مقاربة عبد الله العروي لمفهوم الحداثة


فئة :  مقالات

مقاربة عبد الله العروي لمفهوم الحداثة

يعدّ المفكّر المغربي عبد الله العروي أحد الذين أسهموا بكتاباتهم في إغناء الحياة الفكريّة العربيّة، والذين أسهموا كذلك في السّجال الإيديولوجي الذي تميّزت به الحياة الفكريّة العربيّة خاصّة بعد هزيمة 1967، فقد استطاع هذا المفكّر أن يصوغ أطروحة متكاملة عن واقعنا التّاريخي وآفاقه المستقبليّة، حلّل فيها الواقع العربي وامتداداته الفكريّة والسّياسية والثّقافيّة، كاشفا بذلك عن أسباب تأخّرنا وعوائق تحديثنا، مقترحا سبلا للإقلاع ولتجاوز هذا التّأخر الذي يطبع واقعنا العربيّ المعاصر، معتمدا في ذلك على أدوات تحليل معرفيّة نظريّة متميّزة، ومنهجيّة نقديّة تاريخيّة مهمّة، تلك هي الموجّهات الكبرى في تنظير وتفكير العروي التي عبّر عنها في الكثير من كتاباته من بينها: "العرب والفكر التّاريخي"، "الإيديولوجيّة العربيّة المعاصرة"، "أزمة المثقّفين العرب، تقليديّة أم تاريخانيّة"...، وهي الكتابات التي دعا فيها إلى القطيعة المعرفيّة مع التّراث من أجل تبنّي قيّم الحداثة التي احتلّت مكانة مهمّة في الفكر العربي المعاصر، من خلال الرّؤى والمفاهيم المتنوّعة التي تعالج الإشكالية، قصد إرساء معالم فكر يمكّن من الانخراط في التّاريخ الكلّي أو السّباق الحضاري العام.

ولكي نعرّج على مفهوم الحداثة عند العروي، لا بدّ أن نشير إلى أنّ هذا المفكّر كان يولي أهمّية كبيرة للمفاهيم معتبرا إيّاها المدخل الأساسي لأيّ مشروع؛ فالحداثة ومفهومها في فكره تبوَّأت مقام الأساس والمركز، فقد أفُردت لها سلسلة المفاهيم برمّتها؛ نقرأ للعروي في هذا المعرض قوله: "إنّنا لا نبحث في مفاهيم مجرّدة لا يحدّها زمان ولا مكان، بل نبحث في مفاهيم تستعملها جماعة قوميّة معاصرة هي الجماعة العربيّة. إنّنا نحلّل تلك المفاهيم ونناقشها لا لنتوصّل إلى صفاء الذّهن ودقّة التّعبير وحسب، بل لأنّنا نعتقد أنّ نجاعة العمل العربي مشروط بتلك الدّقة وذلك الصّفاء"[1].

كما نقرأ له في مقام آخر قوله: "إنّ وضوح المفاهيم المستعملة لا يوصل بالضّرورة إلى إدراك الواقع، لكن على الأقلّ تخلّص الباحث من التّساؤلات الزّائفة. وما أكثر التّساؤلات الزّائفة في ميدان نقد الذّهنيات"[2]. فتدقيق النّظر في مفاهيم الحداثة ليس غاية في حدّ ذاته، بل إنّ المطلوب من الفكر العربي الذّهاب في عملية التّدقيق تلك إلى أبعد حدودها، حتّى تغدو آلية إفادة ومكمن استفادةٍ بالنسبة إلى العمل العربي اليوم. ومتى تذكّرنا أهمية ترشيد العمل السّياسي عند العروي بما اقتضاه ذلك من احتفال بدور المثقف العربي وتوصيف لبعض ملامح أزمته فهمنا حساسيّة الدّور الذي أناطه هذا المفكّر بسلسلة المفاهيم؛ إذ عليها عوّل لترسيخ مبادئ الحداثة وترشيد تلقّي مفهومها في أوساط الوعي العربي المعاصر، ومن فصولها ساق أكثر من دليل برهن به على صحّة دعوته إلى القطع مع التّراث والخروج من انغلاقه ومحدوديّته النّظرية. لذلك، سيكون من باب مجانبة الصّواب القول، مع بعض الباحثين، إنّ كتب المفاهيم لم تكن بذلك القدر من الانسجام الذي يجعلها تندرج، منذ بداية تأليفها، ضمن المشروع النّقدي للعروي، أو اختزال الجهد النّظري الذي تضمّنته في بعدها البيداغوجي؛ فهي جزء لا ينفصل عن المشروع النّقدي الذي أرسى عبد الله العروي دعائمه الكبرى، تعبّر عن هواجسه وأسئلته، وتنهل من رؤيته في تصدّيها للقضايا التي تفكّر فيها[3].

