مخاطر التكنولوجيا الحديثة على العلاقات الإنسانية

فئة :  قراءات في كتب

مخاطر التكنولوجيا الحديثة على العلاقات الإنسانية

مخاطر التكنولوجيا الحديثة على العلاقات الإنسانية

قراءة في كتاب «وحيدون ونحن مَعاً»*

عبد الله المتوكل**

سياق تأليف الكتاب وموضوعه:

تترأس شيري توركل (SHERRY Turkle)، الباحثة في ميداني الأنثروبولوجيا وعلم النفس، شعبة التكنولوجيا والاستقلالية بمؤسسة ماساتشوستس (Massachusetts) للتكنولوجيا منذ سنة (1986م). وقد ولجت هذا المعهد، كما تقول «لدراسة الثقافات المعلوماتية»[1]. ويعد كتابها (وحيدون ونحن معاً) (Seuls ensemble) الجزء الأخير من ثلاثيتها التي تدرس فيها العلاقات التي يقيمها الناس مع حواسيبهم، ووضعية ومصير «علاقاتنا الإنسانية التي تتوسطها الآلات»، ومن ثم فهو حصيلة ثلاثين سنة من البحث في هذه الإشكاليات، ويعكس تطور مقاربتها لها، بموازاة تطور علاقتنا بالتكنولوجيا الحديثة وتغير نظرتها إليها. ففي نهاية سنوات السبعينيات من القرن العشرين وبداية الثمانينيات كانت شاهدة على اللحظة التي كان فيها الحاسوب «مُذكِّراً» يدفع مستعمليه إلى «التفكير في ذواتهم» و«إعادة الاعتبار لطبيعة الفكر والذاكرة والفهم»[2]، وألفت في تفاعل مع هذه اللحظة كتابها الأول (الأنا الثاني) (The second Self) سنة (1984م)، «المليء بالأمل وبالتفاؤل»[3]. غير أن طبيعة العلاقات بين الأفراد والحاسوب تغيرت في عقد التسعينيات، إذ لم تعد تقتصر على علاقة شخص بحاسوب، بل أصبحت تسمح للشخص بعيش حيوات موازية في عوالم افتراضية، وبأن يكون لديه آلاف الأصدقاء، فتوقفت شيري توركل عن دراسة علاقات البشر بالآلات للاهتمام بالعلاقات التي يربطها الأفراد فيما بينهم بوساطة الشبكات المعلوماتية في كتابها الثاني (العيش على الشاشة) ( Life on the screen) سنة (1995م)، وهو كتاب يقدم في مجمله رؤية إيجابية عن الفرص الجديدة التي تمنحها الحواسيب لكي يختبر الفرد هويته على الشبكة، لكن بنظرة أقل تفاؤلاً من تلك التي طبعت كتابها السابق. وترى هذه الباحثة أن توجهين تحددا في منتصف التسعينيات في إطار علاقاتنا بالآلات؛ يتمثل الأول في تطوير الأفراد لحياة مندمجة كلية في الشبكة العنكبوتية، بينما يتعلق الثاني بالروبوتات (robots) التي لم تعد تكتفي بأن تنجز لنا مهام صعبة وخطيرة، بل اتجهت لكي تصبح أصدقاء لنا. وكتاب (وحيدون ونحن معاً) يحلل هذين التوجهين في تاريخ الثقافة الرقمية خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة.

ويراود شيري توركل في هذا الكتاب إحساس قلق بأننا أمام تحول ثالث يطال انتظاراتنا إزاء التكنولوجيا وإزاء أنفسنا ذاتها، إذ يبدو أننا «أصبحنا ننتظر الكثير من التكنولوجيا والقليل من بعضنا البعض»[4]. وهذا القلق يعبر عنه بوضوح العنوان الفرعي للكتاب، الذي يسجل بطريقة مفارقة أنه كلما كثر استعمالنا للتكنولوجيا وتطور، كلما تضاءلت علاقاتنا الإنسانية وتدهورت. والأسئلة التي يحاول الكتاب الإجابة عنها، هي: «كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟ وهل نحن راضون عنه؟»[5]. ويتكون هذا الكتاب من قسمين، يتضمن كل واحد منهما سبعة فصول، ويلتقيان في مساءلتهما لعلاقتنا بالوسائل التكنولوجية. يتناول الأول ما سمته المؤلفة «اللحظة الروبوتية»، بينما يفحص الثاني ويحلل كل الممارسات التي يقوم بها الأفراد على الشبكة العنكبوتية. أما المنهج الذي اعتمدته في مقاربتها، فهو منسجم مع تكوينها كباحثة في الأنثروبولوجيا والسيكولوجيا، جمعت فيه بين «حساسية الإثنوغرافي وحساسية الإكلينيكي»[6]. إذ استند على عمل ميداني وآخر إكلينيكي؛ يقوم الأول على التنقل إلى الفضاءات التي يلتقي فيها الأشخاص بأدواتهم التكنولوجية، وملاحظة تفاعلاتهم معها وما يقولونه عنها، وطرح بعض الأسئلة عليهم في بعض الأحيان، وتسجيل ملاحظات دقيقة. أما العمل الإكلينيكي، فيتمثل في مقابلات معمقة أجرتها شيري توركل مع عينات مستهدفة «داخل مكتب أو مكان هادئ»، معتبرة هذا العمل «دراسات إكلينيكية، تقوم بها كباحثة وليس كمعالِجة»[7]. وقد قابلت واستجوبت واستقت آراء وشهادات عدد كبير من الأفراد؛ إذ شارك معها في دراساتها حول الروبوتات (250) شخصاً، و(450) شخصاً فيما يتعلق بأبحاثها حول الإنترنت والمواقع الاجتماعية؛ لذلك جاء هذا الكتاب في (525) صفحة، مليئاً، بل مثقلاً بالإحالات إلى شهادات وآراء وتجارب المستجوَبين التي حدَّت أحياناً من النقاش النظري حول بعض القضايا[8]. ولما كان الغرض من هذا العرض الموجز هو تقديم الكتاب، فسنغض الطرف عن هذا الكم الهائل من المعطيات الميدانية، وسنحاول استجلاء أطروحته المركزية وعناصرها الحجاجية المتضمنة في جزأيه الأساسيين، مع إبراز قيمتها وحدودها.

