حوار مع الدكتور عُمَر بن بوجليدة: "تأويل الكتاب مسلك لا غنى عنه في الحد من التطرف"

فئة :  حوارات

حوار مع الدكتور عُمَر بن بوجليدة:  "تأويل الكتاب مسلك لا غنى عنه في الحد من التطرف"

الدكتور عُمَر بن بوجليدة كاتب وباحث تونسي، حاصل على الدكتوراه في الفلسفة، شارك في الكثير من الندوات العلمية والمؤتمرات الفكرية، نشر العديد من الأبحاث والدراسات والقراءات في مجلات عربية محكمة، من مؤلفاته: كتاب: "الحداثة واستبعاد الآخر، دراسة أركيولوجية في جدل العقلانية والجنون" وكتاب: "العرب ومسألة التنوير، كيف الخروج من عصر تمجيد الطاعة" وكتاب: "في تأويل الكتاب: الخطاب الديني بين رهانات المعنى وإرادة القوة (الصراع الجذري ضدّ الاستبداد السياسي والأرثوذوكسية اللاهوتية)".

صابر أحمد: الدكتور عُمَر بن بوجليدة مرحبا بك، نشكرك على قبول دعوة الحوار؛ صدر لكم مؤخرا كتاب تحت عنوان: "تأويل الكتاب: الخطاب الديني بين رهانات المعنى وإرادة القوة"؛ نريد منكم تقريب القارئ من موضوع الكتاب وأهميته، وما هي الإضافة التي سيضيفها هذا الكتاب خاصة للمعرفة في مجال التأويليات؟

عُمَر بن بوجليدة: يؤشّر كتابي هذا، "في تأويل الكتاب: الخطاب الديني بين رهانات المعنى وإرادة القوة (الصراع الجذري ضدّ الاستبداد السياسي والأرثوذوكسية اللاهوتية)" الصادر سنة 2020 إلى أنه بات واضحا، أنّ الاشتغال على المفاهيم والتصوّرات وطرائق التأصيل للعقائد والمعاني بطريقة سرديّة روائيّة، مدفونة في أكوام التقليد الأعمى والغفلة، وما تصرّمَ وباد من أضاليل وأباطيل وتهاويل، غذّت المخيال الجماعي - فانكمش الإبداع وتدنّى - ضرورة واقتضاء تستوجبه اللّحظة والآن، وإن استوعرناها في البدء؛ إذ أقدر أن إدراك دقائقها ببصيرة وتدبّرها، من شأنه أن يمهّد المسارب لمقاربات علميّة نقديّة صارمة مقصودها التحرّر من عبء مضن ثقيل، يتمثّل في التفسير الموروث والقراءة اللاهوتيّة التي تخلع التعالي والتقديس. كما أرى أنه في هذا المستوى بالذات، ستتجلّى أشكال متطرّفة للانسحاب من الدنيويّ تسلك مسالك النجاة في انتظار أن يتصالح العالم مع الله، وسيستبين أنّ فعل العنف لا يكون مجرّد قوّة، بل تأثيرا في كل مرّة على أنفسنا وفي الأشياء وفي الآخرين.

إذ ليس من ريب أنّه كان من آثار الدغمائيّة أن استحوذ على العقول نموذج واحد من التفكير ضيّق آفاق التبصّر أيّما تضييق، وقلّص إمكانات التدبّر أيّما تقليص. وليس المهمّ لغرضنا هيمنة أسطورة الأصل - حيث يتمّ عرض حبكة وحيدة - على الأذهان بقدر ما يكون تسريدها، على النقيض من ذلك، بدخولها فضاء جاذبيّة القصّة الكبرى.

وينبغي أن نشير إلى أنّني سعيت في هذا الكتاب، إلى تطارح إشكاليّات في ارتباط بـ "النصّ"، وما تولّد عنه من مصطلحات ومفاهيم ومفردات، وإنشاء دعاوى وصوغ مبادئ، وما يترتّب عنها من استتباعات. وبالرغم من أنّ فصول الكتاب جاءت على استقلال كلّ واحد منها بموضوع مخصوص؛ إلا أنّني عقدت العزم على أن تكون المواضيع موصولة بعضها ببعض، ومكمّلا بعضها لبعض، وما زاد في هذا الترابط هو أنه ينتظمها تساؤل واستشكال يتجلّى من خلال تأكيد "تعدّد القراءات". وكنت قد حاولت احتذاء المنهج الفكريّ المؤمن بالتعدّد والمضادّ للتقوقع والانغلاق، والذي يجمع بين التخصّصات على تنوّعها.

صابر أحمد: ما هي المقاربة الفكرية والمعرفية التي تتبناها وتتوسل من خلالها مسلك البحث والنظر؛ وأنت تطرق موضوع تأويل الكتاب؛ وهو موضوع تتصل معارفه وقضاياه بالماضي والحاصر؟ وبالذات وبالآخر؟ وباتصال النصوص المرجعية الكبرى دينية أو فلسفية أو غيرها بعضها ببعض؟

عُمَر بن بوجليدة: عطفا على سؤالك السابق الذي سألتني في مستواه عمّا يمكن أن يضيفه الكتاب إياه في مجال التأويليات، أشير إلى أن القرائن تنبئ أنّ التأويل، إنّما هو قول يروم الاشتغال على وعي مؤداه، نقدي - حتى إن لم يدرك تَمام الدَّرك -، نتوخى الإيماءة إليه، ما دام الشأن التأويلي، أو الهرمينوطيقي قرين القول والخطاب، مناط العبارات والعلامات ومثوى الرموز والإشارات.