وسؤال ماهية الحداثة قد يثير "استغرابا شيئا ما لدى بعض دارسي فكر وأعمال عبد الله العروي، ربّما قد يُنظر إليه على أنّه سؤال فلسفي ماهوي، أكثر منه سؤال استقصائي تاريخي للحداثة (الواقعة التّاريخية)؛ فمبعث هذه الصّياغة الاستفهامية هو الإشارة فقط إلى أنّ عبد الله العروي لم يسبق له أن صاغ سؤالا بهذا الشّكل الماهوي للحداثة إلا في مؤلّفه "النّزعة الإسلامية والحداثة والليبرالية" مع نهاية القرن العشرين (1997). لقد وردت لديه أولى محاولة تعريف للحداثة في نصوصه المتأخّرة (هل يحقّ لنا أن نجازف في التّمييز بين العروي الشابّ والعروي الكهل؟)"[4]، يقول: "بداية ما الحداثة؟ لقد قمنا بإعطاء تعريفات عدّة لها: تعريف تاريخي، تعريف اقتصادي، تعريف سوسيولوجي، تعريف فنّي... إلخ. فما هو أساسي، بالنسبة إلى معناي، هو ما أسمّيه بمعنى اللحظة التي أنا بصدد الإشارة إليها. فالسّؤال الأساس هو: من أيّ مظهر نبدأ ومن أيّ مظهر ننتهي؟ في الغرب يكون المفهوم باديا عند المؤرّخين كما عند المؤرخ جيل ميشولي وعند المؤرخ جاكوب بوكارت ثم عند الاقتصاديين ثم لدى رجال الأدب"[5].

إنّ مفهوم الحداثة عند العروي يعدّ محورا أساسيّا لجميع الأسئلة التي طرحها؛ حيث استوعب كلّ سلسلة كتب المفاهيم التي ألّفها، وذلك باعتراف العروي نفسه؛ يقول: "إنّ منطق الحداثة هو الذي دفع بي إلى الشّروع في كتابة سلسلة المفاهيم"[6]، وهذا ما يعني أنّ سؤال الحداثة قد شغل فكره ومثّل مركز جلّ اهتماماته، وهو الأمر الذي يجعل إمكانية الإلمام بتصوّره للحداثة في غاية الصّعوبة، وقبل ذلك يجب أن نشير إلى أنّ للحداثة لحظتين في كتابات العروي كما ذكر مليم لعروسي؛ الأولى "عندما عرّفها وشخّصها من خلال محاولات التّحديث السّالفة أو الحالية. والثّانية عندما يقترح طريقة التّحديث وينتقد معوّقاتها أو يتّجه بالنّقد إلى الممارسات التي يعتبرها بالية في المجتمع"[7]، ففي اللّحظة الأولى، وهي الأساس في فهم الحداثة عند العروي نجده يصف الحداثة من جهة كواقع تاريخي، ومن جهة أخرى كمبادئ تتشكّل فيما بينها لتنتج مفهوم الحداثة. أمّا من حيث هي واقع تاريخي، فيلخّصها العروي في النّقاط التّالية: "ثورة اقتصاديّة، إحياء التّراث القديم في الفلسفة والقانون، ثورة علميّة مبنيّة على الملاحظة والتّجربة، إصلاح ديني موجّه ضدّ الكنيسة واحتكارها التّأويل للمقدّس، ثورة فكرية تعتمد أساسا على العقل، ثورة سياسية موجّهة ضدّ الفيودالية والكنيسة"[8].

