الطاغية في المجال العام

فئة :  مقالات

الطاغية في المجال العام

الطاغية في المجال العام*


في الحقيقة، فإن موضوع هذه المحاضرة هو أكثر موضوعات المؤتمر نظرية، وأعتقد أن مكانها في جدو المؤتمر هو الوضع الطبيعي للأوراق النظرية، ولعلاقتها بالواقع؛ حيث يجب أن تكون تالية لتناول أبعاد الواقع. وإذا كان الأستاذ علي قد بدأ الحديث مستخدمًا لفظًا مهذبًا، وهو الارتباك النظري، فأنا أريد أن أسمي الأشياء بمسمياتها الصحيحة، فما نعاني منه هو إخفاق نظري تعاني منه العلوم السياسية خاصة والعلوم الإنسانية عامة ًفي العالم العربي ومصر، هذا الإخفاق يشير إلى أن الطرائق المنهاجية والمفاهيم النظرية التي تقوم عليها هذه العلوم لم تستطع أن تفهم الواقع وأن تفسره، لا قبل الثورة ولا بعد الثورة ولا أثناءها. ومع ذلك، ومع الأسف الشديد، ولأننا مصابون بحالة من العقم الفكري، فإننا لازلنا أسرى لمفاهيم نظرية غربية، فلا زلنا نسمع حتى اليوم رطانات من قبل التحديث، الحداثة، المجتمع التقليدي، المراحل الانتقالية، وغيرها من قوالب جامدة. ويطلق على استخدام هذه القوالب في علم مناهج البحث التوظيف الانتهازي للنظريات. في حين أن هذه المفاهيم والنظريات بطبيعتها قد بنيت على الأرض وقد جاءت نتيجة تفاعل خبرة حية مع الواقع والثقافة التي تتولد فيه. ولا تعني مسالة القبول بالواقع الاستسلام له أو الخضوع له ولكن فهم آلياته وميكانزمات عمله من أجل تغييره. أما حالة فرض آليات وقوابل جاهزة على الواقع دون فهمه، فهي تؤدي إلى حالة من التشوه النظري والمنهاجي وكذلك في السياسات التي نعاني من تبعاتها. وهناك في علم مناهج البحث نظرية Grounded Theory، وهي استراتيجية جديدة للتعامل مع البيانات، وتقوم على أنه بدلاً من فرض نظريات معينة على الحالات الواقعية واستلهام فروض منها وجمع البيانات التي تقوم بتأييد هذه الفرض، من الممكن أن نستخدم هذه البيانات التي نجمعها لاستنبات نظريات تقوم بتفسير الواقع من ذاته. ومن ثم إمكانية تجاوزه. وبدون هذا فما يحدث سيكون قفزًا هزليًّا على الواقع.

وإذا كان هناك من شيء يحسب لمنجزات هذه الثورة، فهو أنها هزت هذه القوالب الجامدة واثبتت عدم مواكبتها للواقع. وبالتالي يصبح من العبث إعادة فرضها على الواقع مرة أخرى.

وأحد المفاهيم التي نفرضها على الواقع هو مفهوم المجال العام. وهذا المفهوم الذي نتشدق به، حتى عندما أشار إليه هابرماس، باعتباره هذا الحيز الذي تتخذ فيه القرارات العامة بشكل عقلاني وعلى أساس الحوار بين أفراد عقلانيين، فإنه أشار أيضًا أنه كان ظاهرة وقتية ضمن التطور التاريخي داخل المجتمعات الغربية، وأنه مع تسليع الثقافة وخلق الرغبات والتفضيلات من قبل آلة الرأسمالية، أصبح من الصعب تحقيق فكرة المجال العام؛ أي أن هذا المفهوم هو في بيئته نسبي وتاريخي ومتغير. ومع ذلك نحن مستمرون في الحديث عنه وأدمجنا في ذلك ما يتحدث عنه ميشيل فوكو في اختراق علاقات القوة لكافة المجالات الإنسانية. ويمكننا القول إن هذا المجال العام هو مجال يتم فيه تهذيب السلطة بدرجة ما من درجات العقلانية، ولا ينفي تهذيب السلطة وجودها، بغض النظر عن وجود الحرية مستحيلة الوجود في وجهة نظر فوكو، ولكن ستوجد دائمًا علاقات سلطة، وهذا أمر في غاية البديهية طالما وُجد طرفان بينهما علاقة اجتماعية؛ فلابد أن تكون لهما حدود بما يستدعي وجود سلطة تنظم هذه الحدود. وبالتالي فإن الحديث عن اليوتوبيات التي تنتفي فيها السلطة وتنتهي فيها الدولة، سواء عند الماركسيين أو الإسلاميين هو وهم.

وظاهرة الخطاب هي إنتاج فكري معين، ولكنه يقوم على وجود صلة بين السلطة والمعرفة، وهو الأمر الذي يعني عدم جدوي التقسيم الماركسي بين العلم المنزه عن الغرض والموضوعي وبين الأيديولوجيا التي تعبر عن الوعي الزائف؛ فعلاقات السلطة تخترق المعرفة، وحتى عندما تقوم الدولة بالسيطرة على الأفراد، فإنها تقوم بخلق ذواتهم كموضوعات للمعرفة. ولكي نقوم بإنتاج المعرفة، فنحن نخضع مجموعة من الأفراد لعلاقات سيطرة كالعلاقة بين الباحث والمبحوث. وطبقًا له، فإن علاقات السلطة تتخلى عن وجهها الإكراهي القهري النافي وتصبح سلطة خلاقة. وعلى سبيل المثال، فإن كارل ماركس وجد أن الرأسماليين أصحاب رؤوس الأموال هم أنفسهم من قاموا بجمع بيانات واستطلاعات عن العمال في مصانعهم، وبالتالي استلزمت عملية السيطرة على العمال عملاً بحثيًّا أنتج معلومات عنهم.

