الإسلام والدولة والعولمة

فئة :  مقالات

الإسلام والدولة والعولمة

على الرغم من الجدل المستمرّ منذ ستينيات القرن العشرين حول وجود العولمة من عدمه بمستندات تعدّها استمرارا لظاهرة قديمة في التاريخ (بول كيركبرايد)، أو تعترض على كونيّتها باستثناءات كثيرة تجدها في نجاح سياسة الانغلاق التي تسلكها بعض المجتمعات المتطوّرة، أو عبر عمليات مقارنة بين نسب التبادل التجاري قديماً وحديثا (بول هيرست، وغراهام تومسون)، أو بتحليلات تراها تحقّقا لصيرورة الهيمنة الليبراليّة الرأسماليّة[1]، فإنّ العولمة المميّزة للقرنين العشرين والحادي والعشرين، باتت من الوقائع التي لا يمكن التشكيك فيها؛ ففضلا عن البروز الواضح للاعتماد الاقتصادي المتبادل، ثمّة حركة عالميّة كبيرة للأموال والمعرفة، تتخطّى حدود الدول الوطنيّة، وتداخل مشهود بين الأبعاد الاقتصاديّة والاجتماعيّة الثقافيّة والسياسيّة.

وفي ظلّ هذا الوضع الجديد الذي يصادف تأجّجاً للأسئلة القديمة التي ما انفكّ العالم العربيّ الإسلاميّ يطرحها منذ لحظة النهضة، ولا سيما سؤال التجديدين الديني والسياسي المتداخلين عنده، هل ما زال ممكناً التفكير في الأجوبة بنفس المنطق والآليات؟

ثمّة معطيات كثيرة تغيّرت في الفترة الفاصلة بين خير الدين التونسي (1820-1889م) وأحمد بن أبي الضياف (1804-1874م) ومحمّد الطاهر بن عاشور (1879-1973م)، وراشد الغنّوشي (و1941م)، حتّى يكرّر الأخير حرص سلفيه الأوّلين على الملاءمة بين مقولات الدولة الأوروبيّة التي عاينوا تقدّمها، ومكوّنات النظريّة الإسلاميّة في السلطة، وثمّة انقلابات كبرى حدثت حتّى يعاود على نحو محرّف رغبة سلفه الثالث ابن عاشور العثور على مداخل شرعيّة لقيم تلك الدولة، وتحديداً قيمة الحريّة، عبر تأصيل مفهومها في الفكر العربيّ المعاصر من منظور مقاصديّ، قد يبدو ذلك متخلّفاً إذا ما طبّقنا مفاهيم محمّد أركون حول شروط تاريخيّة الفهم -المفكّر فيه، واللاّمفكّر فيه- مقارنة بهم جميعاً، بل وبمنظّر النظريّة المقاصديّة أبي إسحاق الشاطبي (720-790هـ).[2]

في هذا الوضع المتكرّر الذي لا ينتهي، ما عاد ممكناً طرح السؤال المستعصي على الحلّ، سؤال الدين والدولة، دون أن نأخذ في اعتبارنا ظاهرة العولمة التي صارت تمسّ الدين والدولة معا.

ففي المستوى الأوّل يجوز الحديث عن عولمة دينيّة، تفتح الفضاءات الدينيّة المغلقة على بعضها البعض، وتعرّض الأديان التاريخيّة الكبرى إلى ضغوط طلبات جديدة تأتيها من نواح عديدة، بعضها من شروط التوافقات الكونيّة الضروريّة للاعتماد المتبادل، وبعضها لحفظ التوازنات التي تستوجبها الحركة الكبرى للأموال والمجموعات الاجتماعيّة، بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، والنفط والتكنولوجيا، وبعضها الآخر يجري في سياق استعادة المعنى والسحر المنزوعين عن العالم، وهي العمليّة التي رافقت في الغرب مراجعات ما بعد الحداثة لمصادرات الحداثة، والتي تصادف في تاريخ الشعوب العربيّة الإسلاميّة الثائرة لحظة تشكيكها المتكرّرة في المصادرات نفسها. وقطعاً مع نظريّة الحتميّة العلمانيّة، بيّن علماء الاجتماع الدينيّ خاصة، أنّ الدين يبقى في المجتمعات التي تعيش في السياق الغربيّ في شكّ بنيويّ تجاه حقائق العلم، أهمّ عوامل الحركيّة الاجتماعيّة، والحيويّة الديمقراطيّة، بل هو حسب بعضهم (غيورغ سيمال) يمثّل الوحدة الأخلاقيّة للجمهوريّة اللائكيّة بعد أن تعلمنت اللائكيّة نفسها، بفقد الدولة لمراجعها المقدّسة التي مثّلتها قيم الوطن والأمّة والجمهوريّة وغيرها. وهذا يتقوّى خاصّة في فترة تضاؤل الثقة في السياسي وعجزه عن تقديم أفق فكريّ مقبول، كما تحياه راهناً الشعوب العربيّة والإسلاميّة، الثائرة منها خصوصاً، كما تعيشه الأمم الغربيّة نفسها.