اللحظة الروبوتية:

تلاحظ شيري توركل في مقدمة الكتاب بأننا نتوجه اليوم باهتمام جديد نحو الجماد، وهو توجه أو اختيار يطرح أسئلة مقلقة حول علاقتنا بالجماد ومع الكائن الحي ووضعيته، وهو أمر لا ينتبه إليه زملاؤها في شعبة الإعلاميات، المُنكبون على ابتكار حواسيب وآلات متطورة؛ فهذه الأخيرة في نظرهم «ليست إلا أدوات»، والحال أن هذه الـ «ليس» خادعة؛ لأن هذه «الأدوات»، في الواقع، تُحول بعمق وجودنا الفردي والجماعي وعلاقاتنا ببعضنا البعض. وهذا ما تسعى إلى الكشف عنه من خلال هذا «التاريخ الحميمي للآلات»[9] الذي تدرسه. وفي هذا الإطار، تقوم في الجزء الأول من الكتاب بنوع من الحفر في تاريخ علاقة الأفراد بالروبوتات في أمريكا، وما ترتب عن ذلك من «عُزلات» و«علاقات حميمية» جديدة، وهي إن كانت تسجل بأن هذه الظاهرة ما زالت محصورة في أوساط الأغنياء، بالنظر إلى الثمن الباهظ للروبوتات، فإنها تؤكد بأننا، اليوم، مستعدون عاطفياً وفلسفياً لاستقبالها، ليس فقط كما نستقبل الحيوانات الأليفة المرافِقة كالقطط والكلاب، بل كأصدقاء محتملين وأيضاً كشركاء في الحب.[10]

وهذه «اللحظة الروبوتية» تمتد من الروبوتات التي نجدها في قاعات ألعاب الأطفال، إلى تلك الأكثر إتقاناً التي نلفيها في المختبرات، مروراً بالروبوتات التي طٌوِرت وأُعدت للاهتمام بالمُسنين. وتركز الكاتبة أساساً على الروبوتات الاجتماعية التي تستعمل لمُرافقة الأطفال والشيوخ، والتي كلما تطورت خصائصها ومهاراتها كلما ارتفعت درجة ارتباط الأفراد بها. فعندما اقتحمت الروبوتات الأولى عالم الأطفال في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، على شكل ألعاب إلكترونية متحركة ومتفاعلة، دفعت الأطفال إلى التساؤل بنوع من الفضول حول طبيعة هذه الآلات، وغيرت طريقة تفكيرهم في تحديد الكائن الحي؛ فلكي يعرفوا هل هذا الشيء أو ذلك كائن حي أم لا، لا يتساءلون هل يتحرك؟ بل ماذا يعرف؟ وهكذا تم الانتقال من الفيزياء إلى علم النفس! غير أنه مع نهاية التسعينيات، عندما ظهرت الروبوتات التي تطالب الأطفال بالاهتمام بها، سيطرأ تغيير ثان في طريقة تحديدهم للكائن الحي؛ إذ لم يعد معيار ما يميز الكائن أو الشيء الحي هو المعرفة، بل قدرته على الدخول في علاقة عاطفية متبادلة معهم [أي مع الأطفال][11]. وهذا الالتباس الذي حصل على مستوى تعريف الكائن الحي وتمييزه عن الجماد، سيتكرس لدى الأطفال والراشدين أيضاً بموازاة تنامي انتظاراتهم من الآلات؛ إذ لم يعد يُنظر اليوم إلى الروبوتات باعتبارها آلات، بل بوصفها «مخلوقات». وبالنسبة إلى أغلبية الناس، فإن هذه الكلمة تفهم دون وضعها بين ظُفرين[12]، والأطفال مرتاحون للفكرة التي تسلم بأن الروبوت آلة ومخلوق في الوقت نفسه. ومع تطور الذكاء الاصطناعي وتزويد الحواسيب والربوتات بقدرات عقلية اصطناعية، انبثق ميل نحو تفضيل الآلات الذكية على الإنسان، لم يعد معه لمفهوم أصالة الإنسان ككائن حي قيمة في ذاتها؛ إذ أصبح الناس ينظرون إلى فكرهم كبرنامج وجهاز معلوماتي[13]، وإلى الإرادة الحرة، تبعاً لذلك، باعتبارها وهماً[14]، ولا يتساءلون ما إذا كان بإمكان الآلات على المدى المتوسط أن تفكر كالبشر، بل يتساءلون ما إذا كان البشر على الدوام يفكرون مثل الآلات[15]، معتبرين أن كل كائن إنساني يبقى محدوداً بحدود تجربته الخاصة، بينما «يمكن برمجة الحواسيب والروبوتات لكي تحمل معلومات لانهائية»[16]، الشيء الذي أصبح معه البشر يبدون ككائنات ناقصة وهشة، وهذه الهشاشة لا تخلو من مخاطر. فبعد أن كانت الروبوتات في بداية ظهورها تبعث على الخوف؛ لأنه كان يُنظر إليها كتقنيات قد يصعب التحكم فيها، أصبحت تبدو اليوم ممثلة لفكرة مطمئِنة، تلك التي ترى بأن العلم قادر على حل العديد من المشاكل التي يعاني منها عالمنا.[17]

ولعل من أهم هذه المشاكل الفتور الذي أضحت تشكو منه العلاقات الحميمية بين الناس، وما يترتب عنه من شعور الأفراد بالوحدة والعزلة. وهي المشكلة الأساسية والمؤرقة التي يحللها ويناقشها هذا الكتاب؛ ذلك أن التقنية، ممثلة في الإنترنت والروبوتات، باتت تقدم نفسها كمهندس لعلاقاتنا الحميمية، باقتراح بدائل تحل محل العلاقات الإنسانية القائمة على الاتصال المباشر وجهاً لوجه. وهكذا بدأنا نقحم الروبوتات الاجتماعية، المُعدة لمرافقة الأطفال والشيوخ، في كل حديث عن العجز الإنساني: «فنحن نشيخ والروبوتات تعتني بنا. ونهمل أطفالنا، فتعتني بهم الروبوتات. ونحن جد منهكين لكي نهتم ببعضنا البعض أثناء المِحن، والروبوتات لها ما يكفي من الطاقة للقيام بذلك. كما أن الروبوتات لا تُصدِر علينا أحكاماً، بل تقبلنا كما نحن عليه»[18]. لقد أصبحت العلاقات مع البشر تبدو محبِطة، فاتجه الناس للاستعاضة عنها بـِ «علاقات حميمية جديدة» مع الآلات، منتظرين منها حمايتهم من الوحدة، غير أنها تزج بهم في أشكال جديدة من الوحدة القائمة على الوهم؛ لأنهم في الحقيقة يوجدون وحيدين في هذه العلاقات الاصطناعية ويتوهمون أنهم متصلون.[19]

