محمد الأمين بحري: العقل العربي عقل مقولاتي


فئة :  حوارات

محمد الأمين بحري: العقل العربي عقل مقولاتي

فرش معرفي:

تعدَّدت الدراسات النقدية، وخاصة في المجال الأدبي المرتبط بالفلسفة، وبالعلوم الثقافية التي أصبحت تحوز على موقع قدم في فضاء الفكر العربي، ومنه طفقت البحوث والحوارات والسجالات والندوات في الانبجاس، وبدا الأمر وكأنَّ المسألة تتَّجه صوب الانهمام بقضايا النقد الأدبي والثقافي والبحث في المذهبيات التي سعت إلى التعاطي مع الفكر العربي من باب التلقي السلبي، ومن ثمَّة الادعاء بالعالمية لمجرد اتباعها مسلك الاتباع، والابتعاد عن الإبداع الذي هو الوحيد القمين بأن يدخلنا في نادي الإنسانيَّة الحقيقي.

في هذا الفضاء جاءت أعمال الباحث البروفيسور محمد الأمين بحري، لكي يجتهد في مساءلة بعض القضايا مثل وضع ومصير المثقف العربي، وقضية الترجمة بحسبانها فعلاً إبداعياً، ورؤيته لما يوجد في الساحة الثقافية العربية، خاصة أعمال المفكر العربي عبد الله الغدامي، وهنا يكون باحثنا قد انخرط في مسار إشكالي قوي، يريد من هذا الانخراط أن يسعى إلى تقديم رؤية جديدة لعلها تكون فاتحة في الفكر العربي القادم.

ولباحثنا جملة من الأعمال من بينها: تعريب كتاب الماركسية لروجيه غارودي (دار الحكمة الجزائر-2009)، وفي نقد النقد، كتاب البنيوية التكوينية من الأصول الفلسفية إلى الفصول المنهجية (منشورات ضفاف-بيروت، الاختلاف - الجزائر، كلمة - تونس، الأمان - المغرب)، وله العديد من المقالات النقدية والفكرية ومتابعات للشأن الثقافي العالمي والعربي والمحلي، منشورة في عدد من المواقع والمجلات والدوريات العلمية والثقافية المتخصصة والعامة، وفي التنشيط الثقافي له مساهمات في عدَّة ملتقيات وطنية ودولية، أكاديمية وغير أكاديمية، وبخاصة تلك المرتبطة بالشأن النقدي عامة والسردي منه خاصة.

أهلاً وسهلاً بك على منبر مؤسسة مؤمنون بلا حدود

ربوح البشير: بداية ماذا عن البيئة الحاضنة للباحث في الفكر والنقد الأدبيين في العالم العربي عامَّة وفي الجزائر خاصَّة؟

ـ د. محمد الأمين بحري: أعتقد بأنَّ الفاعل الحقيقي في تكوين الوعي النقدي العربي وضمنه الجزائري، ليس هو البيئة المتوافقة مع ذهنية المثقف، بل هي البيئة المضادة لوضعه الثقافي والفكري، والتي من شأنها أن تفرز مثقفاً نقدياً لأوضاعه ومجتمعه، وحتى للنظم السياسة التي أنشأته وبنت فكره وأطَّرت تكوينه، ويمكن للناقد أو الدارس أن يعثر على ملامح هذه الحساسية الثورية في مختلف المنجزات الفكرية والإبداعية العربية الثائرة على بيئتها وأوضاعها الاجتماعية والسياسية والوجودية، كما أعتقد بأنَّ ثقل الحياة وتأزمها يزيد من لمعان معدن المثقف، في صورة حجر الماس الذي يزداد إشعاعه ولمعانه كلما ازداد تعرُّضه للضغط، دون أن نعدم بعض الانفجارات العكسية، والتي هي من جنس مشكلات المثقف طبعاً. وإذا ألقينا نظرة على سِيَر وشهادات كبار مثقفي الإنسانيَّة وقادة الفكر، فسوف نقف على حجم التوتُّر الذي كانوا يحيونه داخلياً وخارجياً في تفاعلهم مع محيط وراهن حيواتهم.