أمّا من حيث هي مبادئ، فيرى العروي أنّ مفهوم الحداثة استنبط من التّطور الذي وقع في أوروبا، و"هو يدور حول المفاهيم التّالية: سلطة الفرد، حرّيته، حقّه، تدبيره لشؤونه، وهيمنته على الطبيعة. ومكوّنات المفهوم بعد أن وقعت الحداثة هي: الفرديّة، العقلانيّة، الحرّية، الدّيمقراطية، العلميّة أو العلمانيّة بمعنى العلم الحديث"[9].

إنّ المفهوم الذي صاحب العروي تاريخا وفكرا وسياسة وإبداعا و"صادقه صداقة العقل والوجدان هو مفهوم الحداثة. بل يمكن القول إنّ مجمل كتابته التّاريخيّة والفكريّة والإبداعيّة والسّياسية والمنهجيّة كانت تحوم، ولعقود عدّة (مند مؤلّفه التّدشيني-المرجعي "الإيديولوجيا العربيّة المعاصرة") حول الإجابة عن إشكالية الحداثة ومآزقها وعوائقها ودور الوعي التّاريخي في تجاوز التّأخر التّاريخي في الوطن العربي. صحيح أنّ ذكر اسم الحداثة كمفهوم غير وارد أصلا في كتاباته الأولى "الإيديولوجيا العربيّة المعاصرة" (ماسبيرو 1967) و"العرب والفكر التّاريخي" (دار الحقيقة 1973)؛ إلا أنّ مضمون مفهوم الحداثة ومقوّماته كانت ثاوية ومتضمّنة في جملة مصطلحات ومفاهيم من قبيل: التّحديث، الإصلاح، الوعي التّاريخي، التّأخر التّاريخي، الحرّية، الدّيمقراطية، الدّولة الحديثة، العقلانيّة، الفردانيّة، الليبراليّة، الفكر الحديث، التّقدم، الطبيعة، التّاريخ، التّاريخانية، الزّمن، التّغيير، السّياسة، الفنّ، العلم، الحتميّة، المثقّف، الصّيرورة، الثّقافة، الاقتصاد، الدّيموغرافيا، النّسبية، المدرسة، المصنع، البرلمان، الحاضر، المستقبل، الثورة..."[10].

وهكذا بإمكاننا أن نرسم قائمة مديدة من هذه المفاهيم ذات المضامين الحداثية، بل تعتبر بعضها من مقوّماتها الجوهريّة؛ لكن نكتفي بتصريح لعبد الله العروي وإن جاء متأخّرا وبالتّحديد في متمّ نهاية القرن العشرين، جاء فيه: "إنّ ما كتبت إلى الآن يمثل فصولا من مؤلّف واحد حول مفهوم الحداثة"[11]. بيد أنّ السؤال المطروح هو: ما الدّاعي إلى اختيار العروي لمفهوم التّحديث عوض مفهوم الحداثة في كتاباته الأولى؛ أي قبل استصداره لسلسلة المفاهيم؟ هل نكتفي بتوصيف الحداثة عبر مظاهرها المتنوّعة بدعوى أنّه صيرورة تاريخية لا متناهية يصعب حصرها أو اختزالها في تعريف ضيّق ومغلق؟ وهل التّحديث هو بمثابة خطاب حول الوقائع التّاريخية، بينما الحداثة هي خطاب حول خطاب التّحديث؟ وهل بالإمكان وضع نظرية للتّحديث منفصلة عن نظرية الحداثة؟ إذا كان الأمر كذلك، فما هي السّمات والخصائص التي تميزهما؟

