ما هي الحياة الخاصة؟ مدخل إلى فلسفة الخصوصية


فئة :  مقالات

ما هي الحياة الخاصة؟ مدخل إلى فلسفة الخصوصية

ما هي الحياة الخاصة؟

مدخل إلى فلسفة الخصوصية (1)

ما معنى أن ندافع عن "حياتنا الخاصة"؟ وهل كان ثمّة دوما "حياة خاصة" أو "خصوصيّة" في كل العصور وفي ظلّ كل الثقافات؟ أمّ إنّ الإنسان "الحديث" وحده هو الذي اخترع هذا المصطلح وتمتّع بممارسة الحقّ فيه؟ - يثبت المؤرّخون عادة أنّ المفهوم الحديث عن "الخصوصية" (privacy) قد ظهر لأوّل مرة سنة 1890 ضمن دراسة مشهورة عنوانها "الحق في الخصوصية" (The Right to Privacy) كتبها كلّ من سامويل فارن ولويس براندايس[1]. ولكن هل يعني ذلك، أنّ اليونان أو العرب مثلا لم تكن لهم حياة خاصة؟ نعني مساحة خصوصية يدافعون عنها أو يحوّلونها في مدوّناتهم إلى "حق" معياري بما هو كذلك. إنّ للأجساد حقوقا، مثلا، ولكن هل لديها حياة خاصة؟ أليس ثمّة تضارب ضمنيّ بين الدفاع "الكوني" عن حقوق البشر، وبين مفهوم "الحياة الخاصة" بوصفها مساحة لا يحق لأحد أن يشاركنا فيها؟ كيف نستعمل الكوني للدفاع عمّا هو خاص؟

الداعي إلى إعادة الطرح السؤال عن "الخصوصية" ليس "عصر الأنترنيت" فقط، بل دخول المجتمعات ما بعد الحديثة في "عصر الإرهاب" أيضا

من المفيد أن نذكّر أوّلا بأنّ "الحياة الخاصة" هي مفهوم من نحت الفلسفة السياسية الليبرالية[2]، بناء على ربط بنيوي بين مفاهيم "الملكية الخاصة" و"الحرية الليبرالية" أو "الاستقلالية"[3]. كانت الحياة الخاصة "غاية ليبرالية في ذاتها"، لكنّها ليس فقط قد تعرّضت دوما إلى نقد امتد من روسو وماركس إلى الفلسفة الجماعوية والحركات النسوية[4]، بل إنّها "حق ليبرالي قد أصابه تحوّل عميق في عصر الإنترنيت"، عندما تغيّر دور الحياة الخاصة في خضمّ المجتمعات ما بعد الحديثة، إذ تحوّل الفرد إلى "موضوع متحكّم فيه" وصارت "الخصوصية" مطلبا "طوباويا"[5]. لكنّ ما ينبغي تسجيله هنا هو أنّ الداعي إلى إعادة الطرح السؤال عن "الخصوصية" ليس "عصر الأنترنيت" فقط، بل دخول المجتمعات ما بعد الحديثة في "عصر الإرهاب" أيضا، حيث اعتُبرت أحداث أيلول 2001 منعرجا مثيرا في النقاش حول صلاحية مفهوم "الحياة الخاصة"[6].

ومع ذلك، يبدو أنّ الإنسان الحديث قد اخترع المفهوم، لكنّه لم يخترع الحياة الخاصة. كلّ إنسان بما هو إنسان يتمتّع بقدر معيّن من الخصوصية لا يحق لأحد التشكيك فيه. وهذا يعني أنّ كلّ الحضارات قد سمحت بوجود مساحات للخصوصية لا يمكن إلغاؤها مخافة أن تلغي الشخص الإنساني بما هو كذلك. لكنّ ما تسمح به حضارة ما لا يعني الاعتراف به. ومن ثمّ، فإنّ ما يمكن تسميته "الحياة الخاصة" فيها هو لم يعبّر عن نفسه بما هو كذلك، بل ظلّ منطقة أخلاقية عازلة أو خفية تنتظر الكلام، لأنّها أصلا هي مجرّد مسكوت عنه لا يمكن إلغاؤه.

