عمارة الناصر: ليست الحداثة إلا بما "يُتيحه" لها التاريخ


فئة :  حوارات

عمارة الناصر: ليست الحداثة إلا بما "يُتيحه" لها التاريخ

أ. بشير ربوح: مرحبا بك على منبر مؤسسة مؤمنون بلا حدود

ربّما السيرة الذاتية هي الوجه الآخر للمفكر، هل يمكن أن يعتبر الدكتور عمارة الناصر سيرته الذاتية مترجمة لمساره البحثي؟

د. عمارة الناصر: ماذا نقصد بكلمة "مفكر"؟ أعتقد أنه مصطلح لم يعدْ ملائماً اليوم للدلالة على مَن يشتغل بالفلسفة على وجه الخصوص، لأنه ارتبط، في مرحلة ما، بكتابات "النخبة" وإنتاج النخبة كرمز من رموز المخيال الاجتماعي هو ظاهرة تعكس، في منظور ما، الفقر الثقافي في الحياة اليومية كما أن تحوّل الفكر إلى مؤسسة شخصية أو نظامية ليس له أيّ مبرر عقلاني؛ في تاريخ الفلسفة بقيت كلمة "فيلسوف" تحيل إلى مَن له كفاءة التفكير العقلاني وما عداه فهو سفسطائي؛ لكن انظر اليوم إلى "استنجاد" الفكر المعاصر بالشغب السفسطائي لحَلحَلة العُقد التي ركّبها العقل في داخله وأغلق فيها على مُمكناته الأكثر أصالة، ولذلك نجد فلاسفة مثل هيدغر أو دريدا لم يكونا سعيدين بلقب "فيلسوف"، لأن ذلك يعني انحسار الوجود الأصيل خلف الخطاب.

أعود إلى صُلب سؤالك، إن السيرة الذاتية مرتبطة بأثر الكتابة، وهنا دعني أقول لك أن جزءاً مهمّا من تراثنا الثري والمتنوع ضاع، لأنه لم يكن مكتوباً وموثّقاً ولذلك لم نفهم ما حدث في الماضي بالشكل الكافي، فكلّ ما نحسب أننا فهمناه ما هو إلا الجزء المكتوب من ماضينا وتراثنا وثقافتنا، ولعلّ ما كان فاعلاً حقا ومؤثّراً كان شفهيا خالصاً، وعليه فإن الدرس المستفاد من السيرة الذاتية (auto-bio-graphie) هو تسجيل الحياة كل الحياة (لدينا ابن النديم في الفهرست بمعنى ما)، لأن ذلك سبيل من سبل الوصول إلى المنابع العميقة التي تتدفق منها حياتنا المعاصرة.

في سياق الكتابة هذا، يجب أن ننتبه إلى هذه المفارقة العجيبة، وهي أننا نقرأ لغيرنا ونكتب لبعضنا البعض، نقرأ للغرب ونكتب لأنفسنا، وأعتقد بذلك أنه لا أحد يسمعنا لأننا لا نكتب لغيرنا وهكذا يضيق عالمنا (العربي والإسلامي) ويتراجع إلى دائرة خانقة فكريا، لننتهي إلى خيار صعب: إما تغيير الفكر أو تغيير الحياة.

أمّا عن سيرتي الذاتية، فلو أن هذه السيرة تضعني على أعتاب "القارئ الجيّد" فسأكون سعيدا أيّما سعادة، لأنني أخشى أن يكون بعضنا قد اندفع إلى الكتابة وتسرّع إلى التفكير دون رصيد كافٍ من القراءة ذات المصادر الثلاثة: ثقافة غالبة ولغة دالّة وحياة فاعلة، وإذا لم يكن لنا من صبرٍ على هكذا قراءة، والتي قد تستغرق سنوات وعقود، فإننا سنسمع الفكر المعلّم يقول: هذا فِراق بيني وبينك، وعندها تصبح الكتابة مَلهاة أو مأساة أو الاثنين معاً. والمفزع في الأمر، ومن خلال ما نلاحظه اليوم، أن الكتابات المتسرّعة ستقضي على سنوات من القراءة الجادّة. والسؤال هنا هل نتوقف قليلا للقراءة أم نواصل السير نحو الكتابة العاجلة والطارئة؟