ربوح البشير: هل تعتقد بأنَّ هناك مشكلات تعيق مسار المثقف عندنا سواء أكان ناقداً أم مبدعاً أم مفكراً؟

ـ د. محمد الأمين بحري: أعتقد بأنَّ مشكلة مثقفنا هي مشكلة موقعة بالدرجة الأولى، أي بصورة أدق مشكلة انتماء ما يزال حاملاً للطابع الشكلي دون أن يرقى (في أغلب الحالات) إلى المستوى النسقي، أي أنَّه موقع شكلي يتناهى عند حدود المصطلحات والمقولات، وليس ذا طابع مفهومي، وهذا يعني أنَّه لم يبلغ بعد الحدود الإشكالية للمفاهيم، ما يفضي إلى نوع من التسطيح في أفكار كثير من مثقفينا، فافتقاد المفاهيم كما أعتقد هو افتقاد أساسي للأنساق، وبالتالي فالأشكال ذات الطابع النقلي التي تفتقر إلى بنى داخلية متفاعلة لا يمكن أن تشكِّل نسقاً في أي مجال، ما يعني أنَّنا إزاء ظاهرة استظلال فكري وحسب، يعمد فيه المثقف إلى تبنِّي الوافد من الأفكار دون مناقشة أو تلقٍ استشكالي يحاورها.

وعادة ما نرى مثقفنا يختبئ تحت مظلة مفكرين غربيين، ولعل أوسع مظلة لمفكر غربي هي مظلة مارتن هيدجر، الذي تحوَّل مثله مثل بقية التنويريين الغربيين إلى جملة مقولات خالية من أيَّة علاقة بواقع المفكر العربي؛ أقصد أنَّ العقل العربي وقع تحت تأثير المظلات الفكرية الغربية، واستحال إلى عقل مقولاتي، يحسن الهرب بتلك الأطروحات النظرية الغربية الأصيلة في منبتها أكثر ممَّا يحسن مناقشتها من خلال نقدها وتفكيكها باستثارة إشكالاتها أو استظهار ما يشاكلها في فكره وثقافته ومجتمعه وسياسته.

والأخطر أن يصطنع المفكر العربي انطلاقاً من المنقولات الشكلية للفكر الغربي موقفاً قطائعياً (قطيعة معرفية) بينه وبين بيئته، ليصير مثقفنا أو مفكرنا مؤمناً ظاهرياً بالقطيعة مع حضارته وأصالته وجذوره وواقعه، مأخوذاً بزخم مقولات فكرية غربية تبناها باعتبارها مسلمات كونية، وهذا ما أسميه خيانة الثقافة عطفاً على مصطلح إدوارد سعيد خيانة المثقف.

أعتقد بأنَّنا لا نملك آليَّات القراءة بقدر ما نحوز قدرات خلاقة على التبني والاتباع والتسليم والانبهار، وهي مُركَّبات استلابية نقضي بها على قدراتنا في التفكير، ونعدم فيها الفرصة في مواجهة المقولة بالسؤال، والنظرية بالاستدلال، والفكرة بالمثال. بينما لو أتاح مثقفنا لنفسه فرصة التلقي النقدي لوافد الأفكار والنظريات والمقولات، لأبدع وأتى بما لم يخطر على بال أصحاب تلك المنظورات الغيرية التي يتبناها.

ربوح البشير: لكن ألا ترى أنَّه لدينا نوع من السجال الثقافي والسياسي والاجتماعي بين تيارات توصف بالتنويريَّة والعلمانيَّة والديمقراطيَّة، وأخرى بالدعويَّة أو السلفيَّة المؤمنة وغيرها من التيارات، وهو حراك اشتدَّ بصفة خاصة في أعقاب ما سُمِّي إعلاميَّاً بالربيع العربي؟