أمّا وقد ثبت أن ليس ثمّة طريقة واحدة لقصّ الأحداث المؤسّسة، ولا صيغة مفردة لتسمية "النصوص" كما زعم بعض من الأوّلين، وما دمنا نرى العالم من خلال صور ورموز، فإنّ الإشكال الأعمق، إنّما يتمثل - على ما أقدّر - في أنّ تلك الأبنية التي لا تولي "النص" ممكنات قراءة وتأويل لا متناهي، تكلّست وبالتالي لم تتملّك من الآليات الحديثة، ومستلزمات الإقامة في العصر، ما يبارك استمرارها. فـ"النص الفلسفي لا يستقيم أمره بغير القارئ الذي له عُهدة فهمه وتأويله بما في ذلك نقله من لغة إلى لغة ومن ثقافة إلى ثقافة مهما تباعدت الأمكنة والأزمنة، ومهما غلبت نزعات التمركز العرقيّ والقوميّ واللغويّ، وما يرافقها من استيهامات حول الغير وحول "الغريب"، وحول امتناع أصلي للترجمة، وكأنّ اللّغة التي يُكتب بها من جنس السّنن المغلق الذي لا يفكه إلاّ أهله والعارفون بأسراره". وحسبك أنّ مثل هذا القول - والذي لما يزل مجهولا - بَدّد بقويّ حجته ما زعمه زاعمون من خصومة النص والتأويل، إلا أنّه سيستبين أنّ التأويل مآبا يفيء إليه النصّ إذا حيّرته متاهات الظنون.

وترتيبا على ما سبق، يكون التساؤل عن الدلالات التي انحفظت وما أضمر من رؤى، وعن المعاني وما انطمر، وعن الذي يدفع إلى مثل هذا الجمع، وفيه ما فيه من التنافر والتضاد والتعاند المنطقي والأنطولوجي، في مراهنة لا نكاد نفطن لها. بأيّ معنى ينطوي هذا الحدس التأويلي الفذّ على تعريف أصيل للجهد الهرمينوطيقي، وعلى مشترك معنويّ جامع لأطياف من القضايا، والمسائل والمفاهيم والنصوص المرسلة على آفاق لا متناهية؟ أليس هذا المقام هو عين الحاجة إلى التأويل، وعين الاضطلاع به وترسيخ أسسه؟

وزيادة في توضيح ما ذَهبت إليه من اتصال النصوص المرجعية الكبرى، عَملتُ على أن أقتفي الخيط الناظم لعلاقة مفترضة بين الديني والفلسفي، ليستبين أن التقاليد تبوّئ النّسب مكانا عظيما، يتعلّق بالإنجاب التذكاريّ للمؤسّس، وما يقتضيه الأمر من لجوء إلى الفداء، ضمن لـ"هرمس"، موقعا لا يمكن إلا أن تكون فيه علامة المطلق المليء بالأسرار، تتلاشى تحت ضوء صحراء الذّاكرة خلال الأفق اللانهائي للملابسات؛ ذلك أنّ المعنى لا يخلو من سوابق عند القدامى، ولا من الصّدى والأثر عند المتأخّرين، بل لعلّه يصلح عنوانا دالاّ على مقام مشترك جامع بين فنون كثيرة. لقد سدّوا الأفق، بأن أقاموا جدار التقليد، والذي نقرؤه اليوم إنما هو ثمرة أعمالهم، فما كان "الأمر" قبل أن يفصلوا الأمر؟

لقد جعلت "الهرمسيّة" من العالم لا صورة لكتاب مفتوح على أفق مرسل لا نهاية له؛ شأنه أن يُقرأ فحسب، بل مثالا لمكتبة عظمى، كتلك التي حلم بها "بورخس" قائلا: "لطالما تمنّيت لو كانت الجنة مكتبة كبيرة". صورة من قوة الإبداع، مذهلة؛ ذلك هو حلم هذا الكاتب الكبير، روح جامحة إلى المطلق مفتونة بالأبد، وبصر ضارب في أعماق الحلم. إشارات متصوفة وعلامات ولا نجم ولا هم يهتدون. وفي البدء، كان الحلم وكان تأويل الأحاديث تعبيرا للرؤى والأحلام عبورا من طور إلى طور، ومن معنى إلى معنى ومن خيال إلى خيال. يمتزج فيه الصوفيّ المفعم بالرموز وتعليم العرفان المنطوي على استعارات ميثولوجيّة، من جهة ما هو تحدّ للمعقوليّة الأولى، دوّامة سؤال لا يدع أمرا إلا استفهم عنه، وهو يحيل على قراءة ثانية أو ثالثة، هي من شأن الأصفياء. أمّا البلاغ، فلا يقول ما يقول والمعنى الحقيقي يغوص في لعبة مرايا ومدارات تنفذ إلى غيابات اللّاعلم الإلهي. متاهات تتوالد فيها الحكايات والخرافات والأوهام والملاحم. ولا تنس أنّ زعزعة التخيّلات الأولى وإعادة تركيب الماضي، هي عصف بالأصل، يمكنها أن تهزّ المعادلات القائمة هزّا.

ولنضرب على ذلك مثالا، يتعلق بفيلسوف، ما فتئ ينظر إليه، حتى عهد قريب، على الأقل في سياق تقليد معيّن، على أنه ميتافيزيقي "محض" غارق في تقصي الوجود والخلاص الفردي دائب التوفيق بين الزمان والأزل؛ إلا أن "البعض" إنما غلط غلطا كبيرا، عندما حاول ترسيخ النظرة التقليدية إلى سبينوزا، التي تمّ ترويجها بحماس شديد نتيجة "ذوق العصر" وقد تملّك بعض الفلاسفة الألمانيين (ليسنغ، شلايرماخر، ياكوبي) على إثر مطالعتهم لكتاب الإيتيقا، ثمّ تناولها "فكتور كوزان" ومن بعده "رينان"، فأشادا بها وأدغماها في التقاليد الجامعية الفرنسية.

وتوطئ الأستاذة "فاطمة حداد" بكثير من الحماس لقراءة جديدة لـ "سبينوزا" مجرّدة من الأحكام المسبقة التقليدية، ومستوحاة من منهج التأويل - جمّ الثراء - كما صاغه سبينوزا نفسه، منهج نوه به "زاك" وحلّله تحليلا مفصّلا ودقيقا في الفصول الأولى من كتابه "حول سبينوزا وتأويل الكتاب المقدّس. فبيّن أنّ غاية سبينوزا في "الرسالة اللاهوتية السياسية"، إنما كانت صياغة علاقات دلالة، لا استخراج علاقات سببية: فالتأويل ليس تفسيرا بالأسباب بقدر ما هو فهم المعاني الحقيقية التي يلقّنها الكتاب. يجب إذن، ألاّ نخلط بين المعنى الحقيقيّ للنصّ والخطاب، وبين حقيقة الأشياء وحقيقة الخطاب. ولأنها تحاول أن تجيد النظر فيما يعنيه التأويل ومقتضاه، تشير الباحثة إلى أن "ليو شتراوس"، "ميّز بين التأويل بما هو محاولة فهم ما أراد القائل قوله وما فهمه في الواقع ممّا قاله، دونما اكتراث بما إذا كان قد عبّر أم لم يعبّر عمّا فهمه، وبين التفسير بما هو محاولة المعرفة اليقينية لمضامين القول التي لم يكن القائل واعيا بها، أعني صدق القول أو بطلانه ... فالتأويل يسبق التفسير، وفي التأويل يكون الفهم أو إدراك المعنى هو الأوّل". ولإجلاء ما غمض وتيسير ما عسر ودفعا بالإشكال إلى مداه، تورد تعريف "ريكور" التأويل في علم النفس التحليلي، على أنه استقراء جملة من القوى في جملة من العلامات"، والسكوت إنما هو من بين هذه العلامات.

