دفاع عن القرآن ضد منتقديه - عبد الرحمن بدوي
فئة : قراءات في كتب
دفاع عن القرآن ضد منتقديه
عبد الرحمن بدوي
صدر كتاب "دفاع عن القرآن ضد منتقديه" لعبد الرحمن بدوي في باريس باللغة الفرنسية وترجمه إلى اللغة العربية الدكتور كمال جاد الله ونشرته دار الجليل بالقاهرة. وقد كانت مقدمة الكتاب باللغة العربية لعبد الرحمن بدوي سنة 1988م. لا شك في أن "دفاع عن القرآن ضد منتقديه" لعبد الرحمن بدوي شكل إضافة منهجية للدراسات القرآنية، مع العلم أن بدوي يصرح من خلال كتابه هذا بأنه ليس دفاعا عاطفيا أو دفاعا تحكمه النزعة الإيمانية أو ما شابه ذلك، بل هو بحث وكتاب يحتكم ويستند إلى المنهج الوثائقي والموضوعي الواضح، وأنه يهدف إلى كشف القناع عن العلماء المزعومين الذين قدموا الضلال والخداع حول القرآن لشعب أوروبا ولغيره من الشعوب الأخرى.[1]
أهمية الكتاب
قد يتساءل البعض لماذا نلفت النظر لكتاب صدر في عقد الثمانينات من القرن الماضي؛ ففي تقديرنا أن الكتاب لازالت له أهميته وراهنيته، بالنظر إلى ما ينشر حول القرآن، وليس من المصادفة أن يختار بدوي مفردة "الدفاع" في حق القرآن، فالمسألة هنا توحي إلى أن هناك ظالم ومظلوم، وتحي إلى مفتري ومفترى عليه، وتوحي في الوقت ذاته إلى رد الحق لذويه وأهله. لقد ارتأى بدوي أن يجعل نفسه في صف القرآن، وفي صف المدافعين عنه، والمنصفين له، وكما تقدم فإنصاف ودفاع بدوي دفاع علمي وموضوعي، فالدفاع عن القرآن في حد ذاته دفاع عن الحضارة والثقافة الإسلامية. لا شك في أن كتاب "دفاع عن القرآن ضد منتقديه" وهو كتاب صغير الحجم، وكبير الفائدة المنهجية، يعد علامة مضيئة من بين مؤلفات بدوي والتي جاوزت المائة وخمسين للأسباب الآتية:
- أنه يصدر من عالم متبحر من الثقافة الغربية، ولكنه متبحر بنظرة نقدية لا بنظرة (اتباعية عمياء).
- لا يمكن اتهامه مؤلف الكتاب بالجهل ولا بالثقافة الأوروبية ولا بالتعصب، فهو أستاذ للفلسفة والمنطق ويستطيع أن يزن الأمور بميزان الحق والصواب.
- أن كثيرا من المطاعن التي أوردها هذا الكتاب، وإن كانت معروفة إلا أن رد المؤلف عليها كان بموضوعية استخدم في ذلك كما قال هو بنفسه، علم فقه اللغة؛ ذلك العلم ذو القواعد الصارمة التي لا يتطرق الشك إلى نتائجها.[2]
- الكتاب مهم؛ لأن صاحبه لا يرفض الاستشراق ولا يدعو للقطيعة معه، كما هي التيارات الأيديولوجية التي تضخم مقولة الغزو الفكري قياسا على الغزو العسكري؛ فالمؤلف استفاد من الاستشراق، وهو أمر جعله على علم بثغرات الدراسات الاستشراقية في نظرتها الى القرآن، وذلك بقدرته على التمييز بين الموضوعي منها والمتواطئ.
مضمون الكتاب
الكتاب يغطي 191 صفحة، ويضم ثلاثة عشر فصلا، وكل فصل مخصص لموضوع من بين موضوعات الاستراق في نظرته ودراسته للقرآن، نذكر من بينها: ماذا يعني وصف الأمي الذي يطلق على النبي. الموازاة الخاطئة بين القرآن والعهد القديم. معنى كلمة فرقان. الرسل في القرآن. قراءة هللينية للقرآن. فشكل كل محاولات لترتيب زمني للقرآن. مشكلة الألفاظ الأعجمية في القرآن.
- الأمي
قال تعالى: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)" (الأعراف)
لا يكتفي بدوي بعرض أراء المستشرقين حول فهمهم لمفردة الأمي، والتي تدور حول وثني أو من غير أهل الكتاب أو الإنسان الذي يستطيع القراءة لكنه لا يستطيع الكتابة، بل يستحضر أراء المفسرين وأهل معاجم اللغة العربية. فهناك رأي مفاده أن أمة العرب، حيث كانت هذه الأمة في مجملها أمية، وفي لسان العرب ورد، بأن العرب يسمون بالأميين؛ لأن الكتابة كانت لديهم نادرة أو غير موجودة، وقد يستشهد بحديث مفاده "بعثت في أمة أمية".
يعترض عبد الرحمن بدوي عن رأي، الذين يظنون أن معنى كلمة أمي التي يوصف بها النبي صلى الله عليه وسلم أنه ينتمي إلى الأمة العربية؛ ففي نظره أنهم "يخدعون أنفسهم لأنه من الزيف أن نقول إن الكتابة كانت نادرة أو غير موجودة عند العرب. ومن ناحية أخرى، فإن كثيرا من الأمم كانت على نفس شاكلة الأمة العربية في هذه الحالة.. فلماذا إذن حصر هذا النعت على الأمة العربية دون غيرها، لتختص به دون سواها؟"[3] ويستدل بدوي على رأيه هذا من خلال تتبع مفردة "الأمي" في القرآن وفي اللغة وهي مشتقة من مشتقة من أمة، ومشتقة من الأم. فالحالة التي وردت فيها "أمي" "وأميون" كانت للدلالة على الأمم حيث أن الأمر يتعلق بأمم كثيرة متعارضة، أو موازية مع أمتي التوراة والإنجيل والمسيحيين؛ أي أهل الكتاب بصفة عامة.[4] وقد فسر الفراء الأميين بأنهم العرب الذين لم يكن لهم كتاب.