ما هو "الحق في الخصوصية"؟

قال فارن وبراندايس: "إنّ الفرد ينبغي أن تكون له حماية في شخصه وفي ملكيته هو مبدأ قديم قدم القانون العام؛ إلاّ أنّه قد تبيّن أنّه من الضروري من وقت لآخر أن يعاد من جديد تعريف الطبيعة الدقيقة والمدى الدقيق لهكذا حماية"[7].

إنّ الخصوصية لا تعني حماية الشخص من جهة "الحق في الحياة" و"الحق في الملكية". - هذه حقوق قديمة لا تتعلق بالمشكل الذي يهمّنا. هي قد امتدّت شيئا فشيئا من "الحق في الحياة"، والذي لا يفيد إلاّ في "حماية الذات من الاعتداء بمختلف أشكاله"، - إلى حدّ "الاعتراف بالطبيعة الروحية للإنسان، بمشاعره وبعقله"[8]، وصار هناك مع تطوّر القوانين الحديثة "قيمة قانونية للأحاسيس"، بل حتى هناك حماية قانونية "ضدّ الضجيج والروائح، ضد الغبار والدخان والذبذبات المفرطة"، وتمّ توسيع دائرة "الضرر" الذي يمكن أن يصيب الإنسان الحديث، كي تخطّت "المناعة الشخصية إلى ما وراء جسد الفرد"، إلى "سمعته" و"العلاقات الأسرية التي أصبحت جزءا من التصوّر القانوني للحياة".[9]

إنّ الحق في الخصوصية، إنّما يدخل في جيل مختلف من الحقوق رهانه هو توسيع دائرة "الاعتراف" كي تشمل نوعا آخر من "حماية الشخص ومن أجل أن نؤمّن للفرد" ما أطلق عليه أحد رجال القانون الأمريكان عبارة "the right to be let alone"[10] - "الحق في أن يدعك الناس وحدك"، "الحق في أن يتركوك وشأنك"، "الحق في أن تُترك بمفردك"، "الحق في أن تنفرد بنفسك"، ... كيف نفهم هذا الانزياح من الحقوق القانونية المتعلقة بالحياة أو بالملكية أو حتى بالسمعة والمشاعر... إلى نوع آخر من الحقوق يتعلق هذه المرة بالاعتراف بالحق في أن يدعك الناس وحدك؟ كيف صارت "الوحدة" حقّا ينبغي الدفاع عنه؟ يتألّف هذا التعريف الحديث للخصوصية من "الحق" (right) و"الترك" (to be let) و"الوحدة" أو "الانفراد بالنفس" (alone). طبعا، يمكن أن تكون وحيدا ولا تستطيع أن تنفرد بنفسك. لكنّ هذا هو نكتة الإشكال في الخصوصية بوصفها أساس "الحياة الخاصة" كيف نحوّل الحق في الحياة من "شيء" قانوني عام لم تخل منه المدوّنات ما قبل الحديثة (حيث لا معنى لأن تكون وحيدا) إلى "حق" فرديّ أو خاص في أن تُترَك وشأنك، بمفردك هو اكتشاف غير مسبوق (حيث تصبح الوحدة ملكيّة من نوع آخر)؟

إنّ ما تفرضه مقولة "الحياة الخاصة" هو توسيع دائرة "الاعتراف"، كي تشمل حقوقا من نوع آخر. نحن نمرّ هنا من "الحق في الحياة" إلى "الحق في التمتّع بالحياة"[11]. وأكبر شرط في هذا النوع من المتعة هو أن يدعك الناس تنفرد بنفسك، أن يتركوك وحدك كنوع من الملكية التي تخرج من نطاق "المِلك" (to have) إلى مجال "الكينونة" (to be).