ـ د. محمد الأمين بحري: بلى، لكنَّ هذه الظاهرة الانتفاضية الأخيرة للشعوب كشفت أو بالأحرى عرَّت حقائق كثيرة حول نوعية مثقفينا، ومآزق اعترت هذا العقل المقولاتي العربي الذي شهدنا عبوره الآلي من المقولة إلى المسلمة التي سرعان ما تتحول في كثير من الأحيان إلى يقين ينفي في عقيدة المثقف أي اختلاف، أو قبول لرأي الآخر. حيث صرنا في وضعنا الثقافي الراهن عبارة عن تكتلات وثوقية بين من يُسمُّون أنفسهم سلفيين أو دعويين أو مؤمنين متدينين، وبين من يُسمُّون أنفسهم تنويريين وعلمانيين وديمقراطيين، غير أنَّ كلَّ طرف ينفي أي نقاش أو قبول للطرف المختلف، وخير دليل مع من يُسمُّون أنفسهم بالتنويريين والعلمانيين (الذين لا يفتأون يدعون ويتغنون بمقولات الديمقراطية) وموقفهم الصادم من صعود المدّ الإسلاموي إلى السلطة في أعقاب الربيع العربي، فوقفنا على حقيقة مزرية، تتمثل في أنَّ جلّهم وقفوا إلى جانب الانقلابات السياسية، وساندوا إسقاط ما جاء بالانتخابات، وأيَّدوا الدكتاتوريات، لمجرد خوفهم الميتافيزيقي من صعود وتمكُّن التيار الآخر (الإسلام السياسي) الذي يختلفون معه فكراً وعقيدة. للأسف هذا هو وضع مثقفنا الهش، الذي بدل أن يؤسِّس لانتماء فكري نسقي مبني شكلاً ومفهوماً على التلقي النقدي والحوار المتسامح، راح يبني يقينياته على أشكال مقولاتية فضفاضة، يمارس بها توحده الفكري الذي منحه الوثوقية بدل الحوار، والمحو بدل قبول الآخر، واليقين بدل البحث عن الحقيقة والتساؤل من أجل بناء الإشكال المعرفي أثناء التلقي للمنجزات الغيرية. وكلُّ هذا ناتج عمَّا سمَّيناه في البداية: منطق النقل والاتباع والتبنّي الانبهاري للمقولات الجاهزة، وهو وضع يستحيل أن يمنحنا فكراً تنويرياً بأيّ شكل من الأشكال.

والأنكى في زاوية التلقي، أنَّ فئة واسعة من مثقفينا أخذت مواقفها ومقتنياتها الفكرية من الترجمة وليس من تفاعل مباشر مع المنجز الغربي، ممَّا يهدّد بنسف أيّ معنى للسجال الثقافي في عالمنا العربي، لأنَّ الترجمة في هذه الحال لا تسعف الحوار الفكري بقدر ما صارت جهاز إعاقة ثقافية تشلُّ وتهدم المثاقفة الحقة بين الأنا والآخر، مادام الفكر الذي تتعامل معه بالوساطة نقلي النزوع وشكلي التفاعل. فتصبح الترجمة وسيطاً مضللاً ومعيقاً بدل أن تكون وسيلة تثاقف حيوية بين الأنا والآخر.

ربوح البشير: بخصوص الترجمة يمكن قبول أنَّ للفعل الترجمي وجهين نقيضين باعتبار دور الوساطة الذي تضطلع به، والذي قد يكون سلبياً أو إيجابياً بين المتحاورين المختلفي الثقافات. لكن في الحالة العربية مثلاً، هلَّا أوضحت كيف للترجمة أن تلعب دوراً نكوصياً وسلبياً في المثاقفة بدل أن تكون وسيلة حوار حضارية لها؟

ـ د. محمد الأمين بحري: حول موضوع الترجمة أبدي تأييدي لأطروحة المفكر العربي المغربي طه عبد الرحمن التي يمكنني أن أتمثل بها كطرحٍ واع بالحالة الحضارية العربية، يتعلق بعملية الترجمة بداية من النص الأصلي ووصولاً إلى المتلقي الثاني، مروراً بالمتلقي الأول للنص في الثقافات الأخرى، وهو المترجم. وذلك حينما يتحدث هذا المفكر حول وظيفتي الترجمة المتناقضتين الناتجتين عن نوعين سائدين من التراجم: الأولى يسميها الترجمة الاستنساخية (باعتبارها وسيلة تبعية)، والترجمة الاستكشافية (باعتبارها وسيلة مثاقفة فاعلة وإيجابية).

