فهم مفهوم الكرش: معانيه، مستواه، واتجاهاته في الإسلام


فئة :  مقالات

فهم مفهوم الكرش: معانيه، مستواه، واتجاهاته في الإسلام

فهم مفهوم الكرش: معانيه، مستواه، واتجاهاته في الإسلام

مقدمة

تشهد مشكلة السمنة والوزن الزائد تزايدًا ملحوظًا في العالم بشكل عام، حيث تعد من أبرز التحديات الصحية التي تواجه المجتمعات في العصر الحديث. يتزايد اهتمام العلماء والمختصين بالكشف عن مخاطر السمنة والأضرار التي يمكن أن تلحقها بالصحة العامة والمجتمع بشكل عام. فالوزن الزائد على المعدل الطبيعي للجسم ليس فقط عبئًا ثقيلاً على الجسم، بل يمثل أيضًا خطرًا جسيمًا على الصحة، خاصةً على صحة القلب والأوعية الدموية. أصبحت السمنة ظاهرة منتشرة بشكل كبير في العالم، حيث تظهر الإحصائيات الحديثة أن واحدًا من كل عشرة أشخاص في العالم يعاني من مشكلة السمنة. ومن المثير للتفكير أن الدول ذات الأغلبية المسلمة تعاني بشكل كبير من هذه المشكلة، ورغم الأمور المتعلقة بالصيام والتقاليد الدينية، إلا أن السمنة المفرطة تشكل تحديًا كبيرًا في هذه الدول[1].

تواجه الدول العربية والإسلامية تحدّيًا كبيرًا في مواجهة انتشار السمنة، خاصةً بين الشباب. ومن هنا تنبثق الحاجة الملحة لإنشاء برامج ومبادرات للوقاية من السمنة ومكافحتها في المجتمعات العربية والإسلامية. في هذا السياق، يأتي هذا البحث لاستكشاف وفهم مفهوم الكرش ودوره في المجتمعات الإسلامية، بالإضافة إلى تحليل النظريات المتعلقة به في الدين الإسلامي. يهدف بهذا البحث التطلع عما هي نظرية الإسلام عن الكرش، وكيف كان تطبيقه الاجتماعي ودور السمنة في التاريخ الإسلامي.

*- معاني الكرش ومستواه، واتجاهاته

السمنة البطنية، المعروفة أيضًا بالكرش (obesity) تمثل تضخمًا في حجم الخلايا الدهنية على منطقة البطن نتيجة لتراكم الدهون في هذه المنطقة. عادةً ما يصاحب الكرش زيادة في الوزن بشكل عام، ويكون ذلك نتيجة للإفراط في تناول الطعام والشراب بشكل زائد عن حاجة الجسم. يُعرف الشخص الذي يعاني من السمنة البطنية بأنه "ذو البطنة"، وقد يُستخدم عدة مصطلحات في العامية والأدب لوصفه، مثل رجل أكرش أو امرأة كرشاء.

تتنوع مستويات السمنة البطنية والمفهوم حولها من اتجاهات شتى، ويمكن تقسيم السمنة إلى نوعين رئيسين حسب التركيز: السمنة المركزية التي تتجمع فيها الدهون في البطن، وهي شائعة بين الذكور، والسمنة الأردافية أو الأطراف التي تكون شائعة بين الإناث أكثر من الذكور. وهناك أسباب أخرى للسمنة وفق اتباع نمط غذائي غير صحي، مثل مشاكل في الكبد أو توازن الهرمونات.[2]

في علم اجتماع الجسد، يتم التركيز على كيفية تشكيل الوكلاء الاجتماعيين لأجسادهم وتحديد هويتهم الجسدية وفقًا للقيم والمعايير الاجتماعية المحيطة بهم. يعكس مفهوم "مشاريع الجسم"[3] الذي استخدمه جيدينز[4] وشيلنج[5] هذه الفكرة، حيث يُعد الجسم مشروعًا قائمًا على النموذج الاجتماعي الذي يحتاج إلى التشكيل والتهيئة وفقًا لتوقعات المجتمع. تشمل جهود الوكلاء الاجتماعيين تشكيل الجسم تحقيقًا لقيم اجتماعية مركزية، مثل النحافة، واللياقة البدنية، والصحة، والكفاءة. يكون هذا التوجه مرتبطًا بفهم الذات والتقبل الاجتماعي، حيث يحاول الأفراد تلبية تلك القيم والمعايير المجتمعية من خلال تشكيل أجسادهم ومظاهرهم الخارجية.