أ. بشير ربوح: ما هي المجالات التي طرقها باحثنا، في ظل تراكم مخيف للمعرفة البشرية، على المستوى الفلسفي؟

د. عمارة الناصر: إن المجالات المطروقة في أيّ اختصاص ناتجة عن خيارات منهجية ومفاضلات إبستيمولوجية ولكن لمن يُعلّمنا الفكر تأثيرٌ بالغ في ذلك، وهنا أذكر مُعلّمي الدكتور "الزاوي الحسين" الذي كان يقول لي: "إن الفلسفة حرفة"، وهنا بدأتُ بقراءة التراث العربي الإسلامي، فاتجهتُ إلى فخر الدين الرازي محاولاً جعلَ نصه المركزي والثرّي (التفسير الكبير ومفاتيح الغيب) نصّاً حيّاً وراهناً بتحويل لغته التراثية إلى لغة فلسفية وتجميع شروحه في مفاهيم ذات استخدام راهن، وذلك بتوسّل الأدوات المعرفية للفلسفة الغربية المعاصرة والهرمينوطيقا بالخصوص، ولكنني اكتشفتُ أن الطريق إلى التمكّن من تلك الأدوات لا يزال طويلاً وشاقاً، ولا بد من اكتساب المزيد من الفهم الذي يسمح بوضوح أكبر.

ما الهدف من ذلك؟ لماذا يجب العمل بهذا الأسلوب؟ لماذا هذا الخيار؟ إنها محاولة إيجاد نقطة ارتكاز ذات ثقل كافٍ للدوران والالتفاف نحو الفكر الذي يحمل خصوصيتنا الثقافية من جهة، ويكون مشاركا في الفكر الكوني من جهة أخرى. لأن الرهان الأساسي دائماً هو: ماذا يمكن أن نقدّم للعالم؟ أيّة إضافة يمكننا أن نُصبغها على عالم اليوم؟ وعليه يمكنني أن أقول لك، حسب رأيي الخاص، إنه لا يمكننا أن نضيف شيئاً إلى "خطاب الفلسفة"، ولكننا يمكن أن نضيف شيئاً بالفلسفة. وهنا بالضبط علينا أن نُصغي جيدا إلى هيدغر في أن نستكشف بؤر التوتر في تفكيرنا وليس البحث عمّا يمكنه أن يتلوّن بلون الفلسفة، إذ لا يزال صدى صوته يقول: "نحن لا نتفلسف لكي نثبت أننا بحاجة إلى فلسفة ما، بل على العكس تماما، نحن نتفلسف فقط لكي نثبت أننا لسنا بحاجة إليها"، وهذا يدفعنا إلى إعادة إنتاج شروط تفكيرنا الأنطولوجية بدل النقر في جدران المعرفة المحصّنة بطبقة سميكة من التاريخ، تاريخٌ لم نكن حاضرين حتى لمشاهدته، وهو يتحرّك تحت أقدامنا، تاريخٌ محروس بقيم غربية غير قابلة للتجاوز، لأنها محايثة لواقع متعدد الأبعاد وملازمة لزمانيته.

ولهذه الأسباب نظرتُ في مفتاحين أساسيين يمكننا من خلالهما البحث في الشروط الأنطولوجية لتفكير "نا"، وهما: اللغة بمادتها الحجاجية والاستعارية والتأويل بأفقه التأملي، لأنه داخل فضاء اللغة المتعدد الأبعاد يمكننا أن نكتسب مَلَكة النفاذ إلى عوالم لا نستطيع ولوجها باللغة ذات البعد الواحد والمتولدة من الأنظمة الاجتماعية، الثقافية والتعليمية، والتي تحول بيننا وبين أهم قاعدة للتفكير، وهي "الاستبدال" (استبدال الشيء بالعلامة، العلامة بالفكرة، الفكرة بالمعيش...) وهذا ما يفسّر غياب الجزء الأكبر من معجمنا، والذي يعني عوالم ضائعة ومنسية. ما هو المنسي الحقيقي لذاتنا؟ إنها عوالم اللغة الرابضة في معجمنا والمظلمة في عتمات دلالية هائلة بسبب عدم توظيفها في خطاب.

