حوار مع المفكر أحمد الكاتب: تطور الفكر السياسي الشيعي

فئة :  حوارات

حوار مع المفكر أحمد الكاتب: تطور الفكر السياسي الشيعي

الأستاذ أحمد الكاتب، المفكر العراقي الشيعي البارز، سعيدة بإجراء هذا الحوار معكم، بصفتي باحثة في مركز دال للبحث والإنتاج الإعلامي بالشراكة مع مؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، أرجو منكم الإجابة على الأسئلة التالية بشيء من التفصيل.

بداية دعنا نتساءل عن الأعمدة النظرية للفكر الشيعي قبل الانتقال إلى الممارسات على أرض الواقع:

ـ هل ترى أن الرسول (ص) أرسى دعائم دولة إسلامية، أم مجتمعا دعويا؟

** الرسول الأكرم محمد (ص) مارس قيادة الحرب والإدارة السياسية والقضائية والعلاقات الدولية، إلا أنه لم يؤسس دولة بالمعنى الحديث، وأبقى على الدول التي دخلت في الإسلام في عهده على وضعها ولم يغير ملوكها، ولم يتدخل في أنظمتها السياسية، وإنما اكتفى بإرسال المعلمين والقضاة إلى البحرين وعمان واليمن وحضرموت، ولم يطالب في رسائله التي بعثها إلى ملوك فارس وكسرى ومصر بتسليم السلطة إليه، وإنما دعاهم إلى الإسلام مع وعد بالمحافظة على ملكهم، وهذا يؤكد أن الرسول الأعظم لم يقم دولة بالمعنى الحديث، ولم يترك وراءه نظاما سياسيا دستوريا معينا، وإنما ترك الأمر للناس لكي يقيموا أنظمتهم كما يشاءون.

ـ ذكرت في كتابك " تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه" أن الإمام عليا ـ كرم الله وجهه ـ لم يطلب البيعة، إذن، كيف تفسر امتناعه عن إعطاء البيعة لأبي بكر لمدة ستة أشهر؟

**- الامتناع عن البيعة لفترة من الزمن لأسباب مختلفة يختلف عن المطالبة بالبيعة،؛فقد كان الإمام علي بن أبي طالب يعتقد في نفسه أنه أولى بالخلافة، ولكنه رفض الاستجابة إلى طلب أبي سفيان وعمه العباس بالمبادرة إلى البيعة في وجه أبي بكر، خوفا من شق عصا المسلمين.

ـ كيف يمكن لك أن تقيم تجربة ولاية الفقيه كتجربة، وحل؟

** نظرية ولاية الفقيه لا وجود لها اليوم في إيران، وذلك لأن هذه النظرية انبثقت في القرون الماضية بديلاً عن نظرية الإمامة الإلهية لأهل البيت، أو امتدادا لها في عصر غيبة الإمام الثاني عشر، وكان أول من طرحها قبل حوالي قرنين الشيخ أحمد النراقي، ثم تبناها الإمام الخميني قبل الثورة الإسلامية في إيران، ولكنه عاد فتنازل عنها لصالح الجمهورية الإسلامية الديموقراطية التي تقوم على أساس ولاية الأمة على نفسها، وانتخاب الإمام ورئيس الجمهورية ومجلس النواب، تماما كما يحدث في الأنظمة الديموقراطية، وقد تطور حتى مفهوم كلمة (الفقيه) من الفقيه التقليدي أو مرجع التقليد المعروف لدى الشيعة إلى العارف بالأمور السياسية، وقد انتخب السيد علي الخامنئي خلفا للخميني، حتى قبل أن يحوز على رتبة الاجتهاد في الفقه الشيعي، وكانت نظرية ولاية الفقيه تستند في شرعيتها الدستورية إلى نظرية أخرى سابقة، وهي نيابة الفقيه العادل عن الإمام المهدي الثاني عشر الغائب، ولكن الدستور الإيراني لم يشر إلى هذه النظرية كمصدر من مصادر الشرعية، واكتفى بالشرعية الدستورية الديموقراطية، طبعا ضمن القانون الإسلامي والفقه. ولا تزال الجمهورية الإسلامية تلتزم بالانتخابات الرئاسية والنيابية كل أربع سنوات، ما عدا انتخاب القائد الذي تم لمرة واحدة بعد وفاة الخميني من قبل مجلس الخبراء، ولا يزال خامنئي يتمتع بسلطاته العليا على الدولة من دون تغيير. وهذه نقطة، وإن كانت دستورية، إلا أنها قد تتناقض مع روح الديموقراطية التي تقتضي المحاسبة والنقد والتغيير وتبادل السلطة.