وما يكرس هذا الوهم هو الشحنة العاطفية التي تطبع هذه العلاقات مع الروبوتات؛ لأن هذه الأخيرة، بفعل تطور الذكاء الاصطناعي والبرمجة، صارت تتوافر على أبعاد سيكولوجية مع كونها مجرد أشياء، وتؤدي، حسب سِن الزبناء وانتظاراتهم، وظائف اجتماعية وترفيهية وعلاجية، وتقوم باستجابات عاطفية بوساطة الحركة والكلام وتعبيرات الوجه، بل أضحت تربط علاقات «غرامية». وإذا كان المتحمسون لهذه الروبوتات الاجتماعية الذكية يستندون في دفاعهم عن أدوارها على الثنائية الديكارتية التي تميز بين الفكر والجسد، وتعد الجسد مجرد جسم بمعناه الفيزيائي؛ أي امتداد وحركة أو آلة، فإن الكاتبة تتكئ في نقدها للذكاء الاصطناعي على تقليد فلسفي مرتبط بأعمال كانط وهايدغر وميرلوبونتي وآخرين أتوا بعدهم، والذي يؤكد أن العلاقة مع العالم تتجسد في الجسد، وأنه لا وجود لفكر أو عواطف بمعزل عن الجسد، وهو ما يعني استحالة اكتساب الروبوت لدور اجتماعي ذي معنى.[20]

والكتاب مليء بشهادات كثيرة لأطفال ومسنين من الرجال والناس ولأبنائهم أيضاً ولمسؤولين في دور رعاية المسنين ولمهنيين ومهندسين معجبين ببضاعتهم، تتحدث عن تجارب متنوعة من هذه العلاقات مع الروبوتات، تلتقي كلها في الإشادة بالأدوار الاجتماعية والنفسية والعلاجية التي تقوم بها، وتعبر لدى بعضهم عن ارتباط «مرضي بها». فالأطفال ينخرطون في هذه اللحظة الروبوتية و«يريدون إقامة علاقة قرب مع الآلات، وتعليمها أشياء معينة وأن يصبحوا أصدقاء لها»[21]. ولعل أحد المظاهر الأكثر إثارة في الكتاب، كما يقول سيباستيان ريشارد (Sébastien Richard)[22]، هي تلك التي تُبرز ردود فعل المسنين في مواجهة روبوتات المرافقة؛ فالروبوتات التي صنعت وبيعت كعلاج للوحدة التي يعاني منها كبار السن، مثل الروبوت المسمى (Paro)، الذي صُمم على هيئة فقمة صغيرة الحجم يتفاعل مع الشخص الذي يداعبه، تنقل السؤال من اللحظة الروبوتية إلى مسألة العلاج. فهذا النوع من الروبوتات يحظى، في الوقت نفسه، باحتفاء المسنين والمسؤولين في دور رعاية المسنين؛ فقد صرح مدير إحدى هذه الدور للكاتبة بأن: «الوحدة تجعل الناس مرضى، وهذا [يقصد Paro] يمكنه، على الأقل، القضاء على سبب المرض»[23]، كما «أن المشرفين على العلاج يتصورون أن بإمكان هذا الروبوت أن يكون مفضلاً على الوحدة، بل على تواجدهم هم أيضاً»[24]، ويضيف أحد الأطباء بأن «مثل هذه الروبوتات هي ما يلزمنا»[25]. وهكذا «فإن مسألة الرباط الاجتماعي يعاد تعريفها، يقول سيباستيان ريشارد، حول روبوت يُتصور كعلاج لمشكل اجتماعي في أصله، وكمعوض للإنسان»[26]. وهكذا انتقلنا من القول بأن «[استعمال] الروبوت أفضل من لا شيء» إلى القول بأن «الروبوت هو الأفضل»[27].

ومن جهة أخرى، فإن المراهقين، اليوم، الذين ترعرعوا مع الروبوتات الاجتماعية ذات القدرة الاصطناعية على التفاعل العاطفي، هم أيضاً مهتمون بامتيازات المرافقة الروبوتية على المستوى الجنسي، خاصة في الفترة التي يكونون فيها غير قادرين على مواجهة تعقيدات العلاقة الجنسية مع الجنس الآخر؛ إذ نلفي لديهم انجذاباً نحو الارتياح المرتبط بعلاقة لا تتضمن أي متطلب من متطلبات الحميمية، وهو ما يمكن أن يقودهم إلى الدخول في علاقة جنسية مع آلة من دون التزام أو شعور بالحنان، أو في علاقة حب على الشبكة العنكبوتية، مع إمكانية قطعها في أي وقت.[28] وفي كل هذه الأشكال من العلاقات الحميمية مع الآلات، سواء لدى الأطفال أو المسنين أو الشباب «لا يبدو أننا ننشغل بما «تعرفه» أو «تفهمه» هذه الذكاءات الاصطناعية عن هذه اللحظات الإنسانية التي «نتقاسمها» معها. ففي هذه اللحظة الروبوتية من تاريخنا يظهر أن محاكاة الروابط الإنسانية يكفي»[29]. هكذا انتهينا إلى اعتبار هذه العلاقات القائمة على المحاكاة طبيعية، وهو ما يطرح علينا جميعاً أسئلة عويصة، تلخص شيري توركل أهمها على هذا النحو: «في ماذا نفكر عندما ننظر في موضوع الروبوتات؟ إننا نفكر في معنى الحياة، وفي ما يخلق الارتباط، وفي ما يُشكل الشخص؟ وبصفة عامة، فإننا نعيد التفكير في طبيعة العلاقة التي ينخرط فيها الإنسان، ونعيد النظر في مفهومي الحميمية والأصالة. ونتساءل عن الثمن الذي نحن مستعدون لأدائه بتخلينا عن الكائنات البشرية لفائدة الروبوتات»[30]. وهذا لا يعني دعوة إلى استبعاد الروبوتات أو نقدها في ذاتها، بل يتعلق الأمر فقط بوضعها في مكانها الصحيح، والكشف عن نقط ضعفنا نحن.