بخصوص النوع الأول الترجمة الاستنساخية يشير طه عبد الرحمن إلى أَّنَّها وسيلة تبعية فكرية عاجزة عن التحرُّر من سلطة النص، ولا تملك تجاهه أيَّ استدلال أو استشكال أو تفاعل نحو القارئ؛ حيث يتبع فيها المترجم حرفية نص مؤلفه تبعية مطلقة تجعله مستنسخاً سلبياً، لا مسؤولية لديه على ما يكتب.

أمَّا الترجمة الاستكشافية كمفهوم مثاقفاتي مستقل فلا تتمُّ إلا بتحرير عقل المترجم كمتلقٍ أول للخطاب، ثم عقل القارئ الغيري كمتلقٍ ثانٍ. ولا يتأتَّى ذلك للمترجم ـ كما يقول طه عبد الرحمن في كتابه روح الحداثة ـ إلا إذا أثبت هو نفسه أنَّه قادر على أن يتحرَّر من وصاية النص الأصلي التي يفترض أنَّه يقع تحتها. وعلامة تحرُّر المترجم هي أن يأتي بترجمته لا بمقتضى استنساخ الأصل بواسطة لغته، كما جرت العادة، وإنَّما بمقتضى ما يسميه بـ"استكشاف الأصل"، أي أن تكون ترجمة استكشافية لا استنساخية. تكشف للمتلقي طرقاً لإبداع فكر نظير أو نظائر تضاهي أو تفوق النص الأصلي. عن طريق طرح استشكالات يسائل بها المتلقي الوافد النصي باعتباره طرفاً جوَّالاً لا إملاء فيه. وطرح استدلالات تمكن القارئ من اكتشاف جملة الأدلة التي يريد بها صاحب النص طرح إثبات فكرته.

وإن كنت أبدي بعض التفاؤل لوجود فعلي للترجمة الاستكشافية على نطاق واسع في العالم العربي، إلا أنَّ الوظيفة التنويرية للترجمة تبقى معطلة في عالمنا العربي، باعتبار نمط التفكير النقلي والشكلي للمثقف العربي المتلقي للنصوص الوافدة إليه. والذي ما يزال ميالاً إلى نصيَّة الفكر، واصطناع اليقينيات والمسلمات في منطلقاته الوثوقية، بعيداً عن التلقي التفكيكي والاستشكالي إزاء وافد الأفكار، والمحاورة بما يمتلكه من بدائل واعية من عنديَّاته.

ولئن توقف طه عبد الرحمن مليَّاً عند وظيفة المترجم وناط بها نوعية التلقي، فوجب أن نلقي الطرف الأهم من ثقل المسؤولية على عاتق المتلقي العربي إن كان من المثقفين والمفكرين، الذي ما يزال يعتمد بشكل كلي في مثاقفته وفهمه للآخر على النصوص الوسيطة المترجمة دون أن يتصل أو حتى يفكر في تناول وافده الفكري والقرائي بصورة مباشرة، أي من نصه الأصلي وأسلوب طرحه من لدن مؤلفه وصاحبه، لأنَّ هناك الكثير من متعلقات الفكر وكيفيات صوغه غير قابلة للترجمة والنقل، بينما لها الأثر الأبرز في فهم مآلات ومرامي الأفكار المطروحة والموجَّهة للآخرين. علماً أنَّ الترجمة هي وسيلة مساعدة على الاستكشاف وليست أساسية وجوهرية لحوار وتلقي خطاب الآخر.