أمّا التأويل، فهو تحويل العوالم المبتكرة باللغة إلى الذات، لأنه في النهاية هو تجربةٌ للعيش وهي تجربة ذاتية، كما أننا لا نستطيع أن نبتكر نصوصاً جديدة ما لم تكن مسبوقة بتأويل شامل، حيث إن الرهان الأساسي هنا هو انقذاف اللغة نفسها في معانٍ مختلفة.

إن عبارة "هذا الكلام لا معنى له" عبارة غير صحيحة وغير ذات صلاحية، وهذه ليست دعوة إلى العبث أو العدمية، بل هي دعوة إلى اختراق الحدود التاريخية لإنتاج المعنى في لغة ثقافتنا، لأن المعنى ليس هو العقل كما أن العقل ليس هو التاريخ نفسه... وفي هذا السياق، فإن ما نفهمه اليوم ناتج عن جهويات محددة للمعاني تقع خارجنا ولكنها لصيقة بما نعيشه، ولذلك فإن ما نعيشه هو غربة مألوفة.

إنّي أعجب كل العجب، إذا حُقّ لي ذلك، ممّن يدعون، حتّى من المشتغلين العرب بالفلسفة أنفسهم، إلى عودة الفلسفة إلى الواقع! هل نسمع هنا كلمة "عودة"؟ وكأنه توجد إمكانية مباشرة للإمساك بهذا "الواقع" وكأنه يوجد "واقع" من الأصل، صحيحٌ أن هناك ضغطاً رهيباً للحياة اليومية على الفكر وعلى الفلسفة بالخصوص، لكن الحياة لا توجد إلا في شكلها المتبنْين (Structuralisé) داخل التعبير وهذا هو الشرط الوحيد للفهم. وبدلاً من ذلك "علينا" (على الرغم من أني لا أحبّذ أفعال الوجوب) التفكير في الإمكانية الفلسفية التي نستطيع من خلالها تحويل مجرى تيار الحياة اليومية الذي نسمّيه مجازاً بـ "الراهن" ليصبّ في تاريخنا.

لقد اتّخذتُ من فلسفة بول ريكور متناً أشتغلُ عليه لأسباب منهجية خالصة وبالضبط، لأنه يوفّر التقاطعات والتمفصلات الضرورية لفعل التفلسف نفسه من خلال حضور البنيوية، الأنثروبولوجيا، علم النفس، التاريخ، الدين، علوم اللغة..وغيرها، ولهذا كان يمثّل بالنسبة إلي خطّة منهجية متكاملة لاكتساب الأدوات المعرفية للتأويل، وقد بلورتُ ذلك في كتابين هما: "الفلسفة والبلاغة: مقاربة حجاجية للخطاب الفلسفي" وكتاب "الهرمينوطيقا والحجاج، مقاربة لتأويلية بول ريكور"؛ أو ترجمة آخر أعماله "حيٌّ حتى الموت متبوعا بشذرات"، لكن لم يكن ريكور إلا مجرّد خيار منهجي عارض، لأن فلسفته عانت، كما يقول المختصون في فلسفته، من عجز في التجذير ولهذا السبب بالذات عدتُ إلى هيدغر بعد قراءات أكاديمية سابقة لم تكن كافية، وهيدغر الشاب بالذات (1909- 1926)؛ لأنه يمثّل لي تمريناً تأمليّاً كبيراً، كما أن قراءة نصوصه فهماً أو ترجمة (الأنطولوجيا، هرمينوطيقا الواقعانية) تُعتبر مَحكّاً مهمّاً لاختبار فهمنا للفلسفة أو ما اعتقدنا أنه كذلك. ماذا تعني العودة إلى هيدغر؟ منذ البداية يُوجّهنا هيدغر إلى أنه "إذا أرادت الفلسفة أن تحافظ على خطابها، فعليها أن تتخلّى عن الفكر وتعود إلى الرؤى والتأمل"، وهذا يعني التخلّي عن فعل الموضعة (Objectivation) والانشغال بما تكون به الفلسفة وفيّة لنفسها وبما يشكّل دافعيتها المفهومية في الذات؛ أي الأنا الذي تتدفّق منه تجربة المعيش، وعبره نقترب من الأصل، إن الأصل لا يسكن إلا في الخاص.

