الصّراع على السّلطة بعد وفاة الرّسول: اجتماع السّقيفة أنموذجا

فئة :  مقالات

الصّراع على السّلطة بعد وفاة الرّسول: اجتماع السّقيفة أنموذجا

لقد كان إعلان موت الرسول صدمة للضّمير الدّيني الإسلامي. ولا ريب في أنّ المسلمين كانوا ينظرون إليه، باعتباره الوسيط بين السّماء والأرض، بل إنّ حياتهم كلّها كانت تدور حول شخصه وأفكاره والعقائد التي كان ينشرها بين النّاس. وما من شكّ أنّه ليس من الممكن أن يستقبلوا حدث وفاته بالطريقة نفسها، لذلك اختلفت طرق التّقبّل باختلاف الفاعلين الاجتماعيّين؛ فبرز أول موقف انفعالي كان عمر بن الخطّاب هو الذي مثّله، إذ لم يصدّق نبأ الوفاة. وقد أورد ابن هشام في السّيرة النبويّة تفاصيل هذا الموقف » لمّا توفّي رسول الله (ص) قام عمر بن الخطّاب فقال: إنّ رجالا من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله (ص) قد توفّي، وإنّ رسول الله (ص) والله ما مات، ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثمّ رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعنّ رسول الله (ص) كما رجع موسى فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول الله (ص) مات. «[1]

إنّ هذا الموقف الانفعالي لعمر انبنى أساسا على ما كان للرّسول من سلطة دينيّة لم يكن من السّهل التّفكير في غيابها غيابا نهائيّا؛ فلم يتصوّر عمر أنّ الرّسول سيترك النّاس دون سلطته الدّينيّة. لقد تفطّن أبو بكر لصعوبة الموقف، فتدخّل بكلّ حكمة مذكّرا المسلمين بآية قد غفلوا عنها» وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ« (آل عمران 3/114) . قال عمر » فوالله ما هو إلاّ أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت (دهشت) حتّى وقعـت إلى الأرض ما تحملني رجــلاي عرفت أنّ رسول الله (ص) قد مــات « [2].

لقد كان تقبّل وفاة الرّسول هو الاختبار الأوّل الذي واجهه المسلمون الأوائل. أمّا الاختبار الثّاني، فكان اجتماع سقيفة بني ساعدة الذي يمكن اعتباره منعرجا أساسيّا وخطيرا في حياة الجماعة الإسلاميّة الأولى لما ترتّب عنه من خلاف وصراع وما أفرزه من نتائج كان لها أهميّة كبيرة في حياة المسلمين وتاريخ الحكم الإسلامي.

لقد اختلفت صور اجتماع السّقيفة وتعدّدت تقييمات المؤرّخين والفقهاء لبيعة أبي بكر. فأكّــد الفقهاء والمفسّرون على إجماع الصّحابة على بيعة أبي بكر، وعلى انعقاد هذه البيعة في ظروف عاديّة وهادئة. فنجد أبا بكر القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" يقول »وبايعه النّاس بيعة حسنة جميلة .[3] « في حين أكّدت المصادر المنسوبة إلى الشّيعة خلاف ذلك فقد أكّد المسعودي في كتابه "مروج الذهب " أنّ الأمر في السّقيفة بني على الغلبة والصّراع» وكان للمهاجرين والأنصار يوم السّقيفة خطب طويل ومجاذبة في الإمامة «.[4] غير أن بعض المصادر التاريخيّة السنيّة، مثل تاريخ الطبري قد سجّلت بكل أمانة للمنهجيّة التّاريخيّة جملة من الأخبار حفّت باجتماع السقيفة وارتأت كتب الفقه والأصول تغييبها قصد المحافظة على أصل الإجماع. وفي ضوء هذه المعطيات التّاريخيّة سنسعى إلى استجلاء بعض ما حفّ بالسّقيفة من خلافات، وتبيّن لم آلت الأمور إلى ما آلت إليه من بيعة الخليفة الأوّل أبي بكر.

