الحوار والخطاب ... التفكير على التفكير

فئة :  مقالات

الحوار والخطاب ... التفكير على التفكير

يتصل مفهوم "الحوار"، الذي يعلو صيته يوماً بعد يوم في عالمنا المضطرب، بمفهوم "الخطاب"، كما يستعمل هذان المفهومان اليوم؛ فما يقال في الخطاب، على وجه العموم، يمكن أن يقال في الحوار، على وجه الخصوص، سواء كان الأخير شفوياً ومباشراً، أم مكتوباً وغير مباشر، (كما هي حال الحوارات على صفحات الصحف والمجلات ومواقع التواصل الاجتماعي)؛ فالفروق بين هذين المفهومين هي فروق في مدى العموم والخصوص، ومدى التراجح بين التفكير الحرّ و"التفكير على التفكير"[1]، في كل منهما، على الرغم من أن كلاًّ منهما يتحدد بموضوعه وشروط إنتاجه ومجاله التداولي، بصورة أساسية.

وقد يكون هناك فارق آخر، يصعب تبيُّنه، هو أثر اللاشعور أو اللاوعي الفردي / الجمعي في كل منهما؛ إذ قد يكون هذا الأثر أقل ظهوراً في الخطاب العمومي، أو ما سماه كنت "الاستعمال العمومي للعقل". وقد يكون اللاشعور الفردي / الجمعي عاملاً من عوامل التوتر الطارئ، غير المفهوم، وغير المبرر، بين المتحاورين، وعقبة في طريق التوصل إلى رؤى مشتركة وفهم مشترك، وإلى توافقات وتسويات، هي تعبير عميق عن الاستعمال المتراجح للحرية، أو ما يطلق عليه "نسبة القوى"، بين الأطراف المختلفة. علاوة على عقبات أخرى ذات طابع أيديولوجي غالباً، ولا بأس في أن نقول ذات طابع معرفي (إبيستيمولوجي) أيضاً.

وإلى ذلك، نعتقد أن اللاوعي، الذي لا نماري في أهميته وآثاره، مثلُ الوعي، ذو طبيعة ديناميكية، وأن الأخير هو الذي يرسم خرائط العالم، ويعيد رسمها وتعديلها مرة تلو مرة، كلما توصل الفرد إلى معرفة جديدة وكلما اكتسب خبرة جديدة، أو دخل مع غيره في علاقة جديدة، أو كلما طور علاقة قديمة، ولكنه لا يمزق الخرائط القديمة، ولا يتلفها، بل لعله يصنفها، ويخزنها في الذاكرة الخلفية، ومن ثم فإن الخريطة الأخيرة، (أو صورة العالم في الذهن)، التي يرسمها الوعي، هي بالأحرى خريطة ديناميكية ومرجعية، كل تعديل فيها يسري على سائر النسخ القديمة، فمن الخُلف أن يُفترض شيءٌ استاتيكيٌ في البنية النفسية الذهنية للفرد الإنساني، أو في بنيته العضوية، (سوى الخلايا الميتة)، إلا في حال الخمول والهمود النفسي والعطالة الذهنية، وغلبة التكرار والاستظهار على الفكر والعمل، وهذا ما يَسِم الجماعات المغلقة والمجتمعات المغلقة، التي تقدس أعرافها وعاداتها وتقاليدها وأنماط عملها ومعايير سلوكها، كما تقدس أسلافها وتنفق من تراثهم، في "سوق الكلام".

لذلك، نعتقد أن استقلال الوجدان وحرية الضمير من أهم الشروط اللازمة لإنتاج خطاب متوازن، وممارسة حوار خلاق. يقول طه حسين في ذلك: "نعم! يجب، حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه، (قل حين نتحاور ونتناقش في شأن عام، يجب) أن ننسى قوميتنا وكل مشخَّصاتها، وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به، وأن ننسى كل ما يضادُّ هذه القومية وما يضادُّ هذا الدين؛ يجب ألا نتقيد بشيء ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح ..[2]" بغيةَ التوصل إلى أحكام عادلة ومنصفة، هي الأساس الراسخ لاتفاقات أو تسويات منصفة بين أفراد أحرار ومستقلين، متكافئين ومتساوين في الكرامة الإنسانية وحقوق المواطنة وواجباتها.