الحياة على الشبكة: علاقات افتراضية وأشكال جديدة من الوحدة

تنصب أبحاث شيري توركل في القسم الثاني من هذا الكتاب على دراسة موضوع الحياة على الشبكة العنكبوتية، وتركز أساساً على ممارسات الشباب في العالم الافتراضي وما يترتب عنها من إشكالات متعددة الأبعاد، ترتبط بالطرائق التي نفكر بها في ذواتنا، وفي علاقاتنا مع الغير، وفي معنى الإنسانية. وقد أنجزت القسم الأكبر من ملاحظاتها في الثانويات والمُجمعات الجامعية، كما أجرت استجوابات ومقابلات مع راشدين لكي تفهم كيف تُحول الشبكة أدوار الآباء. وإذا كانت الروبوتات الاجتماعية تقترح تعويض الأشخاص في إطار علاقات قائمة على المحاكاة، فإن الآلات الجديدة على الشبكة تقترح نوعاً آخر من التعويض، يتمثل في ربط علاقات إنسانية تتوسطها الآلات. وفي كلتا الحالتين، فالأمر يتعلق برصد الكيفية التي تغير بها التكنولوجيا نمط وجودنا وحياتنا، وتخلق أشكالاً جديدة من الوحدة والوهم والقلق. وتستعيد الكاتبة في هذا الجزء الفكرة الموجهة لحجاجها، أي «تطبيع «العلاقات» التي تمنحنا شعوراً بالقرب، في الوقت الذي نوجد، مع ذلك، وحيدين»[31].

ولعل الظاهرة المثيرة للقلق، التي كرستها هيمنة وسائل التواصل، وأصبحت كونية تقريباً، هي ظاهرة الاتصال الدائم والمدمن بالإنترنت وابتعاد الناس عن المحادثات وجهاً لوجه مع الآخرين. وهي ظاهرة لها انعكاسات خطيرة على جل مستويات الوجود الفردي والجماعي، المعرفية والاجتماعية والنفسية والعملية. وتقول شيري توركل في إحدى محاضراتها[32]، بأن الباحثين طوروا فرعاً جديداً من علم النفس يتمحور حول دراسة ظاهرة الاتصال الدائم بالتكنولوجيا، التي يرمزون إليها بنوع جديد من الكوجيتو، يصاغ في عبارة: «أنا أشارك [في الاتصال]، إذاً أنا موجود»، للدلالة على هذا النمط من الوجود الافتراضي الذي يتطور بالابتعاد التدريجي عن الوجود الواقعي المعتاد، ويخلق هويات وحميميات جديدة وسيكولوجيات وأوهاماً ولغات وعزلات جديدة. فداخل فضاء الكائنات الافتراضية وَلَّى زمن الاتصال مع الآخرين بوساطة الهاتف الثابت أو وجهاً لوجه، بما هو اتصال يقوي الروابط الاجتماعية والنفسية. لقد تمت الاستعاضة عن ذلك بالرسائل القصيرة التي ترسل عبر الهواتف المحمولة أو مواقع التواصل الاجتماعي، والمشاعر أو الأفكار التي يعبر عنها بوساطة هذه الرسائل لا تكون حاضرة في ذهن صاحبها أو وجدانه قبل كتابة الرسالة! بل يتزامن ظهورها إلى الوجود مع كتابة الرسالة، فقد «أصبح الناس يتبعون شعار «أريد أن يكون لدي شعور ما، لذا فأنا بحاجة لإرسال رسالة نصية»[33]. وعلى سبيل المثال، صرحت إحدى الفتيات ذات الثلاثة عشر ربيعاً، بأنها «تكره الاتصال بوساطة التلفون ولا تستمع أبدا للرسائل على علبتها الصوتية»، فالرسائل الصغيرة المكتوبة تترك الأشخاص غير قريبين جداً ولا بعيدين جداً من بعضهم البعض، بل تضعهم في المسافة الجيدة[34]. وقال طالب في العشرين من عمره: «لا أستعمل أبداً هاتفي لإجراء مكالمات هاتفية، فليس لدي وقت لأضيعه في الدردشة. فأنا أفضل الرسائل المكتوبة، وتويتر (Twitter) وحائط أحد أصدقائي على الفيسبوك. أجد فيها كل ما أحتاج معرفته»[35].

ومما يجعل الأفراد في اتصال دائم بالشبكة، هو ما توفره وسائل الاتصال الحديثة من إمكانية القيام بمهام متعددة على الإنترنت (multitasking) في الوقت نفسه. وهذه الخاصية «تؤكد ميلنا لترك التكنولوجيا تملي علينا إيقاع محادثاتنا وانشغالاتنا»[36]، وتجعل منا آلات تستنفد كل جهدها للقيام بهذه المهام الكثيرة بطريقة متزامنة[37]. فقد أصبح بإمكان الأطفال والشباب والراشدين أن يفتحوا نوافذ كثيرة على الإنترنت في الوقت نفسه، كأن ينجز المرء واجباته المدرسية أو يقوم بعمل ما، ويستمع إلى الموسيقا، ويجيب على الرسائل التي يتوصل بها، ويرتبط بمواقع التواصل الاجتماعية...وواكب هذه الظاهرة تغير في النظرة إلى عملية القيام بمهام أو أنشطة متعددة في الآن نفسه؛ فبعد أن كان يُنظر إليها بطريقة سلبية؛ لأنها تؤدي إلى ضعف التركيز وتشتيت الانتباه وضعف الأداء، أصبحت تبدو أمراً إيجابياً وحسناً، ويعدها «خبراء التكنولوجيا كفاءة وقدرة، بل هي، في نظرهم، الكفاءة الأساسية لكي يتعلم المرء ويشتغل في العالم الرقمي»[38].غير أن الدراسات السيكولوجية لهذه الظاهرة لا تُسلم بهذه الفعالية، بل تؤكد أننا عندما نقوم في الوقت نفسه بمهام متعددة، فإننا لا نؤديها على ما يرام، على الرغم مما يرافق هذا التعاطي من شعور بالمتعة، الناجم عن ما يقدمه الجسم من «مكافأة»، بإنتاجه لمواد كيميائية عصبية تبعت على الشعور بالمتعة، لكنه شعور خادع يدفع أصحابه إلى الاعتقاد في نجاعة وإنتاجية أنشطتهم المتعددة.[39]