الوحيد فقط يملك نفسه، ولكن لنحترس من معاملة الوحدة بوصفها شيئا. لا تعني الوحدة أو التوحّد مجرّد أن تكون وحدك في الخلاء؛ أي في غياب الانسان. عندئذ سوف تحقق أمنية الشاعر: أن تكون حجرا. لكنّ الحجر لا عالم له، هكذا قال هيدغر. إذن، لا يمكن للوحيد أن يشعر بوحدته إلاّ في مساحة اللقاء مع الآخرين. وهاهنا فقط هو يمكنه أن يطالب بأن يُترَك وحده. ومع ذلك، فهذا الأمر ليس اكتشافا حديثا. فالوحدة أو التوحّد مقولة فلسفية عرفها القدماء من ديوجان إلى ابن باجة. ومن ثمّ علينا أن نسأل: ما طبيعة العلاقة بين الحق في الوحدة والخصوصية؟

إنّ المعنى الدقيق للوحدة هنا ليس مجرّد "الشعور" بالوحدة، بل الدفاع عنها أمام الناس بوصفها "حقّا" في "الانفراد بالنفس". طبعا، "إنّ الأفكار والعواطف والأحاسيس تتطلّب اعترافا قانونيّا"[12]. ولكن كلّ هذا ليس هو في شيء من معنى الخصوصية.

ليست الخصوصية فكرة أو شعورا، بل هي حقّ. وعندئذ لا يمكن لأيّة ثقافة أن تطرح معنى الخصوصية دون أن تقدم على إعادة "تصنيف الحقوق القانونية" في جملتها؛ أي إعادة تأويل الأساس القانوني للحياة الشخصية بعامة. - ولو عدنا الآن إلى صاحب مقولة "الحق في تُترَك بمفردك"، وهو القاضي توماس م. كولي، وهي عبارة رشيقة وردت في الفصل الثاني من كتابه مصنّف في قانون الجمح[13]، فإنّ مفهوم "الحق" الذي يعتمد عليه هو أوّلا "مستعمل في المعنى القانوني حصريّا"[14]، وهو ينتمي تحديدا إلى مجال "الحقوق الشخصية"[15]، وهي تشمل "الحق في الحياة"[16]، و"الحق في الملكية"، ولكن خاصة "المناعة الشخصية" (personal immunity)، حيث نعثر على العبارة الخطيرة التي تهمّنا.

قال: "إنّ حقّ المرء في شخصه (right to one's person) قد يمكن أن يُقال إنّه حقّ في المناعة التامة: في أن يُترَك لوحده (to be let alone). والواجب المقابل لذلك هو ألاّ يتعرّض إلى أيّ أذى، وألاّ تتمّ، من مسافة قريبة تجعل النجاح في ذلك ممكنا، محاولة إلحاق الأذى به."[17]

إنّ القصد هنا ليس "الخصوصية" بالمعنى الذي سيتبلور لاحقا، بل بالتحديد مفهوم "المناعة الشخصية". ولذلك حتى هذا التصوّر القانوني والمهمّ جدّا لما يسمّى "حماية الشخص" بعامة هو لا يطرح قضية "الحياة الخاصة" بصفة حاسمة، والذي يؤكّد تاريخ المسألة أنّ مقالة 1890 حول "الحق في الخصوصية" هي التي طرحت تلك المسألة بشكل مباشر. إلاّ أنّ قراءة المقالة يجعلنا نكتشف أنّ قصد المؤلّفيْن لم يتعدّ ميدان "الفضاء العمومي"، حيث تمّ التركيز على تأثير "الفوتوغرافيا الحينية والجرائد"[18] على "حق الخصوصية" لدى الأشخاص. قالا: "إنّ الفوتوغرافيا الحينية وجرأة الجرائد قد اجتاحتا المناطق المقدّسة من الحياة الخاصة والمنزلية."[19]

لقد ظهر "الحق في الخصوصية" في أواخر القرن التاسع عشر، عندما تشكّل ""فضاء عمومي" فوتوغرافي وصحافي أصبح بمثابة "تهديد" لمساحة "الحياة الخاصة والمنزلية" من جهة القدرة على التقاط مقاطع من تلك الحياة والإلقاء بها أو استعمالها خارج "الدائرة" الخاصة بها. لقد بدا هذا الظهور محتشما، لأنّه لا يتعلّق إلاّ بما يمكن تحويله من مجال الحياة الخاصة إلى "صورة" أو إلى "خبر" صحفي؛ أي إخراجه من مجال غير منظور إلى مجال منظور. لكنّه يجعل الحياة الخاصة بمثابة عتمة أخلاقية يتمتع بها الشخص بعيدا عن المتلصصين. ولا يبدو أنّ "المنزل" سوف يعني أكثر من هذا الحق في الظلمة المنظمة حول حياتنا.