نعتقد أن استقلال الوجدان وحرية الضمير من أهم الشروط اللازمة لإنتاج خطاب متوازن وممارسة حوار خلاق  

لعل هذا قريب جداً مما سماه جون رولز "حجاب الجهل"[3]؛ أي أن يسدل المتكلم أو المتكلمة حجاباً على جميع محمولاته/ـا وانحيازاته/ـا وتفضيلاته/ـا ويقينياته/ـا أو إيماناته/ـا وأفكاره/ـا المسبقة، وهذا مما يقتضيه استقلال الوجدان وحرية الضمير، ومما تقتضيه العدالة، وهو أقرب أيضاً إلى ما يسميه كانط "الاستعمال الكامل للحرية"، ويعني، هنا، مطابقة التعبير للتفكير، على اعتبار التفكير استعمالاً كاملاً للحرية، وهذا مطلب عسير المنال، على كل حال، لا بحكم تفاوت الكفايات المعرفية واللغوية بين المتحاورين (بالتثنية والجمع)، جراء التوزيع غير العادل للموارد اللغوية والثقافية وحق الكلام، بل بحكم إلزامات اللغة ذاتها، وهي قيد على الحرية لا فكاك منه، وكذلك أشكال التعبير الأخرى.

فإذا لم ندرك أن الحرية تتعين في الاختلاف، وأن الأخير هو ما يستدعي الحوار والنقاش يفقد هذان الحوار والنقاش قيمتهما وضرورتهما، ونكون في العزلة والاحتباس داخل أسوارنا، مهما اتسعت هذه الأسوار أو ضاقت. صحيح أن لكل فرد عالمه الخاص، أو خريطته الخاصة للعالم، أي بنيته الذهنية - النفسية اللاشعورية وصورة العالم، التي تحكمها هذه البنية، وأن الحوار هو حوار بين خرائط [4]، لكنْ لا يجوز أن ننسى أن هذه الخرائط خرائط مختلفة للعالم نفسه، من الممكن إيجاد إحداثيات مشتركة بينها جميعاً، وهذا ربما مغزى حديث هابرماس عن الحقيقة / الحقائق التواصلية. هذا الإمكان مغروز في الكينونة البشرية، بحكم وحدة الفرد والنوع، أو كلية الكائن الإنساني، كلية الفرد الإنساني ذكراً وأنثى، ولكنه مرهون بارتقاء وعي الفرد إلى العمومية والكلية، وقدرته على ممارسة حريته، وتجاوز الحدود الهووية والأوهام الذاتية.

الحوار أقرب ما يكون إلى "التفكير على التفكير"، بشرط ألا نضفي على هذه المقولة قيمة سلبية أو قدحية، إذ من دون هذه العملية الجارية باستمرار، والتي تتوفر على بعد نقدي، لا يخفى، (ما لم يكن الحوار سجالياً، يقول الشيء ونقيضه، وما لم يكن تسلطياً أساساً)، لا تتجدد المعرفة ولا تنمو الثقافة، بصفتها فضاء عاماً، وشكلاً من أشكال الوجود الاجتماعي، في شروط معطاة. ولا يخلو أن يكون الخطاب أيضاً نوعاً من تفكير على التفكير، في مختلف المجالات التداولية، بما فيها مجال العلوم الطبيعية والعلوم البحتة، إذ "تاريخ العلم هو تاريخ أخطائه"، حسب كارل بوبر، بل هو تاريخ نقصه أو عجزه عن بلوغ التمام، ولذلك نعتقد أن المعرفة استئناف، وفي هذا الأخير معنى الابتداء من جديد عطفاً على بداية / بدايات، لا من الصفر.

