حسن حنفي منَ النَّصِّ إلى النَّصِّ والتَّصوُّفُ مِنَ الفناءِ إلى البقاء


فئة :  مقالات

حسن حنفي منَ النَّصِّ إلى النَّصِّ والتَّصوُّفُ مِنَ الفناءِ إلى البقاء

حسن حنفي منَ النَّصِّ إلى النَّصِّ والتَّصوُّفُ مِنَ الفناءِ إلى البقاء

د. محمد الزّكري القضاعي

المقدمات التي لم يشخصها حسن حنفي بشكل واضح

أزمة تاريخ الفرقة الناجية

منذ أن دوَّن ابنُ جرير الطَّبَري (ت. 310 هـ) تاريخَه، وأبو عبدالله محمَّد الواقدي (ت. 207 هـ)، والبلاذري (ت. 279 هـ)، وابن عساكر الدمشقي (ت. 571 هـ) كتاباتهم، وأبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت. 548 هـ) كتابه الملل والنِّحل، وآخرون كُثُر، كان هناك سؤال عن المدى الذي يمكن فيه للدِّين أن يشكِّل المجال العربي العام[1]، بدلاً من أن ينجح المشروع العربي القديم في أن يكون له أثر نقدي وعقلي في الفعل العام، وبدلاً من أن يمنح الحافز الأخلاقي بتشكيل الضمائر، وبدلاً من أن ينحت عميقاً وطويلاً لنقل العرب من عهد "جاهليَّة" إلى عهد "ما بعد جاهلية". رغم ذلك وجدنا أنفسَنا غارقين في خطابات سدَّدت قناتها في نحر وعي الأمة[2].

يعصف التاريخ بعقول متابعيه بقسوة، عندما يجتزئ من أحداث الأمة فواصل منتقاةً ليدوِّن منها "سرديَّتَه"، وقساوةً أخرى، عندما يفتقد التاريخ إلى الأخلاق، ليصنِّفَ المتنازعين، بلا رحمة، في سياق أحد السَّبيلين؛ أهلِ خير أو أهلِ ضلالة[3].

تاريخنا الديني تاريخ تخصَّص بتشريح معنى الإسلام الشامل الحاضن للتنوع، بتفكيكه ضمن حقول فكرية، ومن ثم تحتيته في سياقات موضوعية ومحليَّة، يستحيل معها، عند خوض ضبابيات تفاصيل خصوصيات الأحداث والنزاعات، معاودة رؤية مقاصد الدين العليا.

الإسلام الجميل الذي أُنزل ليخاطب العالَمين، وليكون مُلكاً للجميع، كلَّما أُسْقِطَ من سموِّهِ يفقد شيئاً صالحاً كان مناسباً للجميع، ليصبح بعدها حقلاً معرفيّاً مملوكاً من قبل نخبة. إنها نخبة تحتكر كتابة التاريخ، وتُحَسّنُ لنا الانحياز لا إلا الاتحاد خلف "القرآن" العظيم، بل إلى الافتراق باختيار جماعة دينية، والنفور من بقية الجماعات، متجاهلين قوله تعإلى: "إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ". فالحقيقة التاريخية التي تصلنا هي "حقيقة" الفرقة "النَّاجية الصَّادقة" المخلصة القابعة في "المركز" والدَّاعمة للحكم، والمدعومة من قِبَله. إنها حقيقة تحرِّم أنْ يكونَ "للرُّعاع" الهامشيين "شُذَّاذِ" الآفَاقِ الَّذين خرجوا عن الجماعة وتعمَّقوا في أقطاب المعمورة، أيَّ نبرةِ صدقٍ أو نصيبٍ من الحقيقة.

اليوم، ونحن نقفُ أمام شاشاتِ التِّلفاز وقنوات اليوتيوب، نجدُ أنَّ التَّاريخ يجدِّد قسوتَه على مشاعر المؤمنين، عندما نسمع الجماعات الدينية لا تمثِّل ديناً بقدر ما تمثِّل معارضةً دينيَّة لِبعضها البعض. مع ذلك، فقد استمدَّت كلُّ حركة فيها قوَّةً كبيرة من المصادر الدينية. إنه تاريخٌ يضعُ عامَّة المسلمين المستهلكينَ للخطابات الدينية الماضويَّة أمامَ مفترق الطرق، وهو تاريخٌ يرغمنا على الاختيار والتَّنقيب عنِ الإسلام بين آلافٍ من كتبِ التُّراث، تاريخٌ يرغمنا على البحث عن مَنْ يمثِّل الإسلام اليوم أفضل تمثيلٍ من بين الجماعات الدينية المعاصرة. نذهب جميعا كمتسوِّقين، ونقف أمام حوانيت المكتبات وجمعيات وأحزاب وحلق ومجالس تحوي جماعات، لنستمع إلى شيوخها وهم يسوِّقون بأعلى أصواتهم أفكاراً عن جودة ومتانة رواياتهم، ويشهرون أمام أعيننا شهاداتٍ توثِّق أدلَّتهم، مكرِّسينَ حججهم على أنَّهم بلا شكٍّ الفرقة المهديَّة الناجية، يقول لسان واحدهم: "أقبلوا عليَّ وخذوا مني كلَّ الكلِّ، واتركوا كلَّ الآخرِ، فلا ترجوا خيراً مِنْ أهلِ البِدَعِ، وإنْ بدى لكم بعضُ الخير منه".

الجماعة والحكم

أصرَّت بعض الجماعات الدينية على رفض الفصل بين الدين والدولة؛ جماعاتٌ تنشر إلى اليوم في أدبياتها:

"إن المراد بالسياسة ما يتعلق بنظام الحكم، وتدبير شؤون الدولة، والتعامل مع الدول الأخرى، والضوابط الشرعية لهذا الباب، وهي بهذا الاعتبار جزء من الدين بلا ريب، فإن حق التشريع والحكم في الإسلام لا يكون إلا لله تعإلى، وهذا الأصل ـ وهو حق التشريع ـ ليس من مسائل الفقه، أو الفروع، بل هو من مسائل التوحيد، والإيمان، وقواعد الإسلام"[4].