1- مسار البيعة

لقد كانت بيعة أبي بكر حدثا خطيرا عدّها عمر بن الخطّاب "فلتة" وفتنة وقى الله المؤمنين شرّها » إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمّت وإنّها قد كانت كذلك إلاّ أنّ الله قد وقى شرّها [5] «. وكان الطّرف الأوّل في هذه الأزمة الأنصار ؛ فقد تدرّج موقفهم من الهدوء إلى العنف ومن الرّغبة في الاستيلاء على الحكم إلى المطالبة باقتسامه. فقد بدأ الأمر حسب ابن قتيبة بخطبة ألقاها سعد بن عبادة رغم مرضه ذكّر فيها بفضل الأنصار وسابقتهم في الدّين ونصرة الرّسول يقول ابن قتيبة راويا حديث سعد » يا معشر الأنصار إنّ لكم سابقة في الدّين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب (...) فشدّوا أيديكم بهذا الأمر ، فإنّكم أحقّ النّاس وأولاهم به« [6] غير أنّ الأحداث تغيّرت بعد وصول عمر وأبي بكر، فاقترح أحد الأنصار وهو الحباب بن المنذر » منّا أمير ومنهم أمير« [7] عندها تطوّرت الأمور وكادت تنزلق إلى صراع مسلّح خاصّة بعد رفض عمر " هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد ، إنّه والله لا يرضى العرب أن تؤمركم ونبيّها من غيركم، ولكنّ العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلاّ من كانت النّبوّة فيهم"[8] فردّ الحباب بن المنذر ردّا صارما يشي بخطورة مسار المفاوضات » يا معشر الأنصار: املكوا عليّ أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتم فأجلوها عن بلادكم وتولّوا هذا الأمر عليهم ، فأنتم والله أولى بهذا الأمر منهم، فإنّه دان لهذا الأمر ما لم يكن يدين له بأسيافنا ، أمّا والله، إن شئتم لنعيدنّــها جذعة، والله لا يرد عليّ أحد ما أقــول إلاّ حطّمت أنفــه بالسّيف «[9]. إنّ رفض اقتسام السّلطة كاد يؤدّي إلى سحب السّيوف وإعلان الحرب. ولم تختلف رواية الطّبري عن رواية ابن قتيبة، فقد تنافس الجمع وارتفعت الأصوات معلنة عدم الرّضا. يقول الطّبري: »فلمّا قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل فقال أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. قال: فارتفعت الأصوات، وكثر اللّغط« [10]. وهنا تبرز رواية الإمامة والسّياسة الموقف المترفّع للمهاجرين عن الرّد العنيف الدّاعي إلى الحرب، وقد جسّد هذا الموقف عمر بن الخطاب » فلمّا كان الحباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام لأنّه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله (ص) فنهاني عنه فحلفت أن لا أكلّمه كلمة تسوؤه أبدا«[11]. يرسم ابن قتيبة لعمر صورة نموذجيّة للمسلم الذي يصون نفسه ولسانه عن إيذاء الآخرين، فضلا عن ذلك، فإنّه يظهر بمظهر المسلم المطيع لأوامر نبيّه سواء كان ذلك في حياته أم في مماته. ولئن ورد في كتاب الإمامة والسّياسة تصعيد في موقف الأنصار على لسان الحباب وإعلانا للحرب، فإنّ بعض المصادر التّاريخيّة لم تذكر هذا الخبر ولم تنسب للحباب موقفا متعصّبا داعيا إلى الحرب؛ فغاب الأمر في تاريخ الطّبري وفي سيرة ابن هشام، فاقتصرت السّيرة على إيراد جملة واحدة دالّة على الخصومة وردت بعد حديث أحد الأنصار لم يذكر اسمه » فكثر اللّغط وارتفعت الأصوات« [12].

