مٌعضلة الشر في الفكر المسيحى ...من أين أتى الشر؟!

فئة :  مقالات

مٌعضلة الشر في الفكر المسيحى ...من أين أتى الشر؟!

مٌعضلة الشر في الفكر المسيحى ...من أين أتى الشر؟!

مُقدمة عن "الشر":

قبل حديثنا عن مُعضلة الشر في العقيدة المسيحية، يتوجب علينا أولآ، تعريف كلمة "الشر"، والتي تعني بدورها الجانب السلبى في تفكير البشر، أو إشارة إلى الكفر عن عمد من الجانب الديني والأخلاقي، بجانب الرغبة في التدمير والإفساد في الأرض، وكل الأعمال والأسباب التي تؤدي إلى المعاناة والموت هي شر. ومن الصعب تحديد ما إذا كان الشر مفهوما مُطلقا أو نسبيا، فهو يختلف بحسب البيئة والثقافة، فالإجهاض والمثلية الجنسية، في بعض الثقافات المُعاصرة من الحقوق والحريات، وعند البعض الآخر تُعد من الأفعال الشريرة، الاغتصاب والقتل عند البشر شر، ولكن في عالم الحيوان هما وسائل للبقاء، والشر ليس غاية إنسانية، بل قد يكون نتيجة لشيء يتجاوز الفعل البشري، مثل المجاعات، والبراكين، والهزات الأرضية، والتشوهات الخلقية للأجنة.

هناك شبه إجماع بين أهل الغيب، على أن الشرور توالت بعد خطيئة، قام بها الإنسان سواء كان عن جهل من جانبه أو عمد، فطرد على إثرها من جنة الخُلد، أو عالم المُثل، أو الماضى الذهبي، كلها مُسميات لحالة السعادة والنعيم المُطلق الذي كان يعيشه الإنسان بجوار الإله، ولكن لأن مُعضلة الشر مُستمر ة مع الإنسان إلى يومنا هذا، تزداد الأمور تعقيدًا بالأخص عند المؤمنين بالله؛ لأن الإله هو الخير الكامل، وهو كلي القدرة في المُجمل، فمن أين أتى الشر إذآ؟ هل هو نتاج صراع بين إله نوراني خير "اهوارمزدا"، وإله ظُلماني شرير "أهرمان"؟ هل الشر يكمن في النفس الإنسانية وحدها أم العكس، أم يكمن في رمزية "الشيطان"؟ وهل الشر أصل في الوجود كالخير أم هو حرمان فقط من الخير ؟ بمعنى إنه عابر، هل يوجد شر في الأساس أم الأمر مُتعلق بالجهل الإنسانى وسيره خلف مظاهر التشتت للموجودات، والتي يمكن على العكس أن تتسم بالانسجام في باطنها؟ هل الشر يكمن في عالم المادة؟.

آراء حول "مُعضلة الشر في المسيحية":

سنتعرض في هذا المقال، إلى الآراء المُختلفة عن مُعضلة الشر في العصر الوسيط عند الغرب المسيحى، والذي لا شك كما سوف يتضح لنا، أنه تأثر بثقافة العصر الهيلينستى الذي اختلطت فيه العقلية اليونانية بالروح الشرقية، وبالأخص في هذا الموضوع نستشعر التأثير الأفلاطوني والأرسطي من الجهة اليونانية، والمانوية والعقائد الهندية من الجهة الشرقية، ولكن يجب أن نضع نصب الأعين شيئا مُشتركا، حينما نتكلم عن الإنسان من وجهة النظر اليونانية أو الشرقية. إننا أمام إنسان بطبيعة مزدوجة "روحية ومادية"، بمعنى آخر إنسانان.

إيفاجريوس البنطي "أمير الغنوصية":

يرى أن الشر يكمن في المادة، في طبيعة الإنسان المادية، فيرمز لشهوات الإنسان بالـ "شيطان"، ولكي يفسح المجال لطبيعة الإنسان الأخرى "الروحية"، عليه بـ "إماتة الجسد"، ليس بالمعنى الحرفي، ولكن بمعنى وضع الشهوات تحت السيطرة الروحية، فلا يتعلق باللذات الدنيوية التي هي سبب المعاناة، وضبط النفس وعدم التشتت، يعود إلى الحالة الفردوسية الأولى، حالة الطهر والنقاء. يصف إيفاجريوس ذلك الإنسان بقوله: "ذاك الذي يستطيع أن يهرب من اللذات الدنيوية، هو برج لا يستطيع شيطان التذمر أن يصل إليه؛ لأن التذمر يأتي من كون الإنسان محروما من لذة ما، سواء فعلية أو متوقعة".[1]