أصبحت الخصوصية في النصف الثاني من ق20، مفهوما متموّجا بين معاني عديدة، من قبيل "حرية التفكير، مراقبة المرء لجسده، التحكّم في المعلومات

إنّ المشكل هنا هو في الحاجة إلى قانون يحمي "خصوصية" الشخص في معنى حماية "حياته الخاصة والمنزلية"؛ وإنّ الربط هنا بين ما هو "خاص" (private) وما هو "منزلي" (domestic) هو يحمل آثار معنى قديم للخصوصية ضبطه أرسطو، عندما ميّز بين "المدينة" (polis) و"المنزل" (oikos) بناءً على الفاصل الذي وضعه بين "التدبير المدني" و"التدبير المنزلي". وهو تمييز سيطر على الحقبة اللاحقة ونجد حضوره في الفلسفة العربية الكلاسيكية. لكنّ السؤال الذي يثور هنا هو: إلى أيّ حدّ يجدر بنا المماهاة بين "التدبير المنزلي" و"الحياة الخاصة"؟ ماذا لو أنّ المنزلي نفسه ليس خاصا إلى هذا الحد؟ ألم يكن "المنزلي" عند اليونان بمثابة مفهوم "الاقتصادي" عند المحدثين؟ طبعا، هناك طرح اقتصادي لدى المعاصرين حول مشكل "الخصوصية"، نعني خصوصية "المعلومة" في الأسواق المتنافسة، وهو ما أدّى إلى تطوير ضرب من "اقتصاد الخصوصية"[20]، حيث تصبح "الخصوصية والفضول ممتلكات وسيطة"، ويحدث تداخل لا مفر منه بين "حقوق الملكية" و"إعلام الخصوصية"[21].

التكنولوجيا والخصوصية أو نهاية "الحياة الخاصة"

ثمّة صعوبة متشعّبة في تعريف مفهوم الخصوصية ما فتئ الباحثون ينبّهون إليها.[22] ويتمثّل هذا التشعّب في كون الخصوصية قد أصبحت في النصف الثاني من القرن العشرين، مفهوما متموّجا بين معاني عديدة، من قبيل "حرية التفكير، مراقبة المرء لجسده، توحّد المرء في منزله، التحكّم في المعلومات حول نفسه، الحرية من المراقبة، حماية المرء لسمعته، والحماية من المباحثات والتحقيقات"[23].

وإنّ المقترح الجديد حقّا هو الكفّ عن عزل هذا المكوّن أو ذاك من مكوّنات مفهوم "الخصوصية" والبحث عن تعريف متضافر مستلهم من فكرة فتغنشتاين حول "التشابهات العائلية" ((family ressemblances؛ أي إنّ المفهوم ليس له خاصية واحدة بل هو لا يتوضّح إلاّ بناء على جملة مشتركة من العناصر المتشابهة[24]. وفي هذا الصدد، قد تمّ اقتراح تعريف للخصوصية يقوم على ستة بنود، هي تواليا:

1) "الحق في أن يُترَك المرء وحده"؛

2) "ولوج محدود إلى الذات- القدرة على تحصين النفس ضدّ الولوج غير المرغوب فيه الذي يقوم به الآخرون"؛

3) "السرّية- إخفاء بعض الأشياء عن الآخرين"؛

4) "التحكّم في المعلومات الشخصية- قدرة المرء على ممارسة التحكّم في المعلومات حول نفسه"؛

5) "الشخصية- حماية المرء لشخصيته وفرديته وكرامته"

6) "الحميمية- التحكّم في، أو الولوج المحدود إلى، العلاقات أو جوانب الحياة الحميمة"؛[25]

كلّ ملامح "الحق في الخصوصية" المشار إليها هي من اختراع القانونيين والحقوقيين، في امتداد عريق إلى أواخر القرن التاسع عشر الأمريكي، وهو "حق" تمّ "تقنينه" في نطاق ثقافة "الفرد" ومقولة "الفردانية" التي هي بوجه ما زبدة العصر الليبرالي. نعني "الفرد" / الرجل/ الأبيض/ المالك/ دافع الضرائب/ المواطن الطيّع، إلخ...