هذا الوضع العولمي الجديد- وقد صار من قنوات حركة الأديان الكبرى خارج مجالاتها الجغرافيّة الأصليّة، فرض عليها تحوّلات، وأنتج تركيبات دينيّة جديدة، من الديانات "دون آلهة"، أو الديانات "حسب الطلب" أو ديانات الضمير الفرديّ، إلى ديانات إيديولوجيّات سياسيّة أو اقتصاديّة أو قيميّة، تتبنّى مشاريع تنأى بوضوح عن بديهيّات المنظومات الدينيّة الأصليّة، يبدو مثالها في العالم العربيّ الإسلاميّ في المذهبيّات الدينيّة السياسيّة الفائضة عن السياق العربيّ الثوري، والمتصارعة عليه، كما هي حال التنظيمات الدينيّة العسكريّة المشاركة في الثورة على الحكم السوري الرسميّ.

في ظلّ الاختراق الديني الكوني الذي تنفتح فيه هذه التصوّرات المتعدّدة للتجربة الدينيّة، بما فيها التجربة الإسلاميّة، على بعضها البعض، ويتأكّد بطلان مزاعم الحتميّة العلمانيّة[3]، ويدفع السياسي نحو الاستقالة ليترك المكان لهيمنة العاملين الاقتصاديّ والدينيّ، هل ما زال ممكناً في عمليّة التجديد الدينيّ رفع الشعارات نفسها باسم ما يسمّيه الجابري "الهويّانيّة" والخوف على الخصوصيّة، والتقليد السنيّ المجمّع، والضامن للاستمراريّة التاريخيّة؟

هل ما زال ممكناً أن يحتفظ فكر التجديد الدينيّ بنزوعه السجالي القديم الذي ميّز عمليّة تكوّن أبرز العلوم الإسلاميّة، كما بيّن ذلك في شأن علم الكلام حسن حنفي، ومحمّد بو هلال، والحبيب عيّاد[4]. أليس الأجدر تجاوز التمسّك بمنطق امتلاك حقيقة الشأن الدينيّ والبحث من هذا المنظور في الحقيقة الميتافزيقيّة للدين إلى البحث عن نوع التديّن الأكثر صلاحيّة، وسط هذا الزخم الخلاقيّ (axiologique)، لتحقيق الاندراج في الكونيّة إيجابيّا؟

إنّ هذا السؤال يزداد إلحاحاً بالنظر إلى ارتباطه بالمستوى الثاني المؤثّر بعمق على مطالب وضعنا العربي الإسلاميّ الراهن، نقصد المطلب السياسي؛ ففي هذا المستوى الثاني تبرز مظاهر العولمة السياسيّة ونتائجها على العالم العربيّ الإسلامي، في تزايد التشكيك في نموذج الدولة الوطنيّة، دولة الأمّة الليبراليّة البرجوازيّة التي فقدت أغلب عناصر سيادتها على مجالها الحيوي هناك، بفعل الضربات المتتالية لاقتصاد السوق والتغيّرات الجيو- سياسيّة، وحركة المجموعات الاجتماعيّة، الموجّهة لحدودها الاقتصادية والسياسيّة، ولقيمها اللاحمة لوحدتها وأوّلها مفهوم الأمّة. يحدث ذلك هناك ويتراكب مع نقد جوهريّ للدولة، ويؤدّي إلى طرح بدائل كثيرة عنها، يعبّر عنها بالدولة متعدّدة الثقافات أو القوميّات، أو الإثنيّات(هابرماس، كيمليكا، تايلور)، ويجد هنا، تجاوبا مع نقد قديم متجدّد لدولة الحداثة الغربيّة العلمانيّة "الملحدة"، فيضيف إلى الأحكام التقييميّة القادحة في تجربة أدائها منذ الاستقلال مستندات جديدة تطال شرعيّتها وصلاحيّتها النظريّة. لكنّه إذا كان يستبدل هناك، الانتماء العرقي والجغرافي واللغوي بالانتماء العقلانيّ لمبادئ دستوريّة تؤسّس تضامناً كونيّاً بين مواطني الدولة، مهما تعدّدت ولاءاتهم، كمبادئ العدالة، وحقوق الإنسان والديمقراطيّة - فيما يسمّيه هابرماس على إثر دولف شتارنبرغ (ت1907م) الوطنيّة الدستوريّة، في مقاربته الكونيّة للمشاركة السياسيّة التي تفصلها عن مرجعيّاتها اللغويّة والعرقيّة والثقافيّة- فإنّه يتمسّك هنا، بالمقاربة القوميّة للسياسي التي تستبقي الأمّة المعرّفة بالتاريخ والثقافة واللغة والدين، أساسا للمشاركة السياسيّة، يبرز هذا خاصّة مع الإسلاميين، في ظلّ مزجهم العجيب بين الحلم الكونيّ، وتعاطيهم الظرفي مع الدولة الوطنيّة، وتكلّمهم الظرفي أيضا بمقولاتها، كمقولة الدستور، سواء من رفضوها صراحة، أو من أضمروا هذا الرفض، ووقوعهم في حبائلها جميعا. وبدل أن يحرّر هؤلاء الدولة من انغلاقها القطري والطائفي، ويوسّعوا من قدرتها على احتضان التباين القيمي والدينيّ لمواطنيها، يكرّسون تعريفها القوميّ الضيّق، وهم يفكّرون في تحويلها إلى أداة ضبط بمضمون اختزاليّ جديد لا يبتعد في الواقع عن اختزاليّتها الليبراليّة الرأسماليّة الأوّليّة.