من جانبه، اقترح نهج فوكو نظرية "الضبط الذاتي"[6] و"تقنيات الذات"[7] لفهم كيفية تأثير السلطة والمؤسسات الاجتماعية على تشكيل الجسم وتنظيمه. يتناول هذا النهج العلاقة بين السلطة والجسد وكيفية استخدام الأفراد للتقنيات الذاتية لتحقيق الانضباط الاجتماعي المطلوب. من ناحية أخرى، قدمت النظريات النسوية، مثل تلك التي قدمتها أورباخ[8]، رؤى حول كيفية تأثير السمنة على النساء بشكل خاص، حيث قد تؤدي إلى تجاهلهن أو تقييمهن بناءً على معايير غير عادلة. ويمكن أن يؤدي هذا التقدير إلى تحديد النساء على أنهن "كأحد الرجال"، مما يؤثر على تفاعلهن مع العالم الخارجي والعلاقات الاجتماعية مع زملائهن الذكور.[9]

*- رؤى وتأملات في السمن قبل الإسلام

ومن الأمثال الجاهلية التي تشير إلى هذا المفهوم: "الرجل بلا كرش كالبيت بلا عفش"، و"الرجل بلا كرش لا يساوى قرش"، و"الكرش يجلس الرجل على العرش"، وغيرها. كما كانت هناك قبائل وأشخاص معروفون بالكرش في تلك الفترة، مثل بني العشراء، حيث كانت تُعد هذه السمة جزءًا من هويتهم. بنو العشراء هو بطن من بني مازن ابن فزارة العدنانية، لقب عمرو بن جابر بن عقيل بعشراء؛ لأنه كان عظيم البطن.[10]

ومع ذلك، يبدو أن السمن والبطن لم تكن محل اعتزاز واحترام فقط، بل كانت هناك رؤى مختلفة أيضًا. ففي الشعر الجاهلي، يصف الشاعر النابغة الزبياني الجسد الممتلئ بالسمن بأسلوب فني يُظهر الجمال والترف، وهو يصف البطن بأنه "ذو عُكنٍ لطيف طيه"، ويشير إلى أن الشحم يعطي البطن جمالًا وفخرًا.[11]

ومن ناحية أخرى، كانت هناك آراء تُشير إلى أن السمن في النساء كان يُعدّ محمودًا إلى حد ما، حيث كان يُعتبر علامة على الغنى والثراء والجمال. وهذا يُظهر في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم قول النساء "ملء كساتها، وغيظ جارتها"[12]، وهو يُشير إلى امتلاء النساء بالشحم كرمز للثراء والوفرة. وكذا جواب امرؤ القيس في الشعر "بيضاء رعبوبة، بالحسن مكبوبة، بالشحم مكروبة، بالمسك مشبوبة"[13] لسؤال ما أطيب لذاب الدنيا أيضا دليل لهذه الناحية.

ومع ذلك، كانت هناك أيضًا رؤى تُشير إلى أن السمن ليس دائمًا محمودًا، خاصة في حالة الرجال. فقد كان الرجل النحيف يُفضل في بعض الأحيان لسهولة حركته وسرعته في الحرب والنشاطات اليومية. وكان يروى أن الأعراب كانوا يقولون: "البطنة تذهب الفطنة"، و"البطنة تأفن الفطنة"، لتحذير من الإفراط في الأكل والسمنة[14]. بشكل عام، يُظهر النظر إلى السمن في فترة ما قبل الإسلام تنوع الرؤى والتصورات حول الجسد وشكله، وكيفية استيعابها في الثقافة والمجتمع العربي في ذلك الوقت