وهذا الاتصال الدائم بالتكنولوجيا يجعلها تميل لأن تصبح جزءاً لا يتجزأ من ذواتنا، سواء على مستوى الجسد أو الروح، وتحول المدمنين عليها إلى كائنات سيبرانية (cybogrs)، تتطور في الوقت نفسه في العالمين الافتراضي والفيزيائي[40]. وهذه الكائنات عندما تكون متصلة بالشبكة، كما تقول هيلين بابادودي-روس (Hélène Papadoudi-Ros)، يتكون لديها انطباع بأنها صيغ مُطوَّرة ومُحسَّنة من ذواتها[41]؛ ذلك «أن آلاتنا الجديدة تمنحنا فضاء حيث تنبثق حالة جديدة للأنا ذاته؛ أي أنا- شيء منقسم بين الشاشة والواقع، أنا تعمل التكنولوجيا على بث الحياة فيه»[42]. غير أن هذه الكائنات المنتشية بالاتصال الدائم بالإنترنت، والتي تبدو لها الحياة الافتراضية هي الحياة الحقة، ترافقها أشكال جديدة من القلق والرعب الناجم عن الخوف من انقطاع الاتصال بالشبكة. وقد اعترف بعض الأشخاص بأنهم إذا فقدوا هواتفهم سيكون لديهم انطباع بأنهم ماتوا[43]. ومن جهة أخرى، فهذا الاتصال الدائم بالشبكة العنكبوتية يولد لدى أصحابه ميلاً نحو الانغلاق على الذات، وأشكال جديدة من الوحدة، على الرغم من أنهم متصلون باستمرار بآخرين، وهو الأمر الذي يؤدي في آخر المطاف إلى ما سمته في محاضرتها السابقة الذكر بـ «الانعزال الجماعي»، ويشير هذا المفهوم، كما تقول، إلى ذلك الفرع الجديد في علم النفس الذي يركز على فكرة كون الفرد في أيامنا هذه يكون جالساً وحده، منعزلاً عن وسطه الفعلي، لكنه في الآن نفسه متصل بالجميع عبر التكنولوجيا. وهذا النوع من الوحدة يولد لدى الشخص شعوراً بالعزلة، مصحوباً بشعور بالذنب؛ لأنه يدرك بأنه منفصل عن الآخرين وعن العالم الخارجي، وهذا الشعور يرتبط لدى المراهقين بنوع جديد من الاكتئاب. وهذه الوضعية تخلق لدى الفرد وعياً شقياً بالتناقض؛ لأنه يتصور بأن ليس لديه «الحق» في أن تكون لديه هذه المشاعر مادام أنه متصل بالجميع. وهذا النوع الجديد من الخطر الرقمي، علينا أن نحذر منه ونحمي المراهقين منه.

ومن المخاطر الرقمية الأخرى المرتبطة بهذه الحياة الافتراضية على الشبكة، التي تحللها الكاتبة وتحذر منها، ذلك الانفصام الذي أضحت تعاني منه هويات مستعملي المواقع الاجتماعية، والذي تتجلى أعراضه وانعكاساته السلبية على عدة مستويات. فهم لا يحضرون في العوالم الافتراضية بهوياتهم الشخصية الحقيقية، بل في شخصيات افتراضية (avatars) يبتكرونها بنوع من الإخراج المسرحي، الذي يحرص على تقديمها في صورة مثالية[44]، كما يُختزلون على مواقع التواصل الاجتماعية في بياناتهم الشخصية التي تتضمن معطيات وسمات إيجابية منتقاة بعناية[45]، وهم بذلك ينفصلون عن ذواتهم الحقيقية وعن الواقع، ويعيشون حياة مزدوجة وممزقة؛ واقعية وافتراضية، تنتهي بفعل الانجذاب إلى الحياة الافتراضية إلى الاغتراب عن الذات وعن الواقع الاجتماعي ومشاكله، وعن العلاقات الطبيعية مع الآخرين. وهكذا بات بإمكان المرء «المتواجد أمام شاشته أن يصبح، بوساطة الكتابة، الشخص الذي يحلم أن يكونه، وأن يتصور الآخرين حسب استيهاماته، معيداً تشكيلهم تبعاً لحاجاته الخاصة»[46]. وبهذه الطريقة، يظهر داخل المجتمع مجتمع افتراضي، أعضاؤه مغتربون عن ذواتهم الحقيقية، وعن بعضهم البعض، وعن الواقع وعلاقاته الاجتماعية.

وهذا الحرص الدائم على تشكيل هذه الشخصية الافتراضية المثالية يصبح مهمة يتعين القيام بها باستمرار، بموازاة مهام أخرى، مما يجعل الكائن السيبراني الذي يرغب في المحافظة على الإيقاع الذي تفرضه مواقع التواصل الاجتماعية يشعر بالقلق من غياب العفوية، وينهكه السعي الدؤوب إلى تقديم الذات بطريقة محسوبة ورائعة (cool). وفي هذا الإطار تنبه الكاتبة، في محاضرتها الآنفة الذكر، إلى خطر رقمي آخر، تسميه «الخوف من أن يفوتني شيء»، والمقصود بذلك تنافس مستعملي شبكات التواصل الاجتماعية في نشر وقائع حياتهم الإيجابية وأمورهم الشخصية التي تعكس أفضل سماتهم؛ وذلك بوساطة الكتابة والصور والفيديوهات، ويقومون من ثم بأرشفة حياتهم. وهذا ما تعبر عنه سوزان غرينفيلد بصيغة أخرى عبر هذا الاستشهاد: «إن نسيان الناس لوجودي هو ما يؤثر في حقاً. إذا ذهبت إلى حفلة أو كنت في عطلة ولم أوثقها، فهل حدث ذلك حقاً؟ هل يمزق هذا وجودي بوصفي إنساناً ويجبرني على ارتداء عباءة الإخفاء»[47]؛ غير أنهم في الوقت نفسه لا ينشرون الأمور التافهة في حياتهم أو ما يصادفونه من متاعب وصعوبات. ولما كان الجميع يقومون بذلك، فإن كل واحد يشعر بأن غيره مستمتع بحياته أكثر منه، وأن الكثير من الأمور الجيدة فاتته، مع أن هذا الغير قد تكون ظروفه الحقيقية صعبة وحياته بائسة. وهكذا عوض أن يعيش هؤلاء حياتهم كما هي في الواقع ويعملوا على تطويرها، «تحولت الحياة عندهم إلى استراتيجية لتكوين أرشيف»[48]. وإذا كانت الحميمية لدى الأجيال السابقة على ظهور عصر الثقافة الرقمية لا يمكن أن تتطور دون حياة خاصة، فإن الحميمية اليوم دون حياة خاصة تعيد تحديد المعنى الذي نعطيه للحميمية ذاتها[49]. وهذا ما أدى إلى انمحاء الحدود بين الحياة الخاصة والحياة العامة، وأضحت الحياة الخاصة عامة ومشاعة، ومن ثم خاضعة باستمرار لمراقبة أجهزة الدولة، وكل رواد الإنترنت. وتُذكر الكاتبة هنا بمجتمع المراقبة الذي رسم ميشال فوكو صورته في كتابه (حراسة وعقاب)، حيث تميل الدولة إلى تقليص اللجوء إلى المراقبة بخلقها لمجتمع يراقب نفسه بنفسه. وتتحدث في هذا الإطار، عن انبثاق ما سمته «سياسة الحياة الخاصة»، التي كرست الفكرة التي يقبلها الكثير من الناس دون مناقشتها، والتي تسلم «بأننا اليوم مراقبون على الدوام، فلماذا تصلح الحياة الخاصة إذن؟»[50].