هذا يطرح علينا سؤال التفكير الحر، وهو من أهم أسئلة الحرية. فإلى أي مدى يمكن أن يكون التفكير حرّاً؟ إلى أي مدى يمكن أن نفكر بحرية لا يحدها حد ولا يقيدها قيد، حين نعقد العزم على أن نتجاوز جميع الحدود، ونحطم جميع القيود، ونتحرر من جميع المرجعيات المقدسة منها أو المكرسة؟ في البداية، يمكن القول: إن التفكير يمكن أن يكون حراً حرية تامة، قبل أن يتعين في قول أو إشارة أو فعل، (إذا كان ثمة قبلٌ، وليس من قبلٍ، إذ لا تفكير إلا باللغة، صامتةً كانت أم صائتة)، وكل تعيُّن هو سلب أو نفي. ولكن هذا الإمكان غير مطلق أيضاً، حتى مع تطويع اللغة، بحكم الحدود والقيود المستبطنة في اللاشعور أو اللاوعي الفردي - الجمعي، لذلك نجد أنفسنا إزاء أنماط أو نماذج من التفكير، تختلف من جماعة إلى أخرى ومن مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر. هذه الأنماط أو النماذج هي أطر حابسة، وصادَّة، مقيِّدة للحرية. للحوار، بصفته تفكيراً على تفكير، وبصفته نقداً، أو ذا بعد نقدي، أي بصفته نفياً للنفي الأول، المشار إليه، أثر حاسم في كسر النماذج وتغيير الأنماط، ولو كانت هذه العملية انتقالاً من سجن إلى سجن أوسع فأوسع، على رأي كارل بوبر.

ربما يمتاز الحوار على الخطاب، أي على إنتاج النصوص، بهذه الميزة. ولنا أن نستنتج من هذا أن القيمة النقدية في الخطابات كافة تتأتى مما تتضمنه الخطابات من حوار ضمني أو صريح، أي من تفكير على تفكير؛ فالنقد إبداع وابتكار، واستعمال عمومي للحرية، على غرار الاستعمال العمومي للعقل، عند كانط.

إن القيمة النقدية في الخطابات كافة تتأتى مما تتضمنه الخطابات من حوار ضمني أو صريح، أي من تفكير على تفكير

أخيراً، لنا أن نتساءل: ألا تنتج من التفكير الحر حرية تامة حقائقُ تامةٌ، يصير الإنسان عبداً لها ومقيداً في سجونها؟ ليس الوجود المطلق عدماً مطلقاً، فقط، حسب هيغل، بل الحرية المطلقة عبودية مطلقة أيضاً، الكمال هو المستحيل.

الكمال ليس حلماً من أحلام الإنسان، بل كابوس من كوابيسه، ورد فعل أحمق على نقصه الوجودي، نعني نقص معرفته وعلمه، النقص الذي هو امتيازه على سائر الكائنات الحية، إذ الناقص ينمو ويزيد، وينمِّي ويزيد. الاستبداد المحدث (الكامل)، على سبيل المثال، حرية مطلقة لشخص، وعبودية مطلقة لرعاياه وتابعيه (عبيده)، وهو من أقبح مظاهر الكمال، ومن أفظع الكوابيس.

[1]- أخذنا هذه المقولة النقدية عن الدكتور يوسف سلامة، في مداخلته بمناسبة تكريم المفكر السوري الراحل صادق جلال العظم، وقد ربطها بغلبة الطابع الحواري أو الجدالي على إنتاج العظم.

[2]- طه حسين، في الشعر الجاهلي، مكتبة دار الندوة الإلكترونية، نسخة مصورة، بلا تاريخ، ص 8

[3]- جون رولز، العدالة كإنصاف، إعادة صياغة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المؤسسة العربية للترجمة، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009، ص 107

[4]- راجع/ي، حسن مستر، لا وعي التواصل، في "التواصل نظريات وتطبيقات"، مجموعة مؤلفين، بإشراف محمد عابد الجابري، سلسلة فكر ونقد، الكتاب الثالث، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2010، ص 18