*- كراهية البطنة في نظرية الاسلام

البطن والضخامة قضايا تتعلق بالصحة الجسدية والروحية في الإسلام، حيث تمثل العناية بالجسم والصحة أمرًا مهمًا في تعاليم الدين الإسلامي. يعتبر الإسلام الجسم مأوى للروح، وبالتالي يجب المحافظة على سلامة الجسم وعدم إضراره.في القرآن الكريم، يشير الله تعالى إلى أهمية الاعتدال في تناول الطعام والشراب، ويحث على تجنب الإسراف والتبذير. في سورة الأعراف، يُوجَّه الله قومًا بقوله: "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ۚ إنه لا يحب المسرفين" (الأعراف/31)

هنا يُحث المسلمون على تناول الطعام بمقدار يكفي لإشباع الجوع والحفاظ على الصحة، دون أن يتجاوزوا الحدود إلى الإسراف والتبذير. فالإسلام يعلم بأن الإفراط في تناول الطعام قد يؤدي إلى البدانة ومشاكل صحية أخرى. أيضًا، يوصي النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالاعتدال في الأكل والشرب، وقد أشار في أحاديثه إلى أن المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف[15]؛ وذلك يعني القدرة على مقاومة الشهوات والتحكم في النفس.

تؤكد الأحاديث النبوية على أهمية الاعتدال في الأكل والشرب، وتحث على تجنب السمنة والبطن البارزة. تعد البطن البارزة في النظرية الإسلامية علامة على الإفراط في التناول وقلة الاعتدال، مما يساهم في تقسية القلب وتضعيف الجسم وتأثير سلبي على الصحة الروحية. كان ابن عمر لا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه، فأدخلت رجلا يأكل معه فأكل كثيرا، فقال: يا نافع لا تدخل هذا علي; سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء[16].

بالنسبة إلى البطن البارزة والضخامة، تعد السمنة في الإسلام عيبًا وموضوعًا يجب تجنبه. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إياكم والبطنة! فإنها مكسلة عن العبادة مفسدة للجسم مؤدية إلى السقم، وعليكم بالقصد في قوتكم! فإنه أبعد من السرف وأصح للبدن وأقوى للبدن وأقوى على العبادة، وأن العبد لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه[17]. يُشجع المسلمون على الاهتمام بصحتهم العامة والحفاظ على جسمهم كما يعتبرونه مأوىً لروحهم. عن عمرو بن قيس قال: إياكم والبطنة، فإنها تقسي القلب. وعن سلمة بن سعيد قال: إن كان الرجل ليعير بالبطنة كما يعير بالذنب يعمله[18].

ومن هذا المصداق حديث جعدة أنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ورأى رجلا سمينا فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يومئ إلى بطنه بيده، ويقول لو كان هذا في غير هذا المكان لكان خيرا لك[19]. باستخدام الدلائل الدينية والثقافية المذكورة، يتضح أن الإسلام ينظر إلى كراهية البطن والضخامة كجوانب مهمة في صحة الإنسان وترتبط بالتزامه بمبادئ الاعتدال والتحكم في النفس والاهتمام بالصحة الجسدية والروحية.

*-البطانة: بين الشريعة والتفسير الثقافي

العنوان الذي قدمته يتحدث عن مسألة البدانة في الإسلام وتفسير بعض الأحاديث والآراء الصوفية المتعلقة بها. وإن كان البطن مرغوبا عنه في الإسلام ليس مذموما من كل الاتجاه؛ لأن البدانة ربما يكون ليس من مستطاع الإنسان كالبدانة التي تكون بسبب تقدم السن، أو تكون بطبيعة الجسم. ولكن البدانة تكون مذمومة في الشرع إذا كان سببها كثرة الأكل أو الخلود إلى الراحة والكسل وعدم العمل، كما لو كان الشخص بدينا وراثةً مثلا؛ فهذه البدانة ليست مذمومة، ولا يلام عليها الإنسان.

قال رسول الله ﷺ: ما ملا آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه[20]. وقد أشكل لبعض فهم الحديث عمران بن الحصين عن النبي ﷺ أنه قال: خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم قال عمران: فما أدري، قال النبي ﷺ مرتين أو ثلاثًا ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن[21]. وقد فهم من ظاهر النص أن سمن الناس عيب مطلقا، حتي صارت السمنة مذمومة لدى الاجتماع الإسلامي.