وإنّه لمن الشيّق أن نرافق المؤلفة، وهي تنجز قراءة تكشف عن سبينوزا آخر في ثوب متنكّر، وعلينا أن نشد العزم إلى هذا "المشروع"، فقد عقدت الباحثة قبلئذ على أن نرفع الستار عن قراءة تبيّن أن هذا الفيلسوف الذي أوّل الكتاب المقدس تأويلا، اعتبر مدة أكثر من قرن باطلا ومخرّبا ومدنّسا، قد تم تأويله هو بدوره بصورة أحاديّة الجانب، وتم تشويهه من قبل أعدائه كما من قبل الذين أرادوا أن يكونوا له أنصارا، فضلا عن اللاهوتيين المعاصرين له، والهجّائين المناوئين لهم وغيرهم من بعدهم. فلقد زعم "لايبنتز" و"هيوم" مثلا أنه فيلسوف ملحد ولا أخلاقي ولا اجتماعي، كما جعلوا من مذهبه خليطا متناقضا من الهيدونية الأبيقورية والجبرية الرواقية، بل جعلوا منه وحش سفر الرؤيا ويوم القيامة، ثم تمّ ردّ الاعتبار إليه من قبل النقد الجامعي، فاعتبر رجلا "نشوانا بالله" مثلما صدع بذلك "نوفاليس" ورواه "رينان"، واعتبر فيلسوف الأخلاق والدين الذي لا شاغل له سوى مسألة النجاة والخلاص.

وإنّه في هذا السياق "ونظرا إلى هذه التأويلات المتعددة، بل إلى هذه "التشويهات" لفلسفة سبينوزا، أصبحت الحاجة لقراءة جديدة - في كل مرة - حاجة ملحة"؛ إلا أننا ندرك أن التصدّي لهكذا مهمة وموضوع، لا يتسنى إلا متى ما توافرت الروح العلمية، التي تؤكد ضرورة الرجوع إلى "النصوص"، على أن نكون شديدي الحذر من مزالق "استبداد النصوص".

صابر أحمد: كيف تفسّر لنا من وجهة نظرك، طبيعة الانسداد الفكري والنقدي في التعاطي مع المعرفة الدينية؛ وما ترتب عن ذلك من آفات تتمثل في التطرف الديني العنيف الذي يعد معضلة من معضلات العالم الإسلامي في الوقت الحاضر؟ وكيف السبيل لتجاوز هذه المعضلة؟

عُمَر بن بوجليدة: دعني في البدء أشير إلى أن "النصوص" ومؤسّسات الاعتقاد والشأن الديني عامّة، أحيطت بهالة قدسيّة وتجللت بأردية متينة من الثبات والرسوخ، ونسب إليها من المعاني السرمديّة والقيم المطلقة ما لم ينقطع توارثه، حتى تراءت هذه النصوص لا تاريخيّة وغدت غير متعالقة بالإنسان، وباتت دلالاتها متعالية، بمنأى عن كل ما يطرأ على الفكر البشري من تبدّل وتحوّل. ولمّا انبث الشك فيما كان الناس يرونه يقينا، وانفتحت ممكنات للفهم عديدة ومسالك للقراءة لم يسبق وطؤها، أضحى تركيبهم النصّيّ مصدرا لضروب من الخلط الزمني، فإذا البون بين فهومهم المبتكرة، وبين تصوّراتهم القديمة أو ما انغرس في نفوسهم على قدر من الاّتساع كبير.

ولأنّ أغلب المآسي ترتكب في غلوّ مسرف باسم التعصّب للإلهي والدينيّ، طفق مسيّرو أملاك التقديس، أولئك الذين غرّهم من غموض المعنى ما غرّهم، وفتنوا به فتونا أذهلهم عن حاضرهم، يبسطون صنوفا من الاستحواذ على مختلف تمثّلات الدين وتمظهراته وطقوسه ومخزونه الرمزي، كما لو أن أرض الفكر لم تكن واسعة، فيتفسحوا فيها. فضلا عن أنّ المسألة ترتبط باحتكار الحقيقة، وتعتمد على سلطة الوحي وتتكئ على دغمائيّة التفكير. وقد ظنوا أنّهم متى ضيّقوا في الأسئلة حالوا دون "المؤمن" ومسعاه إلى فهم ذاته بمزيد فهم نصوص إيمانه. في هذا المستوى بالذات، ستتجلّى أشكال متطرفة للانسحاب من الدنيويّ تسلك مسالك النجاة في انتظار أن يتصالح العالم مع الله، وسيستبين أن فعل العنف ليس يكون مجرد قوة، بل وتأثير في كل مرة على أنفسنا وفي الأشياء وفي الآخرين. حينئذ، وظفت قوى نافذة، طاقات هائلة لإنجاز مهمّة خطيرة ودقيقة، تتلخّص في قهر الفكر النقدي، بل تمّ في مستواها، تجاوز أفق الكلمة والمهيب والجليل والمعنى لتقيم عوالم اللامعنى ومملكة الرعب.