لقد قلتُ لطلبتي يوماً أن الشعور بالرهبة والخوف من هيدغر هو بداية التفلسف؛ ولم أقصد إخافتهم منه ولكن إشعارهم بقوة التحليل الأنطولوجي الذي يتطلّب حضوراً فينومينولوجياً كثيفاً، بالإضافة إلى إعادة ترتيب علاقتنا باللغة التي يُكتب بها الخطاب الفلسفي.

في اللحظة الهيدغرية للتأويل نتعلّم كيف نسكن ونُقيم داخل ما نفهمه، لأنه حدَثنا الخاص، إذ لا نكون خاضعين ترنسندنتالياً للقبْلي (a priori) في عملية الفهم تلك ولا مُذابين فينومينولوجياً في المعيش (vécu) لأننا سنتحرّك داخل دائرة يؤدّي فيها المعيش إلى التعبير والتعبير إلى الفهم، ثم يعود الفهم إلى المعيش وهكذا تدور الدائرة، وبهذه الطريقة يمكن أن نحافظ على خطاب تتمفصلُ فيه الفلسفة مع الحياة.

فيما يخصّنا نحن العرب، السؤال هو كيف نتصوّر التجربة الفلسفية؟ أي كيف نربط الفلسفة بما يُحيل إلى الأصل فيما نعيشه؟ وما الدافع الأصيل إلى تلك التجربة؟ حيث إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي الطريق إلى نحتٍ جذريٍّ ومخصوص للغة الفلسفية؛ ماذا نريد من الفلسفة؟ هذا هاجسٌ آخر، لأنه إذا كنّا ننتظر شيئاً "محدّداً" من وراء الاشتغال بالفلسفة فتلك مشكلة إضافية، فوضعُ هدفٍ للفلسفة هو إفسادٌ لها؛ هل هذا شرط؟ نعم هو كذلك؛ لنُصغي إلى المعلّم هيدغر، وهو يصرّح: "ليس من مهام الفلسفة أن تجلب الخلاص والغفران للعصر، للعالم... ولا تهدف إلى تخفيف معاناة الناس.."، وهذا ما ينبغي أن نضعه في الحسبان، عندما نكون ضمن تجربة فلسفية نُراقب من خلالها ظواهر مُلاصقة للوعي إلى الدرجة التي نتوهّم فيها انفصالها عنه حتّى نتمكّن من ممارسة فعل الوعي نفسه.

تتمفصلُ الفلسفة مع الحياة عبر مُركّب غير قابل للتجاوز إبستيمولوجياً، وهو المركّب الأنطو- فينومينو- هرمينوطيقي (Onto-phénoméno-herméneutique)، وهو ما يمنح التأمل خاصيته في الإمساك والقبض ويُعطي للفهم قدرته على المكوث والإقامة عند الأشياء وفيها كما يسمح للأشياء نفسها بالظهور والحدوث، وقد يكون هذا نشاطاً صعباً وتمريناً شاقاً عندما نعتقد أنه بإمكاننا جعلُ الموضوعات أعلى من الفلسفة أو التفكير فيها بما هو مُتاحٌ من مفاهيم وأدوات، وعندها نكون قد سِرنا في الاتجاه المعاكس لسير الفلسفة؛ قد نعترض على هذا الكلام، لكن هل ينفع الاعتراض إذا لم يكن هناك أحدٌ يُصغي إلينا من الأصل! حيث إنه يمكننا أن نُنتج بهذا الاعتراض نصّاً لكنه في النهاية لن يكون خطاباً.

أ. بشير ربوح: هل ميدان الترجمة هو السبيل الوحيد لإحداث تواصل مع المُنجز الغربي؟

د. عمارة الناصر: أشكرك على استخدام كلمة "مُنجز" من الإنجاز (accomplissement) والذي يعني جعلَ الشيء على تمام الصورة التي لا يُدرَك إلا بها، والتي تؤهّله لأن يكون موضع استخدام.