وعلى مستوى العلاقات التي يقيمها الأفراد فيما بينهم على الشبكة العنكبوتية، فيبدو أنه إذا كان الدافع الأساسي لولوجهم مواقع التواصل الاجتماعية هو الهروب من مشاكل الواقع الاجتماعي والبحث عن تجاوز الشعور بالوحدة، فإنهم يجدون أنفسهم أمام أشكال جديدة من الوحدة، ترتد في النهاية إلى عزلة قاسية؛ لأننا «بافتقادنا للثقة في علاقاتنا الإنسانية، نرغب في العلاقات الحميمية ونخشاها في الوقت نفسه، ونعول على التكنولوجيا لكي تتيح لنا في الآن نفسه ربط علاقات مع الآخرين وحمايتنا من مخاطرها»[51]. الشيء الذي يعني في المحصلة أنه لا وجود لعلاقات إنسانية حميمية في العالم الافتراضي؛ لأن كل واحد فيه يعرف أنه هو ومن يرتبط بهم، ما هم إلا «شخصيات افتراضية»، وأن هذه العلاقات ما هي إلا محاكاة ممسوخة للعلاقات الواقعية، وهو ما قد يجازف به إلى اعتبار الغير شيئاً بسيطاً نلِجه فقط لكي نجد فيه ما يبدو مفيداً؛ أي ما يبعث على الارتياح أو التسلية[52]. هكذا تُختزل هذه العلاقات إلى مجرد اتصالات خالية من الشحنة الإنسانية، وعلاقات بسيطة وسطحية، وهذا ما يتجلى بوضوح على مستوى «الصداقات الرقمية» التي يتواصل في إطارها «الأصدقاء» بوساطة الرسائل القصيرة المكتوبة بطريقة سريعة، دون تفكير، ويتفاعلون عاطفياً فيما بينهم بوساطة رموز جاهزة، جامدة وباردة (émoticônes)، مع الحرص على البقاء في وضعية الاختباء عن بعضهم البعض، وتفادي اللقاء بهم والحديث معهم وجهاً لوجه، مخافة أن تفضحهم ملامح وتعبيرات الوجه ونبرات الصوت وحركات الجسد، التي يعدها الفيلسوف الفرنسي ليفيناس هي ما يجعلنا نتعرف على بعضنا البعض ككائنات إنسانية[53]، فتتهشم الصورة المتخيلة التي يقدمونها عن أنفسهم عبر العالم الافتراضي. هكذا تتحول العلاقات الحميمية السيبرانية تدريجياً إلى عُزلات سيبرانية، فيتعمق شعور «الأصدقاء» الافتراضيين بالقلق، لأنهم في الوقت الذي يكونون فيه متصلين بالجميع هم وحيدون. غير أن هذه الوحدة السيبرانية، ليست مرادفة للوحدة بمعناها الإيجابي، بل هي على الحقيقة عزلة، ذلك أن «الوحدة ليست رفضا للعالم الخارجي، لأنها تمنح فضاء ضرورياً للتفكير في الذات نفسها»[54]، وفي العالم من حولنا، بعد العودة إلى الذات ووضع مسافة نقدية إزاء ضجيج الآراء والسلوكيات السائدة، وهي التي ينشدها كبار المفكرين والمبدعين.[55]

خاتمة:

لا ينبغي أن نفهم من هذا النقد الذي توجهه شيري توركل للتكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة أنه يعبر عن رفض لهما ودعوة إلى التخلي عنهما، أو عن نوع من الحنين إلى زمن ما قبل «العصر التقني»، بلغة هايدغر. فكثيراً ما ذكرت في الكتاب بأهمية وضرورة التكنولوجيا في عالمنا المعاصر في عدة ميادين كالاقتصاد والأعمال والمعمار والتعليم والعلوم والتواصل وغيرها، بل ركزت على دراسة ونقد ما سمته «التاريخ الحميمي للآلات» الذي أفرز نوعين من العلاقات القائمة على محاكاة العلاقات الطبيعية بين البشر؛ المتمثلة في العلاقات «الحميمية» التي أضحى الناس يربطونها مع الروبوتات، وفي العلاقات الافتراضية التي يقيمونها فيما بينهم بوساطة الإنترنت. وفي كلتا الحالتين أصبح الأفراد يعيشون أنواعاً جديدة من الوحدة والعزلة، ويتبنون قواعد اجتماعية وآداباً وأوهاماً جديدة، ويميلون للتخلي عن العلاقات الإنسانية الفعلية وقيمها، إذ بتنا «ننتظر الكثير من التكنولوجيا والقليل من بعضنا البعض»[56]. وهذا ما حاولت البرهنة عليه طوال فصول الكتاب. وفي خاتمته، تقترح الحلول التي تراها قمينة للحد من مخاطر هذه الوضعية، وترى أنه «ما دمنا قد ترعرعنا مع الإنترنت، فإننا نميل إلى الاعتقاد بأنه هو أيضاً ناضج، وإلى النظر إليه، باعتباره تقنية بلغت مرحلة نضجها، لكنه في الواقع ليس إلا في بداياته. ومن ثم ما يزال أمامنا الوقت لندخل عليه تصحيحات وتصويبات... ونعيد وضعه في مكانه الصحيح»[57]. والشباب الذين نشأوا مع الإنترنت قادرون على القيام بذلك، لكنهم في حاجة إلى المساعدة. ودون شك نحن لم نعلمهم بما يكفي أهمية التعاطف والانتباه إلى الواقع.