لم تعد "الهوية" ملكية "شخصية"، بل تحوّلت إلى شيء رقمي للاستعمال خارج إطار الحياة الخاصة

- لكنّ هذا الفهم لمقولة "الحق في الخصوصية" سوف يشهد انقلابا حادّا مع ظهور التكنولوجيات الفائقة والدخول في عصر الإنترنيت، حيث صار محلّ النزاع هو كيفية التعامل مع التهديد الشامل الذي أخذ يطول مساحة "الحياة الخاصة" ومن ثمّ خطر تحييد أو تعطيل بند "الحق في الخصوصية" الذي يُعدّ فخر التشريعات الأمريكية. كل ما كان الإنسان التقليدي يعتبره إلى فترة قريبة أشياء "خصوصية" عن هويته من قبيل ملامح الوجه أو شبكية العين أو بصمات الأصابع أو حتى أجزاء أخرى من البدن، مثل حمضه النووي أو درجة خصوبته أو صوته أو فصيلة دمه أو أعضائه المزدرعة أو الأجهزة المركّبة فيه أو تاريخه الطبي أو هندسة اليد قد صار فجأة بفضل التحديد البيومتري أو القيس البيولوجي للهويات (biometric identification) مجرّد "معطيات" رقمية يمكن أن تُطلب أو أن تؤخذ أو تُسرق منه بكل مشروعية.

إنّ صفاتنا البشرية، الفسيولوجية والتشريحية، المميّزة لكلّ شخص بوصفه توقيعا ميتافيزيقا وحيدا وفريدا من نوعه في الكون، قد تسرّبت بسرعة مذهلة من حيّز "البيانات الشخصية" إلى مجال "المعلومات الافتراضية" التي تملكها الشركات العالمية أو أجهزة الدول. ناهيك عن سجلاتنا الخاصة مثل التوقيع أو رخصة القيادة أو جواز السفر أو بطاقة التعريف أو كلمات المرور في التطبيقات، إلخ... فجأة لم تعد "الهوية" ملكية "شخصية"، بل تحوّلت إلى شيء رقمي للاستعمال خارج إطار الحياة الخاصة. هذا الصدام بين الخصوصية والتكنولوجيا الإعلامية قد تحوّل بشكل رسمي إلى ورشة عملاقة حول قيمة "الحياة الخاصة" عوّض تماما ورشة علماء القانون في أواخر القرن التاسع عشر حول "الحق في الخصوصية"، بل لم يعد يتعلق الأمر بصلاحية "الحق" بل باستحالة "الخصوصية". إنّ "قشتال" (Gestell) هيدغر هو الذي أخذ مقاليد النقاش وليس "دولة القانون" (Rechtsstaat) الليبرالية. لقد افتكّ منّا "عصر التقنية" كلّ ادّعاء "ذاتي" للخصوصية. وتحوّلت "الهوية" إلى مجرّد "قاعدة بيانات" ملقاة على مساحة افتراضية مهدورة.

هذا الوضع التكنولوجي للخصوصية أطلق عليه بعض الدارسين الاستشرافيين اسم "المجتمع الشفاف" (The Transparent Society)[26] ضمن كتاب مثير يدور حول السؤال الإنكاري التالي: "هل أنّ التكنولوجيا سوف تفرض عينا أن نختار بين الخصوصية والحرية؟". وهو "شفّاف" في معنى أنّنا سوف نوجد دوما تحت "كاميرا مراقبة" ما، وفق تعريف جديد للتكنولوجيا ينقلها من أداة للسيطرة على الطبيعة، كما تصوّرها ديكارت، إلى "تكنولوجيا المراقبة" (Surveillance Technology) على البشر، والرهان هو: إلى أيّ مدى يمكننا إثبات أنّ المراقبة لا تلغي الحرية أو الخصوصية؟. أو الطموح نحو تكنولوجيا تفتح "عصر معرفة" من نوع رقمي، حيث تصبح الأرضية "قرية عالمية". لكن يبقى السؤال المقلق هو: "هل يمكننا أن نملك معلوماتنا الخاصة؟"[27] ولكن خاصة: "من يملك المعلومة؟". لقد صار "المجتمع مفتوحا" كما أراد برغسون وكارل بوبر؛ لكنّ "الأعداء" أصبحوا في الداخل، وصرنا أمام مجتمع مفتوح على أعدائه. وليست الدولة هي العدوّ الوحيد، عندما يتعلق الأمر بالتسلّل إلى المعلومات.