بداية، سنواجه سؤالاً محرجاً: هل يقصدنا المنجز الغربي في شيء، هل يكتب لنا أو يخاطبنا؟ قد يكون في هذا السؤال شيء من النزوع غير الإنساني، ولكنه سؤالٌ مشروع وأصيل، فعندما نقرأ المنجز الغربي لا "نشعر" بأننا معنيون به وداخله، شئنا أم أبينا، ولعلّ هذا هو مدخل القراءة الأول، والدافع إلى التأويل كذلك؛ ففي الترجمة تجد بعض الشعوب مكاناً رمزياً لها في اللغة والفكر العالميين، إن الترجمة هي الشكل الوحيد الذي نسبق فيه الفكر الغربي باللغة الأم، إنه يأتي ثانياً، ذاتٌ ثمّ عالم، وهذه مناسبة نادرة لتلمّس القاعدة الأنطولوجية لتفكيرنا عندما نكون بصدد الترجمة؛ أي أنها توفّر لنا مسكناً نأوي إليه عندما يُقفل الفكر المعاصر أبوابه للمداولة والنقاش، لأننا لسنا طرفاً صريحاً فيه وتلك حقيقة أخرى.

في الترجمة فقط، يمكننا أن نمارس وظيفة التفكير الأساسية وهي القبض على شيء النص ومن ثمّة إصدار قرار بشأنه، هل هو هذا المعنى أو ذاك؛ أي أننا نفهم في لغة المنجز الغربي ونُحيل إلى أشياء في لغتنا، وهذا التمفصل المتعالي بين الفهم والإحالة هو جوهر الفلسفة المعاصرة، وبهذا التصور فقط تكون الترجمة إنجازاً.

لا يزال "الغرب" عالماً غريباً وغامضاً، على الرغم من كل أشكال التواصل المعاصرة بما فيها الترجمة، لأن "الروح" التي تسكنه تظلّ متخفّية في الكتابة وفي الآلة وفي أسلوب العيش، "الروحُ إذن لا تُترجَم"، ما يمكن ترجمته هو المرئي والمحسوس؛ هناك عوالمٌ تبقى متوارية إلى الأبد لأن مداراتها مختلفة، ولهذا لا تستطيع الترجمة عقلنة التفكير بواسطة اللغة الأم لمجرّد أنها تستطيع إيجاد التناظر بين معاني لغتين مختلفتين.

أ. بشير ربوح: أيمكن أن نتحدّث عن فلسفة عربية بعد رحيل بعض الأسماء الكبيرة مثل محمد أركون، محمد عابد الجابري؟

د. عمارة الناصر: دعني أقول لك إنه إذا أردنا أن نفكر بشكل جادّ فلابد أن نتخلّى عن هدف تكوين "فلسفة عربية"، لأنها ليست هدفاً من الأصل؛ ألا يمكن التفكير بدون الـ-فلسفة؟ فالفلسفة طريقة في العيش أكثر منها طريقة في التفكير. وهل تعتقد أننا نفكّر بالفلسفة، لا، إننا نفكر داخلها، وما الذي يجعلنا نعارض هذا الكلام ونريد أن نثبت عكسه؟ إنها جاذبية التاريخ، والتي تَحوُل بيننا وبين تمييز واضح بين ما نفكر به وما نفكر داخله، فالملَكة الوحيدة المتبقية إذن هي "الانتباه" ولكنه هو الآخر "انتباهٌ- مع"، لأنه يمثّل بُعد التناهي فينا؛ وعليه فإن قراءة النصوص الفلسفية تعلّمنا الانتباه- مع أركون، الانتباه- مع الجابري... وهكذا، وتمثّل هذه الأسماء وغيرها مشاريع مهمّة في مراجعة الذات العربية الإسلامية، مع أننا بحاجة إلى قراءات أخرى نُعدّها قاعدة تفكير للمستقبل.