ولا يمكن في الواقع إرجاع هذه العوامل إلى ثقافة بعينها، فهي كذلك ظواهر مصاحبة لـ "الحداثة"؛ ذلك أن العنف وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية قادرة على توظيف كل ما يخدم مشروعها، بما في ذلك توظيف الخطاب الديني الحامل الأساس لهذا الرصيد والعامل على نشره وإعادة إنتاجه. إنّنا إزاء جماعات تحمل غلّا تاريخيّا وردود فعل متطرفة وحادة، إزاء انقلاع عنيف - مفترض ورمزي - واجتثاث غير رحيم من أنماط الحياة التقليدية، ترجم في أنحاء من الفعل الفظيع وتعطش للدماء، وإطاحة بالعدد الهائل من الضحايا والأبرياء؛ فالحقد والتطرف والشراسة وقد استمكنت من النفس والوجدان، لم تترك إمكان مجاوزة مخططات التدمير. وتلك انعطافات وفواجع، كان لابدّ للتاريخ أن يشهدها؛ فقد بدأ "المؤمن" يعيش اليتم بانقطاع الوحي وانسحاب الإلهي، وقد خيّم الصمت على الكلمة فما عاد الربّ قادرا على التدخل المباشر، وانفتح الوجود على ممكنات شتى تزاحم النص/ الأصل وتشاغب العقل التقليدي وفي مستواها يكون الإنسان فعّالا لما يريد؛ إلا أنه لا يجدر بنا أن نتغافل عن حال من التأرجح بين هذا المرتبط بالشأن الإنساني في نسبيّته وذاك المتعلق بالنصيّة الدينيّة الإيمانيّة التي حجّرت تقصّي معناها البعيد، فغشيتها غمامة طمست الآليات وركّزت على المضامين.

ومن المناسب أن نذكر أن هذا التوزع الإنساني بين اللامتناهي والمتناهي، رمز ألم وارتعاب، له وقع "باسكالي" واضح، غير أن "ريكور" مثلا، ولحلّ هذا الإشكال: إئتسى بـ"كانط": فبيّن أنه بين طموح الإنسان إلى سعادة لا متناهية وواقع طبعه المتناهي هناك لا تناسب بنيوي، تخترقه لتحوّله إلى توازن بين الجزئي والكلي، فكرة "كانط" باحترام الشخص الإنساني من جهة ما هو غاية. ومما قدمنا، يصبح من الموقن به أن "ريكور" قام بقفزة استوجبت الخروج عن الفينومينولوجيا، بل خارج الفكر الفلسفي "العقلاني" - فقد تساءلت عن السبيل لمجاوزة هذه المعضلة -، فالفلسفة مطالبة بالإحاطة بتجربة الإنسان في العالم وتحليل لغته وتجربته الدينية.

هاهنا أرى المقام يقتضينا أن نولج في دائرة التأمل، الأساطير، حول وقوع الإنسان في الشر وبداية خطاب المقدس، وبالتالي لا بد من الانتقال إلى منهجية جديدة هي الهيرمينوطيقا أو التأويلية بما هي طريقة لفك الرموز، من جهة أن هذه الأخيرة هي تعبيرات ذات معنى مزدوج، يقود فيها المعنى الحرفي عملية الكشف عن المعنى الثاني الذي رامه الرمز عبر المعنى الأول؛ وذلك مردّه أن الرمز يعمل على التفكير، وليس بوسعنا إلا الوقوف إبانئذ، عند قرار "بول ريكور" المنطوي على بذور ما سماه لاحقا تطعيم الفينومينولوجيا بالتأويلية المنطلقة من وجود معنى مزدوج لكلّ رمز؛ وذلك من أجل فهم أفضل للذات، فالأساطير والرموز تحديدا هي الوسيط بين الذات ونفسها، ولكن مذاك فصاعدا صار، لا بدّ لأية فلسفة تأويلية من أن ترتبط بفلسفة تفكرية تقوم على الجهد المصاحب لكلّ مرحلة من مراحل الكوجيتو؛ ذلك أن الحقيقة ليست بديهية مباشرة على ما اعتقد "ديكارت"، وليس كذلك بحدس عقلاني على ما طالب به "هوسرل"، ولا هي برؤية صوفية، ولكنها جهد مستمر للخروج من ذاتي والإقامة عند الآخر، كي أصحح رؤيتي لنفسي ومعرفتي لذاتي، غير أنه لا ينبغي أن يحجب عنا هذا أن "ريكور" ذهب إلى القول بأن المنطوقات السردية والاستعارية التي تتكفل بها القراءة تهدف إلى إعادة تصوير الواقع بالمعنى المزدوج لاكتشاف أبعاد مطموسة من التجربة، ولتغيير نظرتنا إلى العالم. هاهنا، سنحاول أن نبين أن الاستعارة إنما تعني في النهاية، وصف الواقع الذي يتبدى أمامنا، العالم الذي نعيش فيه، والذي لا نستطيع أن نخرج منه، يمكن أن نعيد خلقه من جديد، وأن نعيشه بتوتر عميق عن طريق الفن، الشعر... كما يمكن أن نصف واقع وجودنا عن طريق تحليلية الوجود.

صابر أحمد: يرى بعض النقاد والمحللين للمشاريع والطروحات الفكرية التي تم تداولها منذ مطلع القرن العشرين حتى الوقت الراهن في العالم الإسلامي بشكل عام؛ أن الجزء الكبير منها مستلب للماضي ولطروحات تراثية؛ بينما الجزء الآخر مستلب لطروحات ترتبط بالفكر الغربي؛ بالنظر إليه وإلى الحداثة بأنها مكتملة وفوق النقد، وهذا يتم بوعي أو بدونه؛ بينما الطروحات الفكرية التي تأخذ بمبدأ النقد المزدوج؛ بنقد وتحليل موروثنا الثقافي وفي الوقت ذاته نقد وتحليل مقتضيات الحداثة؛ لازالت تتصف بالقلة بدل الكثرة. لكونك من بين المختصين في التأويلية والفلسفة المعاصرة؛ نريد رأيك في هذه المقاربة بهدف العبور إلى سياقات فكرية تقطع مع ما هو أيديولوجي، وتأخذ بما هو علمي موضوعي وأكثر إنسانية؟