أمّا دواعي اختياره لمفهوم التّحديث عوض مفهوم الحداثة في كتاباته الأولى فيمكن صياغتها على النّحو التّالي[12]:

- إنّ التّفكير الجدّي والمستنير لمفهوم الحداثة لا يمكن أن يتمّ خارج مسار التّحديث وعوائقه.

- تجنّب استعمال الحداثة كمفهوم بسبب وجود التباس معرفي كان مصدره ماكس فيبر حين صاغ لها تصوّرا، هو خليط من فسيفساء مفاهيم متنافرة، مستمدّة من مرجعيات متنوّعة: تاريخيّة، اقتصاديّة، إداريّة، سوسيولوجية، أدبيّة.. إلخ.

- صعوبة صياغة تعريف عامّ لمفهوم الحداثة أو قبض معناه، لارتباط مضمون الحداثة بصيرورة التّغير الاجتماعي والتّجربة التّاريخية، ممّا يفقده وحدته الظاهرة للمفهوم.

- استعمال مفهوم التّحديث يثير مشكلات أقلّ ممّا يثيره مفهوم الحداثة، كما أنّ هذا الأخير يطرح معضلات أقلّ ممّا يطرحه مفهوم التّنمية.

- وجود ترابط عضوي بين الدّولة الحديثة ومشروع التّحديث، لكونها مجسّدة لإرادة عامّة، وهي الوحيدة القادرة على احتكار عملية التّحديث، بل وأن تكون الواسطة الوحيدة بين الأفراد والجماعات في كلّ مناحي الحياة (أي مشروع تحديثي لا تتبنّاه الدّولة يبقى مشروعا معزولا بالرغم من قيمته التّاريخية وقدرته على الاستجابة لإشكاليّة زمنه).

- استحالة صياغة تعريف عام وثابت وبصيغة المفرد للحداثة، من حيث هي غير قابلة للقبض على مضمونها؛ لسبب بسيط هو أنّ منطقها موسوم بسمات الصّيرورة والجدلية وعدم الاكتمال وكونها عابرة ومنفلتة وعرضية بتعبير الشّاعر بودلير.

وسعيا من العروي إلى التّفكير الجدّي في مفهوم الحداثة، وحتّى لا يؤدّي إلى "خلط ما قد يستغله أعداء الحداثة وخصومها؛ لا بد من إضاءة ما قبل نشوء الحداثة وما بعدها؛ أي لا بدّ من استحضار المسافة والقياس في إصدار أيّ حكم من الأحكام على حدث تاريخي أو تجربة تاريخية محدّدة في زمان ومكان معيّنين. فقد حصلت هذه الحداثة في بقعة معينة في وقت معين، حيث لم تظهر دفعة واحدة، وإنّما وفق مراحل تشكّلت "كثورة مستمرّة"، بل حدّدت "معنى التّاريخ الحديث وفصلته عن "التّاريخ السّابق" وبهذا المعنى، يصير التّاريخ الحديث عبارة عن صراع متواصل بين الفئات، بين الأنظمة، بين الأفكار. فالحاضر، حاضر التّاريخ الحديث إذن، هو ذاك القياس الزّمني الذي سيفصل ويميّز بين ما قبل وما بعد، بين الماضي والمستقبل، بين العابر والخالد، بين المنجز وغير المنجز، بين المتناهي واللامتناهي، بين الواقع والطوبوي، بين التّقليد والتّحديث، بين القدامة (اللاحداثة) والحداثة"[13].