هذا النوع من الصعوبة جعل البعض من المختصين العالمين في ميدان الإعلامية نفسها، يتحدث عن "موت الحياة الخاصة في القرن الواحد والعشرين"[28]. - فبدلا من الطمع في مجتمع شفّاف علينا أن نفزع من قدرة التكنولوجيات الفائقة على تجريد الفرد ما بعد الحديث من مقوّمات الحياة الخاصة: كلّ ما يشتريه أو يأكله أو يتحرّك نحوه أو يقوله أو يسمعه أو يتداوى به يتمّ تسجيله والتنصّت عليه واستعماله ضد جسده وعقله ومشاعره وذاكرته، ليس فقط في فهم ماضيه أو حاضره، بل في استباق مستقبله والسيطرة على سلوكه الآتي. والفرضية هي تحوّل الناس في المستقبل القريب إلى "أمّة من البيانات" (Database Nation) وليس من الأفراد أو المواطنين. ولذلك، علينا أن نسأل: "كيف يمكننا أن نحمي حقوقنا في الخصوصية والهوية والاستقلالية، عندما تقوم التكنولوجيا بغزونا والتحكّم فينا على نحو أسهل من أيّ وقت سابق؟". ثمّة شيء طريف هنا أنّ العالم ما بعد الحديث لم يعد عالم جورج أورويل في رواية 1984، حيث تقوم الدكتاتورية بتدمير الحياة الخاصة: إنّ "الأخ الأكبر" لم يعد يستطيع هو نفسه أن يتدخّل. إنّ الرأسمالية نفسها التي قامت على مقولة "الحق في الخصوصية" هي التي أخذت تنتج التكنولوجيات الفائقة التي تعمل على محو الحياة الخاصة بما هي كذلك.

لقد تمّ فعلا إعلان عديد الباحثين عن "نهاية الخصوصية"[29]، وهي ليست نهاية سياسية، بل نهاية تكنولوجية: لم يعد يمكن تكنولوجيّاً أن يدّعي أيّ شخص أنّ له حياة خاصة لا يمكن التسلل إليها واستعمالها ضدّه. ولا يتعلق الأمر بالتكنولوجيا نفسها، بل بالمجتمع الذي يستعملها. وبالاعتماد على مفهوم فوكو عن "المجتمع الانضباطي" أمكن إعلان "نهاية الخصوصية" في معنى أنّ التكنولوجيا ليست هي السبب، بل منظومة السلطة التي فرضتها الدولة الرأسمالية، باعتبارها دولة مراقبة نسقية، جعلت الموطنين يستبطنون قواعد المراقبة فيستجيبون لها دون قوة قسرية. لكنّ ما أدّى إلى نهاية الخصوصية ليس الدولة، بل انفجار مفهوم المراقبة نفسه: لقد صار عملية منتشرة و"بلا مركز" وذلك بفضل "تكنولوجيا المعلومات المتجددة" التي جعلت "الأخ الأكبر" يتناسل إخوانا كبارا كُثرا يتلصصون في كل ركن من مساحة الخصوصية. لقد أصبح وجود الناس مجرد أدوار وخدمات رقمية لا يمكن مقاومتها إلاّ بتعطيل العلاقة معها، ممّا يعني تعطيل أو "نهاية الحياة الخاصة" نفسها.

