الجدل والتأثير المتبادل بين الأديان هل يعني لنا ـ المؤمنين ـ شيئا؟

فئة :  مقالات

الجدل والتأثير المتبادل بين الأديان هل يعني لنا ـ المؤمنين ـ شيئا؟

تنتمي الديانات التوحيدية/ السماوية/ الإبراهيمية (اليهودية، والمسيحية، والصابئة المندائية، والإسلام) جميعها إلى سلسلة واحدة من الأنبياء، إبراهيم وأبناؤه، وقد جرت العادة على تسميتها الديانات السماوية أو التوحيدية، رغم أنها تسمية لا تقتصر عليها بالضرورة، وتبدو العلاقة بينها وكأنها دين واحد بعدة مذاهب؛ فالمسلمون مكلفون بالإيمان بالكتب والأنبياء السابقين، ويحظى الأنبياء جميعهم بمكانة كبرى لدى المسلمين لا تقل عن مكانتهم لدى أتباعهم، والأمر كذلك بالنسبة للمسيحيين.

وقد أثرت الأديان في بعضها بعضاً بعمق وقوة، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في التصوف والرهبنة، وتأثير الفلسفة اليونانية على الفكر الديني بعامة، والتأثير الإسلامي في التلمود والشرائع اليهودية، ..وهناك الكثير من الروايات والأفكار والأحكام الدينية المعتبرة أنها إسلامية، ولكن أصولها يهودية أو مسيحية، مثل رجم الزاني، وقصص الأنبياء والأولياء، وعودة المسيح عليه السلام، والمهدي المنتظر ..

إن تأثير الأديان والمعتقدات على بعضها بعضاً وامتداداتها، تبدو واضحة في جميع الأديان، فهي بطبيعتها متممة بعضها من بعض، والأديان والمعتقدات المخالفة للأديان السماوية نشأت على الأغلب أو تطورت من أديان سماوية.

وفي القرآن إشارة لتأثير الأديان، خاصة معتقدات الخصب والعطاء على بني إسرائيل، مثل عبادة بعل إله الخصب والعطاء عند الآراميين، وقد تحول بعض بني إسرائيل لعبادته؛ فكان إلياس الرسول يخاطب قومه كما في القرآن:"وإن الياس لمن المرسلين، إذ قال لقومه ألا تتقون، أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين".

ولا شك أن استمرار الحضور اليهودي والمسيحي والصابئي في الشرق الإسلامي بعد الحكم الإسلامي لا يدل فقط على حيوية هذه الأديان وقدرتها على الاستمرار والتواصل بين أتباعها، ولكنه يؤشر على حالة التعايش والحوار والتفاعل التي ظلت قائمة على مدى القرون في ظل الحكم الإسلامي.

ومازالت بعض الكنائس التي بنيت في العهود الإسلامية قائمة حتى اليوم، وبعضها لا يؤشر فقط على التعايش والتواصل، ولكن على تفاعل وجدل إسلامي مسيحي؛ فكنيسة أم الرصاص في جنوب الأردن، والتي كانت أهم مركز مسيحي في الشرق الأوسط تشهد بعض مبانيها التي أنشئت عام 740م؛ أي بعد مائة سنة من الفتح الإسلامي كانت رسوماتها الفسيفسائية والباقية حتى اليوم معدلة على نحو فني احترافي، يؤكد كما يقول المؤرخ الأردني صالح حمارنة بأنها ليست عملية تحريف وتشويه لتجعل من الكائنات الحية أقرب إلى التجريد وعدم الاكتمال، وذلك بناء على فتوى مسيحية لم تعمر طويلا بتحريم رسم الكائنات الحية على نحو تام، وهي فتوى ربما تكون قد تأثرت بالفقه الإسلامي الذي تحرم بعض اتجاهاته ومذاهبه رسم الكائنات الحية، وربما تكون فتوى مسيحية سابقة للإسلام تأثر المسلمون بها، وهناك تشابه في جوهر بعض القصص والروايات، وإن اختلفت الديانتان في تسمية أصحابها؛ فالكتاب المقدس يذكر أن الله رفع "الياس" إلى السماء ليحميه من جنود الملك إهاب، في حين يرى المسلمون أن الله رفع المسيح عليه السلام إلى السماء، ولم يصلب، وصلب بدلا منه شبيه له، وفي الحديث النبوي أن الغلام المؤمن المسيحي صلبه الملك بناء على اقتراح الغلام نفسه، ليكون بذلك سببا في إيمان أهل المدينة.