في ظلّ تهاوي الثقة في الدولة الوطنيّة التي أجهزت على قنوات الانتماء الاجتماعي والسياسي القديمة المتمثّلة في مؤسّسات المجتمع الأهليّ، ثمّ صارت بدورها عرضة لمحاولات الإفراغ من الداخل، من يمكن له أن ينجز هذا التجديد، ويوفّر له الوسائل الماديّة والمؤسّساتيّة اللازمة، حتى لا يبقى مجرّد مبادرات فرديّة، لمفكّرين، وجزر فكريّة منقطعة عن بعضها البعض؟

وفي سياق تزايد مظاهر تقسيم سيادة الدولة الوطنيّة، ومحاولات تفتيتها، ألا توشك الشعوب العربيّة الإسلاميّة أن تعود إلى واقع ما قبل مركزة السلطة، ومأسستها، بإحياء الولاءات القديمة للأسرة، والقبيلة، والمذهب، أو الطريقة، أو المجموعة الحرفيّة..، بكلّ ما يحمله ذلك من مخاطر تفكيك المجتمع ومشروعه الموحّد؟ ألا يؤدّي ذلك إلى تعطيل مشروع بناء دولتي ما زل إلى الآن متعثّر البناء؟

وفي ظلّ المدّ العالمي لمنظومة التعدّد المنطلقة من أمريكا نحو أوروبا، بجميع مستوياتها الثقافيّة والاقتصاديّة وخاصة السياسيّة، هذه المنظومة التي صارت تمثّل أحد الخيارات المتاحة للتفكير وربّما للتطبيق في العالم العربيّ الإسلاميّ ألا يمكن للواقع التعدّديّ أن يتحوّل إلى غطاء للتطرّف الدينيّ، وحاضن له، كما يحدث ذلك الآن في بعض الدول الغربيّة، والعربيّة الإسلاميّة؟

كيف يمكن للمسلم المعاصر أن يعيش دينه وسياسته، هل مازال توحيد المتديّنين من قبل الدولة مقبولا في سياق عولميّ يؤسّس قيما كونيّة بعيدة عن تصوّرات الخير والشرّ؟ هل مازالت المذهبيّة قادرة على أن تمثّل وعاء هوويّا دينيّا؟ هل ما زال ممكنا توحيد المواطنين بالديانة الرسميّة والمذهب الرسميّ؟

من هنا تبدو العولمة بطموحها الكونيّ الإنساني إلى تعريف السياسيّ، وتوسيع الدينيّ، من شروط التاريخ الجديدة التي تعيّن تغيير طبيعة الأسئلة والإجابات معاً.


[1]- عبد العزيز ركح، ما بعد الدولة- الأمّة عند يورغن هابرماس، ط1، 2011، الفصل الثاني: الدولة-الأمّة في ظلّ العولمة، ص ص77-130

[2]- للمقارنة بين خير الدين التونسي، وابن أبي الضياف، وابن عاشور، من جهة، والغنّوشي من جهة ثانية، يمكن العودة إلى كتب الأوّلين حسب التتالي المذكور لأسمائهم: أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، وإتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، وأصول النظام الاجتماعي في الإسلام، وكتاب الأخير: الحريّات العامّة في الدولة الإسلاميّة.

[3]- لتبيّن التنسيب الذي يطال تحقّق العلمانيّة في السياق الغربي، يمكن العودة إلى الأعداد: من العدد 97 إلى العدد 115 من المجلّة الفصليّة الفرنسيّة الصادرة عن المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي:archives des sciences sociales des religions

[4]- يراجع كتاب الأوّل: من العقيدة إلى الثورة، 1 المقدّمات النظريّة، ط1، 1988، وكتاب الثاني: جدل الدين والسياسة والمعرفة، ط1، 2010 وكتاب الثالث: الكلام في التوحيد..، ط1، 2009