فأشهرت شعار أن الدين يصلح للدنيا تماماً كما أنَّه صالح للآخرة. صلاحيةٌ لا تميِّزُ بين التَّعبير عن رأيٍ حول مشهدٍ سياسيٍّ، وبين التَّدخُّل في شؤون الدولة، بل اعتمدوا منطقاً يسمح لهم بالتدخل المباشر في شأن الدولة الدنيوية، بلا قواعد واضحة تنظم آلية "الفصل والوصل". إنه اندفاع أدى إلى إبراز خطاب يتربع فيه الدين بقوة في كل محتويات المجال العام، منافسين بذلك الدولة، وهو مشهد اختزل المسافة بين شيخ الدين ومهامه، وبين رجل الدولة ومهنته. هذا التداخل الديني الفج بالدولة جعل مشهد رؤية أصحاب اللحى الطويلة والعمامات يقفون على منابر المساجد لخلق تعاطف الجماهير الدينية معهم، ويقفون على منابر الدنيا السياسية، ليمارسوا القبض على الدين وشؤون الدولة بلا حدود، أمراً مألوفا. تصرُّف الجماعات الدينية غير المدروس أرغم الدولة علـى رسم حدود صلبة لمفهومها السِّيادي الرافض لتعدِّي الشيخ على مجالات الدولة. مع إصرار الجماعات الدينية على خوض السياسة المتعدي على الدولة، ومع تصميم الدولة على رفض التدخل في تخصصاتها، تم إقحام علاقة الدولة مع الجماعات الدينية في تاريخ جدلي ذي طابعِ صراعٍ قاسٍ رسم سمة أصيلة من هوية العرب.

عندما يقسو التاريخ في نحر الدولة وإبادة الجماعات

هذا التاريخ العربي القاسي عشناه منذ أن قرر الإنكليز والفرنسيون إنهاء حقبتهم الاستعمارية-الكولونياليّة في عقود القرن المنصرم. حينها وجد العربيُّ نفسه في زمن مبهم يسميه إدوار سعيد "ما بعد كولونيالي[5]". هو زمنٌ لم يخلُ من قسوته الضارية. خاضت فيه دولة ما بعد الكولونياليّة تجربة التحرر من الوصاية الكولونياليّة؛ تجربة اكتشاف الدولة لذاتها ومكونات هوياتها، والذهاب إلى أبعد الحدود في رسم حدود صلبة لسيادتها، ومارست فيه الدولة عملية العصا والجزرة مع الجماعات الدينية، التي رفعت شعار أن "الله" سمح لها بمنافسة الدولة في الشأن السياسي.

الدولة الصلبة التي صنعتها القوى الكولونياليّة، وسلمتها مهمة إدارة جغرافيا البلاد والعباد عبر من بقي من المستعمر كمستشارين، أكسبت الدولة البراعة في إتقان لعبة "الإِبْقَاء والإِفْنَاء" مع كل حزب أو جماعة تنافسها. والأهم أنها أتقنت سياسة خلق وظيفة "نفعية" متعددة الأوجه للتعامل مع الجماعات الدينية[6]، فعندما يبرز أي خطر بسيط من الجماعات الدينية تقوم الدولة باستنفار معنً صلباً لمفهوم سيادتها، مبرِّرة لاستخدام العصا الغليظة لتهشيم الجماعات الدينية العاقَّة. هنا تتحول الدولة إلى رمز للمدنيّة والحَدَاثَة في مواجهة ما دعتها بالرجعية الدينية الماضوية. نهضت هذه الفكرة المُقَوْلَبَة في قالب سهل للتداول في المجتمع، وهي فكرة يفهمها كل عربي ليبرالي علماني مدني، يتطلع إلى المضي في تحديث وطنه ومؤسساته الثقافية والمعرفية، فأول ما يسمع الليبرالي المدني العربي خطاب الدولة عندما تكون فيه نقيضاً للدين، يسارع إلى الوقوف في خندق واحد مع الدولة المدنية العلمانية ضد العدو الدائم المتمثل فيما صورته الدولة على أنه جهلٌ دينيٌّ ماضَوِيٌّ.

كما أن هناك وظيفة أخرى برعت الدولة في لعبها عن طريق تقريب الجماعات الدينية الموالية لها. فبطبيعة الحال هناك حاجة دينية لكل مسلم ومسلمة لا غنى عنها. إنها علاقة تصالحية تؤدي إلى تحقيق مصالح البشر وإسعادهم في الدنيا من أجل نعيم الآخرة، وقد برعت الدولة في هذا الميدان بتكريس مشهد الحاكم وهو يصلي خلف الشيخ في صلاة العيدين والمناسبات الدينية، ليكون عنواناً ذي اعتبار رمزي هَويّاتَي، ينجح من إيصال فكرة دينية الدولة، وحَضن الدين، وغمر رجاله برعايتها وحبها وعطفها.

نجحت الدول العربية في حقبة ما بعد الكولونيالية في جعل الدولة مركزاً صلباً شبه جامد، ومن خلال هذا البناء دخل العربي حداثته وفهمها؛ حداثةً شُيِّدت على غرار أنموذجٍ تكون فيه الدَّولة صلبةً وعميقةً ومطلقة، فاستقرت حداثة العرب في قوالب شيدت منذ نصف قرن، ولكن هذا البناء الصلب للدولة لم يواكب سيولة ما بعد الحداثة التي انتقل اليها الغرب منذ مطلع الألفية الثالثة، ومع انفتاح قنوات العولمة تدفقت، وبأثر رجعي، سيولة ما بعد الحداثة الغربية إلى مخيلة الشباب العربي[7]؛ شباب تمكن من رؤية أنواع من التجارب؛ تجارب المجتمع العربي في إطاره المحلي، وهناك تجارب المجتمع كمكوّن من المكونات العالمية المعاصرة في بنية كونية عملاقة واحدة.

في هذه المرحلة اتفق فريق من الشباب على ضرورة استنساخ نسخة عربية معدلة من المشروع العلماني الغربي؛ نسخة تتمتع بمؤسسات ديمقراطية مقتبسة من تجارب أنضجتها قرون من الحراك المدني الأوروبي الخصب. إنه مشروع تكون فيه الدولة معلمنة، ويكون فيها المجتمع متعدد، والعلمانية أحد مكوناته، وتتقاسم في بنية عملاقة مع فرق أخرى بناء المجتمع المحلي والعالمي. إنها أفكار تعمل من خلال قناعة أن المجتمع الناجح هو مجتمع لا يختار الناس الذين يشاركوننا الوجود، بل علينا تقبُّل الآخرين على أساس أنهم منح وُجدت نتيجة شروط مادية وتاريخية وسياقية لا فرصة للاختيار فيها، ويكون التعايش هو المتاح الوحيد. كما أن الشباب العربي طرح على طاولة البحث قضية إمكانية فسح المجال العام أمام الدين ليشارك في صياغة القرارات، وهم شباب كانوا يفكرون بطريقة إبداعية لفك عزلة المتدينين الطويلة، وإخراجهم من عالم العبادة الفردية، بإشراكهم، كطرف من مكونات المجتمع، في النقاش العام من أجل الوصول إلى الصالح العام.