أمّا الموقف الثّاني الذي تجلّى فيه الصّراع واحتدّ فيه الخلاف إلى درجة بلغت حدّ العنف، فهو يخصّ سعد بن عبادة، والذّي خصّص له ابن قتيبة مقطعا كاملا يحمل عنوان "تخلّف سعد بن عبادة رضي الله عنه عن البيعة"، وهو ما يعني أن ّ الإجماع على بيعة أبي بكر لم يكن كاملا، بل إنّنا نرى العديد من الأطراف رفضته ولم تقرّه [13] . وقد صوّر ابن قتيبة سعدا في صورة المريض الذي كاد في غمرة اندفاع النّاس لمبايعة أبي بكر يقتلونه » فبايعه النّاس ، حتّى كادوا يطؤون سعدا ، فقال سعد: قتلتموني، فقيل: اقتلوه قتله الله« [14] ولئن لم تتّـضح هويّة قائل » قتله الله« في كتاب "الإمامة والسّياسة " فإنّ الرّواية في سيرة ابن هشام تنصّ على القائـل، فيتأكّـــد أنّه عمر بن الخطــاب. وقـــد روى ابن هشام النصّ راويــــا » ونزونا على سعد ابن عبادة فقال قائل منهم (الأنصار) قتلتم سعد بن عبادة. قال، فقلت (أي عمر) قتل الله سعد بن عبادة«[15]. ولم يقتصر سعد بن عبادة على رفض المبايعة، بل صـرّح برفضه واستعداده محاربة قريش لو وجد سندا من قومه » أما والله حتّى أرميكم بكلّ سهم في كنانتي من نبل وأخضب منكم سناني ورمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي، ولا والله لو أنّ الجنّ اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتّى أعرض على ربّي وأعلم حسابي« [16]، بل إنّ الموقف كاد يتطوّر إلى حرب خاصّة عند إصرار عمر على أخذ البيعة منه عنوة » قال عمر: لا تدعه حتّى يبايعك« [17] لولا تدخّل بشير بن سعد الذي طلب أن يترك وشأنه، »إنّه قد أبى ولجّ : وليس يبايعك حتّى يقتل، وليس بمقتول حتّى يقتل ولده معه وأهل بيته وعشيرتهم ولن تقتلوهم حتّى تقتل الخزرج، ولن تقتل الخزرج حتّى تقتل الأوس، فلا تفسدوا على أنفسكم أمرا قد استقام لكم فاتركوه فليس تركه بضارّكم وإنّما هو رجل واحد« .[18]

وممّا تقدّم، نتبيّن أنّ اجتماع السّقيفة كان اجتماعا خطيرا كاد ينحو منحى يغيّر وجه التّاريخ؛ فقد ورد الحديث عن الحرب في مناسبات عـدّة. ولم تهدأ الأمور إلاّ بفضل حكمة بعض المسلمين. فضلا عن ذلك، فإنّ هذه الأخبار تؤكّد أمرا لا جدال للشّكّ فيه مفاده أنّ الإجماع الموهوم الذي أصلّه الأصوليّون لم يكن إجماعا تامّا، وإنّما كان إجماعا ناقصا رغم أنّ بشير بن سعد هوّن من الأمر واعتبر سعدا رجلا واحدا. ومن ثمّة نخلص إلى أنّ اجتماع السّقيفة كان اجتماعا حول أمور الدّنيا وليس أمور الدّين، وهو ما يؤكّـد أنّ الخلافة اجتهاد البشر وليس أمرا إلهيّا.