ـ هل طرح الفكر الشيعي أطروحات مغايرة تماما لولاية الفقيه؟

** نعم، أجبت آنفا، وقلت إن ولاية الفقيه ليس لها وجود اليوم حتى في إيران. أما في العراق، فإن الشيعة يلتزمون بالنظام الديموقراطي الذي أيدته ودعمته مرجعياتهم الكبير.

ـ الشيعة بين الماضي والحاضر: كيف تقيم الفكر الشيعي موضحا نقاط القوة والضعف؟

** التشيع يعني التحزب السياسي، وهو من مخلفات الماضي السحيق، ولم يبق منه إلا اسمه، وذلك لانقراض أو انعدام المحور الأساسي للتشيع، وهو وجود الأئمة الاثني عشر من أهل البيت الذين وجدوا في القرون الثلاثة الأولى، ولذلك فقد مر الفكر الشيعي بمراحل متعددة : منها مرحلة الكمون والتلاشي، ومرحلة النهوض والثورة، وهو حاليا أقرب إلى الفكر الإسلامي العام (السني والديموقراطي)، وإن كان يحتفظ ببعض الطقوس والشعارات والممارسات العاطفية والأحكام الفقهية المتميزة. أما الفكر السياسي الذي يشكل العمود الفقري في الفكر الشيعي، فقد انتهى وزال، والشيعة اليوم لا يؤمنون ولا يشترطون أن يكون الإمام معصوما أو معينا من قبل الله، أو من السلالة العلوية الحسينية، بل يجيزون تقدم أي إنسان لمنصب القيادة والزعامة والإمامة، ويعيشون مع إخوانهم من بقية الطوائف على أساس دساتير ديموقراطية حديثة.

ننتقل الآن من عالم الأفكار إلى عالم الأحداث والأشخاص:

ـ كيف يمكن الرد على مزاعم دور الشيعة في تثبيط همة الدولة العثمانية في سعيها لاستكمال الفتوحات الإسلامية التي وصلت أسوار فيينا؟

** هذه قضايا تاريخية بحاجة إلى تحقيق، وعادة ما يلقي المنهزمون أسباب هزائمهم أو فشلهم على الآخرين، وأفضل أن أوجه السؤال اليوم إلى كثير من الحكام العرب (السنة) الذين يتحالفون مع أميركا وإسرائيل ضد حركات المقاومة الوطنية في العالم العربي والإسلامي.

ـ هل يسعى الشيعة إلى الارتقاء بمجتمعاتهم، أم أنهم يرون ذلك فقط من خلال نشر الفكر الشيعي؟

** أرجو عدم النظر إلى الشيعة بصفتهم المذهبية التاريخية المشحونة بالصورة السلبية، وإنما النظر إليهم كمواطنين يعيشون في بلدانهم، ويشاركون بقية المواطنين ــ من مختلف المذاهب والأديان ــ الهموم الوطنية والاقتصادية والسياسية، ولا سيما أن الكثير منهم لا يعرف معنى التشيع، ولم يبق لديهم من التشيع إلا الاسم، فهم مواطنون مسلمون لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، ومن الطبيعي أن يعملوا من أجل ارتقاء أوطانهم وتحريرها وتعزيز وحدتها، ولا أعتقد أنهم مهووسون بنشر الفكر الشيعي كقضية عامة، ما عدا بعض الأفراد الذين قد يهتمون بذلك، كما يهتم بعض المشايخ السنة أو الحركات السنية بنشر المذهب الوهابي أو الحنبلي أو الحنفي أو الصوفي.