في تقديرات هذا الشباب العربي التنويري ترسخت قناعة أن دولة بأيدولوجية صلبة، كنواة لمشروع التحديث العربي في حقبة ما بعد الكولونيالية، هي قضية جُرِّبت وانتهت صلاحيتُها. لم يدم الزمن طويلا وإذ بشباب يبحث عن مدنية ما بعد حداثية سائلة، ليحلها محل مباني حقبة حداثة الدولة الصلبة؛ شباب أراد أن يُغْني نقاشات بناء الدولة كمآل من مآلات النقاشات في المجال العام، وهو يدعو إلى دولة منسوجة بمفاهيم عولميّة سائلة، ودولة مغسولة بمياه تستمد حياتها من ينبوع ما بعد حداثي. إنه شباب كان يسعى إلى إزاحة ما شُيّد من دولة صلبة تدَّعي الحداثة، انبثقت منذ حقبة ما بعد الكولونيالية قبل أكثر من نصف قرن.

الربيع العربي وأحياء زمن ماقبل الكولونيـالية

لم تشخص الجماعات الدينية مشهد الربيع العربي بعين فاحصة ثاقبة، حيث فهمت أن العودة إلى الماضي هو مطلوب الساعة، وهو مطلوب الجماهير، وهو المنقذ تحت شعار؛ "لن ينجو الخلف إلا بما نجا به السلف". فقفزت الجماعات الدينية على الفرصة الذهبية التي أطلق شرارتها شباب ما بعد حداثيين، وحصدت الجماعات الدينية نتائج الانتفاضات العربية التي انطلقت منذ عام 2010-2011. إنها جماعات دينية خاصة تخيلت الصراع من خلال استراتيجيتها الاستذكارية، فأخذت مفهوم المعاناة من زمن آخر ووظفتها سياسياً لمعارضة زمن الحاضر، فجلبت الماضي الذي ترجع إليه لإنعاش الحاضر.

الدين؛ الذي هو موضع تأمل وعبادة، أصبح مع وثبة ممثليه إلى الحكم موضوعاً للجدل، ومادة للنقاش الصاخب؛ لأنه أعاد العرب إلى زمن ما قبل الكولونيالية؛ زمن الدولة العثمانية آخر ممثل للحكم الديني، ووجد المثقف العربي، الذي أراد أن يؤسس لدولة مدنية ما بعد حداثية عولمية، أنه يعود ليدرس كتابات جمال الدين الأفغاني، ورفاعة الطهطاوي ومحمد عبده. إنها كتابات تحكمها جماعات دينية ذات مرجعية ماضوية. إنه مشهد قاسٍ ومربك للشباب ما بعد الحداثوي حتى أخمص قدميه.

مع تعاظم المشهد توسع اهتمام الباحثين بدراسة الجماعات الإسلامية، خاصةً عندما خطفت جماعات دينية سياسية عدة (متفرعة بشكل أو بآخر من جماعة الإخوان)، الحكم من براثن الأنظمة الصلبة والعميقة، التي جثمت لعقود على منصة الحكم في تونس ومصر وليبيا واليمن. وقد حُرِّرت مقالات وطبعت كتب لا حصر لها وعقدت ندوات فكرية في مراكز الفكر العالمية المعنية بالشرق الأوسط وحول ظاهرة دخول الجماعات الدينية إلى مباني الدولة كحاكمين، حيث تطرقت هذه الدراسات إلى البحث في قابلية الجماعات الحاكمة لمفاهيم الديمقراطية والقانون والدستور، والتي قد تتعارض مع مفهوم الشريعة الإسلامية. كما تحدثت هذه الدراسات عن الفرص المتاحة لتطوير حكم إسلامي متصالح مع الزمن المعولم والحداثة. "بيد أن هذه الاستهلالات سرعان ما ارتكست، فحزب النهضة التونسي تنحّى عن السلطة في كانون الثاني/يناير 2014، في خضم اضطرابات سياسية؛ وإسلاميو ليبيا أبلوا بلاءً سيئاً في الانتخابات التشريعية التي جرت في أواخر حزيران/يونيو 2014، والأكثر مدعاة للذهول، كان الانقلاب العسكري الذي نفّذه الجيش المصري وأطاح فيه بمحمد مرسي، أحد قياديي جماعة الإخوان الذي انتخِبَ رئيساً في العام 2012، ما أشعل حملة قمع عنيفة ضد هذه الجماعة في طول المنطقة وعرضها".

"هذه الارتكاسات لم تقوّض المكاسب السياسية قصيرة العمر التي حققتها الأحزاب الإسلامية وحسب، بل عرقلت كذلك الاستراتيجيات التدرُجية التي حيكت بتأنٍّ ودراية، ونالت من معتقدات إيديولوجية واستراتيجية عريقة، وأعادت تشكيل تضاريس الأحزاب الإسلامية. قُبيل الانتفاضات العربية، كانت معظم الأحزاب الإسلامية تطرح استراتيجيات سياسية، وهياكل تنظيمية ومواقف إيديولوجية، مُستقرة نسبياً، ويمكن استقراء مسارها. بيد أن الاستهلالات السياسية للعام 2011 والارتكسات اللاحقة في السنوات التالية، فرضت متطلبات جديدة على هذه الحركات، فالمناورات المُتسرِّعة والجامحة، حلّت مكان الاستراتيجيات السياسية الحذرة بعيدة المدى، حين انبرى الإسلاميون لاقتناص الفرص الجديدة، والرد على تحديات مُستجِدة. واليوم، تجد معظم الأحزاب الإسلامية نفسها تخوض غمار بيئة مجهولة المعالم، وتعاني من أشكال جديدة من قمع الدولة، والاستقطاب الاجتماعي، والمتاعب التنظيمية، والتنافسات الإقليمية، والعداء الدولي، والتنافس داخل صفوف الإسلاميين[8]".