عُمَر بن بوجليدة: إن مثل هكذا أسئلة، والتي هي بمثابة التمرينات على اختبار مدى قدرتنا على التسآل الجذري وممكنات القطع مع "الإيديولوجي"، من شأنها أن تحضنا على الانتباه إلى أن الإسلام وأصول الحكم - حين استأنف "علي عبدالرازق" القول في مسألة الدولة الوطنية من مدخل التمييز بين الدينيّ والسياسي - إنما كان أجرأ محاولة في نزع الصبغة الدينية عن الخلافة بعد حرص مُصلحي القرن التاسع عشر من أمثال "الطهطاوي"، و"خيرالدين التونسي" على التوفيق بين مقتضيات السياسة الشرعية التقليدية وأنظمة الحكم النيابي المقيّد بقانون وضعي. إنها محاولة للتفكير بالنفس من جهة ما هي عين الوجود؛ إنه نحت مصادر الذات من الذات والتفاعل مع المستجدات والنوازل والتعاطي مع ممكنات التغيير الراديكالي لهكذا مفاهيم وقيمتها عند العرب المسلمين، وحرص المفكرين على تفعيلها والاستفادة من ثمارها تسريعا لدخول الحداثة (كواقعة كونية لا مجال للشك فيها)، دفعهم إلى الوصل مع النموذج الحديث للدولة الليبرالية. فشكل هذا الخطاب لحظة خيانة مزدوجة للمنطق التقليدي وللمنطق الليبرالي معا، لكنه نجح في تأسيس حساسية جديدة في الفكر العربي المعاصر على حد عبارة "أنور عبد الملك" كما أنهم ساهموا في كسر نظام الكلمات وتحوير المصطلحات وفتح المفاهيم على أبعاد مختلفة تساهم في تحريك المجتمع دون الانفصال عن البعد الواقعي؛ ذلك أن واقعة الحداثة قد وقعت. وشكلت صدمة روحية جذرية لجهاز التفكير التقليدي اهتزت بمقتضاها كل مفاهيمه وأساليبه، ورؤاه وتصوراته. الدولة لم تكن إذن سوى الدين نفسه، وهذا هو مصدر الشرعية التاريخية للنبوة وتفوقها على السياسة أو الدولة القهرية. وما لا يبعث على الاطمئنان والرضا، بل يؤكد الشك والقلق والاضطراب أنه ما دامت أنظمة الحكم تستمد شرعيتها من قوة القهر، فإنها تلجأ بالضرورة إلى سقف الدين تحتمي به ويكون لها ملاذا.

ثمة مسافة مزعجة ولكن عميقة، استبان في مستواها أن الحداثة موقف موجب، إنها ثورات قامت بها الإنسانية الأوروبية، لكن العرب كان محكوما عليهم بمعاصرة بلا حداثة كما وضح "فتحي المسكيني" في إلماعة له باهرة: أن يكون ملقى بهم في هذا العصر، من دون انتماء داخلي وعضوي إليه؛ وذلك أنهم كانوا عندئذ يحملون وعيا آخر بالزمن، ربما كانوا المجتمع الوحيد الذي ظل محتفظا بقرونه الوسطى.

لقد اتخذت الدولة السلطانية لحظة انفرض عليها الحوار القسري مع "الغرب"، بعض مظاهر الدولة الحديثة (= لم يتعرّفوا في بادئ الأمر على الدولة كجهاز متكامل، بل كعناصر مبتورة) ولم يكن شأنهم هنا سوى رد فعل لما كان قد وقع فعليا. فما حصل في العالم الإسلامي من نقل فوقي لم يثمر سوى عصف بالأصل، وتطوير لآليات التسلط السلطاني لم تترك له فيه المجال ليتوحّد مع الصورة التي له عن نفسه، إلى حدّ ينسى معه الاندهاش؛ فعندما واجه "خير الدين التونسي"، مثلا، من يريدون إعادة إنتاج الماضي، تفطن أنه لابد له إذا ما أراد تدبّر أمر الإصلاح أن يلجأ إلى لغة السياسة التراثية، وطفق طيلة نصه يدافع عن هذه التنظيمات، إلا أنه لم يتمكن من درك النواظم الفكرية المؤسسة للدولة العصرية. وهكذا نستنتج أن طغيان المركزية التراثية العربية - الإسلامية (ما سميته أنت بالاستلاب للماضي والطروحات التراثية)، والمركزية الغربية (ما نعته أنت بالاستلاب لطروحات ترتبط بالفكر الغربي)، - وهما معا تردّدان الوهم الإيديولوجي عينه: النموذج المرجعي المعياري الذي تقاس به الأفكار والتجارب - إنما تتشاركان في إسقاط التاريخ باسم لحظة من التاريخ كما أبان "عبدالإله بلقزيز" ذات مناسبة. فمن يفكر يستعمل كل العقول لمجاوزة سلطان السلطة وما تلاه من روح قبلية، عشائرية وطائفية وبقايا الدولة السلطانية التي تؤكد غياب الديمقراطية، والتي لا تواجه بغير مشروع الديمقراطية من جهة ما هو نظام مؤسسي لإدارة تعددية المجتمع المدني، ولئلا تؤول التعددية إلى تشتيت، ينبغي أن تقوم على رباط المواطنة. ولن يتم انفضاح المحورية الغربية وإبانة تصدع كثير من مرتكزاتها وتفكيكها بالانكفاء على الذات، وقد انطوت في ركن ركين تحاصرها الاتهامات، وتلهث بحثا عن أدلة تثبت براءتها وآيات تبطل مطاعن ومزاعم مستشرق مفعم بالتلذذية والنزوع العجائبي. كما لا يتم ذلك بالعداء المعلن أو المضمر ولا بالردود السجالية المتسرعة ولا بإنكار كل ما يصدر عن "المستشرق".