إذا كان أوّل الخارقين للإجماع هو سعد، فإنّ طرفا ثانيا وقع تغييبه كان أيضا معارضا لما آلت إليه الأمور من أحداث، وقد كان هذا الطّرف هو بنو هاشم متمثّلا في عليّ والعبّاس والزبير بن العوّام وفاطمة. ويتّضح هذا الموقف في رواية » ثمّ إنّ عليّا كرّم الله وجهه أتي به إلى أبي بكر، وهو يقول : أنا عبد الله وأخو رسوله. فقيل له، بايع أبا بكر، فقال أنا أحقّ بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليه بالقرابة من النبيّ (ص) وتأخذونه منّا أهل البيت غصبا؟ ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم فأعطوكم المقادة، وسلّموا إليكم الإمارة، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار ، نحن أولى برسول الله حيّا وميّتا فانصفونا إن كنتم تأمنون وإلاّ فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون «.[19] تبدو حجّة علي قويّة، بل هو يحتجّ بالحجّة نفسها التي بها غلب المهاجرون، غير أنّ البيعة قد انعقدت. وتذكر المصادر أنّ عمر سعى إلى استخدام العنف حتّى يبايع علي أبا بكر » وإنّ أبا بكر رضي الله عنه تفقّد قوما تخلّفوا عن بيعته عند علي كرّم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها، فقيل له يا أبا حفص إنّ فيها فاطمة ؟ فقال: وإن، فخرجوا فبايعوا إلاّ عليّا« .[20]

وجليّ أنّ هذه الأخبار المتعلّقة ببيعه أبي بكر توضّح أنّ الأنصار لم يكونوا وحدهم الذين عارضوا البيعة في البداية، ولكن آل البيت هم أيضا لم يبايعوا منذ الوهلة الأولى، فضلا عن ذلك، فإنّنا نتبيّن مستوى العنف الذي مارسه عمر حتّى يرغم آل البيت على المبايعة فوصل به الأمر إلى التّهديد بإحراق بيت علي بمن فيه. ولئن أظهر الرّاوي أنّ عليّا أصرّ على عدم الخروج للمبايعة، وكان بذلك صورة للبطل المعارض، إلاّ أنّه لطّف الأمر بعلّة أنّ عليّا كان منهمكا بجمع القرآن » فبايعوا إلاّ عليّا فإنّه زعم أنّه قال: حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتّى أجمع القرآن« .[21] وهكذا غطّى الفكر السّنّي بهذا الخبر عن الصّراع الحقيقي بين أبي بكر وعلي حول السّلطة.

وصفوة القول، إنّ الصّراع على السّلطة بين الأنصار والمهاجرين والهاشميّين لم يكن في كثير من مظاهره مجرّد حوار وتشاور، بل تجاوزه إلى بعض مظاهر العنف المعنوي والمادّي، غير أنّه يجب التّأكيد أنّ هذا العنف كان عنفا إمّا فرديّا أو محدودا وقع امتصاصه بسرعة فائقة بفعل عوامل متعدّدة منها مرونة شخصيّة أبي بكر ورجحان ميزان القوى لصالح المهاجرين ولا بدّ من التّأكيد أيضا، أنّ هذه الضّغوطات التي تكتسي أحيانا مظاهر عنيفة تبدو طبيعيّة في معظم فترات التّحوّل الحضاري والاجتماعي والسّياسي، غير أنّه يجب أن ننبّه إلى أنّ العنف مفهوم نسبيّ يحدّده نظام معايير المجتمعــات ، فما يعدّ فعلا عنيفا في مجتمع ما هو ليس بالفعل العنيف في مجتمع آخر، لذلك وجب معرفة نظام القيم الذي كان يتبنّاه المجتمع العربي الإسلامي في زمن إسلام البدايات، حتّى نقيّم مستوى العنف. ومهما يكن من أمر، فإنّ مستوى معيّنا من العنف ضروري لتأسيس نظام اجتماعي يكون فيه العنف حكرا على السّلطة فيكون بذلك عنفا مشروعا.