حسن حنفي الجماعة الإسلامية والفناء

مكَّنت الفورة المعاصرة مع الربيع العربي والصاخبة الجماعات الدينية من الوصول إلى الحكم وإدارة الدولة. إنها خطى متسارعة من تهشيم أنموذج "الدولة" وليدة مرحلة ما بعد الكولونيالية، وإحلال دولة بمذاق ديني يستمد أفكاره من منظرين ينتمون إلى حقبة الدولة العثمانية/ما قبل الكولونيالية. هي تجربة قصيرة نظرت خلالها الجماعات الحاكمة إلى العلاقة بين الأمة والدولة من وجهة نظر أحادية، كما لو أن الأمة من خلال ممثليها هي التي تسعى دائماً إلى توفير دولة لنفسها. لكنها قصرت عن رؤية عملية مضادة ومكملة مهمة، وهي أن من يحكم الدولة عليه أن يبقيها حية من خلال خلق إحساس من الانتماء المشترك لكل مكونات المجتمع، ومن خلال تعريف هوية مشتركة جامعة غير نافية للآخر. كانت تجربة حملت أخطاء قاتلة، وأدت بسرعة إلى انتكاسة، ومع انتكاستها انهارت شعبية جماعات دينية كثيرة، فتراجعت شعبية جل الجماعات الإخوانية وجل الجماعات السلفية وجماعات الدعوة. إنه وضع كان فيه الصعود سريعاً ومباغتاً وكانت الارتكاسة فيه أسرع وأوجع؛ وضعٌ أشبه ما يكون بالفناء، وذوبان أصحابه وحتٌّ لأفكار وهويات جماعات دينية، وهي حالة جعلت فرصة عودة الجماعات، بنفس الأسماء وبنفس الأفكار إلى سابق أوجها، أمراً شبه مستبعد، فاستقال من تلك الجماعات من تنبه إلى هذا الأمر، وبدأ يعيد حساباته حول أفكار أخرى، بعضها متطرف وأخرى أكثر مرونة. وضع أشبه ما يكون بفناء مقومات الجماعات الدينية. لكن هناك جماعة دينية ما زالت صامدة عبر قرون من التجارب والمنعطفات والانتكاسات؛ جماعات تعلمت فن البقاء والاستدامة، وهذا هو موضوع اللحظة؛ كيف تتمكن جماعة "التصوف" من مواصلة واستدامة البقاء؟

لا أعتقد أن بالإمكان أن ينطلق مشروع يسعى إلى إضاءة ميدان معرفي حول كيفية تمكُّن جماعة التصوف من البقاء، قبل استحضار كتابات المفكر المصري الكبير حسن حنفي. كيف لا وهو قد سبق الجميع بتطرقه إلى السؤال نفسه؛ حول الجماعة ذاتها من خلال كتابه: "من الفناء إلى البقاء: محاولة لإعادة بناء علوم التصوف".

حسن حنفي يكتب بنفس متوترة جعلت كتاباته ميداناً لإثارةِ الشك حول فكرة مهيمنة في جل كتاباته، وتبحث عن بواعث ونواهض التقدم العربي الإسلامي. كما غلب على حسن حنفي رؤية تشكيكية، بوجود عنصر ولو ضئيل من عناصر النهضة، يمكن رصده في بناء فكر الجماعات الإسلامية. ربما كان الأهم أنَّ نقيض النهضة من عوامل التقاعس والقعود والطواف في نصوص الماضي، وغياب مشاغل مقتضيات زمن "الآن"، ومتطلبات الحاضر عن وعي الجماعات الدينية، خصوصاً الصوفيَّة، هي التي شكَّلت وعي حسن حنفي خِرِّيج السوربون، وجذبت نقدَه ليسير في قنواتها. ليس من السهل على طلبة السوربون تخطِّي الرؤية الاستشراقية المغلَّفة بخطاب أكاديمي، كما لو أنه خطاب رصين، وتنميطاتها حول التَّصوف.

بمعنى آخر؛ لم يفترض مشروع حسن حنفي امتلاك أية حركة أو أجزاء من تلك الحركة على مقوماتٍ تسمح لها بفهم الواقع، والبقاء والتواصل مع حاضرها. افترض مشروع حسن حنفي النقدي أنَّ كل مكونات الجماعات الإسلامية هي مكونات ضمنت بقاءها في دوائر الفناء، وهي جماعات لم تمتلك شروطاً موضوعيَّةً في حركاتها لتنجح بإمدادها بأُكسير البقاء ولوازمه.

من الأعباء التي تحمَّلها حسن حنفي، في محاولةٍ لإعادة بناء علوم التصوف، حاجته الماسَّة إلى رواية قصة التَّصوُّف من البداية، فالمعرفة بالشؤون الصوفية ليست خافيةً على جمهور المفكرين العرب، لكنْ هذا أسلوب حسن حنفي، حيث نجده من خلال كتابه "من الفناء إلى البقاء: محاولة لإعادة بناء علوم التصوف"، يسهب جدّاً عبر قرابة أَلْفَيّ صفحة، ليثبت أن التصوف في حالة غيبوبة عن الواقع.

حسن حنفي التأسيس السوربوني في "ذكريات 1935-2018 م"

يتحدث المفكر المصري الكبير في كتابه "ذكريات 1935-2018 م"[9]، في أكثر من موقع، عن حجم تأثير أستاذته في السوربون على مشاعره وعقلة (ص 74 و76). وعليه، لابد من التعرُّف على أهم الأفكار والمدارس التي تأثر بها في سِنِيِّ التكوين التي حملها معه إلى بقية العمر والعطاء المعرفي. من الناحية الأعم لقد تأثر حسن حنفي Neo-Kantian بالكانطية الجديدة بشكل مباشر، عندما خص رسالته للدكتوراه رقم 2، والتي بعنوان "ظاهريات التأويل الوجودية ابتداء من العهد الجديد (كانط وكيركجارد) ومن ثم تأثر بشكل غير مباشر بالكانطية الجديدة، حيث إنه اشتغل في رسالته للدكتوراه رقم1، والتي بعنوان "تأويل الظاهريات شرح لمنهج هوسرل وتلامذته"، فهوسرل يُعدُّ أهم رواد الكانطية الجديدة كما يحسب بول ريكير كذلك. وقد ربطت بين بول ريكير وحسن حنفي علاقات معرفية وصداقة واحترام متبادل (ص 72 وص 74).

في باريس تأثر حسن حنفي بالمنهج الفينومينولوجي الترنسندنتالي الذي عمل به الألماني إيمانويل كانط. منهج كانط، ومن ثم منهج حسن حنفي في الأساس هو أسلوب ترانسندنتالي في التحليل وطريقة في إعادة كتابة تاريخ الوعي؛ أي يتجاوز الخبرة التجريبية للبحث عن أصل المعرفة. وهذه انطلاقاً من الشروط القَبْلية التي تجعلها ممكنة، وهذا منهج هوسرل وهو أيضا منهج حسن حنفي، حيث إن هناك طريقة زوّد بها الإنسان للوعي وهذه الطريقة للوعي سبقت الوعي، وما يهتم به الكانطي الجديد الهوسرلي الظاهراتي هو التعرف على المنهج (طرائق التفكير) لكي يتعرف على العلوم، فكل علم يتميز بمنتجات مختلفة نتيجة اختلاف مقدماته، أي اختلاف طرائق التفكير. هنا فطن حسن حنفي أن التغيير الحقيقي يكون في تغير المقدمات أو طرائق التفكير، فتتبعه تغيرات في منتجات معرفية، والتي تنتجه طرائق التفكير المستحدثة[10].