ربوح البشير: طيب، وماذا عن أثر الترجمة في تجربتك النقديَّة؟ وهل هناك تفاعل بين التجربتين؟

ـ د. محمد الأمين بحري: لم تكن الترجمة كاحتراف أحد همومي يوماً من الأيام، غير أنَّ الثقافة الأجنبية أو بالأحرى العالمية كانت إحدى ضرورات وجودي في الساحة الأدبية والأكاديمية، وما قمت به من عمل في مجال الترجمة كان نتيجة بحوثي في المدارس النقدية الغربية ومدرسة النقد السياقي عموماً والإيديولوجي بصفة خاصة، التي أفرزت ترجمتي لكتاب الماركسية لروجيه غارودي (2009)، حيث أثارتني فيه إشكلات معرفية وإيديولوجية عميقة، لعلَّ أبرزها الموقف النقدي لمفكر ماركسي الانتماء، اشتراكي النهج السياسي والفكري، يعني أنَّ غارودي ليس دارساً أو مفكراً عادياً يدرس أو ينقد تياراً، بل إنَّه ابن البيت الماركسي والمؤسسة السياسية الاشتراكية في فرنسا والغرب، وما يقوله أو ينقده في هذه المؤسسة لن يكون في ميزان أي دارس آخر...، فكلام ابن البيت في شؤون بيته لا يضاهي على الإطلاق كلام أيّ طرف آخر خارجها. فما بالك بكلام ربِّ البيت في مؤسسته حين ينقدها أو يحلل وضعها؟ وهو ما دفعني إلى التفكير بضرورة وضع هذا العمل الهام بين يدي القارئ العربي، وهو ما قمت به في النهاية.

وقد أفضى بي البحث بعد الفراغ من هذه الترجمة إلى تأليف كتابي التالي في نقد النقد [البنيوية التكوينية من الأصول الفلسفية إلى الفصول المنهجية - 2015] الذي هو خلاصة ترجمة لخمسة كتب في هذا المجال، ثلاثة لصاحب المنهج لوسيان غولدمان، وواحد لأستاذه جورج لوكاتش وواحد لتلميذه بيار زيما.

ربوح البشير: إلى أيّ مدى يمكن أن تساهم الترجمة الفرديَّة والمؤسساتيَّة في تفعيل الوعي العربي بالحداثة؟

ـ د. محمد الأمين بحري: لا يمكن أن تحمل الحداثة على الترجمة، بل أعتقد أنَّ من يعتمد على الترجمة ليبني وعيه الحداثي هو كائن معاق فكرياً. لأنَّ الترجمة في مجال الفكر هي قراءة المترجم ولا يمكن أن تحمل المنظور المتكامل لصاحب النص الأصلي الذي يجب التفاعل معه مباشرة، وليس بوساطة نص مترجم تتحد وظيفته في المساعدة على كشف المادة وليس المادة في ذاتها، ولعل هذا أحد الأسباب المباشرة التي دفعتني إلى التوقف عن الترجمة الفردية، مفضلاً أن تبقى الترجمة عملاً مؤسساتياً يحسن أن تشرف عليه وتتبناه هيئات جمعوية وحكومية، أفضل من أسلوب الهواة الذي ما يزال سائداً للأسف، والذي أضرَّ بالمادة المترجمة والتلقي، خاصة في مجال الفكر والفلسفة والترجمة العلمية، مع تشجيعي للترجمة الفردية في مجال الترجمة الأدبية، أي تلك الخاصة بنقل النصوص الإبداعية. حيث يمكن أن يقدّم المترجم إذا ما كان من المبدعين عملاً يضاهي أو يفوق النص الأصلي، وهذا ما أثبتته قدرات كثير من المترجمين للأدب العالمي على وجه الخصوص.