فمثل هذا المنهج، يولد استشراقا معكوسا ويخلق تمركزا جديدا لا يحرر الثقافة بقدر ما يجعلها أسيرة ذلك الوهم الاستشراقي: الدونية والعجز "وهذا مأزق يجب تلافي السقوط فيه" وإنما يتم ذلك - تفكيك المركزية وإبطال هيمنتها - بالتعامل الموضوعي الواعي بأهمية الاستشراق من حيث هو رؤية الآخر للذات، عدا ما قدمه الاستشراق للثقافة العربية - مما لا يمكن أن نحصي - من نشر وتحقيق العديد من المخطوطات"؛ فمعظم كتب التراث الإسلامي حققها مستشرقون أجانب"، ثم إن الخروج من نير تلك الهيمنة يقتضي الوعي أولا بأن اهتمام "الغرب" بالشرق لم يكن في أية حال من الأحوال من أجل "الشرق"، بل كان دوما من أجله هو (=الغرب) ويتم ثانيا بتحليل الفكر الأوروبي عموما، والفكر الاستشراقي بخاصة، تحليلا نقديا من الداخل فـ "مراجعة الاستشراق الأوروبي لا تقوم بنقد الاستشراق فحسب، بل بنقد الفكر الأوروبي ذاته" (وهو ما يمكن تسميته بالنقد المزدوج على حد عبارة طريفة وعميقة لـ"عبد الكبير الخطيبي")، فقد نسي الأوروبيون ما يدينون به للفلسفة واللاهوت العربيين، إنه نسيان ينبع من تمركز حول الذات فمثل هذا التحليل يوقفنا على الرؤية التي تحدوهم والمنهجية التي يسلكونها ورصد الآليات والأساليب التي يتوسلون بها، فتحدث خلخلة جذرية ونقد يقظ يهز نظام المفاهيم والمعرفة السائد، بل قل البناء النظري، الذي يتأسس عليه هذا الاستشراق، هذا الإقلاق هو الذي يزحزح علاقتنا بالاستشراق و"خلخلة تلك الإشكالية بإحداث رجة نقدية في مفاهيمها الأساسية تعني نهاية المعرفة المؤسسة عليها" والتملك النقدي للفكر الغربي، من موقع التجاوز التحرري.

صابر أحمد: فما شأن الإيمان اليوم، وكيف يُحمى من منطق الملّة، وما علاقته بالحرية والحتمية والعنف والواجب والقانون؟

عُمَر بن بوجليدة: لعلّ ما يكون بيانا لذلك، أن ضمير النّبي يستند على تاريخيّة طويلة المدى تسرّبت من إبراهيم؛ فالإيمان هو الذي جعله غريبا عن شعبه وعن أرضه وعن نفسه، وبالتالي فالإيمان هو تجربة المنفى، إنه عنف الانفصال اللامتناهي. وإنّنا لتحت هدي هذا النحو من النظر، نحن مدعوون الآن إلى تفحّص لحظة انتصاب العلاقة بين الكائن الحق المشخّص، وهو الله وبين محمّد – الإنسان، تلك اللحظة التي تتخذ، أهمية قصوى في عمقها الميتافيزيقي والتاريخي: تلك هي لحظة التجلّي التي فاجأت محمّدا وزجّت بالبيان الإسلامي في تدفّقه الأوّل.

ولو نحن تأملنا ما أسلف "هشام جعيط" ذكره في مجمل كتبه، لألفيناه يظهر لنا وعيا حادّا بثقل ما أورده الرّواة والمصادر القديمة. وما حفّ بالوحي من خوارق هيأت له السبيل. لقد بلغنا في هذا الطور من تقصّينا منعرجا خطيرا جدّا في مجرى التوحيديّة السامية؛ لأنّه أخرج العلاقة بالإله الحقّ عن سلالة الشعب "المختار" وتراثه، فمحمد نبيّ عربيّ يحاول ولوج واقتحام الذّاكرة وتسجيل شعبه في روحانيّة التوحيد، هذا الذي انقفل وانغلق. ورفض اليهود لدعوته كان بمثابة جرح؛ فأهل الكتاب، هم الذين توجّه إليهم بالخطاب في أوائل نزول الوحي، لئلا تضيع دموع "هاجر" في الصحراء. وهكذا تحولت الحرب بين إيمانين أو قل بين شكلين من الإيمان بفكرة التوحيد. وما يلفت النظر أنّ الدعوة المحمّديّة أيضا، اتّجهت بقوة إلى محو وشطب الآلهة في تعدّدها، لكنها لم تمسّ الطبقة الترسبيّة الأبعد، إنّما وجّهتها نحو الإله الأوحد؛ فكلّما توغّلنا في ثنايا الماضي ينكشف لنا مدى ارتباط عمليّة "إفراغ الذّاكرة" تلك بوجود مخّطط تطهيريّ حقيقي. فثمة مسافة بعيدة وعميقة استبان في أماراتها إله مبهم مأتاه فيض موروث قديم. فيما سلف بيانه، توضح أنه من الضروري إعادة التفكير في "الفرضيّات التأسيسيّة" للسّيرة النبويّة وخلخلة المسلّمات، التي تعرّضت إلى هزّات عنيفة، وأصبحت غير مقنعة. ولقد طرح "كيركغورد" في "الخوف والارتعاد"، سؤالا غير مسبوق حول الإيمان على خلاف "كانط"، وإنه لسؤال فريد، يريد أن يطّلع على دلالة لم تكن فيه، ويشرّع لما انسدّت أمامه الآفاق. وفي مثل هذا النظر من غزير الغنى ما فيه، إذ لم يعد الرّهان الفلسفي متعلقا بالبقاء في حدود مجرّد "العقل" بل أكثر من ذلك. ولسنا نستطيع في هذا المستوى، إلّا أن نشدّ العزم إلى هذا التصيّر، غير السؤوم ولا العجول، والذي يلامس التخوم، من جهة ما هو أفق نرتقي إليه.

لقد بات جليًّا شديد الجلاء أن ليس الإيمان أقرب المطلوب منّا، وإنّما هو أبعدها عنّا، وسيكون على الفيلسوف طرح السؤال عن الإيمان هذه المرة، باعتباره "مفارقة" قائمة على نوع غريب من الثقة في المحال أو إيمانا مستحيلا. ومن أجل التعريف بهذا المُحَيّر الآسر الحاد، تثقله التواريخ، يقرّ في ضرب من التوضيح أنّ معنى الاستحالة تجربة لا يمكن فهمها. ويحاول "فتحي المسكيني" استئناف مضاعفة سؤال، يذهب في مستواه إلى أنّ المجتمعات ما بعد الدينيّة لا تحتاج إلى الإلحاد، بل فقط إلى تحرير الإيمان من الأديان النظاميّة، وإنّها لطريقة خطيرة من وجهة النظر التاريخيّة، إذ نلمس فيها قصدا يختلف تماما عمّا فات من قصود، ولكأنّها تؤشّر إلى ضرورة، إعادة الإيمان إلى أصحابه الحقيقيّين، وحمايته من منطق الملّة مهما كانت رواسبها فينا. ومن هنا استبان له أن مهمّتنا الأولى، إنّما هي الإشارة إلى الإغراء الصارم لقلق الفكر والحرج الشاقّ، الذي بمقتضاه، تساءل الباحثون ما بعد المحدثين عن دلالة المسيحيّة بعد "نهاية الكنيسة"؛ أي في "عصر ما بعد الدين"، حيث يمكن انتظار "ولادة يقظة روحيّة جديدة". هكذا استطاعت مثل هذه النسوج النصيّة أن تنحت كياناتها المقتدرة، وأن تصغي بحنين إلى إنسانيّة مجروحة، وأن تجترح محاولة في ارتسام ملامح الطريق إلى "إيمان العقول والأرواح الحرّة". وإنّ هذا الاجتراء، لممّا يتعتع بنيتنا الذوقيّة والفكريّة، ويربك طرائق تفكيرنا، ويعيد الصفاء لمشهد فينا أصابته غشاوة من أنفسنا ولفّه ضباب غامض.