هذا التأسيس السوربوني هو مركز قوة حسن حنفي، وهو أيضا المشكل الأكبر في كتاب حسن حنفي تحت النقاش (من الفناء إلى البقاء: محاولة لإعادة بناء علوم التصوف)، فهو ليس بحثاً "من النص إلى الواقع" كما يزعم، فهو أستاذ الفينومينولوجي الترنسندنتالي؛ أي الكونيات أو القواعد العليا والفلسفة والآداب، وليس أستاذاً لسيسيولوجيا أو أنثروبولوجيا الحركات الإسلامية.

نعم، قام د. حسن حنفي بمسح شامل لأهم كتابات المتصوفة في كتابه عن التصوف عبر محطات التاريخ، وأعطى مختصراً مفيداً لأهمِّ أفكار كل كِتاب، وهذا عمل جبَّار، ويستغرق وقتاً طويلاً يُشكر عليه، ولكنَّه بالمقابل حوَّل كتابَه بحثاً "من النص إلى النص"، وليس من النص إلى "الواقع"، فقد قام بتحليل نصوص كتب التصوف التي انتقاها، ولم ينزل إلى الميدان المصري لإجراء بحثٍ ميدانيٍّ سوسيولوجيٍّ أو أنثروبولوجيٍّ لدراسة التصوف.

على أن تحليله النصي رائع جداً، ولكنَّه يفتقد إلى إيضاح الرابط بين تحليلاته، وكيف تمكَّن من استنتاج أنَّ الجماعات تعيش فناءَها من خلال تحليل نصوصها؟ يا له من سؤال محير! فهو من ناحية يؤمن بأطروحة التَّناص والنقد التاريخي للنصوص[11]، وهي أطروحة تقول بأن كل نص ينتج من خلال سياق وجدل تاريخي سياقي احتكامي، مع شخوصات وجماعات يتداخل معها مؤلف النص، ومن ناحية ينكر أن يكون لكتبةِ الكتب الَّتي حلَّلَها تفاعلٌ واضحٌ بالواقعِ؛ لأنَّهم متصوِّفة في حالة فناء! هكذا يرى حسن حنفي أنَّ وعي المتصوِّف بذاته وتاريخه وعبادته هي علاقة غير واقعية؛ علاقة فناء متخيَّلة من جنس "الوهم"، ولكنه في موقع آخر يصرُّ أنَّ رجال الدين ممثلون لمصالح رجال الحكم. هذه الأطروحة لا تنطلق إلا من افتراض اتِّصالهم بالواقع، حيث يكون المتصوف (بناءً على قناعته) متملِّقاً لِمراكز القوى. مفهوم يجعل المتصوف المتملق من ناحية على قدر عالٍ من الاحتكاك بالواقع وبمتطلبات التملق المُعاشة، ومن ناحية أخرى هو منقطع عن الواقع. علما أن حسن حنفي يقسم الوعي الهوسرلي إلى ثلاثة مستويات: المستوى التاريخي، والمستوى النظري، والمستوى العملي. ولكن المستوى العملي الذي تطرق اليه حسن حنفي عند دراسته للتصوف كانت لا تعدو كونها دراسات لنصوص كتبها متصوفة ولم تكن دراسات عملية ميدانية.

حسن حنفي كاتب موسوعي رائع، ولكونه ليس أنثروبولوجياً، بل هو متخصِّصٌ بتحليل النُّصوص والتأويل الفينومينولوجي لها، هذا التأسيس الأكاديمي السوربوني، أبقى كتاباته أسيرة في دائرة النص، ولم يتمكن من الخروج بها إلى الواقع، كما يحاول أن يُقنِعَنا [12].

على سبيل المثال، قَسَمَ تطوُّرَ التصوف تاريخياً إلى أربع مراحل، كلها غير مرتبطة بدراسة ميدانية واحدة، فبعد تحليل نصوص المتصوفة توصل إلى ما يلي:

المرحلة الأخلاقية؛ (التصوف علم مادة الأخلاق)، وذلك في القرنين الثاني والثالث.

المرحلة النفسية؛ (التصوف علم لبواطن القلوب)، وذلك في القرنين الرابع والخامس.

المرحلة الفلسفية الإلهية؛ (التصوف النظري علم أيديولوجي وكلام)، وذلك خلال القرنين السادس والسابع.

المرحلة الطُّرُقِيَّة الجماعية؛ (التصوف علم علمي لا فردي بل جماعي)، من القرن الثامن الهجري إلى الآن.

ثم يخلص الأستاذ حسن حنفي إلى أنها مرحلة طالت أكثر من اللازم، "وآن الأوان لانتهائها، بعد محاولات حركات الإصلاح الديني تغييرها عند جمال الأفغاني ومحمد إقبال، إلى المرحلة الخامسة؛ المرحلة "الثورية"، والتي يمثِّلها من "الفناء إلى البقاء" (ص:16).

كما فهم حسن حنفي أنَّ "الطريق"، وهو مكوِّن تصوُّفي مهم، ضمن منظومة (الشريعة، الطريقة، الحقيقة)، يعني هو السير، لا في واقع حياة المتصوف ليفهم إشارات الله، بل فهمه أنه خروج الصوفي من الواقع برفع رأسه إلى أعلى، للتأمل في الله تعإلى. (ص:17) من الكتاب ذاته.

"صوفيٌّ في مواجهة صوفيٍّ":

المتصوفة الشرعيون القدماء واجهوا ظاهرة التصوف الشعبي/الفلكلوري مبكراً جداً، فهم أول مدرسة تقف بالمرصاد أمام "ذاتها". قال المتصوفة الشرعيون إنَّ "الاستقامة (الشرعية) أعظم كرامة". وعند بداية ظهور المعتقدات الشعبية المتنافسة مع المعتقدات الشرعية قام الصوفي أبو القاسم الجنيد بن محمد الجنيد البغدادي (ت.297 هـ)، بنقد المعتقدات القائلة بالطيران والمشي على الماء وطول عمر الإنسان، على أنها علامات للدِّين الشرعي والصلاح:

"إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تلتفتوا إليه فإن الشيطان يطير من المشرق إلى المغرب ويمشي على الماء ولكن انظروا في اتباعه الكتاب والسنة، فإن الشيطان لا يقدر على ذلك أبدا"[13].