2- اجتماع السّقيفة ودور العامل القبلي

إنّ المتأمّل في أخبار السّقيفة وبيعة أبي بكر، يلاحظ أنّ عوامل عدّة أسهمت في رجحان كفّة أبي بكر. ولعلّ أبرز العوامل التي يجب تسليط الضّوء عليها، تتمثّل في العامل القبلي. إنّ الإسلام لم يحدّد شكل السّلطة السّياسيّة بعد وفاة الرّسول، كما أنّ الرّسول لم يعيّن من يخلفه في تسيير شؤون المسلمين، فضلا عن ذلك فإنّ المعطيات القبليّة لم تقع إزالتها مع ظهور الإسلام، فقد بقيت القبيلة حيّة في النّفوس وفي خطاب النّاس وممارساتهم وتقاليدهم حتّى زمن الرّسول؛ فالبلاذري يذكر في أنساب الأشراف » أنّ شخصا يسمّى قرمان أبلى في قتال المشركين يوم أحد، فلمّا بشّروه بالجنّة قال: أيّ جنّة والله ما قاتلت إلاّ حمية لقومي« .[22] إنّ هذا الخبر ليؤكّـد أنّ القبيلة بقيت ملتصقة بالنّـفـوس، ولم يستطع النّظام الجديد القائم على مفهوم الأخوة في الدّين أن يقلّص من حدّتها، وهكذا وجب تحليل تركيبة المدينة بعد وفاة الرّسول.

لمّا طرحت قضيّة الخلافة بعد وفاة الرّسول، كانت تركيبة المدينة معقّدة تتألّف من طرفين أساسيّين المهاجرين والأنصار. كان المهاجرون من قريش يطمحون بلا شكّ إلى السّلطة بزعامة بني هاشم وبني أميّة. أمّا الأنصار، فقد كانوا ينتمون إلى قبيلتين، هما: الأوس والخزرج، وقد كان لهم أيضا الطّموح السّياسي نفسه. لقد كان لكلّ طرف رهاناته السّياسيّة، وما كان لهذه الطّموحات أن تتحقّق بمعزل عن السّند القبلي. لقد كانت أوّل مظاهر بروز فكرة القبيلة كامنة في سرعة الإجتماع وفي مكانه؛ فقد كان ذلك أحد أبرز أشكال دفاع الأنصار على الهويّة والحفاظ على الوجود خشية أن يستحوذ المهاجرون على السّلطة. لقد كان الوازع القبلي هو المحرّك الأساسي للأنصار، وقد تجلّى هذا الأمر في خطبة سعد بن عبادة » فشدّوا أيديكم بهذا الأمر ، فإنّكم أحقّ النّاس، وأولاهم به«.[23] والنّاظر كذلك في موقف المهاجرين يلاحظ مفهوم القبيلة باعتباره عاملا يوجّه السّلوك والفكر، ويترجم في الخطاب، وهذا ما يتجلّى في أحداث السّقيفة. فقد بيّن ابن قتيبة ردّ فعل أبي بكر لمّا سمع باجتماع الأنصار » فأتى الخبر إلى أبي بكر ففزع أشد الفزع « [24] فهل يعني فزع أبي بكر الطمع في السّلطة أم هو يعكس رغبته في أن يكون الأمر لقريش؟ ويحضر مفهوم القبيلة كذلك في ردّ فعل عمر » من ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلاّ مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورّط في هلكة« .[25] فضلا عن ذلك، فإن الحجج التي تقدّم عادة من قبيل صحبة أبي بكر وأسبقيّة المهاجرين في الدّخول إلى الإسلام ـ وإن اكتست طابعا دينيّا ـ فإنّها في الحقيقة تخفي لا شعوريّا نزعة قبليّة، فهي تصبّ كلّها في غاية واحدة مفادها تأكيد أفضليّة قريش. ومهما يكن من أمر، فإنّ العامل القبلي هو الذي حدّد نتيجة السقيفة. فصفّ القريشيّين كان متماسكا ولم يؤثّر غياب بني هاشم وعلى رأسهم عليّ على وحدة الصفّ. أمّا صفّ الأنصار، فقد كان متصدّعا ولعلّ هذا الأمر يتّضح خاصّة في موقف بشير بن سعد » وإنّ بشيرا لمّا رأى ما اتّفق عليه قومه من تأمير سعد بن عبادة، قام حسدا لسعد« [26] فبايع أبا بكر قائلا: » ثمّ إنّ محمدا (ص) رجل من قريش وقومه أحقّ بميراثه وتولّي سلطانه وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا فاتّقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم« .[27] يظهر من هذا الخبر أنّ موقف بشير أربك صفّ الأنصار، فانخرمت اللحمة وتصدّع الجمع فرجّحت كـفة المهاجرين.