وقد صرح عثمان بن عثيمن بأن هذا الحديث مشكل؛ لأن ظهور السمن ليس باختيار الإنسان، فكيف يكون صفة ذم؟ قال أهل العلم: المراد أن هؤلاء يعتنون بأسباب السمن من المطاعم والمشارب والترف، فيكون همهم إصلاح أبدانهم. أما السمن الذي لا اختيار للإنسان فيه، فلا يذم عليه، كما لا يذم الإنسان على كونه طويلاً أو قصيراً أو أسود أو أبيض، لكن يذم على شيء يكون هو السبب فيه"[22].

فقد ذهب إلي هذا المعنى الشارحون المتقدمون والمتأخرين. وقد علل الإمام النووي نفس هذه المعني في شرح مسلم. "قال جمهور العلماء في معنى هذا الحديث: المراد بالسمن هنا كثرة اللحم، ومعناه أنه يكثر فيهم ذلك، وليس معناه، أن يتمحضوا سمانا، قالوا: والمذموم منه من يستكسبه، وأما من هو فيه خلقة فلا يدخل في هذا، والمتكسب له هو المتوسع في المأكول والمشروب، زائدا على المعتاد، وقيل: المراد بالسمن هنا أنهم يتكثرون بما ليس فيهم، ويدعون ما ليس لهم من الشرف، وغيره، وقيل: المراد جمعهم الأموال بحرص وطغيان"[23]. ويشرح الحافظ ابن حجر رحمه الله متن "ويظهر فيهم السمن" بأنهم يحبون التوسع في المآكل والمشارب، وهي أسباب السمن[24]. ويدل لهذا المعنى لفظ الترمذي في سننه "قوم يتسمنون ويحبون السمن"[25].

فقلة الأكل هو المطلوب في الدين، قال السفاريني ينبغي للآكل أن يجعل ثلثاً للطعام وثلثاً للشراب وثلثاً للهواء امتثالاً لما قال الرسول الشفيق الناصح لجميع الخلق المرشد للمنافع الدينية والدنيوية، والمنقذ من الهلاك والمفاسد، فهو الحكيم الناصح، والعليم الذي أتى بالعلم النافع والحق الواضح. هذا الحديث: إنه أصل عظيم جامع الأصول الطب كلها[26]. لما قرأ ابن ماسويه الطبيب هذا الحديث في كتاب أبي خيثمة قال لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت المارستانات ودكاكين الصيادلة[27]. فقلة الغذاء توجب رقة القلب، وقوة الفهم وانكسار النفس، وضعف الهوى والغضب، وكثرة الغذاء يوجب ضد ذلك[28]. خصلتان تقسيان القلب وهما كثرة النوم، والأكل صرح به الإمام فضيل بن عياض[29].

أما توصيف النبي ﷺ كثير البطن بالكفر في حديث "المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء" لا يحمل على ظاهره. وقد قال ابن حجر رحمه الله ليس المراد به ظاهره، وإنما هو مثل ضرب للمؤمن وزهده في الدنيا والكافر وحرصه عليها، فكان المؤمن لتقلله من الدنيا يأكل في معي واحد، والكافر لشدة رغبته فيها واستكثاره منها يأكل في سبعة أمعاء، فليس المراد حقيقة الأمعاء ولا خصوص الأكل، وإنما المراد التقلل من الدنيا والاستكثار منها، فكأنه عبر عن تناول الدنيا بالأكل وعن أسباب ذلك بالأمعاء، ووجه العلاقة ظاهر، وقيل المعنى أن المؤمن يأكل الحلال والكافر يأكل الحرام، والحلال أقل من الحرام في الوجود[30].