ربوح البشير: في أعمالك النقديَّة أو تخصُّصك الأكاديمي نجد اهتمامك ينصبُّ أكثر حول النقد الأدبي، هل يعني ذلك عدم اهتمامك بالنقد الثقافي؟

ـ د. محمد الأمين بحري: في الحقيقة لا أشاطر فكرة الغذامي التي تفصل النقد الأدبي عن النقد الثقافي، بل أستغرب كيف يتمُّ تبنّي هذه الفكرة من طرف المثقفين العرب دون نقاش، ذلك أنَّ الفصل بين الثقافي والأدبي في النقد تبدو عملية عبثية، ولعبة على الأشكال اللفظية لا تحمل أيَّ معنى واقعي. إذ لا يمكن لمن ينقد الأدب أن يكون بعيداً عن نقد ثقافة النص وصاحبه بأيّ حال من الأحوال. لذلك أعتقد أنَّ دائرة النقد الأدبي هي محتواة داخل دائرة النقد الثقافي بشكل جذري، وأيّ عملية فصم بينهما تنمُّ عن عدم فهم وربما هدم للعملية النقدية بأسرها. وإنَّما الشأن في تبئير اهتمام الدراسة النقدية بالمحمول الثقافي، أو الشكل الأدبي فحسب، دون أيَّة قطيعة جذرية بينهما كما يحاول الغذامي طرحه. والذي يبدو جليَّاً (خاصة في كتابه النقد الثقافي) هو عدم تعرُّضه لطروحات ومنجزات مدرسة فرانك فورت في النقد الثقافي، وتبنّيه المطلق لتوجُّهات مدرسة كوبنهاغن. ممَّا أفضى به إلى عملية قطيعة غير مبررة يفصل فيها بين الثقافي والأدبي في العملية النقدية، مُقدمَّاً طرحاً أكثر من غرائبي، يعلن من خلاله موت النقد الأدبي، وحلول النقد الثقافي مكانه، وكأنَّ النقد العربي قديمه وحديثه لم يطرق الأنساق الثقافية في معالجاته للنصوص، ومنظوراته الفنية للأدب. معتقداً بأنَّ عثوره على المصطلح الجديد، هو عثور على ظاهرة لم تكن موجودة في الساحة الأدبية العربية التي قطع معها الصلة المعرفية بشكل حدِّي وفج.

ربوح البشير: هذا يعني أنَّ النقد الثقافي العربي لمَّا يستقم بعدُ بكلِّ أبعاده كبديل معرفي عربي، رغم جهود الغذامي؟

ـ د. محمد الأمين بحري: لا أحد يمكنه نكران اجتهادات وإسهامات عبد الله الغذامي الذي أنجز وفكَّر ونظَّر، لكنَّه اجتهد في حدود تكوينه ومساراته الفكرية. ومشروعه يمكن أن ينقد من عدة محاور خاصة حول الادّعاء الأبوي للنقد الثقافي العربي الذي ألبسه إيَّاه بعض النقاد العرب، حيث يمكن أن نشير في عجالة إلى وقوع زلات كبرى في طرحه، لعل أهمَّها إعلانه في كتابه النقد الثقافي عن موت النقد الأدبي.

ومن المستغرب أن يشرع ناقد ما في إنهاء مسيرة النقد الأدبي انطلاقاً من سبب تقني ينتمي علمياً ومعرفياً إلى حقل البلاغة، إذ يعزو الغذامي ضرورة تجديد النقد إلى ما أسماه "شيخوخة البلاغة العربية". متأسساً شأن بقية المستغربين العرب على أطروحة ظواهرية تدَّعي القطيعة المعرفية، مع التأسيس البلاغي للنقد الأدبي العربي، ولا أعتقد بأنَّ استعارة مفاهيم كالقطيعة المعرفية، والمنظورات الظواهرية بالأمر الملزم للنقد الأدبي الذي هو في غنى عن تلك المفاهيم الحديَّة المستجلبة كي يثبت حياته أو موته.