من جهة، نرى هنا أثر المُثل الأفلاطونية على عقلية إيفاجروس الذي كان يرى أن كل ما ينتمي لعالم المُثل هو مُقدس، وكل مُنتمٍ لعالم المادة هو بطبيعة الحال مُدنس، وتلك النظرة الأفلاطونية للإنسان، ساهمت في ترسيخ فكرة ثنائية الإنسان. ومن جهة أخرى، نرى تأثره بالبوذية في الربط ما بين الشر والمعاناة وكيفية التخلص منها، فيقول بوذا: "هناك معاناة، للمعاناة أسباب، في إمكان المعاناة أن تنتهى بالتخلص من الأسباب، إتباع الطريق الوسط هو السبيل للتخلص من المعاناة"[2]، وإن كان "إيفاجريوس" يرى أن التخلص من الشر، يكون بالتخلص من المادة، فكان يرى القديس دومنيك عكس ذلك، وأن المادة إنعكاسآ لله، فهي في سعي دائم للوصول إليه والتقرب منه، وخير مثال على ذلك "الإنسان"، وكان من طائفة القديس دومنيك "توما الأكوينى"[3].

أغوسطينوس:

اعتنق القديس أوغسطين لفترة الديانة المانوية، ولكن سرعان ما رفض الفكرة التي قامت عليها تلك العقيدة، القائلة بـ "إله النور الخير وإله الظلام الشرير"، ففكرة الإله الذي يتبدل ما بين الخير والشر؛ بمعنى أنه غير كامل الخيرية، ومُتغير، وفاسد، فكرة مرفوضة لدى أوغسطين. وفي المُقابل، ينظر أوغسطين للجماعة البشرية على أنهم جماعة خاطئة، وأنهم مصدر الشرور، فخطيئة "آدم" هي خطيئة الإنسانية جمعاء، باعتباره الإنسان الأول الذي أتت منه البشرية، وباعتبار صاحب الطبيعة المزدوجة. لذا صراع الخير والشر الذي كان بداخله، خرج مُتمثلآ في "قابيل" و"هابيل"[4].

فجهل الإنسان، هو ما يجعله يلتفت إلى ظاهر الحياة، ويظن أن التشتت والتنافر لأجزاء الكون شر، لكن حينما يدخل "مدينة الله"، يصبح حب الله غايته العظمى، وبخروجه من "مدينة الشيطان"، يخرج من قلبه حبه للوسائل، فيرى أن جوهر الكون واحد هو الله الخير الذي يربط بالحب والانسجام كل مظاهر التشتت، وهذا يذكرنا بنصيحة "سرى كرشنا" لـ "أرجوانا" في كتاب "الباجفادجيتا" بعدم الالتفات إلى مظاهر التشتت التي يظن جاهل أنها صراع ما بين خير وشر، وحزن وفرح، وتلك الخطيئة التي سقط فيها "ارجوانا" بسبب اتحاده مع النفس العضوية "جونا"، وبعده عن النفس الحقيقة "بروشا"، فاستحال اتحاده مع "الاتمان"[5].

توماس الأكوينى:

كان القديس "توما الأكوينى" ضد الفكرة المُنتشرة عند اللاهوتيين في القرون الأولى والوسطى؛ ذلك أن فساد الأشياء يقلل من خيريتها، حتى تصل إلى النقيض أي "الشر"، بمعنى آخر رفض فكرة الثنائية القائلة إن "الوجود يساوي الخير، والفساد يساوي الشر"، ومعنى ذلك هو إخراج قضية "الخير والشر" من الدائرة الأخلاقية، إلى الدائرة الوجودية، وجعل الشر جوهرا مثله مثل الخير، وليس شيئآ ثانويآ، كما يعتبره القديس "توما"؛ فمعنى ذلك أن أي شيء لم يوجد يعد هو شرآ حتى يخرج إلى الوجود، وأنكر أن يكون الشيء شرآ لأنه لم يوجد به خير في مقارنته بشيء آخر؛ بمعنى أن الإنسان ليس أكثر شرآ من الأسد؛ لأن الأسد أقوى، أو أقل خيرية من الفهد؛ لأن الفهد أسرع، وإنما صرح بأن "الشر هو حرمان من الخير"، رفض "الأكوينى" القول بوجود شر قائم بذاته؛ لأنه سلب "حرمان"، فليس له ماهية، والجوهر هو "الخير"، أي الأساس؛ معنى ذلك أن الشر مفهوم نسبي، فالشر من وجهة نظره شر بالنسبة إلى موجود ناله الحرمان من شيء ما.

وقضية الخير والشر عنده نابعة في الأساس من فكرة الإرادة الحرة للعقل، فأي شيء يوافق العقل هو خير، وما لا يوافق العقل هو شر، وعلة الخير والشر عنده ليست في ظاهر الفعل، بل في الغاية؛ بمعنى "قد يتصدق الإنسان بماله في الظاهر لوجه الله، ولكن نيته الحقيقية من أجل المجد الدنيوي"، قد يُقتل إنسان بغير حق، وقد يُقتل من أجل تحقيق العدل؛ لأنه قتل نفسآ، فحق عليه الجزاء، فالفعل في ظاهره واحد، لكن في جوهره الغايات مُختلفة[6].

