الزمن والتعددية الثقافية


فئة :  مقالات

الزمن والتعددية الثقافية

يميز ريجيس دوبري بين النقل والتواصل؛ النقل يتم عبر الزمان في حين أن التواصل هو نقل الخبر عبر المكان، وهو يرى أن العلاقة التي تربط النقل بالتواصل هي علاقة تناسب عكسي؛ فكلما ازددنا تواصلاً، قل ما ننقله عن الماضي، كلما ملأنا المكان، هجرنا التاريخ. كنا نعيش حقبا مختلفة، نحيي الماضي ونتطلع إلى المستقبل. أما اليوم، فإننا نحيا في أمكنة مختلفة في الآن نفسه.

قد يستنتج البعض من ذلك أن القيمة الكبرى أصبحت تُعطى للمكان، وأن الزمان لم يعد يعني شيئاً، إلا أننا لو فحصنا الأمر بشيء من التروّي لتبينا أن إلغاء الأبعاد المكانية هو، في نهاية الأمر، إلغاء للمكان ذاته. لكن ذلك لا يعني أن الزمان بمفهومه وأنماطه التقليدية، هو الذي احتل المكان، وإنما هو "الزمن التقني" الذي لا يكتفي بأن ينضاف إلى الانتظامات الأخرى للزمن، وإنما يعيد هيكلتها، بل وينزعنا عن الزمان الذي ألفناه ليحشرنا في زمانية مغايرة.

وهكذا ستتضاءل أهمية المكان شيئا فشيئا، ليغدو "الزمان هو كل شيء" وليحل الوجود الآني في الأمكنة المتعددة محل الأبعاد المكانية، وليصبح بإمكان كل فرد أن يحيا اليوم في فضائه المحلي، لكن في الوقت ذاته يحيا "الزمن العالمي": بإمكانه أن يخضع لعملية جراحية يتابعها الأطباء "عن كثب" مهما كانت المسافة وأنى تمت العملية. بإمكانه أن يتابع القضايا المالية في بلدته، لكن بإمكانه في الوقت نفسه أن يعرف أخبار البورصة في مختلف أنحاء المعمور.

لن يعود من الجائز، بطبيعة الحال، أن نطرح السؤال: هل هذا التحول للمكان إلى زمان، مقصور على منطقة من مناطق العالم دون أخرى؟ لأن مفهوم العالم ذاته ربما لم يعد له معنى، أو على الأقل، لم يعد له معنى مكاني. لكن، يمكننا أن نطرح السؤال ذاته، ولكن هذه المرة، بصدد الثقافة، فنتساءل: هل هذا التحول مقصور على ثقافة دون أخرى؟

قبل محاولة الجواب عن هذا السؤال، لا بأس أن نعود إلى ما اقتبسناه في البداية عن ريجيس دوبري، كي نأخذ عليه استعماله لنون الجماعة بإطلاق. قد يقال إنه يطرح المسألة من وجهة الثقافة المهيمنة، حتى لا نقول ثقافة العولمة، إلا أنه يغفل أن ما يميز ثقافات غير قليلة في عالم اليوم هو التواجد المتساكن بين ثقافة النقل وثقافة التواصل. هناك ثقافات مازال يتساكن فيها جنباً إلى جنب العيش في أمكنة مختلفة والحياة في أزمنة متنوعة، ثقافات لم يتمكن فيها تقارب الأمكنة من القضاء على تقارب الأزمنة و"تعاصرها".

في مقال قيّم حول "زمن التقنية" كان عبد الكبير الخطيبي قد حاول أن يرسم "الخارطة الثقافية العالمية" انطلاقا من علاقة الثقافة بـ"زمن التقنية"، ومن ربط أولي للثقافة بالزمن؛ فالثقافة في نظره هي، أوّلا وقبل كل شيء، تنظيم للزمن والمكان والمعرفة المحددة لهوية مجموعة ما. ولما كانت الهوية ذاتها ذاكرة في صيرورة دائمة، وزمانا متفتحا على أنماط الزمان جميعها، فإن "الزمن التقني" يعيد هيكلة الهويات والثقافات، فيبدل صورتنا عن أنفسنا وعن الآخرين.

انطلاقا من هذه العلاقة المركبة للزمن بالثقافة يرسم الخطيبي "الخارطة الثقافية العالمية"، فيقسم الثقافات إلى: ثقافات فاعلة باعتبارها قوى توسعية للتقنية ولسرعة الزمن…وثقافات في صيرورة متباطئة داخل زمن التقنية… وثقافات تعيش انحطاطا، وتستعمل الزمن باعتباره حاضرا أبديا، تنتظر ما قد يحدث حولها وفي دواخلها. ويتعلق الأمر هنا بتاريخ الحنين والانهيار… وأخيراً هناك ثقافات تقاوم الموت في ظل الإبادة نفسها، الإبادة العرقية".

لا ينبغي أن نقرأ هذه الخارطة على أنها خارطة جغرافية، ولا حتى أنثربولوجية وإنما على أنها خارطة أنطولوجية، إن صح التعبير؛ ذلك أن هذه الأشكال من الزمنية تكاد توجد في كل ثقافة. وما ذلك إلا لأن كل ثقافة لا تعيش زمانية طاهرة. كل ثقافة تعيش تعدديات زمنية، وهذا حتى في السياق الذي يفرض فيه "الزمن التقني" نفسه فرضا. فالثقافة، حتى وإن لم تعرف إلا جدولا زمنيا واحدا، فهي تعيش دوما تعددية زمنية تتحدد بعلية تضافرية، إن جاز لنا اقتباس المفهوم الألتوسيري للعلية عند ماركس، حيث تتواجد علل متعددة من غير أن تحتل جميعها المرتبة نفسها ولا الفاعلية ذاتها، فتكون واحدة منها هي المحددة في آخر التحليل.

على هذا النحو، فإن الثقافات جميعها تعيش اليوم صراعاً بين زمنيتين temporalités: زمن التقنية، وزمن الحنين والتواصل والاتصال والرتابة، زمن "الأخلاق الموروثة". هذا الحنين إلى الزمن بوصفه حاضرا أبديا، والذي تقاومه مزاحمة صارمة للزمن التقني، هذا الحنين موجود دوما، حتى وإن استطاع زمن التقنية أن يقمعه ويوقف مدّه ويحد من فورته. على هذا النحو إذن هناك تعددية زمانية وجودية تشرط الفرد في وجوده ذاته، وبالتالي تعددية ثقافية، لا عبر أنحاء العالم فحسب، بل في صميم كل هوية وفي قلب كل ثقافة.