وبضرب من السابقيّة طريف، سيعرب "جيورجيو أغامبن" عمّا طال أمد كتمانه، ذلك أن كلّ من يعتقد أنّه يجب عليه أن يفعل يدّعي أنه ليس كائناً، وإنما عليه أن يكون، آنئذ يرتبط الواجب بالخضوع. وعندما نكون رفعنا القناع – كاسح التغلغل وشديد الوطء – يصبح الواجب وقتذاك دالاًّ على القيام بفعل يلزم أن يحدث حتما بالخضوع إلى القانون. ولسوف نلحظ أنّ الواجب ينخرط، بجملة دلالاته واستعصاءاته وعلاقاته، في رهانات إتيقيّة وإستيتيقيّة سياسيّة–أخلاقيّة. ولم يكن "أغامبن" غافلا ًعن أنه، وهو يطرح اليوم مفارقة الحريّة والحتميّة، يضع على المحكّ مسؤوليّة الفاعل في علاقته بالقانون، فضلاً عن علاقة القانون بالعنف، وتحويل عنف الفرد ضدّ الفرد إلى عنف الجميع ضدّ الفرد باسم القانون. وللتمكّن من استكمال عين الإشكال، أومأ "أغامبن"، بإشارات مبثوثة طيّ نصه، إلى أنّ "التذكّر المسيحي لقربان يسوع المسيح أقوى بكثير من الذاكرة اليهوديّة لقرابين الهيكل، بما أنّ التذكّر هو تنشيط قربان ابن الله الذي أنجزه الكهنة". ومع أنّه كان قربانا لمرّة، فإنه يموت كلّ يوم، على الطريقة التي استّنها أغسطينوس ليخطّ أثراً فريداً غير متكرّر، ويثبت أمراً جللاً، يظلّ مفعماً بالرّموز مضمّخاً بالمعاني التي من شأنها أن تيسّر ممكنات إعادة إنتاج المضامين المبعثرة أصلاً، من جهة ما تنتمي في جذورها البعيدة إلى الأوّلين.

وإذا نحن تأمّلنا هذا، علمنا يقيناً أنّ "أغامبن" يعتزم النظر والحديث هاهنا عن "فاعل الفعل"، وليس عن "فعل الفاعل"، ولم يكن التفريق بينهما هيّناً ولا يسيراً. فيستبين وقد هيّأ إلى الغايات سبلها أن جدّة التمييز لا تتمثّل في كونه يفصل الذّات عن فعلها وحسب، بل في كونه يفصل في الفعل ذاته بين الفعل الذي وقع اعتباره في مرّة أولى عمليّة يقوم بها فاعل، ومرّة ثانية في ذاته نعني في إنجازيّته. فالكينونة ليست كائنة، بل هي تتكوّن وتتحقّق. إنّها دائماً نتيجة ممارسة فاعلها الإيمان؛ ففي الإيمان الفعل هو الكينونة، من جهة ما هو تمام الدّرك. ولأنّ "أغامبن" يوقن أنّه بنا إلى هذا كلّه حاجةٌ شديدةٌ، يكشف أن الإيمان المسيحيّ هو تعبئة الأنطولوجيا التي رهانها هو تحويل الكينونة إلى فعّالية. ها هنا استبان لنا ما لم يكن يستبين: كلّ شيء في الحياة قائم على الواجب، الالتزام به هو المقصد الشريف والمنزع اللطيف في حين التخلي عنه هو العار.

صابر أحمد: بالنظر لمقتضيات الواقع العربي الراهن من جهة ما اتصل بسؤال الحرية وسؤال العقل... ما هي توقعاتك لما سيكون عليه المحيط الثقافي العربي؛ فيما هو قادم مع العلم أن الثقافي له امتداد لما هو سياسي واجتماعي؟

عُمَر بن بوجليدة: بدءا بالقسم الأول من سؤالك، اسمح لي من باب الإيضاح أن أبين أن ما حصل عندنا من نقل فوقيّ لم يثمر سوى عصف بالأصل وتطوير لآليات التسلّط السلطاني، والتردد يدل عليه، لم تترك له فيه المجال ليتوحّد مع الصورة التي له عن نفسه، إلى حدّ ينسى معه الاندهاش. فعندما واجه، "المتنور" من يريدون إعادة إنتاج الماضي، تفطن إلى أنه لابد له إذا ما أراد تدبّر أمر الإصلاح أن يلجأ إلى لغة السياسة التراثيّة، وطفق طيلة نصّه يدافع عن هذه "التنظيمات"، إلا أنّه لم يتمكّن من درك النواظم الفكريّة المؤسّسة للدّولة العصريّة. نحن إذن بين اثنين: إمّا أن نقبل ما قال القدماء، لا نتناول ذلك بالنقد إلاّ بهذا المقدار اليسير، وإمّا أن نضع هذه الروايات والأساطير والحكايا موضع الشك - في غير رفق ولا لين -، والفرق بين هذين المذهبين في البحث عظيم، فهو الفرق بين الإيمان الذي يبعث على الاطمئنان والرضا والشكّ الذي يبعث على القلق والاضطراب، كما ألمع "طه حسين". ولنا أن نشير إلى أنّ فلسفة "كلّ مارق عن دين أجداده"، إنّما تسمح أيضا بالجواب عن السؤال السياسيّ الذي يبقى شديد الارتباط بالسعي إلى الخلاص الفردي. وبالفعل، فإنّ "الفيلسوف" ليس صوفيا: فالحقّ الذي يبحث عنه يمكن أن يصبح خيرا مشتركا بين الكثيرين؛ فهو لا ينفكّ يسعى كفيلسوف إلى جعل الآخرين يفوزون بالخلاص في "تناغم العقول" و"انسجام الرغبات"؛ "لأن نصيبا من سعادتي يتمثل في السعي من أجل أن يدرك الآخرون ما أدركه بوضوح". عند هذه النقطة يمكن أن ننتقل إلى ما أعتقد أنه القسم الثاني من سؤالك، والذي يتعلق بالإبداع والتأسيس و"القادم"، لأشير إلى أن ما حاولنا إجلاءه، هو أنّ – القراءات على تنوعها - إنّما حاولت وضع المشكل الفلسفي في سياق لم يكن فيه أوّل أمره، فزحزحة "أفق الحداثة" تقتضي سلفا انزياحا ما في أفق "التوحيد" الجديد، وهو أمر لابدّ وأن يطال فكر "العالم الواحد" و"الإنسانيّة الواحدة" و"العقل البشريّ الواحد" و"الأمّة" أو "الهويّة" الواحدة، بل فكرة "الواحد" نفسها كما أشار الأستاذ فتحي المسكيني، ولأنّ المنطلقات والمفاهيم والرؤى والاستنتاجات، حريصة على القصد البليغ، لا تستوي على شأن واحد.