ويظهر التراث العربي والإسلامي قائمة طويلة من الكتب التي ألفت في جدل الأديان والدفاع عن نفسها، والرد على بعضها على نحو يؤشر على حرية دينية واسعة، ومازالت المئات من هذه الكتب ومخطوطاتها محفوظة في المكتبات الأوروبية بخاصة، وقد جمع المستشرق الألماني موريتس شتنشيندر (المتوفى عام 1907) معلومات عن هذه المخطوطات، أماكن وجودها في المكتبات، وتعريفا بمحتوياتها ومؤلفيها، وجميعها ألفت باللغة العربية في العصور الإسلامية المبكرة، وفي مرحلة النهضة الفكرية والتدوين، ومن أمثلتها (أصول الدين وشفاء المؤمنين) لدانيال بن الحطاب السرياني في القرن الرابع عشر الميلادي، ويرد فيه على الانتقادات الإسلامية للمسيحية، ومنها أيضا كتاب (البرهان على صحيح الإيمان) لمؤلفه مطران نصيبين النسطوري في عام 1222م، و(ترياق العقول في علم الأصول) للأسقف رشيد أبو الخير بن الطيب عام 1549م، ويبحث الكتاب في العقائد المسيحية والإسلامية وتفنيد الاعتراضات الإسلامية ضد المسيحية، ورسالة المطران إيليا عام 1225، ويعرض أدلة من القرآن الكريم والمصادر الإسلامية على صحة العقيدة المسيحية، إضافة إلى الأدلة العقلية، وكتاب (المصباح المرشد إلى الفلاح والنجاح الهادي من التيه إلى سبيل النجاة) لمؤلفه "أبو نصر التكريتي"، وكتباً عدة تعرض حوارات وأسئلة وإجابات، منها محاورة الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان مع النسطوري إبراهيم الطبراني.

وقد ترجمت معاني القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية لأول مرة عام 1143م، وربما يشير هذا التاريخ إلى بداية تشكل العلاقات والحوارات الثقافية بين المسلمين والمسيحيين في الغرب، كما ترجمت بعد ذلك بفترة قصيرة مجموعة من الكتب والمصادر في السيرة النبوية والتاريخ العربي والإسلامي، ثم بدأت موجة من الكتب والدراسات الغربية التي تنتقد الإسلام، وتحرض على المسلمين.

وتظهر الدراسات والمخطوطات المحفوظة حتى اليوم في المكتبات الأوروبية نماذج من خطابات متبادلة بين الباباوات والسلاطين المسلمين، مثل رسائل إنوسنت الثالث (1198-1213)، ورسالة بابا الإسكندرية في سنة 1159، وكتب غريغور التاسع إلى دمشق والمغرب وبغداد وتونس، يقنع فيها حكام البلاد بالمسيحية.

ولكنا نلاحظ اليوم ومنذ القرن التاسع عشر، مبادرات مسيحية عدة من الاهتمام بالإسلام والتراث الإسلامي والحوار الإسلامي المسيحي، وبدأت وجهة الحوار تأخذ الأبعاد المشتركة وآفاق العمل الممكنة وبخاصة في الفكر والأخلاق والإصلاح الاجتماعي، والحياة المشتركة، وتشجيع التدين بعامة؛ فالدين يمكن أن يكون مورداً للتنمية والسلام، وتستطيع المؤسسات الدينية والسياسية وبخاصة البلاد العربية وحوض البحر المتوسط أن تجعل من الدين عاملاً أساسياً في التعاون ومواجهة للأزمات والمشكلات بدلاً من الاستدراج إلى العداوة والتطرف.