توجد مؤشرات إيجابية على نضج فلسفي عربي اليوم، لكنه مُعرّضٌ للوقوع في فخ العاجل والطارئ والمؤقت...أو اتّباع غواية الراهن التي تُوهم بإمكانية القفز على مسار شاق من البناء الفكري التراكمي، غير أنه وبحسب القانون الفيزيائي "لكلّ فعل ردُّ فعلٍ يساويه بالشدّة ويعاكسه بالاتجاه" فإن هذا الفكر الذي يندفع نحو الراهن بهذه السرعة يُعرّض نفسه لهشاشة الحدس ولضعف الأداء المفهومي للغة التي يستخدمها ممّا يجعلها سطحية وبلا جذور، ومن ثمّة يمكن أن ينهار من الداخل ويتدحرج إلى ما قبل الجابري وأركون وغيرهما، وهذا يُنذرنا بما حدث في الأسطورة اليونانية سيزيف (Sisyphe) (ذاك الذي تحايل على إله الموت فعاقبه زوس (Zeus) بحمل الصخرة إلى أعلى الجبل لتتدحرج منه إلى الأسفل ثم يُعيد حملها في كل مرة ثم تسقط منه... ويستمر على هذا الحال إلى الأبد)، وهكذا، فإن كل تحايل على قوانين الفكر مثله مثل التحايل على قوانين الفيزياء ينتهي إلى ردّة فعل قاسية ومؤلمة.

أ. بشير ربوح: إذا كانت الحداثة في صورتها التأويلية هي الوجه الأكثر بروزاً في الآونة الأخيرة، فهل التأويل هو الدرب الآمن للارتقاء بالحداثة؟

د. عمارة الناصر: "الحداثة!"، هل أستطيع أن أصمّ أذنيّ عن هذه الكلمة الرنّانة؟، بالطبع لا، ولكن لكلّ خطاب ذاكرة، ولذلك سأُحيل إلى الفيلسوف الفرنسي، (Vincent Descombes) عندما يقول: (لا توجد الحداثة، توجد حداثتنا) (Il n'y a pas la modernité, il y a notre modernité)، وهذه ليست مسألة هوية بقدر ما هي مسألة تزمين (Temporalisation) التجربة التاريخية وهي خاضعة لكرنولوجيا غير قابلة للتجزئة، لأن الزمن متصل ببعضه، ولكنه على مستوى الوعي يأخذ شكل الثقافة القابل للتقاسم والمشاركة، وهنا يمكنني أن أقول لك إن الغلاف الخارجي للثقافة أصبح مثقوباً أنطولوجياً وهذا مؤشر على بداية تسرّب الكثافة الزمنية لكينونة الكائن، ولهذا فإن عمل التأويل الأساسي هو "ترميم" هذه الثقوب بالصفائح الأنطولوجية وبهذا المعنى نفهم المرور "الآمن" إلى ما بعد الحداثة التي نشير داخلها إلى الهرمينوطيقا.

ماذا لو كان عالمنا هو نتيجة لخطأ تأويلي؟ دعني أعود إلى "الحياة بوصفها ظاهرة أولى" كما يقول هيدغر، ما الذي يُفلت منا لحظة العيش؟ إنه بعض أبعاد المعيش نفسه، فنحن إذن نشهد انزلاق الحياة على الحياة، سأضرب لك مثلاً على ذلك: سيُصبح مفهوم "المجتمع" خطراً على الإنسانية لأنه حالة تأويلية متأخرة عن الحياة، وهكذا ستنهار الأنظمة التي تؤطّره بسبب عدم قابليتها للتأويل، على الرغم من خضوعها للنقد الذي كان يُعبّر، في مرحلة ما، عن الأمل في "الانفتاح" الذي هو من الإمكانيات الأكثر أهمية للكينونة. (تمثل التجربة الفنلندية في التعليم نموذجا للإفلات من هذا الانهيار).