فالحداثة، بهذا المعنى، تصير "تاريخية لا تاريخا، سلسلة وقائع لا تحقيبا لأفكار، لحظة حاضرة عابرة لا حقبة ماضيّة أبديّة، صيرورة لا سكون، تقدّم لا انحطاط، إنسية لا إلهية، وعي لا طوبى، فكر لا ذاكرة، يقظة لا حنين، صدمة لا رجع صدى، عقل لا وجدان، حياة لا موت، انفصال لا اتّصال، زمانيّة لا موميائية (باصطلاح العروي)، متغيّرة لا ثابتة، تعاقبيّة لا تزامنية، اختلاف لا تطابق، علما لا رأيا، واقعا لا قيمة، نسبيّة لا مطلقة، فعلا لا اسما، متّسمة بالجزئي والتّشظي لا بالكلّي والتّام، منشغلة باللامنجز لا بالمنجز"[14].

وتأصيلا للحداثة ورسم آفاقها ومعالمها عمل عبد الله العروي أوّلا، على نقد الأطروحات الحداثية المتداولة في الخطاب الفلسفي العربي المعاصر، ونقد مسلّمات هذه الأطروحات الإيديولوجية وتراثها الفكري منذ النّهضة، مسلّطا الضّوء على طوباوية بعض هذه الأطروحات وماضوية رؤيتها لمشكلات واقعنا التّاريخي، وانتقائية بعضها الآخر واستلاب نظرتها لهذا الواقع التّاريخي ومشكلاته، مشيرا إلى افتقار هذه الأطروحات جميعها لمقوّمات الفكر التّاريخي القادر على خلق وعي حداثي شامل بتأخّرنا التّاريخي الشّامل، وعلى هذا الأساس باشر العروي في نصّه "الإيديولوجيا العربيّة المعاصرة" مساره في النّقد الإيديولوجي، وذلك من خلال مناقشة السّؤال الذي طرح منذ بداية عصر النّهضة ومثّل إشكالية لجميع التّيارات الفكريّة التي سادت السّاحة الفكريّة، والمتمثل في قوله: "منذ ما يقارب من ثمانية عقود والعرب لا يكفّون يتساءلون من نحن ومن الأخر؟"[15]، وكانت الغاية من هذا السؤال هو محاولة إدراك الهويّة العربيّة ومعها إدراك الهويّة الغربيّة، وكذا الإجابة عن السّؤال الجوهري والمتعلّق: "بماذا يتحدّد الغرب إيجابا وبالتّالي بماذا يتحدّد المجتمع العربي سلبا"[16]، أو ما هو العنصر الإيجابي عند الغرب والعنصر السّلبي عند المجتمع العربي؟"[17].

والإجابة عن هذا السّؤال كما يعتقد مجموعة من المفكّرين كامنة في المعتقد الدّيني عند الشّيخ، وفي التّنظيم السّياسي عند الزّعيم الليبرالي، وفي التّقنية؛ أي فهم الطبيعة والتّمكن من العلم والتّقنية عند داعية التّقنية، "فالشّيخ رائد الإصلاح رأى أنّ واقع المسلمين مخالف لجوهر دينهم، فربط التّغيير الاجتماعي بتغيير الفهم للدّين، وأنّ الأمر الإيجابي عند الغرب يكمن في تمكّنهم من الإجابة التي طرحها رجل الكنيسة رغم معرفته بأنّ تلك الأسئلة قد تجاوزها الغرب منذ عصر النّهضة، لهذا فإنّ العامل الذي يفسّر تفوق الغرب نجده عند رجال الدّين في القرن 17و18. كما أنّ الزّعيم الليبرالي يبحث عن الأمر الإيجابي للغرب، فيجده عند رجال عاشوا في نهاية القرن الماضي، وبما أنّ غايته تكوين الدّولة الحديثة فإنّنا نراه يستلهمها من مؤلّفات من يعاصرونه من مفكّري الغرب، بينما داعية التّقنية فإنّه يؤكّد على أنّ تغيير واقع المجتمع العربي مرهون بتغيّر الفهم للطبيعة والتّمكن من العلم والتّقنية، ومن هذا نستنتج وجود تباين في إجابات كلّ من الشّيخ ورجل السّياسة وداعية التّقنية؛ فالأوّل يحصر الحلّ في الدّين، والثّاني في النّظام الدّستوري، والثّالث في العلم، غير أنّ هذه الإجابات المتباينة تنهل من مصدر واحد هو الغرب"[18].