إنّ المثير هنا هو الربط بين "نهاية الحياة الخاصة" و"الطريق نحو مجتمع المراقبة"[30] في إطار حاسم هو تكنولوجيا المعلومات التي يستعملها مجتمع متلصص، هو بعد اختراع مقولة الفرد أخذ يدمّرها بكلّ وحشية. ولذلك، تحوّل السؤال آخر الأمر إلى هذه الصيغة: "هل لا يزال علينا إنقاذ الحياة الخاصة؟"[31]. لكنّ ما ينبغي ملاحظته هو نزعة هذه البحوث عن نهاية الخصوصية إلى الخلط بين الدفاع عن "الحياة الخاصة" وضرورة "حماية البيانات الشخصية" (Datenschutz)، حيث لا يزال الإنسان الغربي يظهر في هيئة فرد أنانيّ مفزوع حول ممتلكاته مهما كانت "إنسانية، مفرطة في إنسانيتها". كأنّنا لا نستطيع أو لا يجدر بنا أن ننقذ حياتنا الخاصة إلاّ عن طريق حماية معطيتنا الشخصية؟[32]

(يتبع)


[1]- Samuel D. Warren; Louis D. Brandeis, ‘’ The Right to Privacy’’, in: Harvard Law Review, Vol. 4, No. 5. (Dec. 15, 1890), pp. 193-220

[2]- Beate Rössler, Der Wert des Privaten. (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2001), pp. 27, 41 sqq.

[3]- Maximilian Hotter: Privatsphäre. Der Wandel eines liberalen Rechts im Zeitalter des Internets (Campus Verlag, 2001).

[4]- Ibid. p. 45 sqq.

[5]- Ibid. p. 93 sq., 98 sq.

[6]- Cf. Michael Levi and David S. Wall, “Technologies, Security, and Privacy in the Post-9/11 European Information Society”, in: Journal of Law and Society Vol. 31, No. 2 (Jun., 2004), pp. 194-220

[7]- Samuel D. Warren; Louis D. Brandeis, ‘’ The Right to Privacy’’, op. cit. p. 193

[8]- Ibid.

[9]- Ibid. p. 194

[10]- Ibid. pp. 93, 95

[11]- Ibid. p. 93: “…now the right to life has come to mean the right to enjoy life”

[12]- Ibid. p. 195

[13]- Thomas M. Cooley, A treatise on the Law of Torts or the Wrongs which are Independent of Contract (Chicago: Callaghan and Company, 1879).

[14]- Ibid. p. 23

[15]- p. 24

[16]- pp. 24-29

[17]- Ibid. p. 29

[18]- Samuel D. Warren; Louis D. Brandeis, “The Right to Privacy”, op. cit. p. 195

[19]- Ibid.

[20]- Cf. Posner, R. A.: The Right of Privacy. Georgia Law Review Vol. 12, No. 3. (1978) pp. 394 sqq. «THE ECONOMICS OF PRIVACY».

[21]- Ibid. p. 397: “Property Rights in Private Information”.

[22]- Cf. Daniel J. Solove, “Conceptualizing Privacy”, in: California Law Review, Volume 90 / Issue 4, Art. 2 (July 2002), pp. 1088

[23]- Ibid.

[24]- Ibid. p. 1091

[25]- Ibid. p. 1092: “These headings include: (1) the right to be let alone …; (2) limited access to the self-the ability to shield oneself from unwanted access by others; (3) secrecy-the concealment of certain matters from others; (4) control over personal information the ability to exercise control over information about oneself; (5) personhood-the protection of one's personality, individuality, and dignity; and (6) intimacy-control over, or limited access to, one's intimate relationships or aspects of life.”

[26]- Cf. David Brin, The Transparent Society. Technology Force Us To Choose Between Privacy And Freedom? (Perseus Books, 1998).

[27]- Ibid. chapter Four. “Can We Own Information?”

[28]- Cf. Simone Garfinkel, Database Nation. The Death of Privacy in the 21st Century (O’Reilly Media, 2000).

[29]- Reginald Whitaker, The End of Privacy: How Total Surveillance is Becoming a Realty (New Press, 1999).

[30]- Peter Schaar, Das Ende der Privatsphäre Der Weg in die Überwachungsgesellschaft (München: Wilhelm Goldmann Verlag, 2009).

[31]- Ibid. p. 215 sqq. “Ist die Privatsphäre noch zu retten?”

[32]- Ibid. p. 218-232