، وفاعل في بنيته الذهنية ومسلكياته الواقعية. ولربما أدّى تبنِّيه إلى خلق حالة من الانفصام الأنطولوجي لدى الإنسان، الذي لا يفتأ ينشد المعنى في هذا العالَم، حتى في حالة موته وفنائه، فالسؤال الميتافيزيقي سؤال تأسيسي في الحِراك الأنطولوجي الإنساني، وأيّ توقّف عن تمثّله - على الأقل في الوقت المنظور - سيؤدي إلى تنامي فقدان البشرية لرَحِم كبير وحنون، لطالما ركنت إليه وشعرت فيه بالرخاء والطمأنينة والسكينة.

وثانيهما، يضع الإنسان في وضعٍ صحّي على المستوى الإبيستمولوجي، بما يجعله مُنسجماً انسجاماً حِبِّياً مع شرطه الوجودي، شرط صيرورته المتحرّكة.


[1] كُنت قد أتيتُ على ذكر بعض جوانب هذه القضية في مقالة (عن سيد قطب ودوستويفسكي) المنشورة في موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، بتاريخ: 3/ مايو/ 2014

[2] كان عبد الرحمن بدوي قد أشار في كتابه (من تاريخ الإلحاد في الإسلام) [صدر الكتاب في طبعة جديدة عن دار تحت عنوان تاريخ الإلحاد في الإسلام] قد أشار إلى فكرة الإلحاد العربي قد اقترنت بدعوة الملحدين العرب إلى ما أسماه بدوي "موت فكرة النبوة والأنبياء"، إذ يقول في الصفحة اسلابعة من كتابه: "وإذا كان الإلحاد الغربي بنزعته الديناميكية هو ذلك الذي عبر عنه نيتشه حين قال: (لقد مات الله)، وإذا كان الإلحاد اليوناني هو الذي يقول: (إن الآلهة المقيمين في المكان المقدس قد ماتت)، فإن الإلحاد العربي هو الذي يقول: (لقد ماتت فكرة النبوة والأنبياء)...".

أظن أن هذه الفكرة لا تندرج في إطار ما اصطلحت عليه آنفاً بـ (الإلحاد الكلي)، بل بالإلحاد الجزئي تحديداً، نظراً لعدم رفضه لفكرة أساساً لوجود الله، بل أتى رفضه لوسيط روحي - النبي تحديداً - بين الإنسان والله.

يمكن الرجوع إلى كتاب: تاريخ الإلحاد في الإسلام لـ "عبد الرحمن بدوي"، الصادر عن المركز الأكاديمي للأبحاث، العراق، تورنتو، كندا، ط1، 2014