"إن كلمة (أمي) صفة نسب من كلمة (أمم) جمع أمة وكما يوضح علم الصرف فإنه لكي ننسب إلى اسم جمع لا بد أن نرده إلى المفرد(أمة)؛ إذ في رأينا أن كلمة (أمي) المشتقة من (أمم) في الجمع المردود إلى أمة في المفرد تعني وصالح وموجه لكل الأمم. إذن النبي الأمي هو النبي المرسل والموجه إلى كل (الأمم) أو بمعنى أصح النبي العالمي. أما عن الأميين بالجمع، والتي وردت أربع مرات في القرآن، فتعني البشر من مختلف الأمم أو كل الأمم"[5]
- الموازاة الخاطئة بين القرآن والعهد القديم
استعرض عبد الرحمن بدوي الكثير من الدراسات ذات النزعة اليهودية أو المسيحية، التي تجرى وراء إثبات فرضية مفادها أن القرآن مأخوذ في مجمله من الكتاب المقدس، كل الدارسين الذين يبحثون " يبحثون عن أصول يهودية أو مسيحية أو سريانية، متردمة في جسم القرآن، بهذا المعنى هم يبحثون عن أنفسهم وما يحركهم هو هاجس هووي [نسبة إلى سؤال الهوية]، ولا علاقة لهذا الهم التاريخي بمصحف المسلمين. انتقلت الهالة الهووية المفقودة في المكونات العميقة للغربيين إلى تربة أخرى ظلت عصية أمامها، بحثاً عن تطابق مع ذاتها السابقة، أو نواتها الحنينية"،[6]
في هذا المبحث اعتمد عبد الرحمن بدوي آليات المقارنة بين ما فهم الكثير من المستشرقين لبعض موضوعات القرآن الكريم وفق ما هو راد في الكتاب المقدس، وبين ما هو وارد في القرآن الكريم؛ وذلك بتحكيم القراءة النسقية للآيات والسور في تتبع موضوع من الموضوعات المطروقة، ومن خلال المقارنة يخلص بدوي إلى طبيعة مفارقة الرؤية التي يقول بها القرآن عما هو وارد في الكتاب المقدس. والحقيقة أن القرآن لا يخفي أنه يتشارك مع الكتب السابقة عنه في كثير من المواضيع، ولكن تشاركه لا يعني أنه متطابق معها، بل على العكس من ذلك، فهو مصدق ومعترف لكثير مما في تلك الكتب، ومهيمن عليها أي مؤتمن على إعادة بناء النور الذي تتضمنه، فمنهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم يفسح المجال أمامنا، في فهم القرآن بكونه أم لما سبق من الكتاب أي أصل له، فمن الأولى إرجاع الكتب السابقة وقراءتها في سياق القرآن الكريم، وليس العكس، كما يحلو للمستشرقين الذين يقرأون القرآن وهم يسقطون عليه ما سبقه من الكتاب.
كل ما في الأمر هو أن هذا الاتجاه من الدراسات الغربية حول القرآن، بذل ويبذل جهداً جهيداً ليخرج النقاش ويبعده عن سياقه المنهجي الذي وضعه فيه القرآن؛ فالقرآن لا ينكر بكونه يشترك مع الكتاب المقدس في الكثير من المواضيع، وليست له أيّ نية مسبقة في إلغاء الكتاب المقدس، وإنما يتضمن نقداً تحليلياً يعرّي الكتاب المقدس ويكشف عن ثغراته كما هو الآن، ثغرات التعارض والاختلاف وإضافات ما ليس منه... وفي الوقت ذاته يكشف عن الهدى والنور الذي يضمه ما سبقه من الكتاب، قال تعالى: "إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)"(المائدة) قال تعالى: "وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46)"(المائدة) وفي الوقت ذاته يقرّ القرآن في أكثر من موضع بأن الكتب السالفة عليه قد سبقته لكثير مما يتضمنه ويدعو ويهدي نحوه، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)﴾ (الأعلى)
- فشكل كل محاولات لترتيب زمني للقرآن
يذكرنا عبد الرحمن بدوي بمحاولات المتقدمين في ترتيب القرآن ترتيبا تاريخيا حسب النزول منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لسبب مهم بالنسبة إليهم يتعلق بموضوع معرفة الناسخ والمنسوخ.[7] وبعد هذا يستعرض عبد الرحمن بدوي جهود المستشرقين على رأسهم نولدكه صاحب كتاب "تاريخ القرآن" وفي الأخير يتضح بعد العرض والتحليل أن فكرة الترتيب التاريخي للقرآن لم تتحقق، سواء عند الأقدمين من علماء الإسلام من بينهم ابن النديم [ت. 370هـ] صاحب كتاب الفهرست، والزركشي أو عند المستشرقين.
[1] دفاع عن القرآن ضد منتقديه، عبد الرحمن بدوي، ترجمة، كمال جاد، الدار العالمية للنشر، (دون ذكر تاريخ النشر) ص. 8
[2] محمد سيد بركة، مقال: موقع مجلة العربي، العدد. 496، https://alarabi.nccal.gov.kw/Home/Article/1212
[3] نفسه، ص. 13
[4] نفسه، ص.13
[5] نفسه، ص ص. 18-19
[6] فتحي المسكيني، الفلسفة والقرآن، مجلة، ألباب، ع.12، سنة 2018م. ص8
[7] نفسه، ص.15