وكان اليهود على مدى التاريخ الإسلامي جزءا من الأمة الإسلامية، ويلاحظ برنارد لويس أن اليهود وقفوا إلى جانب المسلمين في الحروب الصليبية، وفي الحروب مع المغول والتتار، وتعرض اليهود والعرب والمسلمون للاضطهاد والتنصير الإجباري على يد الكاثوليك الإسبان بعد سقوط دولة العرب فيها عام 1492، وأظهر اليهود ولاء للدولة العثمانية في حروبها مع الروس والبلقان.

وكانت كتابات المؤرخين اليهود في القرن التاسع عشر ـ كما يذكر برنارد لويس في كتاب الإسلام في التاريخ ومارتمن كرايمر في كتاب الاستشراق اليهودي ـ تظهر علاقة قربى ثقافية وحضارية بين المسلمين واليهود.

وقد جعل التناقض بين وضع اليهود في أوروبا ووضعهم في العالم الإسلامي المثقفين اليهود يرون الإسلام نموذجا مثاليا يمكنهم من التعايش والاندماج، وكان صعود الحركة الرومانتيكية في القرن التاسع عشر وراء صورة الصحراء النقية والمثالية الإسلامية، وكان هذا موضع افتخار وانتماء اليهودي المضطهد والمهمش في الغرب.

ومن مؤرخي وفلاسفة القرن التاسع عشر اليهود الذين كتبوا إيجابيا عن الإسلام إبراهام غايغر، وغوستاف فايل، ويوسف دهرنبورغ، وغولدزيهر، ووولف، وليوبولد فايس، وبالغريف. وكان غايغر يعتبر أن الإسلام أوجد مناخات مواتية لازدهار العلوم والفلسفة، وكان فايل أول من ترجم ألف ليلة وليلة من العربية إلى الألمانية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وألف كتابا عام 1837 عن أدب العرب الشعري، وكتابا عن النبي محمد عام 1843، ولكن أهم كتاب لفايل كان تاريخ الخلفاء الذي جاء في خمسة أجزاء، والذي كتب بين 1846 و1862، وتضمن عرضا لتاريخ الشعوب الإسلامية منذ النبوة حتى زمن السلطان سليم، وقد اعتمد على مصادر أولية من المؤرخين المسلمين، واستفاد من رحلاته في البلاد العربية.

وقد أقام غولدزيهر سنوات في مصر والشام، وتعلم في الأزهر، وأقام علاقات قوية مع جمال الدين الأفغاني وأحمد عرابي، وكان معاديا للصهيونية، ويعتبر اليهودية دينا وليس قومية، وأنه يجب على اليهود أن يندمجوا في بلادهم وأوطانهم، وكان معجبا إلى درجة الإيمان بالإسلام ومنهجه التوحيدي والعقلي.

ليس المطلوب أن يصبح المسلمون يهودا أو مسيحيين، ولا أن يتحول اليهود إلى الإسلام أو المسيحية، ولا أن يتحول المسيحيون إلى الإسلام أو اليهودية، ولا أن ينشئوا معا دينا واحدا؛ فالإسلام يطلب الإيمان بكل الكتب والأنبياء "لا نفرق بين أحد من رسله"، والقرآن يؤشر في مدحه للنصارى بأنهم يؤمنون بالقرآن دون أن يسلموا، ولكن المطلوب هو الاستيعاب الشامل للرسالات، أن يكون المسيحيون دينا مسلمين ويهودا حضارة وثقافة، وأن يكون المسلمون دينا مسيحيين ويهودا حضارة وثقافة، وأن يكون اليهود دينا مسلمين ومسيحيين حضارة وثقافة؛ دون أن يتخلى أحد عن دينه ومعتقداته، وما يطمئن له من علاقة وأسلوب عبادة؛ فالقرآن وصف جميع بيوت العبادة على اختلافها بأنها يذكر فيها اسم الله كثيرا، وقد انتشر الإسلام والمسيحية بين معظم أتباعهما ضمن منظومة حضارية وفكرية وثقافية أكثر مما هي تبشير وقتال ودفاع، صحيح أن التاريخ الإسلامي والمسيحي يقدم نماذج كثيرة عن التبشير والقتال الديني، ولكن الفكرة الأساسية هنا أن اليهود والمسيحيين والمسلمين بحاجة إلى فهم واستيعاب مقاصد الكتب السماوية وتطبيقها في بناء حضارتهم ودولهم، وبغير ذلك فإن الإيمان يكون ناقصا، والحضارة أيضا ستفقد العطاء والسلام المنشئ للإبداع والتقدم والذي يحميه أيضا.