وللخروج من هذا المأزق وهذه الإجابات المتباينة والمتعارضة أحيانا، يرى عبد الله العروي أنّ انخراطنا في مشروع الحداثة لن يكون إلا "بخضوع المثقّف العربي لمقوّمات الفكر التّاريخي ومنطقه وتبنّيه رؤية تاريخانيّة مؤطرة له، فكر تاريخي يتيح له إمكانيّة تحرّره من أوهام النّزعة السّلفية وسلبيات الفكر الانتقائي اللاتاريخاني، ورؤية تاريخانيّة توفّر له أدوات التّقييم والنّقد الذّاتيين في ضوء التّجربة التّاريخية والحضارة الإنسانيّة النّاجزة، إذن التّخلف الذي يعيشه العرب لا يكمن في طبيعة الأنظمة، ولا في الممارسات السّياسية، ولا في غياب الدّيمقراطية ومؤسّسات المجتمع المدني، بل يكمن فقط في ضعف النّخب التي لم تستطع أن تنتج أيديولوجيات تحارب بها الثقافة السّلفية المتخلّفة، وطالما أنّ المسألة هي مسألة ثقافية بالدّرجة الأولى فهذه مهمّة النّخبة، لكن كلّ ما استطاعت أن تفعله هذه النّخبة هو إنتاج إيديولوجيا متخلّفة ضيّقة الأفق وضعيفة، مفتقرة للبعد التّاريخي والتّاريخانيّة"[19].

فالعروي إذن ومن خلال قوله السّابق، يؤكّد على ضرورة تبنّي التّاريخانيّة كمنهج وإيديولوجيا للقطع مع التّراث والانخراط في مشروع الحداثة الضّخم، فهي في نظره "نظام ومدرسة لتحديث العقول والذّهنيات"[20]، أي "تحرّرها من رواسب الماضي وقيود الفكر التّقليدي الذي هو سبب النّقص الإيديولوجي الذي نعيشه، والسّامح لإيديولوجيات من المفترض أن تكون متجاوزة أن تعزّز وجودها في التّاريخ العربي المعاصر وتكسب استمرارية التّأثير فيه، فالأمّة العربية محتاجة في ظروفها الحالية إلى التّاريخانية بالذات لتكون نخبة قادرة على تحديثها ثقافيا، سياسيا، واقتصاديا وتحرّرها من منطق الفكر السّلفي والانتقائي، فالسّلفية والانتقائيّة هما الميزتان لذهنيتنا الحاضرة، تسبحان في الحاضر الدّائم، وهذا هو سبب عدم انتفاع المجتمع العربي بمثقفيه منذ عقود على خلاف بعض المجتمعات الأخرى، والتي استطاعت نخبه المثقّفة أن تبدأ على أساس فهم تاريخاني، وتمكّنت بذلك من خلق نخبة مثقّفة ثورية متحرّرة من أوهام الماضي، ثم كوّنت تقليدا ثوريا قوميا تتلمذت عليه جماعات إثر جماعات، تفرّقت بعد ذلك في مختلف دروب الحياة وعملت في ميادين متعدّدة تعليميّة، أدبيّة، فنّية، صحفيّة، سياسيّة، ثقافيّة، صناعيّة...إلخ على نشر أشكال الذّهنية العقلانيّة، ونجحت أخيرا في دفع مجتمعها عن طريق ثورة ثقافية إلى أبواب العصر الحديث. أمّا نحن المثقفين العرب، فمازلنا نبحث ونتردّد"[21].