فإن كان السمن مذموما مطلقا لتخالف هذا بصفة النبي ﷺ الذي أشرف الخلق بالإطلاق. ففي حديث ابن ماجة عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: إني قد بدنت، فإذا ركعت فاركعوا، وإذا رفعت فارفعوا، وإذا سجدت فاسجدوا، ولا ألفين رجلاً يسبقني إلى الركوع، ولا إلى السجود[31]. فقوله ﷺ إني قد بدنت يروى على وجهين: أحدهما: بدّنت بتشديد الدال، ومعناه كبر السن. والآخر: بدُنت مضمومة الدال غير مشدودة، فمعناه: زيادة الجسم واحتمال اللحم[32]. وكلا المعنيين - كبير السن وحمل اللحم - قد روي عن للرسول ﷺ في حديث صحيح المسلم (1233)[33] وأبي داود (942)[34] باختلاف الألفاظ. فهذه البدانة التي حصلت للرسول ﷺ كانت شيئا يسيرا ولم تكن بدانة مفرطة. ولم يكن ﷺ سمينا. وقال في النهاية قد جاء في صفته دون متماسك، وهو الَّذي يمسك بعض أعضائه بعضا، فهو معتدل الخلق[35].

*- ذوو الأبطان من الصحابة الرسول: تحليل تاريخي وشخصي

بعد النظر إلى تاريخ الإسلام وتراثه الديني، يظهر أن البطنة والضخامة كانت موجودة في بعض الشخصيات البارزة مثل الصحابة والعلماء والأعلام عبر العصور الإسلامية الأولى. فقد تم نسب هذه الصفات إلى بعض الشخصيات المعروفة في التاريخ الإسلامي، مما يعكس تنوع الأجسام والمظاهر البدنية بين الأفراد في تلك الفترة. فقد ذكر في التهذيب باب السمنة، والتي هي دواء تسمن به المرأة. فقال عائشة رضي الله عنها: أرادت أمي أن تسمنني لدخولي على رسول الله ﷺ فلم أقبل عليها بشيء حتى أطعمتني القثاء بالرطب فسمنت عليه كأحسن السمن[36]، ومنها علم جواز استعمال أدوية السمنة.

من بين الصحابة الذين يُذكرعنهم أنهم كانوا يعانون من البطنة أو الضخامة، نجد أمير المؤمنين أبا تراب علي بن أبي طالب، هو صهر النبي الذي وُصِف بأنه كان كثيف اللحية وكبير البطن. كما ذكرت التراجم الإسلامية عن بعض الصحابة الآخرين مثل أبو اليسر كعب بن عمرو السلمي الأنصاري وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص وأسامة بن زيد بن حارثة وحنظلة بن سيار العجلي ومالك بن نويرة اليربوغي التميمي، رضي الله عنهم أجمعين الذين كانوا يعرفون ببطون بارزة.[37]

ومن بين الصحابة المشهورين الذين ذُكِرت بطنتهم وشحمهم، مثل مقداد بن أسود الكندي الذي وُصِفَ بأنه كان عظيم البطن، ويُروى أن زوجته طلبت من غلامه الرومي أن يخرج من شحم بطنه حتى يلطف، فشق البطن وخاط، ولكن توفي مقداج بن الأسود حتي هرب الغلام[38]. وكذلك معاوية بن أبي سفيان مؤسس الخلافة الأموية كان أول من خطب جالسًا في المنبر منذ زمن النبي ﷺ حين كبر وزادت بطنه وشحمه.[39]

تظهر هذه الأمثلة أن البطنة والضخامة كانت ظاهرة معروفة منذ أوائل الأوقات والمجتمعات في التاريخ الإسلامي. ومع ذلك، يُذكَر في الحديث الشريف أن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إِلى صوركم ولكن ينظر إلي قلوبكم وأعمالكم[40]. وهذا يشير إلى أن الأهمية الأساسية تكمن في النية والأخلاق والأعمال الصالحة، بدلاً من المظاهر الخارجية.

ومن كان ثقيل البدن يشق عليه المشي إلى المسجد، فإنه كان يعذر لترك الجماعة لذلك في حضرة الرسول بنفسه. أن أنسا رضي الله عنه يقول: قَال رجل من الأَنصار- قيل هو عتبان بن مالك رضي الله عنه - للنبي ﷺ: إِنّي لا أستطيع الصلاةَ معك. وَكان رجلا ضخما. فَصنع للنّبِيّ ﷺ طعاما، فَدعاه إِلَى منزله، فبسط له حصيرا ونضح طرف الحصير، صلي عليه ركعتين[41]. فليس في الحديث عذر لترك الجماعة سوى كونه ضخما. وقد عده ابن حبان من الأعذار المرخصة في التأخر عن الجماعة، وزاد عبد الحميد عن أنس رضي الله عنهما وإني أحب أن تأكل في بيتي وتصلي فيها[42].