إنّ تماسك صفّ المهاجرين كان يدعمه أيضا ضغط عسكري مثّل تهديدا للأنصار وعنصرا حاسما في الاستيلاء على السّلطة، ويتمثّل هذا الضّغط العسكري في حضور قبيلة أسلم، وهي فرع من خزاعة القرشية يقول الطبري في تاريخه:"حدّثني أبو بكر بن محمد الخزاعي أنّ أسلم أقبلت بجماعتها حتّى تضايق بهم السّكك فبايعوا أبا بكر فكان عمر يقول : ما هــو إلاّ أن رأيت أسلــم فأيقنت النّصـــر"[28]. إنّ هذا الخبر ليبرز أمرين مهمّين: أمّا الأمر الأوّل، فيؤكّـــد مبدأ العصبيّة القبليّة، فأسلم مثّلت ضغطا قبليّا وعدديّا أسهم في انقلاب الكفّة ورجحانها نحو المهاجرين. أمّا الأمر الثّاني، فيؤكّد أنّ أسلم مثّلت ضغطا عسكريّا لنصرة قريش، ولعلّه يمكن أن نستنتج أنّ الأنصار لو تمسّكوا بالخلافة لسارت الأمور نحو الحرب ما دامت أسلم قد تهيّأت لذلك.

لقد انتصر مبدأ القرشية سياسيّا وعمليّا في اجتماع السّقيفة، لذلك فإنّ السّلطة اللاّحقة التي ستكون على مدى قرون عدّة من سلالة قريش، وستسعى إلى تركيز إيديولوجيّتها بالتّنصيص على هذا المبدأ، لذلك أصرّ الفقهاء والأصوليّون على أنّ النّسب القرشي هو شرط من شروط الإمامة ومن ثمّة تمّ وضع حديث» الأئمــــة من قريــش « [29] .

لقد خلصنا في دراستنا لبيعة أبي بكر من خلال أحداث السّقيفة إلى جملة من النّتائج يحسن التّذكير بها.

أوّلا: عالج المسلمون الأوائل مسألة السّلطة معالجة سياسيّة خالصة، فكان الصّراع على السّلطة صراعا دنيويّا انتهى بحلّ فرضته عدّة عوامل أبرزها العامل القبلي.

ثانيا: حرص الفقهاء والأصوليّون إلى إبراز أنّ بيعة أبي بكر مثّلت نموذجا للإجماع، ولقد بيّنا خطل هذا الزّعم؛ فالإجماع الذي تحدّث عنه الأصوليّون والفقهاء كان إجماعا موهوما فقد خرقه رفض عليّ، وكذلك معارضة طيف واسع من الأنصار مثله خاصّة سعد بن عبادة الذي رفض بيعة أبي بكر وعمر في ما بعد، ولعلّ الخبر الذي أورده ابن قتيبة يقوم أكبر دليل على عدم حصول هذا الإجماع » فكان سعد لا يصلّي بصلاتهم ولا يجمع بجمعهم ولا يفيض بإفاضتهم ، ولو يجد عليهم أعوانا لصال بهم، ولو بايعه أحد على قتالهم لقاتلهم، فلم يزل كذلك حتّى توفّي أبو بكر رحمه الله وولي عمر بن الخطّاب، فخرج إلى الشّام، فمات بها« [30]

ثالثا: لم يخل اجتماع السّقيفة من عنف لفظي ومادّي، بل إنّ الأمور كادت تسير في كثير من الأحيان نحو الصّراع المسلّح ولعلّ قدوم قبيلة أسلم بأعداد وفيرة دليل على مدى الضّغط العسكري الذي مارسته قريش حتّى تؤول إليها خلافة الرّسول.