الإفادة:

بعد هذا العرض الموجز لبعض الآراء المسيحية حول مُعضلة الشر، وبالأخذ بعين الاعتبار ما ذكرناه في البداية عن التأثير اليوناني الشرقي الذي ساهم في إثراء الفكر المسيحى، إلا أنه يجب أن يكون النص المسيحى في المقام الأول هو الذي يحكم ويتحكم في تلك الآراء الفلسفية، وإلا اعتُبر جهدا فلسفيا خالصا "عقليا"، ولكنه يرفرف بأجنحة الوحي والعقل، لذا هو من حقل الفلسفة المسيحية.

من الوهلة الأولى نظن أن مُعضلة الشر محسومة في الفكر المسيحي بشكل عام، والكتاب المُقدس بشكل خاص، فنتوهم أن "خطيئة آدم" هي بدء شرارة الشر؛ أي إن الشر يكمن في النفس الإنسانية، لكن مع السياحة في النصوص الدينية نكتشف أنه يوجد أكثر من منبع للشر يتفجر أمامنا، فقد يكون من ينبوع الكبرياء والوسوسة، المرموز إليهما بكائن مُستقل هو "الشيطان"، وقد يكون الشر كامن في الطبيعة الإنسانية المزدوجة، فينشأ الصراع بين "المُقدس والمُدنس"، وقد يكون في الابتلاء والشقاء والشتات الأرضي، أو بشكل عام "الشر" يقع في "الجزء المادي" من الإنسان والعالم، وتلك الأخيرة على ما يبدو كانت القسم المُشترك في مُعظم الآراء المسيحية، ففي كل الأحوال من يبحث عن الخلاص ومجاورة الرب في ملكوته، عليه الفكاك من مخالب الحياة المادية الدنيوية.

و في الأفكار السابقة المطروحة، تم الإنضاج للمُعضلة بداية من بذور النصوص المُقدسة، وكمثال على ذلك فكرة "الكائن الشيطاني" المُستقل بذاته، تحولت على يد "إيفاجريوس" لتعبر عن شهوات الإنسان الرديئة، ليصبح عندنا "شيطان الغضب، وشيطان الكبرياء، شيطان الشراهة ....إلخ"، وعلى يد "أغوسطنيوس" تحول العصيان الفردي إلى عصيان جماعي شارك فيه الجنس البشري، وعلى يد "توماس الأكوينى" تحول الابتلاء والمعاناة الإجبارية، إلى إرادة إنسانية، لتصبح مُعضلة الشر ضبابية ونسبية، والإنسان بعقله الواعي، وإرادته الحرة، هو من يقوم بتقدير الشر والخير.

نستطيع أن نتحصل في الختام، على أن مُعضلة الشر مرت بأطوار مُتعددة في الفكر المسيحي، بغض النظر عن العامل الزمني، ففي البدء كان الشر خارجا عن إرادة الإنسان، ثم بعد ذلك شارك فيه الإنسان، ليتحمل بعد ذلك المسؤولية كاملة، حتى انعدم الشر، فأصبح مُجرد رؤية نسبية للكائن العاقل.

 

المراجع:

1- أنطوان فهمى جورج، القديس إيفاجريوس البنطي، كنيسة مارمرقس والبابا بطرس، الإسكندرية، الطبعة الأولى، 1992، صفحة 33، 40، 41.

2- جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ترجمة: كامل يوسف حسين، عالم المعرفة، الكويت، دون طبعة، 1995، صفحة 183.

3- د/كرم عباس، أ.د/زينب الخضيري، إشكاليات اللاهوت في العصر الوسيط الغربي، دون دار، دون طبعة، دون تاريخ، صفحة 97.

4- أوغسطين، اعترافات القديس أغوسطينوس، ترجمة: الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق، بيروت، الطبعة الرابعة، 1991، من صفحة 121 حتى صفحة 144.

5- يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط، مؤسسة هنداوي، القاهرة، بدون طبعة، 2014، صفحة 160، 161، 162

[1] أنطوان فهمى جورج، القديس إيفاجريوس البنطى، كنيسة مارمرقس والبابا بطرس، الأسكندرية، الطبعة الأولى، 1992، صفحة 33، 40، 41

[2] جون كولر، الفكر الشرقى القديم، ترجمة: كامل يوسف حسين، عالم المعرفة، الكويت، دون طبعة، 1995، صفحة 183

[3] د/كرم عباس، أ.د/زينب الخضيرى، إشكاليات اللاهوت في العصر الوسيط الغربى، دون دار، دون طبعة، دون تاريخ، صفحة 97

[4] اوغسطين، إعترافات القديس اغوسطينوس، ترجمة: الخورى يوحنا الحلو، دار المشرق، بيروت، الطبعة الرابعة، 1991، من صفحة 121 حتى صحة 144

[5] جون كولر، المرجع نفسه، ص ص 66، 67

[6] يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط، مؤسسة هنداوى، القاهرة، بدون طبعة، 2014، صفحة 160، 161، 162