أعتقد أن المؤمنين بالله جميعهم يحتاجون أن يسمعوا لبعضهم بعضاً، وأن يفكروا كيف يعملون سويا، ليجعلوا الإيمان مصدرا للرقي بالإنسان وتحقيق السلام ومواجهة العنف والتشدد والكراهية والفقر والجهل والمرض، ومن المهم كثيرا أن نبذل جميعا الجهد للاستماع إلى بعضنا بعضاً ، وأن نفهم بعضنا بعضاً، ونعرف مشكلاتنا، وما يمكننا فعله ومواجهته وكيف نتعاون ونعمل معا.

إن إيماني بالقرآن الكريم يلزمني بالإيمان بالكتب السماوية التي نزلت من قبل، وبالرسل والأنبياء الذين بعثهم الله قبل الرسول محمد عليه السلام، وأن أحترم أهل الكتاب وإيمانهم ودور عبادتهم، "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لانفرق بين أحد من رسله" . "الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبل" . "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" . "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا"

إنني كلما تلوت القرآن الكريم أغبط المسيحيين على هذه الحفاوة والتكريم والثناء الذي يتمتعون به في القرآن؛ ما يؤكد لدي ليس فقط النظرة الإيجابية تجاه المسيحية والمسيحيين، بل التقبل والاحترام الكبير للمسيحية، وأن الاختلافات الإسلامية المسيحية، والتي لا ننكرها بالطبع، وإن كنا قادرين على تأولها واستيعابها وتقريبها، لا تغير شيئا في العلاقة والنظرة المتبادلة المفترضة بين المسلمين والمسيحيين "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون"

وللمسيحيين العرب موقع خاص في قلب كل مسلم ومؤمن؛ فقد حملوا رسالة الإيمان بالله أكثر من ثلاثة قرون، حين لم يكن على الأرض مؤمن سواهم، وحين كان الإيمان بالله يعني الموت والحرق والصلب والتعذيب، وخلد القرآن الكريم قصصا عدة عن المؤمنين المسيحيين، مثل أهل الكهف، وأهل نجران، وعندما هزم الروم في عام 614م أمام الفرس، حزن المؤمنون ونزلت الآيات في السورة المسماة سورة الروم : "غلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله" .

وحمل المسيحيون العرب راية العلوم والطب والزراعة والصناعة في الحضارة العربية الإسلامية، وأسسوا للنهضة العلمية العربية الإسلامية، فنحن ـ العرب والمسلمين وجميع المؤمنين بالله ـ مدينون للمسيحيين العرب بمواصلة راية الإيمان والعلم والحفاظ عليها.

ويمكن اقتراح الأفكار والمبادئ التالية للعمل المشترك في المرحلة القادمة:

1- مشاركة أتباع الأديان مع بعضهم بعضا في المناسبات والأعمال والبرامج الدينية والعامة.

2- العمل المشترك معا لإزالة العقبات القانونية والإدارية والمجتمعية، والتي تكرس التمييز وعدم المساواة، مثل الإشارة إلى الدين في الوثائق الرسمية، ووقف التمييز القانوني بين المواطنين على أساس الدين، مثل الزواج والميراث، وتسهيل تعليم الأديان لأتباعها في المدارس، وتعريف التلاميذ بالأديان التي يتبعها المواطنون وغيرهم، وإطلاق الحوار والجدل الديني بحرية وعلى نطاق واسع.

3- العمل المشترك في مواجهة التشدد الديني والعنف، وتوظيف الدين في صراعات سياسية أو لأجل الهيمنة، وتكريس هذه القيم المشتركة في برامج وأعمال تخدم القيم العليا والأخلاق الرفيعة والسلام والتنمية والتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية، وفي مواجهة الفقر والمرض والجهل والبطالة والرذيلة.

أو ببساطة، أن نجعل الإيمان بالله مصدرا للارتقاء بالحياة.

*إبراهيم غرايبة باحث وكاتب صحفي أردني