رابعا: إنّ العامل القبلي في تقديرنا هو الذي حدّد نتيجة السّقيفة، ولئن كنّا لا ننكر تماما وزن العامل الدّيني، والمتمثّل خاصّة في أسبقيّة أبي بكر في الإسلام وصحبته للنّبيّ، إلاّ أنّنا نؤكّد أنّ القبيلة كانت حاضرة حضورا مكثّفا في أفعال وأقوال المسلمين الأوائل، وهي التي كانت المحدّد الأساسي للجهة التي استأثرت بالسّلطة.


[1]- ابن هشام، أبو محمد عبد الملك (ت 218هـ)، السيرة النبويّة، بيروت، دار الفكر ط 2001، ج 4، ص 237

[2]- المصدر نفسه، ج 4، ص 237 - 238

[3]- القرطبي، أبو بكر : الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التّراث العربي ط 1، 1995، ج8 ، ص 146

[4]- المسعودي، أبو الحسن، مروج الذهب ومعادن الجوهر، المكتبة العصريّة، ط، 1987، ج 2، ص 307

[5]- ابن هشام، السّيرة، ج 4، ص 239

[6]- ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله، الإمامة والسياسة، دار الكتب العلميّة، ط2، 2006، ج 1، ص 9

[7]- المصدر نفسه، ج 1، ص 12

[8]- المصدر نفسه، الصّفحة نفسها

[9]- المصدر نفسه، الصّفحة نفسها

[10]- الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، بيروت، دار صادر ، ط3، 2008، ج 2 ، ص 510

[11]- ابن قتيبة: الإمامة والسّياسة، ج 1، ص 12

[12]- ابن هشام، السّيرة، ج 4، ص 240

[13]- للتّوسّع في قضيّة عدم انعقاد البيعة على الإجماع التّامّ يمكن الرّجوع إلى : ذويب حمادي : مراجعة الإجماع بين النّظرية والتّطبيق، مطبعة التسفير الفنّى (وحدة بحث تحليل الخطاب) ، 2012 ، ص 110

[14]- ابن قتيبة : الإمامة والسّياسة، ج1، ص 14

[15]- ابن هشام ، السّيرة النّبويّة، ج4، ص 240

[16]- ابن قتيبة : الإمامة والسّياسة، ج1، ص 14

[17]- المصدر نفسه، الصّفحة نفسها

[18]- المصدر نفسه، الصّفحة نفسها

[19]- ابن قتيبة: الإمامة والسّياسة، ج1، ص15

[20]- المصدر نفسه، ج1، ص16

[21]- المصدر نفسه، الصّفحة نفسها

[22]- البلاذري، أنساب الأشراف، تحقيق سهيل زكّار ورياض الزركلي، دار الفكر، ط1، 1996، ج1، ص281

[23]- ابن قتيبة، الإمامة والسّياسة، ج 1، ص 9

[24]- المصدر نفسه، الصّفحة نفسها

[25]- المصدر نفسه، ج1، ص 12

[26]- المصدر نفسه، ج1، ص 12 و13

[27]- المصدر نفسه، ج1، ص13

[28]- الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص 156

[29]- انظر في هذا الغرض، الجابري، محمد عابد، العقل السياسي العربي، محدّداته وتجلّياته، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط2، 1991، ص 135

[30]- ابن قتيبة، الإمامة والسّياسة، ج1، ص 14