علما أن أغلب الجماعات قامت على مبدأ النصرة، فالسلفية ينصرون ابن تيمية ولا يبخسونه، والإخوان ينصرون حسن البنا ولا يبخسونه، والإماميُّ ينصر من يُقلِّده ولا ينتقده، في حين أن الصوفي ينصر "القيمة" و"المبدأ"، ولم ينصر الرِّجال بلا تحرٍّ ونقد، لذلك نجد أغرب ظاهرة قديمة في الحركات الإسلامية؛ "صوفي ضد صوفي"، من أجل نصرة الحقيقة.

لم يلتفت حسن حنفي إلي آلية نقد الذات الصوفية وأبعادها، في حين أنَّ البريطانية د. إليزابيث سيريه نشرت في عام 1998 by Routledge، كتابَها (Sufi Anti Sufi)، كما التفتَ د. محمد عمر ساني إلى الظاهرة ذاتها قبلها[14].

مع هذا لم يطَّلع الأستاذ حسن حنفي على مستجدات الكتابات النقدية الصوفية، وحرَّر كتاباً ضدَّ التصوُّفِ بناءً على قَبْليّات استشراقية أنهكت إمكانيات عملية مشروعه النقدي.

مفاهيم يجب أن تُصَحَّح

تنميط التصوف في أطر جاهزة، هو جزء من حبكة كلامية موجَّهة تحديداً ضدَّ المتصوِّفة، ومفادُها أنهم حركةُ عوامٍ وخرافات. نعم، هناك تصوف شعبي موثق في بعض نواحي العراق والشام ومصر. أشهر من استخدم هذه الحبكة الكلامية التنميطية ضد المتصوفة هم أتباع الحركة السَّلفية. ولكن هناك فقهاء متصوفة يتواجدون بكثافة في الجزيرة العربية، وقد قاموا بدحض مثل تلك الآراء ويخضون نقاشات فقهية مع فقهاء سلفية في الجزيرة العربية. الأستاذ حسن حنفي غير مطلع على "مداخلات دينية بين المتصوفة والسلفية في شرق الجزيرة العربية موضوع الهوية"[15]، حيث يوجد في الجزيرة العربية حركة تصوف شرعية لا يستهان بمتانتها، والسيد محمد بن علوي المالكي الحسني (ت. 1425 هـ) هو عَلَمٌ فقيه من أعلام التصوف الشرعي في جزيرة العرب، وقد ألَّف كتاباً بعنوان "مفاهيم يجب أن تُصَحَّح"، والذي نُشر في الإمارات في عام 1985. في هذا الكتاب، وضَّح أهميَّة التمييز بين التَّصوف الشعبي والتصوف الشرعي، بل أقام الحجة على وجود تيار جدلي ونقدي ذاتي صوفي شرعي، في مواجهة تيارٍ صوفيٍّ شعبي. لو اطلع الأستاذ حسن حنفي على حراك التصوف الشرعي الفقهي، لكان تجنَّب توريط قلمه من إدغام كلِّ التصوُّف تحت عنوان الخرافة والشعبويات.

الصوفي ابن زمانهِ ووقتهِ

هناك إشارة صوفيّة أخرى لا تقلّ أهميّةً في إنصاف التصوف، جاء فيها: "الصوفيّ ابن زمانه ووقته"، وقد تكون هذه العقيدة أهمّ وقودٍ يدفع الصوفيّ إلى أن يدرس زمانه ومكانه، لكي يتفهّم شروطه الماديّة، وليكون جزءاً فاعلاً فيه، فالصوفي يخوض تجربة الفناء في زمانه ومكانه بالاندماج، ومن خلال الاندماج النسبيّ الماديّ، ينطلق الصوفيّ إلى الاندماجات غير المحسوسة في الوجود، ليخوض تجاربه الروحانية. ثمَّ إنَّ أُفُقَ "التَّجربة" أفقٌ منفلتٌ غير مُنْجَز يتّسم بالامتداد واللاتحديد. إنها خاصيّة وثيقة لا تنفلت مع كلّ تجربةٍ إنسانية، وهي مواصفات ترفع سقف التحدّي للمنشغلين في الكتابة حول موضوع التجربة الصوفية.

التاريخ والنص الصوفيّ

إنتبه حسن حنفي أن التصوّف يمتلكُ التاريخَ، لكنه لم ينتبه أنه يمتلك النصّ والتجربة لمجاراة العولمة ولتغذية مُتطلبات الهويات المحليّة، بل إن التصوّف يُقسم "الوجود" من خلال أبعاد ثلاثيّة: الشريعة، والحقيقة، والطريقة؛ أي المسار الذي يربط بين عالم الشريعة والحقيقة:

أ ــ الشريعة؛ بُعدٌ يرمز إلى حزمة الأنظمة الفقهيّة والقانونيّة، التي تنظّم علاقات المُجتمع وتوزّع أدوار أعضائه.

ب ــ الحقيقة؛ بُعدٌ يرمز إلى رؤية روحيّة تأويليّة تعبيريّة تخيليّة علمية، لكلّ ما لم يتمّ التعرّف إليه في بعد الشريعة للوجود.

ج ــ الطريقة؛ هي بُعدٌ يرمز إلى أهميّة التجربة، وإلى محوريّة خوض كلّ إنسان لها، ليتمكّن من ربط أجزاء الوجود المنتمي إلى عالم المَلك، والوجود المُنتمي إلى عالم الملكوت.

من جهةٍ أخرى هناك أدوات مُهمة للتجربة، منها الصّحبة، واللغة، والرقص، والغناء، والفنّ، والعمارة، والخطّ، والتكنولوجيا، والطهو، والكتابة، والبناء، والعبادة، والقانون، ضمن أدوات أخرى. وللطريقة قواعد طوّرها شيوخ التصوّف، ونظموها في مجموعة مقالات. من جواهر عقائد الصوفية المؤسسة لخوض التجربة الصوفية أو العمل الصوفي، سواء أكان فردياً أم جماعياً، تراثياً أم معاصراً، إنه يساهم في تسليط الضوء على بعض الأنماط الجديدة من العمل الصوفيّ المعاصر في المنطقة العربية، وبعض هذه الأنماط المستجدة نجدها حتى في الدول الغربية، ومنها الدول الأوروبية.