وبعد، فلنرجع إلى ما كنا بسبيله، فكما سبق وأن أومأنا إلى ذلك، فإن الدين في امتلائه الطقوسي ومقتضياته يخلص الإنسان من العطالة غير المجدية لأهوائه قبل الخطأ، وعبثية تكرار ندمه، عندما يكون الخطأ قد ارتكب. إنه ينظم الحياة الإنسانية كلها حول اللحظة في كامل تحققه. وهكذا جنح "فوكو" إلى إخراجه من سياق الدين بعامة، لكأنه دين مفرد، يمتلك من لطافة المفهوم ومرونة الحضور ما يؤهله، لأن يكون دائم القدرة على التوفيق بين الزمان والأزل. إن هذا الدين القديم المنتمي إلى أزمنة السعادة، كان احتفالا أبديا بالحاضر. ولكن بمجرد ما اتخذ طابعا مثاليا مع حلول العصر الحديث، بدأ يثير حول الحاضر هالة زمنية، وسطا فارغا، وسط التسلية والندم، حيث استوعب قلب الإنسان في القلق، وسلمت الأهواء الزمن إلى اللامبالاة والتكرار، وأصبح "الجنون" سريع الانتشار. وهكذا، فـ"الإنسان في صعوده إلى الله لا يرغب في تجاوز نفسه، بل يود الانفلات كلية من ضعفه الأصلي"، وهو ما كان أولئك الإغريق القدماء، يرونه مهمة تستغرق عمرا بأكمله. ولو تأملنا هذا التحرر جيّدا، لوجدنا أن مصدره إنما كان وبشكل مفارق، فيض من الدلالات والخيالات، وتعدد تلقائي لمعنى ينسج بين الأشياء روابط متداخلة، إلى الحد الذي أصبح معه مستحيلا الإمساك بهذا المعنى خارج الوجه الخفي لتطابقات أقامها تقليد الأسلاف. وأصبحت الأشياء كلها، مشحونة بإيحاءات وقرائن وصفات، وفقدت صورها التي تعود إليها، لقد امتد فراغ موحش بين المعرفة التي تختزنها، وبين ضروب من الظهور لم نألفها عليها.

وهكذا، فإن محاولة الإجابة عن سؤالك لا تخلو من تعقيد، إذ إنه ليس من اليسير الوقوف عند ما هو مستتر، والذي هو التعبير عن قلق حول روابط وأوهام تصنعها "الطبقة المقهورة" عن ذاتها، كما لو أن شبكة الدلالات الروحية البالغة الضيق قد قادت هذا العالم إلى فقدان الكثير من ملامحه. في حين أنه "يجب أن تتوافر للبشر إمكانية العيش لكي يكون في مقدورهم أن يصنعوا التاريخ". ويتضامن الناس في تنظيم أنفسهم لتحقيق عالم أفضل ومجابهة "الإجراءات الاستثنائية" - ولا سيما لحظة الكوارث والحروب والأوبئة - وكابوس النيوليبرالية الرهيب. ولئلا يضيق أفق المستقبل - وهو ما يمكن للمتأمل الحصيف ملاحظته زمن كورونا - وتستهلك الطاقات الطوباوية وتنسحب متقهقرة. ينبغي أن نقف عند تلك الحكمة التي صاغها "دريدا" بألمعية نادرة "تعلم أن تحيا وليس ثمة شيء أكثر ضرورة من هذه الحكمة، إنها الأخلاق عينها".

صابر أحمد: كلمة أخيرة

عُمَر بن بوجليدة: لعله من العسير والمربك على الكلام الذي لا ينتهي أن يتوقف، لكن يظل مطمحنا أن نُشرع مسالك، ونفتتح مسارب لقول "مختلف" ونطلّ على آفاق للفكر أرحب؛ فالإشكال الأعمق إنما يتمثل – على ما أقدّر- في أن تلك الأبنية الفكرية تكلست، وبالتالي لم تتملّك من الآليات الحديثة، ومستلزمات الإقامة في العصر. ومتى ما أهملنا وأغفلنا واقع الإذلال والانسحاق والغبن الذي تعيش عليه مجتمعات لم تشف بعد من جراحات الكولونيالية والنزعة التوتاليتارية والمتخيّل الممجد المنخرط في معارك وصراعات الماضي، نالنا من وقوع المكروه بنا وبلوغ المحذورات إلينا، ما لا ينتظر.

وليس الرأي عندي حلا ممكنا لهذا المأزق إلا بناء دولة القانون والمؤسسات القائم على التعاقدات التاريخية وقراءات جديدة لنصوصنا؛ - وقد استوت في صورة تقاليد وذهنيات وبنيات ثقافية آسنة - وإعادة ترتيب أولويات أنفسنا وفي حاجة ماسّة ومستعجلة، لأن نشغل بأسئلة العصر ومسائل الحياة، وما "الحداثة" إلا مسار لا متناهي من الدمقرطة والعقلنة والتحرر كما يؤكد الأستاذ عبدالسلام بنعبد العالي دوما.