- فهل القطيعة مع منهج أو تيار أو فكر معيَّن تعني بالضرورة نفيه وإلغاؤه؟

- وهل تجاوز موضوع ما يعني إنهاؤه وقتله؟

- وحتى إن كانت بعض المفاهيم النقدية الأدبية في حكم المتجاوز، والمتروك المُتْحفي، هل علينا تدمير هذا المتحف النقدي والبلاغي لكي نثبت ظهور تيار فكري جديد في النقد؟

- هل باتت القطيعة المعرفية هي مركب النجاة الوحيد الذي يعتليه المفكر العربي كي يبرهن على حداثة منظوره؟

أعتقد بأنَّ هذه المحمولات المنقولة إلينا اعتباطاً قد أضرَّت بقيمة ومستوى مفكرينا وهلهلت مشاريعهم، في ظلِّ وهم بدائلي ظنين آمنوا به بوثوقية لا تقبل النقاش حالما ركبوا طوف مقولات عائمة سكنت المتحف الفكري والفلسفي الغربي الذي يأبى أهله إحراقه كما يهوى فعله المثقف العربي بمنجزات تاريخه الفكري والأدبي.

فضلاً عن أخطائه الجسيمة في تقديم النموذج البنيوي الغربي، وإسقاطه على النقد العربي، وذلك عند حديثه عن الأنساق الثقافية التي اعتبرها: "تاريخية وأزلية، وهو تناقض صارخ بين سيرورة التاريخ المرتبط والمقيد بالزمن، والأزل السرمدي المتحرّر من سلطة الزمن وخطيته وحدوده.

وفي النهاية لم يكن المشروع الغذامي (في قراءتي الشخصية) سوى تجاوز للمستوى الفهمي للنص إلى المستويين التفسيري والتأويلي الذي كان سائداً قبل كتاب الغذامي هذا وبعده. ما يعني أنَّ الدعوات إلى القطيعة والتجاوز والقتل والتجديد بما تحمل من تناقضات في الجمع بينها معاً وفق تصور أو إجراء وحيد مجرَّد دعوى فضفاضة تحمل الكثير من الأوهام وسوء الفهم سواء حول التراث النقدي والبلاغي العربي، أو واقع النقد الأدبي والثقافي الحالي. الذي يشمل أنساقاً لم يشر إليها الغذامي لا من بعيد ولا من قريب، ولم يدرجها في مشروعه الذي يجعل النقد الثقافي يقتصر على الأدلجة دون غيرها ناسياً أو متناسياً مكانة العقل الشفوي بجميع أنساقه، الذي "لطالما هُمِّش من طرف العقل الكتابي (التدويني). ولا أعتقد في الختام بأنَّ فكراً اتباعياً قطائعياً كهذا يمكن أن يطوّر منظورنا الفكري وثقافتنا النقدية تجاه منجزاتنا الإبداعية.

ربوح البشير: ما أثر الانفتاح على النقد الغربي في مستقبل النقد العربي؟

ـ د. محمد الأمين بحري: مع حفظ الخصوصيَّات الثقافية، يمكن الاستفادة من التجارب النقدية والمنهجية الغربية، التي علينا استيعابها ضمن علاقتها بمتونها أولاً قبل محاولة إسقاطها كإجراءات وخطوات شكلية على منجزاتنا النصية. وهنا أنبِّه إلى ضرورة تحصيل الناقد العربي لفلسفة المنهج الغربي وتأمل اشتغاله في بيئته، قبل نقل خطواته وتطبيقها على منجزاتنا بصورة إسقاطيَّة وآليَّة. لأنَّك إن فهمت فلسفة الإجراء المنهجي أمكنك التصرف فيه بطريقة تجعله يتفاعل ويتكيف فيها مع خصوصيات وأساليب بقية النصوص التي لا تنتمي لدائرة ثقافته، ذلك أنَّ فلسفة المنهج (فهم أصوله ومنابعه الفكرية) هي مفتاح التحكُّم فيه التي تؤتي القدرة على تطويعه كي يخضع لخصوصيات الثقافات والنصوص الأخرى، وليس العكس (بتطويع النصوص وليِّ أعناقها كي تتوافق مع خطوات المناهج النقدية الوافدة)، وهو ما نشهده على الساحة الأكاديمية العربية التي صارت تتعامل مع المناهج الغربية بحصرها في مجرَّد خطوات وإسقاطها تعسفاً على منجزاتنا النصية دون فهم ولا استيعاب لمحمولاتها الفكرية الأصولية؛ ممَّا جنى على النص وشوَّه المنهج والعمليَّة النقديَّة ككُل.