ـ هل تعتبر الطائفة العلوية بسوريا من ضمن الطوائف الشيعية؟

** العلويون طوائف متعددة وليسوا طائفة واحدة، والثقافة السائدة لدى أتباعهم تختلف من طبقة إلى أخرى ومن فئة إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى ومن جيل إلى آخر، والطائفة العلوية في سوريا أعلنت في السبعينيات، أنها جزء من الطائفة الشيعية الجعفرية الاثني عشرية والإسلامية، والكثير من أبناء الطائفة لا يعرف ماذا تعني العلوية حتى إن الرئيس بشار الأسد يصلي كالمسلمين السنة، ويحمي المؤسسة الدينية السنية في سوريا ويرعاها.

ـ كيف تقيم تخوف الدول العربية، لا سيما مصر، من إقامة حسينيات؟ وإلى أي فريق تنحاز؟ ولماذا؟

** لا توجد أية مخاوف حقيقية من إقامة حسينيات هنا وهناك، وإنما هذه مخاوف إعلامية مبالغ فيها تأتي ضمن سياق الحملة الإعلامية السعودية والإسرائيلية الكبرى ضد الشيعة وإيران، وتتعارض مع التوجه الديموقراطي الذي ينادي به الربيع العربي، وعلى رأسه حرية الاعتقاد والتعبير، فماذا يضر مصر أو العالم العربي أن تبحث مجموعة من الأشخاص في قضية تاريخية مر عليها الزمن؟ في الوقت الذي تخوض الشعوب العربية معركة مصيرية من أجل الحرية والعدالة والديموقراطية والاستقلال، وإن كنت أفضل شخصيا أن يهتم من يسمي نفسه شيعيا بالمعارك الوطنية الكبرى المعاصرة، بدل العيش في معارك الماضي التاريخية.

ـ هل ترى التناحر الشيعي/ السني تحركه أصابع دول عربية معينة؟ ولماذا؟

** بالطبع، وعلى رأس تلك الدول؛ السعودية التي تدعم قنوات الفتنة الطائفية التحريضية في السعودية والخليج ومصر ولندن.

ونسأل الله أن يهدي حكام هذه البلاد بالرضوخ لمطالب شعوبهم بالحرية والعدالة والديموقراطية والمساواة، وعدم إثارة الفتن الطائفية، خدمة لأعداء الأمة ومحاولة لحرف أنظار الجماهير عن مطالبها العادلة .

ـ كيف تقيم أداء التيارات الدينية السنية؟ هل تراها تواجه مأزقا فكريا ومنهجيا؟

** التيارات الدينية السنية كالإخوان المسلمين وحزب التحرير والقاعدة وما شابه، قامت على أساس فكرة الخلافة والعمل من أجل إعادة الخلافة التي سقطت في تركيا سنة ١٩٢٤، وقد قام بعض هذه الحركات الإسلامية بإعادة النظر في فكرة الخلافة وصروتها الاستبدادية المطلقة، باتجاه الفكر الديموقراطي، في حين فشل بعضها بتطوير فكره السياسي ، وهي لا تزال تتذبذب بين هذا الاتجاه وذلك، وربما كانت العقدة الأساسية لدى هذا الفريق تكمن في النظر إلى الحكم الإسلامي أو ما تسميه النظام السياسي الإسلامي كجزء من الإسلام، بل كأهم ركن من أركان الدين حسب تعبير حزب التحرير، ولذلك فهو يرفض المنجزات الغربية الإنسانية في مجال الديموقراطية، باعتبارها أمورا غريبة على الإسلام ودخيلة، ولا يمكن دمجها بالإسلام أو استبدالها بالنظام الإسلامي؛ أي الخلافة، بينما أرى في الحقيقة أن الإسلام لم يقدم نظاما سياسيا معينا باسم الخلافة، وقد كانت الخلافة تجربة قومية خالصة، مرة عربية وأخرى أعجمية، لأن المجال السياسي ليس من اهتمامات الدين؛ أي أن السياسة من مجال العرف والعقل والأمور المدنية المتروكة للناس، حيث يكتفي الدين بالدعوة إلى الالتزام بالقيم والأخلاق ولا يتدخل في التفاصيل. ومن المعروف والثابت أن النبي الأكرم لم يعين أحدا بعده خليفة، ولم يعين نظاما سياسيا معينا.