ليست الحداثة إلا بما "يُتيحه" لها التاريخ، وجعلُ ما في التاريخ مُتاحاً هو مَهمَّة التأويل التي ترتكز على قوة "الاستدعاء" الممارَسة في الثقافة الغربية على الخصوص، ومن الغريب أننا نكون أمام اللغة ولا نتعلّم التوقّف للإصغاء، مع أنه درس اللغة الأول، كيف نُثبّت "الأشياء" باللغة ثم نتجاوزها لحظة التفكير! فأشياء اللغة هي من مُتاحات التاريخ؛ ولكن كيف وصلت إلينا؟ ما الذي يجعلها متاحة بهذا الشكل أو ذاك؟ إنه "نظام الإحالة" الذي يشتغل به الجهاز اللغوي والذي من خلاله يسحبنا العالم نحوه. إن اللغة تُراقبنا عندما نتنقل بواسطتها لنُحيل إلى "شيء آخر"، ولهذا فإن التأويل هو إيجاد كيانات ننقل إليها الحمولة اللغوية ثم نقوم بإخفائها بواسطة الكتابة، وكأننا نقول لمن يقرأ نصّنا: كل ما ستجده عندما تفهم كنّا قد أوجدناه لك مسبقاً.

إن الارتقاء إلى حياة ذات حداثة (وهي حداثات في الحقيقة) مرهون بالقدرة على الإطاحة بالأوهام التي بنيناها ونحن نفكر فيها، ولكننا نحتفظ بها فقط لأننا نريد أن نكون في الزمن نفسه الذي توجد فيه حداثة أخرى، تُطلّ علينا من كل جانب؛ يبدو أننا نُفضّل القفز في الظلام على أن نتراجع خطوة إلى الوراء وقد يكون هذا "الوراء" مكاننا الطبيعي والأكثر أماناً؛ أخشى أنه عندما نشعر في داخلنا بأن هذا العالم ليس عالمنا فإن كل أشكال عيشنا فيه تصبح طُرقاً مهذّبة نحو الموت قبل أن تتحوّل إلى طرق عنيفة كما يشهد واقعنا الحالي. فما الذي يُعلّمنا إيّاه التأويل؟ إنه يعلمنا أننا نستطيع أن نعثر على حياة أخرى تحت الحياة اليومية، وأنه يمكننا عيشها دون أن نكون بحاجة إلى جعلها حداثية.

لماذا نبحث عن الحداثة إذن وقد تكون اللاّحداثة قوة ابتكار نائمة في قلب الحداثة نفسها وبُعداً من أبعادها؟؛ إن التأويل طريقٌ إلى هاته القوة، لأنه يشتغل ضد عنف الخطاب المفرد، أي ضد السياج الدلالي المحيط بالمفاهيم وإشارات الخطر التي تُومض عند كل مقاربة مختلفة لهذه الفكرة أو تلك.

أ. بشير ربوح: هل هناك استراتيجية لتخريج جيل تأويلي في الوطن العربي؟

د. عمارة الناصر: هذا سؤال أكبر من أن أستطيع الإجابة عنه؛ لكن سأقتطع منه شيئاً يمكن أن يكون موضع تأمل خاص.

لا يشتغل التأويل دون رؤية للعالم وضدّها؛ فما شكلُ العالم الذي "نتمثّله" اليوم وما أبعاده؟ لابد أن شيئاً ما يتراجع داخلنا إلى الحدود التي يتعذّر عندها الفهم، وهو ما يعني أننا نسكن عالما مظلماً، وهذا ليس حُكماً، لأن الحكم مسبوق بكثافة إبستيمولوجية هائلة لسنا مؤهلين لها الآن. هل نحن في خطر؟ نعم، ولكنه خطرٌ يتهدّدنا في المناطق غير المراقبَة من الحياة، فما يكون دافعاً للتفكير يُفلت من بين أيدينا دون أن نراه، مُخلّفاً وراءه الوهم بالتفكير؛ ويؤدي هذا الوهم إلى إهدار الكينونة من خلال السعي إلى التفكير في المواضيع وإدراكها بشكل موضوعي، وهنا أشير إلى أن التأويل هو التفكير بلا موضوع، التأمل في اللاّموضوع، لأنه لا يرتبط بالمعرفة بل بالمجهول؛ هل نحن مستعدون لذلك؟ هذا هو محل الشك في المسألة.