بالتالي، يمكن القول إن الإسلام يؤكد على أهمية النظر إلى الخلق والأخلاق والقلوب، بدلاً من النظر إلى المظاهر البدنية. ومن الجدير بالذكر أن هذا النهج يشجع على قبول التنوع البدني والاحترام المتبادل بين الأفراد بغض النظر عن مظاهرهم الخارجية.

*- الأفاضل من السمنة في المجتمع الإسلامي

ومن العجب والدهش مما يظهر من البحث أن البطنة كانت تُعتبرعلامة على العظمة والقدرة في الغرب. فالفلاسفة اليوناني والعلماء العربي مثل أرسطو وأفلاطون وابن رشد والجاحظ وأينشتاين وأحمد زويل، كانو من السمنة كما يظهر من الصور المتداولة عنهم. ويقول تقرير لموقع "ذا ليست" كانت الكرش محل فخر لصاحبه في القرن التاسع وعشرة بأوروبا. لذلك كانت السمنة جذابة جداً، ونشأت أندية خاصة لأصحاب الكروش فيها. ومن شروط الانضمام إليها أن يملك المشترك وزناً يتجاوز الـ 200 90 كيلو[43]. وبخلاف النوادي، كانت هناك مسابقات تتم كل عام لصاحب أكرش، والجميع كان يتبارز بوزنه ويسعى بكل قوة لزيادته لا لتخسيسه كما يحدث حاليا. ولكن ما كان هكذا في المجتمع الإسلامي فكان الكرش لا يهتم به ولا يهان به ولا يعز به أحد بل كان وصفا جسميا فقد.[44]

الملوك والأمراء والعلماء والصوفيون وغيرهم من الشخصيات المعروفة والمرموقة التي أثرت في مسار الحضارة الإسلامية، وتركت بصماتها البارزة في مختلف المجالات مع ضخامتهم ربما لا يعد ولا يحصي. وتجمع هذه الشخصيات بين القدرة الحكمية والعلمية والروحانية، مما جعلها محل تقدير واحترام في المجتمع الإسلامي. في قائمة الشخصيات المعروفة، نجد أمثال من الأمراء الأموية كيزيد بن معاوية أبو الوليد وهشام بن عبد الملك وعبد الملك بن عمر بن عبد العزيز وموس بن نصير وعيسي بن جعفر بن أبي جعفر المنصور ببصرة وكافور الإخشيدي بمصر والشام ومن الأمراء العباسي محمد الأمين بن هارون الرشيد وإبراهيم بن المهدي بن المنصور ومنتصر بالله ومستعين بالله والمهتدي بالله وخليفة الفاطمي العزيز بالله أبو المنصور نزار بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي وأمير الأندلس يحي بن علي بن حمود العلوي الحسني الإدريسي وأمير الدولة الصلاحية أبو الهيجائ الكردي وجمال الدين أقوش النجيبي الصالحي النجمي نائب السلطة بدمشق وسيف الدين أبو بكر بن أسيا سالار وشمس الدين سنقر الأشقر الصالحي وخليل بن قلاوون الصالحي النجمي وبهاء الدين قرارسلان المنصوري السيفي ويعقوب بن الأمير عبد الحق والملك المنصور صاحب ماردين وقطبوبك الكبير وعلاء الدين البعليقي وبدر الدين محمد بن محموج بن معبد البعلكي والجمدار الناصري أبو سالم إبراهيم بن أبي سعيد المريني صاحب فاس وشيخ بن عبد الله المحمودي الدمشقي وسيف الدين جارقطلو بن عبد الله الظاهري والشهابي أحمد بن علي قرطاي وشهاب الدين أحمد بن أمير علي بن إينال اليوسفي وأبو الفارس بن السلطان المنصورالملك السعدي بمراكش ومصطفي بك.[45]