إنّ الحديث عن الحداثة في فكر عبد الله العروي يطول، لكن يمكننا أن نخلص في دراستنا لهذه الشّخصية العبقرية إلى أنّ المشروع الفكري الذي أنتجه، والذي قدّمه من خلال مؤلّفات عديدة ومتنوّعة، يمثّل لحظة متميّزة في السّياق العربي المعاصر، حيث عبّر في كتاباته المتنوّعة عن إلمام واسع بالتّراث الإسلامي من جهة، وعن استيعاب للأسس التي قامت عليها الحداثة الغربية والفلسفات المعاصرة من جهة أخرى، ما جعله يسعى إلى توجيه العقل العربي نحو استيعاب أسس الحداثة الغربية والشّروط التّاريخية التي أنتجتها، ومن ثمّ توجيه الفعل باتّجاه تحقيق تلك الشّروط التّاريخية وسلك الأسباب المؤدّية إلى استنبات حداثة عربية.


[1]- عبد الله العروي، مفهوم الحرية، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، الطبعة الرابعة، 2008، ص 5

[2]- عبد الله العروي، مفهوم الإيديولوجيا، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، الطبعة السابعة، 2008، ص 129

[3]- نبيل فازيو، عبد الله العروي ومفاهيم الحداثة الغربية، مجلة المستقبل العربي، العدد 439، أيلول/ سبتمبر 2015، ص 28

[4]- انظر: حسن بيقي، مفهوم الحداثة في فكر عبد الله العروي، مجلة الأزمنة الحديثة، العدد 8، يونيو 2014، ص 75

[5]- عبد الله العروي، النّزعة الإسلامية والحداثة الليبرالية، مجلة بيت الحكمة، العدد الأول، أبريل، 1986، ص 23

[6]- عبد الله العروي، مفهوم العقل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 1997، ص 15

[7]- عبد المجيد القدوري، عبد الله العروي: الحداثة وأسئلة التّاريخ، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، ص 118

[8]- محمّد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، الحداثة وانتقاداتها: نقد الحداثة من منظور إسلامي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2006، ص 92

[9]- نفسه، ص 92

[10]- انظر: حسن بيقي، مفهوم الحداثة في فكر عبد الله العروي، ص 76

[11]- عبد الله العروي، مفهوم العقل، ص 14

[12]- محمّد بنعمارة، العروي من الحداثة إلى التّحديث، دار الأفنان للنشر، طرابلس، الطبعة الثالثة، 1998، ص 12

[13]- عبد الله العروي، عوائق التّحديث، ملحق فكر وإبداع بجريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية، عدد: 03/02/2006، ص ص 14-15

[14]- حسن بيقي، مفهوم الحداثة في فكر عبد الله العروي، ص 75

[15]- عبد الله العروي، الايدولوجيا العربيّة المعاصرة: صياغة جديدة، المركز الثقافي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية، 1995، ص 35

[16]- إبراهيم فتحي، زيارة جديدة للإيديولوجيا العربيّة المعاصرة، ضمن: محاورة فكر عبد الله العروي، إعداد: بسام الكردي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2000، ص 72

[17]- عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربيّة المعاصرة، ص 53

[18]- محمّد نور الدين جباب، إشكالية الهويّة والمغايرة في الفكر العربي المعاصر، أطروحة دكتوراه في الفلسفة، جامعة الجيلالي بونعامة، خميس مليانة، الجزائر، 2005، ص 123

[19]- عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الرابعة، 1998، ص 49

[20]- نفسه، ص 76

[21]- محمّد خيضر، خطابات الحداثة في الفكر الفلسفي العربي المعاصر وإشكالية الخصوصية والعالمية، رسالة مقدّمة لنيل شهادة الماجستير، جامعة ورقلة، الجزائر، 2005، ص 100