لقد قدّم جون غريش (Jean Greisch) فرضية بخصوص فلسفة التأويل، وهي أن هذا العصر هو عصر هرمينوطيقي للعقل؛ أي أن الهرمينوطيقا هي البراديغم الجديد للعقل؛ فالعقل إذن يُغيّر وضعه عبر التاريخ ويُعدّل الأسس التي يرتكز عليها في كل مرة يجد فيها أن العالم لم يعدْ واضحاً بالشكل الكافي ولا يُعادل ما اعتقدنا أنه يُعادله وأنّ المسافة بينه وبين اللغة تبتعد إلى الدرجة التي نُفتّش فيها عن كلماتٍ لنُعبِّر بها عن شيء ما فلا نجد، عندئذ تبرز نقطة الانعطاف التي يتمّ من خلالها إعادة توجيه الفكر.

إن الحاجة إلى التأويل هي الحاجة إلى إعادة تحديد العلاقات التي تربط العقل بالعالم، الذات بنفسها، المعيش بالحياة، اللغة بما تحيل إليه..، لأن عملية الفهم "تحدث" دائما وفق قاعدة غير قابلة للاختزال هي قاعدة النسبة: "بالنسبة إلى.." (par rapport à)، فكل ما يتحرّك داخل الفهم لا يُفلت من قاعدة النسبة هذه؛ وكل ما تقوم به الفلسفة هو الالتفاف على هذه القاعدة لجعلها دالّة أكثر ممّا هي عليه في العلوم الدقيقة أو التجريبية.

في "الوطن العربي" نواجه سؤالا تأويلياً حاسما: ماذا بقي لنا لنفكّر فيه؟ وهذا يعني ابتكار علاقات جديدة في رؤيتنا للعالم أو إعادة تجديد علاقاتنا الأنطولوجية المغمورة تحت الانشغال الكثيف بالأبعاد النمطية للواقع والآثار المباشرة للراهن: السياسي، الديني والأخلاقي وهي مجالات غير منتجة فلسفياً بالمعنى التجذيري للفلسفة. سأعطيك مثالا واضحاً: علاقتنا بالموت ليست هي نفسها علاقة الإنسان الغربي به، فلماذا لا تكون علاقتنا بالحياة مختلفة أيضاً؟ أقصد هنا أن ننظر إلى الأشياء قبل أن تتحول إلى قيم أو نُعيد تحويل القيم إلى أشياء، ألسنا نُضفي قيمة على كل شيء نُقاربه بالمعرفة أو نلامسه بالوجود ! وبالتالي، فنحن نُغطّيه ونحجبه عن الفهم المزوّد بالصلاحية (la validité) ممّا يعني في النهاية اضطراب علاقتنا بالعالم وارتباك تصوراتنا ومفاهيمنا عنه والتباس لغتنا التي نعبّر بها عنه، لأنه عالمٌ مغلّف بالقيم ومحصّن ضد الفهم نفسه.

سأفترض فكرة، قد تبدو غير منطقية نوعاً ما، وهي أن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن نفكر من خلالها وأن نبتكر عالماً بعلاقات جديدة، هي أن نفكر بواسطة ما ننتقده في الإنسان العربي عبر قاموس الضعف والتخلّف نفسه، لأنها الطريقة المتاحة والممكنة لإعادة توجيه الفكر العربي ومنه إعادة توجيه الحياة إلى مجال عيشها، كما أنها الحالة الوحيدة التي يلتفّ فيها التفكير على "التفكير بالنسبة"، سيكون ذلك مؤلماً ومكلّفاً على المستوى القيمي ولكنه مثمرٌ على المستوى الأنطولوجي.

في الختام، أودّ أن أفتح أفقاً تفاؤلياً بخصوص الفكر التأويلي العربي عبر ما يتوفّر من مادة خام في النصوص والتاريخ، إذ لا بد أن ينفتح شيءٌ ما في اللغة ليقترب أكثر ممّا هو بعيد اليوم، كما أن بعض المشاعر الخالصة قد تفيد في الإبقاء على الكينونة داخل الزمن.

أشكركم على لطف الحوار والنقاش.