والوزراء مثل محمد بن عثمان بن أبي الرجاء التنوخي وأرغون شاه الوزير الاستادار ويزيد بن عمر بن هبير الفزاري, والقضاة مثل القاضي محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمان بن عوف الزهري وأحمد بن عبد الرحمان ابن قدامة المقدسي أبو معاوية الدمشقي وأبو حفص المقدسي الحنبلي وشمس الدين محمد بن عطاء الله الهروي وولي الدين أبو اليمن محمد بن قاسم الشيشيني الأصل المحلي ومصطفي بن مصطفي الشهير بابن بستان قاضي العسكر، والكتاب الأمراء مثل يزيد بن دينار أبي مسلم أبو العلاء الثقفي وأحمد بن محمد بن الفرات ومحمد بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقبي الذي اشتهر بأبو العباس الكاتب كانوا من الحكام والأمراء والقضاة الذين أثروا في تاريخ المسلمين بإداراتهم وقراراتهم مع كونهم ذي الأبطان[46].

أما من العلماء البارزين في السمنة، فتشمل القائمة أسماء مثل محمد بن سيرين وأنس بن سيرين أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وكيع بن الجراح ومحمد بن الحسن الشيباني وورش المقرئ ومحمد بن حاتم الميمون المروزي والقاسم بن الحسين بن محمد الخوارزمي وعبد الرحمان العائذي الذين تألقوا في علوم مختلفة مثل الفقه والحديث والتفسير والعلوم الطبية والفلكية. وهناك شعراء معروفون في الأدب واللغة، لم تمنعهم بطونهم وضخامتهم من فنونهم الأدبية مثل أبي جلدة بن عبيد الوائلي اليشكري وبشار بن برد البصري والعُماني وسعيد بن الوليد بن كامل البجلي الحميصي وأبو جلنك الحلبي. [47]

ومن عجب السمنة ما كانت للملوك والقضاة أو الشعراء فقط، بل هذا كان لدى كل مجال. فمن الرواة من التابعين وأتباع التابعين مثل سالم بن عبد الله بن عمر والطفيل بن أبي بن كعب الأنصاري المدني وسعيد بن عبد الرحمان بن سعيد العاص بن أمية والمسلم البطين أبو عبد أيضا كانت أبدانهم ضخمة. ومن الصوفيين الذين اشتهروا بتصوفهم وتأثيرهم في الحياة الروحية للمسلمين، نجد أمثال محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب وسفيان الثوري وأبو بكر الشبلي الصوفي ومحمد بن حسن الشيباني، الذين كانوا رموزًا في طريقة التصوف وقدموا الإرشاد والتوجيه الروحي للكثيرين. فمن هذه الأسماء من العلماء والكبار علمت أن قول الإمام الشافعي - ما أفلح سمين قط، إلا أن يكون محمد بن الحسن – لا يحمل على ظاهر النص.[48]

بهذه الشخصيات العظيمة، يتضح تنوع الإسلام وثراء تراثه الثقافي والديني، وكيف أن البطنة أو الضخامة لم تكن عائقًا أمام العظماء والعلماء والصوفيين في تحقيق إسهاماتهم العظيمة وتأثيرهم الإيجابي في المجتمع. فبالجملة، يمكن القول إن الإسلام يؤكد على أهمية النظر إلى الخلق والأخلاق والقلوب، بدلاً من النظر إلى المظاهر البدنية. ومن الجدير بالذكر أن هذا النهج يشجع على قبول التنوع البدني والاحترام المتبادل بين الأفراد بغض النظر عن مظاهرهم الخارجية.

[1] Laura El Alam, Obesity in the Umma- The Struggle For Wasat, Muslim Matters. https://muslimmatters.org/2020/03/05/obesity-in-the-ummah-the-struggle-for-wasat/

[2] أبو معاوية مازن بن عبد الرحمان البحصلي البيروتي، اعلام ذوي الفطن بالأعلام ذوي البطن، 11و12

[3] Body project

[4] Giddens

[5] Shilling

[6] Self-policing

[7] Technologies of self

[8] Orbach

[9] Nick Crossley، Fat is sociological issue: Obesity Rates in Late Modern، ‘Body-conscious’ Societies، Social theory and health، August 2004

[10] البلاذري، أنساب الأشراف، جزء13، ص177

[11]والبطن ذو عكنٍ لطيف طيّه *** والنحر تنفجه بثديٍ مقعد.