هذا عن فكرة المجال العام. أما عن ظاهرة الاستبداد، فأنا متحيز لتناولها من خلال التراث اليوناني الما قبل حداثي. يذكر أفلاطون أن الاستبداد ليس هو استيلاء شخص واحد على الحكم، أو تحكم فرد واحد في قرارات المجتمع، بل هو نمط معين من الشخصية التي تتكاثر لتصبح قوة اجتماعية تستولي على الحكم، فينتخب المستبدون أكثرهم استبدادًا، ومن ثم، فإن الاستبداد لا يفرض على المجتمع فرضًا، وإنما هو اختيار اجتماعي. هذه الشخصية الاستبدادية هي مقلوب الإنسان الطبيعي في حين أن الأخير كائن عقلاني، فإن الشخصية المستبدة تخضع لأهوائها وشهواتها، وهو عبد لذاته وهو عبد للآخرين، وهو لا يعرف شكل العلاقات الأفقية، فلا يعرف معنى الصداقة ولا يعرف معنى الحرية، ولا يستطيع أن يدخل في علاقات اجتماعية أفقية، فحينما يكون ضعيفًا، فهو متزلف ومتسلق ووصولي خاضع، وحينما يكون في موضع السلطة فهو طاغية متكبر متأله، يصدق هذا على نمط الشخصية ونمط الحكم الاستبدادي.

لهذا التصور دلالته الخطيرة على الوضع الحالي في مصر بعد الثورة، فإذا لم يصاحب التحركات السياسية التي أطاحت برأس الحكم، تحركات على المستوى الفكري والأخلاقي من أجل إعادة ترتيب مكونات الشخصية المصرية، فإن النظام سيعيد إنتاج ذاته في أشكال جديدة، قد يكون المفهوم الأفلاطوني عن الاستبداد قديمًا، ولا يقارن بالنظام الاستبدادية التي شهدها العالم من فاشستية وستالينية. ولكن جوهر الاستبداد واحد عبر العصور، وهو التسلط عبر تحطيم العلاقات الاجتماعية. وفيما يتعلق بالأنظمة الاستبدادية العربية، سواء كانت في مصر أو سورية أو دول الخليج وغيرها، فهي نظم هجينة لا ينطبق عليها توصيف محدد، فوضعها علماء التحول الديمقراطي تحت مسميات متناقضة من قبيل "التسلطيات الليبرالية"، أو "الأوتوقراطيات التنافسية" وبغض النظر عن التناقض في تركيب المصطلحات، إلا أنه يعبر عن بنية في هذه النظم؛ فعلى الرغم من جوهرها الاستبدادي، فهي تفتح مساحات للحرية والتنافس وتقيد درجة استخدام العنف. وكلنا يذكر وجود حرية تعبير وإعلام في عهد النظام السابق وكذلك وجود انتخابات، على الرغم من عدم نزاهتها، غير أنها كانت تأتي بمعارضين في بعض الأحيان. ولكن هذه المساحات لم تكن لتؤسس لوجود مجال عام، وهنا نستعين بالأطروحة التي وضعها الدكتور شريف يونس في كتابه نداء الشعب وهي أن الانقلاب العسكري في يوليو 1952 بتصفيته للتجربة الديمقراطية الأولى، قام بتصفية المجال العام نهائيًّا.

ومن ثم، إذا لم يكن لدينا مجال عام، وإذا لم يحدث تحول حقيقي في نمط السلطة، فلا يمكن أن نتحدث عن تكوين فكري نطلق عليه الخطاب؛ فنمط الحكم الاستبدادي ينفي وجود الخطاب. فالخطاب وفقًا للبنوييين الفرنسيين هو بنية فكرية توجد كل عواملها ومكوناتها على السطح، فليس هناك عمق وليس هناك ظاهر وباطن أو لا شعور. وفي حال وجود السلطة ذات الجوهر الإكراهي، فإنها تلجأ عندما تظهر نفسها تفرق بين ما هو مسموح به وما محرم، وما هو مجرم، هذا الازدواج ينفي وجود الخطاب كظاهرة فكرية. وبالتالي، لا نستطيع أن نتحدث عن وجود خطاب إسلامي أو علماني أو يساري أو ليبرالي، لأن هذه الظاهرة غير موجودة من الأساس، ولكن من منطلق التبعية الفكرية والتوظيف الانتهازي للمفاهيم، فقد قمنا بإعادة تدوير المفاهيم الغربية، وأصبحنا نستخدم لفظ الخطاب ونلوكه لنصف ما هو غير موجود بسبب العلاقة بين بنية السلطة وبنية المعرفة في مجتمعتنا.

من هذا التحليل، أستخلص أنه ليس هناك تيار سياسي يستطع إعادة فتح المجال العام او إعادة بنائه، لأن العمق الفكري لهذا التيار تقوم على فكرة الظاهر للجميع والعمق للقلة المختارة، ومثل هذا العمق سيعيد إنتاج التسلطية مرة أخرى، وهذه هي معضلة الثورة الآن، وهي معضلة لا تتعلق بتيار فكري بعينه، فقد كانت ستظهر أيًا يكن التيار الممسك بزمام السلطة.


* - نص المداخلة الذي ألقي في الندوة التي نظمتها مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، تحت عنوان: "الخطاب الإسلامي وإعادة تأسيس المجال العام"، بتاريخ 4 و5 يناير2013، القاهرة، مصر.