الطّرُق إلى الله بعددِ أنفُس الخَلق؛ هذهِ الركيزة الصوفيّة المؤمنة بأنّ الطرق إلى الله كثيرة جداً؛ لأنّها بعدد أنفسِ الخلق جميعاً، مهمة جداً، فهي تروّض الصوفي مبكراً لتقبُّل اعتناق "الفَرْدَانِيّة" المؤسِّسة للتعدد الثقافيّ الكونيّ، فهذه العقيدة من ناحيةٍ هي انعكاسٌ لإيمانٍ وثيقٍ بالفردية، وهي لا ترى حَرَجاً في أن يخوض كلّ صوفيّ في فهمه الخاصّ لِجَنْيِ معنى التَّجربة الصوفيّة.

لكلّ مَقامٍ حالٌ

كما لم يعر حسن حنفي باله إلى أن التصوّف يرى أنّ مشوار المتصوّف ينتقل من مقامٍ إلى مقام، حيث يخوض المتصوّف في كلّ مقام حالةً وجودية ونفسيّة ووجدانية تنتابه، وتختصّ بذلك المقام. على سبيل المثال هناك مقام المحبّة، ومعه يخوض المتصوّف حالة المحبين، ومع مقام الرجاء يعتري المتصوف حالة المرتجين، هَلُمَّ جَرَّا.

كان بإمكان حسن حنفي لو تحرر قليلا من القبليات السوربونية، لرأى أن التصوف يحوم حول فكرة أنّ "كلّ تجربةٍ صوفيّة هي فردانيّة متفرّدة في نوعها، ولا يمكن أن تتكرر في تجارب بقيّة البشر؛ إنّها "فردانيته" غير الثابتة، بل هي سائلة تجري في سهول ووديان "المقامات"، لتنتج "أحوالاً" نفسية وسيكولوجية غير قابلة للتكرار، ومن خلال تفهّم الصوفي لهذه المقالات الصوفيّة الأساسية، سيتهيّأ وعيُ كُلِّ صوفيٍّ إلى تقبّلِ أنْ يكونَ لغيرِهِ مِنَ المتصوّفة طرقهم الخاصّة بهم الَّتي تختلف عنه. إنّ التصوف في عمقهِ الجوهري هو عقيدة قائمة على تقبل التعدديّة بصياغات لا نهائية.

تصنيف التصوف الشعبي / الشرعي كان حتماً سيجبر حسن حنفي على النزول إلى الميدان

قام د. صابر السويسي بنشر مقابلته مع الأستاذ حسن حنفي، وفي هذه المقابلة يؤكد حسن حنفي عدم قدرته على التمييز بين التصوف الشعبي والتصوف الشرعي، عندما صرَّح: "وانظر أيضاً ما يفعله الناس والمتصوّفة في ذكرى المولد النبويّ، وما يأتونه من ممارسات، يختلط فيها التقديس بالخرافة والشعوذة أحياناً، ومختلف مظاهر الاعتقادات الشعبيّة المستهجنة والغريبة عن الإسلام"[16] لو اعتمد حسن حنفي تصنيف التصوف الشعبي ليميزه عن التصوف الشرعي، كان حتماً سيضطر إلى ترك المقاعد الجامعية الوثيرة، والتَّشْمِيرِ عَنْ سَاعِدِ الجِدِّ، والنزول إلى الميدان لإجراء أبحاث سوسيولوجية وأنثروبولوجية.

كتاب "من الفناء إلى البقاء: محاولة لإعادة بناء علوم التصوف"، وهو عمل موسوعيٌّ، لكنَّه يبقى في تقديري كتاب يراوح بين النصِّ إلى النصِّ، ولم يقدر حسن حنفي رحمه الله تعالى أنَّ فناء الصوفيِّ يعني خوض تجربة الفناء في زمانه ومكانه بالاندماج فيه، فمِن خلال الاندماج النسبيّ الماديّ، ينطلق الصوفيّ إلى الاندماجات غير المحسوسة في الوجود، ليخوض تجاربه الروحانية والوجودية.

-[1] قضية حيادية المؤرخ ومدى تأثير أجنداته على إنتاجه موضوع تطرقتْ إليه عدة دراسات. فأغلب المؤرخين كانوا ندماء السلاطين أو واقعين تحت مراقبتهم وسخطهم. هذا أمر يشكل ضغط على المؤرخ كما أن قضية حدة الجدل حول القضايا الإسلامية الكبرى والفتن القديمة عج بعجاجه فوق الأحداث، مما غم على المتتبع فرز أجندات الرواة من الحقائق التي وقعت. الباحث الألماني كلاوس كلير اهتم بدراسة المصادر التاريخية الإسلامية المبكرة، من أجل العثور على مفاتيح فهم الآلية الداخلية العاملة في تلك المصادر. أقبل كلاوس كلير على قراءة نقدية نجدها في كتابه "خالد وعمر: بحث نقدي في مصادر التأريخ الإسلامي المبكر". ترجمة محمد جديد، ونشر قدمس للنشر والتوزيع - دمشق.

-[2] الاهتمام بتاريخ الفضاء الإسلامي العام وطريق انفعالات وتجاوب عامة المسلمين معه دراسات لم تلاقِ رواجاً كافياً لدى الباحثين العرب. من أهم الكتب التي نُشرت حول تاريخ المسلمين في المجالات العامة هو كتاب "The Public Sphere in Muslim Societies"

والذي أشرف على تحريره كل من Miriam Hoexter, Shmuel N. Eisenstadt, and Nehemia Levtzion

مريام هوكسلار، صمويل آيزنستاد وونيميا ليفتزن. كما أحيل في هذا الخصوص كتابي المتوفر مجانا على الإنترنت:

PUBLIC SPHERE OF SUFIS AND SALAFIS IDENTITY CONSTRUCTION THROUGH

PUBLIC REASONING IN EAST ARABIA

-[3] بالرغم من أن حديث الافتراق قد صُنف كحديث موضوع وقد ضعفه ابن حزم في الفصل، وكذلك الشوكاني في الفتح الرباني، إلا أنه حديث غذَّى مخيلة المؤرخين وكتابات الملل والنحل وأهل الحديث. روى أبو داود والترمذي وأحمد وابن ماجه بأسانيدهم عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "افترقت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". وهذا موقع د. محمد بن إبراهيم السعيدي المسمى "سلف للبحوث والدراسات" ينافح عن الحديث ويتَكَلَّفَ ويتجشم بمَشَقَّة إثبات صحته وحجيته. مشروع الفرقة والإفتراق مازالت تغذي الوقت الحاضر لكي يستمر تخيل فرق النار وفرقة الجنة الناجية. (https://salafcenter.org/166/)

[4]- ما الأدلة على أن السياسة جزء لا يتجزأ من الدين: https://www.islamweb.net/ar/fatwa/253348/