[12] قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع فما أبو زرع؟ أناس من حلي أذني، وملأ من شحم عضدي، وبجحني فبجحت إلى نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشق، فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق، فعنده أقول فلا أقبح، وأرقد فأتصبح، وأشرب فأتقنح. أم أبي زرع فما أم أبي زرع؟ عكومها رداح، وبيتها فساح. ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسل شطبة، ويشبعه ذراع الجفرة، بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها وطوع أمها، وملء كسائها، وغيظ جارتها. جارية أبي زرع فما جارية أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثا، ولا تنقث ميرتنا تنقيثا، ولا تملأ بيتنا تعشيشا. قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحت بعده رجلا سريا، ركب شريا، وأخذ خطيا، وأراح علي نعما ثريا، وأعطاني من كل رائحة زوجا وقال: كلي أم زرع وميري أهلك. قالت: فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع. قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت لك كأبي زرع لأم زرع. البخاري (5189)، ومسلم (2448) بلفظ مقارب

[13] مهند الحميدي، المرأة في الشعر الجاهلي، الأيام- مارس 2020

[14] جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 15، ص 79

[15] صحيح مسلم (2664)

[16] مسلم (5393) (2060) البخاري

[17] ابن دريد، كتاب االمجتني، ص 16

[18] ابن ابي الدنيا، كتاب الجوع، ص 71

[19] مسند أحمد، (15441)

[20] رواه أحمد (٤/ ۱۳۲) والترمذي (۲۳۸۰) وابن ماجه (٣٣٤٩)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٢٦٥)

[21] روى البخاري (2457) ومسلم (4603)

[22] محمد بن عثيمين، القول المفيد شرح كتاب التوحيد، ج 2، ص 350

[23] الإمام النووي، شرح مسلم، ج 6، ص 66

[24] ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج 2، ص 405

[25] سنن الترمذي (2221)

[26] السفاريني، غذاء الألباب شرح منظومة الآداب مطلب، ج 2، ص 210

[27] ابن رجب الحنلي، جامع العلوم والحكم، ج 2، ص 467

[28] المرجع نفسه، ص 462

[29] بيهقي، شعب الإيمان، ج 5، ص 42

[30] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج 9، ص 448

[31] سنن ابن ماجة (962) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة

[32] الخطابي، معالم السنن ج 1، ص 176

[33] عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تصف صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم بالليل فقالت: (فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه اللحم... إلخ الحديث).

[34] عن أُمّ قيس بنت محصن، قالت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسن وحمل اللحم، اتخذ عمودا في مصلّاه يعتمد عليه، وصححه الألباني في صحيح أبي داود

[35] السيوطي، شرح ابن ماجه، ج 1، ص 24

[36] أخرجه أبو داود (3903) واللفظ له، وابن ماجه (3324) باختلاف يسير

[37] أبو معاوية مازن بن عبد الرحمان البحصلي البيروتي، اعلام ذوي الفطن بالأعلام ذوي البطن، ص 41- 46

[38] نفس المرجع، ص 42

[39] السيوطي، الدرر المنثور، ج 8، ص 156

[40] (4651/2564 صحيح مسلم)

[41] بخاري1179

[42] ابن حجر، فتح الباري، ج، ص 185

[43] الملك والوسيم والشره: كيف تطورت رمزية "كرش" الرجل عبر التاريخ؟ - رصيف22 (raseef22.net)

[44] https://www.thelist.com/56105/mens-perfect-body-types-changed-throughout-history/

[45] أبو معاوية مازن بن عبد الرحمان البحصلي البيروتي، اعلام ذوي الفطن بالأعلام ذوي البطن، ص 41- 63

[46] نفس المرجع، ص 63-72

[47] نفس المر حع، ص 41 -80

[48] نفس المرجع، ص 66-78