إن التكنولوجيا تخاطب هشاشتنا، وهو أمر يدعونا إلى التفكير في أسبابها وفي ما ينقصنا، وعندئذ يمكننا ربما اكتشاف ما هو أساسي وعزيز عندنا، وما نريد حقاً حمايته. وعندما نكون أمام تكنولوجية جديدة، يمكننا على ضوء هذا الاكتشاف التساؤل عما إذا كانت تخدم الأهداف الإنسانية، وهو ما يفرض علينا، في الوقت نفسه، التفكير في طبيعة هذه الأهداف. وبموازاة هذه الحلول النظرية، قدمت الكاتبة بعض الحلول العملية المتمثلة في التعود على سلوك نوع من المجاملة؛ كالمبادرة إلى الحديث مع زملائنا في ممرات العمل، ومنع استعمال الهواتف المحمولة أثناء تناول وجبات الطعام مع أفراد العائلة أو الأصدقاء، أو في فضاءات اللعب، أو في السيارات، أو عندما نكون بصحبة الآخرين. ومن جهة أخرى، ترى أنه حان الوقت لكي نعيد الاعتبار لفضائل الوحدة والتفكير والحياة. وتختتم قائلة: «إننا نستحق أفضل من هذه الوضعية. وعندما نستحضر بأننا نحن من يُقرر ما تقوم به التكنولوجيا، فإننا نستطيع أخيراً مراقبة حياتنا».[58]

لا شك في أن قارئ هذا الكتاب القيم، سيقف مندهشاً أمام الجهد الكبير الذي بذلته شيري توركل، سواء على مستوى العمل الميداني الضخم الذي أنجزته، أو المنهج الذي اتبعته والمرجعيات النظرية المتنوعة التي وظفتها في تحليلاتها الدقيقة للكيفية التي تغير بها التكنولوجيا علاقاتنا مع بعضنا البعض؛ غير أنه مع ذلك يمكن تسجيل بعض الملاحظات التي لا تطعن في قيمة هذا الكتاب وأهميته:

- إذا ركزنا على العلاقات التي تربط بين الأفراد على الإنترنت، فلا شك في أن الكاتبة لا تدعي أن كل مستعملي الإنترنت يسقطون في حبال العلاقات الافتراضية، ويحضرون في الفضاء الرقمي بـ «شخصيات افتراضية»، بل ترى أن الشباب هم المهددون بذلك. ومع ذلك، فلا يمكن أن نقول بأن كل العلاقات بين الأفراد على الشبكة هي افتراضية وتؤدي إلى العزلة. وإذا كانت التكنولوجيا تغير بالفعل علاقاتنا ببعضنا البعض كما برهنت على ذلك، فإننا، في الوقت نفسه، نوظف التكنولوجيا ووسائل الاتصال لتغيير علاقاتنا وأوضاعنا في أبعادها المتعددة سلباً أو إيجاباً. فقد تستعملها مثلاً الدول الوطنية والقوى العظمى والشركات المتعددة الجنسيات وغيرها من الأطراف واللوبيات لتوجيه الرأي العام المحلي والدولي والتحكم فيه وللدعاية والهيمنة، ولتحقيق أغراض سياسية أو اقتصادية أو حربية[59]. كما تستعملها المنظمات الإرهابية وشبكات الدعارة المنظمة وشبكات تهريب البشر أو المخدرات وتبييضها. والحالة هذه، فالحلول التي اقترحتها الكاتبة، التي أتت على شكل توصيات أو نصائح، لن تفيد في التصدي لهذه المخاطر، بل تستدعي تضافر جهود محلية ودولية، تبحث عن أسبابها الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية. وبالمقابل، فإن وسائل الاتصال الحديثة تستعمل أيضاً لنقد الأوضاع السائدة وفضح أشكال الاستبداد والظلم والاستغلال، كما يشهد على ذلك ما سمي بانتفاضات «الربيع العربي»، كما يوظفها الأفراد ومنظمات المجتمع المدني وغيرها لبناء علاقات متينة وإيجابية ولخدمة أهداف نبيلة.

ومن جهة أخرى، فإن تحليلات شيري توركل ركزت على استعمالات الأفراد للتكنولوجيا، ولم تلامس بعض الجوانب الإشكالية المرتبطة بإكراهات التقنية وماهيتها ذاتها. الشيء الذي جعلها تسقط في نظرة أداتية للتقنية وفي نوع من النزعة الإرادوية. وهذا ما تعبر عنه بوضوح العبارة التي أنهت بها خاتمة كتابها: «عندما نستحضر بأننا نحن من يقرر ما تقوم به التكنولوجيا، فإننا نستطيع أخيراً مراقبة حياتنا». والحقيقة كما يقول هايدغر إن «التقنية تجاوزت بكثير ومنذ زمن طويل إرادة ومراقبة الإنسان مادامت لم تنشأ عنه»[60]؛ لأنها نمط من أنماط الوجود والحقيقة وعصر من عصور الميتافيزيقا، هو العصر التقني، الذي يقتلع الإنسان من جذوره ويرمي به في التيه، لكنها مع ذلك تظل قدراً أنطولوجياً لا فكاك منه. ومن ثم، لا يمكن أن «نقرر في ما تقوم به» وتبعاً لذلك «نراقب حياتنا» كما نريد؛ لأن التقنية بما هي نمط وجودنا المعاصر فهي تحكم كل أبعاد وجودنا الفردي والجماعي، وهي ما يملي علينا آراءنا ومواقفنا وأذواقنا واختياراتنا وعلاقاتنا ببعضنا البعض أيضاً. ولما كان الأمر كذلك، فإن «مراقبتنا لحياتنا» لا يمكن أن يتم إلا «بقولنا، في الوقت نفسه، «نعم» و«لا» للتقنية...فتصبح علاقتنا بالعالم التقني بسيطة ووديعة، حيث نقبل بالموضوعات التقنية في عالمنا اليومي، وفي الآن نفسه نتركها بعيداً عنا، بمعنى ألا نعدها أشياء مطلقة، بل ترتبط بما هو أكبر منها». وهذا الموقف الذي ندركه يسميه هايدغر «السكينة» و«اعتدال الروح» في حضور الأشياء[61]. و«اعتدال الروح» هذا لا ينفصل عن «العقل المنفتح على السر»؛ أي على المعنى الخفي الذي يكمن وراء مظاهر العالم التقني. «غير أن هذا الاعتدال وهذا العقل المنفتح لا يمكنهما أن يظهرا ويتطورا دون التفكير التأملي الذي يتدفق من قلب الإنسان»[62]، ويقودنا إلى تربة أخرى على درب تأمل معنى وجودنا في علاقته بالوجود. وإذا كان هذا الدرب الذي ينشده هايدغر لا يبدو في متناول جميع مستعملي التكنولوجيا الحديثة، فلنذكر في خاتمة هذا العرض بدرب آخر تسلكه كل المجتمعات ويمس كل أعضائها منذ العهود القديمة، وهو عماد كل نهضة وتقدم، غير أنه في حاجة إلى إعادة توجيه وتجديد لمواجهة الإشكالات التي يطرحها العالم التقني المعاصر، والاستفادة من مزاياه والحد من سلبياته، ألا وهو درب التربية، خاصة في ميدان التعليم الذي هو أساس بناء أجيال الغد، أجيال التكنولوجيا الفائقة الإتقان.