[5]- أطلق إدوارد سعيــد في محض تحليلاته للحـقبة الاستعمارية التي تعرف بالكولونيـالية بحوثاً عدة شملت الخـطاب الاستعماري الاستشراقي. استطاع إدوارد سعـيـــد من تفكيك الخطاب الفكـــري الكولونيــالـي الذي سـعى للهيمنــة والسيطرة على الشرق المخترق معرفيـاً بواسطة مؤسسـات سلطوية أهمها المعرفة. كما أنه بحث في فــتـرة ما بعد الكولونيـاليـة أو المخلفات الكولونيالية وتبعاتها على الأمة العربية. حول مثل هذا نحيل القارئ إلى كتاب إدوارد سعيد "الثقافة والإمبريالية"، من منشورات دار الآداب، بيروت لبنان. كما أن إعجاز أحمد يوسع مفهوم الكولونيالية في كتابه "في النظرية: طبقات، أمم وآداب. كتاب من ترجمة ثائر ديب ومن منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات في عام 2019

[6]- قد لا نبالغ عند التحدث عن "أزمة" عند التحدث عن مفهوم الدولة في أربع حقب. حقبة ما قبل الكولونياليات ونموذج الدولة حينها، وحقبة الكولونياليات ونموذج الدولة حينها، وحقبة ما بعد الكولونياليات ومفهوم الدولة الصلبة، وحقبة دول الربيع العربي تونس ومصر ونموذج الدولة الشعبية الدينية/المدنية. للمزيد اطلع على كتاب "أزمة الدولة في الوطن العربي"، من تأليف نخبة من مفكري العالم العربي، نشره مركز دراسات الوحدة العربية في عام 2011 (https://carnegieendowment.org/2011/01/11/ar-event-3253).

[7]- عالم الاجتماع البولندي زيجومنت باومان (1925-2017)، تطرق إلى جدلية الصلبانية والسيلانية في سلسلة من الكتب من أهمها كتاب "الحداثة السائلة". يشرح الأستاذ إياد السمعو الحداثة السائلة على أنها مصطلح أطلقه عالم الاجتماع زيجمونت باومان للوضع الحالي للعالم ليجعله على النقيض من الحداثة "الصلبة" التي سبقتها. وفقًا لبومان، فإن الانتقال من الحداثة "الصلبة" إلى الحداثة "السائلة" خلق بيئة جديدة وغير مسبوقة. لمساعي الحياة الفردية، حيث واجه الأفراد بسلسلة من التحديات التي لم يسبق لها مثيل من قبل. لم يعد لدى الأشكال والمؤسسات الاجتماعية الوقت الكافي لتوطيدها ولا يمكن أن تكون بمثابة أطر مرجعية للأعمال البشرية وخطط الحياة طويلة الأجل، لذلك يتعين على الأفراد إيجاد طرق أخرى لتنظيم حياتهم. للمزيد انظر "الحداثة السائلة" من تأليف زيجومنت باومان وترجمة حجاج أبو جبر ونشر الشبكة العربية للأبحاث والنشر في عام 2016.

[8]- (مارك لينش، 2016)، (https://carnegie-mec.org/2016/12/16/ar-pub-66511).

[9]- من منشورات هنداوي. كتاب طبع في عام 2019

[10]- يعد د. كريم صياد، وهو من أهم طلبة السيد حسن حنفي، مرجع مهم لفهم د. حسن حنفي. قد تطرق في هذه المقالة: "منطق ومنهج التغيير الاجتماعي عند حسن حنفي" إلى رؤية مهمة حول فكرة المفكر المصري حول تغير الأمة. للمزيد أنقر الرابط (https://kareemessayyad.wordpress.com/2009/12/23/منطق-ومنهج-التغيير-الاجتماعي-عند-حسن-ح/)

-[11] ممكن قراءة كتاب "نظرية التناص" من تأليف جراهام آلان، وترجمه إلى العربية د. باسل المسالمة، ونشرته دار التكوين الدمشقية في عام 2011

[12]- حسن حنفي كاتب كبير خطف أعين وشدَّ انتباه الكثير، وقادت ألمعيته العديد إلى الكتابة عنه. يعتبر د. كريم صياد من أهم الشخصيات المعاصرة إلماما بادكتور حسن حنفي ر. فهو من ناحية أحد تلامذته وكان على علاقة شخصية وقد كتب أكثر من مقالة عن حسن حنفي شارحا وناقدا له.كما أن كتاب "جدل الأنا والآخر قراءات نقدية في فكر حسن حنفي" من تأليف د. أحمد عبد الحليم عطية، من منشورات مكتبة مدبولي الصغير في عام 1997. من الكتب التي درست أفكار السيد حسن حنفي. ولا يمكن تجاهل الأستاذ جمال عمر الذي كتب كتابا مهما للغاية بعنوان "مدرسة القاهرة فى نقد التراث والأشعرية" وهو من منشورات دار الثقافة الجديدة في عام 2019. وقد جمعتني عدة نقاشات ومحادثات لساعات طوال مع الباحث الجاد الأستاذ جمال عمر لمناقشة كتابه الأكثر من رائع والذي كان للدكتور حسن حنفي نصيب من تلك النقاشات.

[13]- ورد هذا النص عن الإمام الجنيد في ص 126، في كتاب من وضع الشيخ محمد فتحا بن عبد الواحد السوسي/النظيفي‎ الدرة الخريدة شرح الياقوتة الفريدة ج2، والذي نشرته دار الفكر في عام 1984.

-[14] يحسب السبق في الالتفات إلى ظاهرة المواجهة بين الصوفي الشرعي والصوفي الشعبي إلى النيجيري د.محمد عمر ساني.

Changing Islamic identity in Nigeria from the 1960s to the 1980s : from Sufism to anti-Sufism

وهي مقالة ظهرت في كتاب بعنوان:

Muslim identity and social change in Sub-Saharan Africa

من تحرير لويس برنير Louis Brenner..

Indiana University Press, ©1993.

-[15] هذا عنوان رسالتي للدكتوراه من جامعة إكستر البريطانية، أودعت في المكتبة البريطانية في عام 2005. وهي دراسة تتبعت الحراك الصوفي الشرعي وهو يتداخل بحجج وحجج مضادة مع فقهاء سلفية.

-[16] أجرى الدكتور صابر السويسي مقابلة مهمة مع د. حسن حنفي رحمه الله تعإلى. نشرت هذه المقابلة في موقوع مؤمنون بلا حدود.

https://www.mominoun.com/articles/حسن-حنفي-التصوف-وضرورة-الانتقال-من-ثقافة-الفناء-إلى-ثقافة-البقاء-6083