[1]* Sherry Turkle, Seuls ensemble. De plus en plus de technologies de moins en moins de relations humaines, Trad. de l’américain par Claire Richard Paris, L'Échappée, 2015, 525 pages.

ملاحظة حول ترجمة العنوان الرئيسي للكتاب «Seuls ensemble»: لاحظت أن البعض ترجمه بــ «الانعزال الجماعي» وهي ترجمة بعيدة عن معناه، لأن «isolement» أي العزلة ليست هي «solitude» أي «الوحدة» التي اشتقت منها كلمة «Seuls» أي «وحيدون». بينما اقترح آخرون «وحيدون معاً»، وهي صيغة مقبولة، لكنها غير دقيقة. لذلك ترجمته على هذا النحو: «وحيدون ونحن معاً» طلباً للاختصار، وأعتقد أنها أقرب إلى المعنى المقصود، وهو أنه على الرغم من أننا نكون معاً بوساطة التكنولوجيا، ومتصلين ببعضنا البعض نبقى وحيدين.

** عبد الله المتوكل أستاذ الفلسفة بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.

  -*Sherry Turkle, Seuls ensemble. De plus en plus de technologies de moins en moins de relations humaines, Trad. de l’américain par Claire Richard Paris, L'Échappée, 2015, p.1

[2]- Ibid, p.11

[3] - Ibid, p.12.

[4] - Ibid, p.14

[5] - Ibid, p.20

[6]- Ibid, p.16

[7]- Ibid, p.16

[8] - انظر قراءة سيباستيان ريشارد (Sébastien Richard) للكتاب على هذا الرابط:

https://journals.openedition.org/lectures/17697. تاريخ الاطلاع: 11/9/2019م

[9] - Ibid, p.11

[10] - Ibid, p.31-32

[11]- Ibid, p.45-59-60

[12]- Ibid, p.45

[13] - Ibid, p.61

[14]- Ibid, p.11

[15]- Ibid, p.98

[16] - Ibid, p.94.

[17] - Ibid, p.34

[18] - Ibid, p p.32-33

[19] - Ibid, p.46

[20]- Ibid, p.215 et sq

[21]- Ibid, p.146

[22] - المصدر السابق: https://journals.openedition.org/lectures/17697. تاريخ الاطلاع: 11/9/2019

[23] - Ibid, p.180

[24] - Ibid, p.181

[25] - Ibid, p.181

[26] - المصدر السابق نفسه.

[27] - Ibid, p.28

[28] - Ibid, p.33

[29] - Ibid, p.32

[30] - Ibid, p.47

[31] - Ibid, p.198

[32] - شاهد، بالصورة والصوت، هذه المحاضرة التي ألقتها شيري توركل بمجلس محمد بن زايد بالإمارات العربية المتحدة على هذا

الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=vrrctOVkWkE. تاريخ الاطلاع: 13/9/2019م.

[33] - المصدر نفسه (محاضرة شيري توركل).

[34]- Ibid, p.40

[35] - Ibid, p.41

[36] - انظر قراءة سيباستيان ريشارد (Sébastien Richard)للكتاب على هذا الرابط:

https://journals.openedition.org/lectures/17697. تاريخ الاطلاع: 11/9/2019م.

[37]- Ibid, p.262

[38] - Ibid, p.252

[39] - Ibid, p.259

[40] - ibid. p.244

[41] - انظر قراءتها للكتاب على هذا الرابط: https://journals.openedition.org/questionsdecommunication/10627. تاريخ الاطلاع: 13/9/2019م.

[42] - Ibid, p.43.

[43]- Ibid, p.42

[44]- Ibid, p.55

[45] - انظر التحليلات العميقة والرائعة لهذه الهويات الشخصية المزيفة والبيانات الشخصية الكاذبة، وانفصام الذوات التي تظهر على الإنترنت، في الكتاب الذي أنجزته عالمة الأعصاب البريطانية سوزان غرينفيلد حول البصمات التي تتركها التقنيات على أدمغتنا، وهو بعنوان: تغير العقل، ترجمة إيهاب عبد الرحيم علي، سلسلة عالم المعرفة، عدد 445، سنة 2017م

[46] - Ibid, p.296.

[47] - غرينفيلد، سوزان: تغير العقل، ترجمة إيهاب عبدالرحيم علي، سلسلة عالم المعرفة، عدد 445، سنة 2017م. ص115

[48]- Ibid, p.562

[49] - Ibid, p.273

[50] - Ibid, p.405

[51] - Ibid, p.14

[52]- Ibid, p.244

[53] - Ibid, p.324.

[54]- Ibid, p.318

[55] - انظر مقال هايدغر الذي يتحدث فيه عن أهمية الوحدة في حياته الفكرية، وذمه للعزلة. وهو بعنوان: وحدها «الغابة السوداء» تلهمني، ترجمة حسونة المصباحي.على هذا الرابط: https://elaph.com/Web/Qeraat/2017/1/1128176.html. تاريخ الاطلاع: 14/9/2019م.

[56] - Ibid, p.453

[57] - Ibid, p.452

[58] - Ibid, p.155

[59] - انظر على سبيل المثال كتاب هربرت أ. شيللر، المتلاعبون بالعقول، ترجمة عبد السلام رضوان، سلسلة عالم المعرفة، وهو في جزأين، عدد 106 (سنة 1986م)، وعدد 243(سنة 1999). وانظر أيضاً كتاب فيليب تايلور، قصف العقول، ترجمة سامي خشبة، سلسلة عالم المعرفة، عدد256 سنة 2000

[60]- مارتن هايدجر، السكينة، ترجمة رشيدة السائحي، مجلة مدارات فلسفية، العدد10، سنة 2000م، ص204

[61] - ibid, p.205

[62] - ibid, p.206. voir aussi, M. Heidegger, "La question de la technique" in Essais et conférences, Gallimard, 1958