"نحــو عـمـران جـديـد" هبة رءوف عزت


فئة :  قراءات في كتب

"نحــو عـمـران جـديـد" هبة رءوف عزت

صدر الكتاب عام 2015م عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر. وتشترك المؤلفة في هذا الكتاب مع عدد من المفاهيم المكونة لوعي العقل الإسلام السياسي في الوقت الراهن، والتي تكونت على امتداد التاريخ الإسلامي، حتى أصبحت تمثل بدهيات (مسلّمات) العقل الإسلامي ومنطلقاته وأهمّ تصوراته عن الآخر، ورؤيته للعالم، بل أصبحت جزءاً من حكمه على الآخر ومبدأ تعامله معه، ولقد تنوعت هذه المفاهيم لتعدد مصادرها واختلافها.

وإذا كانت المؤلفة قد أعلنت في كتابها "الخيال السياسي للإسلاميين" أنّ الدعوة للمراجعة لا تعني التراجع ولا النقض، ولا تحركها عقلية الانكسار ولا أوهام الاستكبار، بل هي واجب شرعي وتاريخي يقترن بمهمة التجديد، فإنها أعلنت في هذه "السلسلة"[1] أنها تهدف إلى تقديم أطروحات تسعى إلى رأب الصدع بين الأساس المعرفي الإسلامي، والوعي الحضاري المعاصر، مع نقدها ونقضها أيضاً إذا استدعى الأمر، والانطلاق بهما لاستشراف نهضة في عالم يفرض التحديات، ممّا يتيح فرصة للأمّة الإسلامية على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل منهجي يُجيد لغة الأصول ولسان العصر.

وتحاول المؤلفة في هذا الكتاب تقديم طرح أكثر مرونة مع مقاربة منهجية في مناقشة أعمق للقضايا المطروحة في كتابها "الخيال السياسي للإسلاميين".

وتؤكد الكاتبة أنّ اللغة والمفاهيم أساسيتان في الوعي السياسي وإدراك الذات والهويّة الفردية والجماعية، وفي الإدارة السياسية بمستوياتها المختلفة، فحين تسكت اللغة يكون البديل لها هو تشظّي الكيان المجتمعي، وتوقف التفاعل بين عالم الأفكار والعالم المادي المحيط واندلاع العنف، لذا فهي تبدأ بالأسس والمفاهيم المركزية المكونة لتصورات العقل الإسلامي.

تنطلق الكاتبة من مفهوم الفطرة: حيث تصور الروابط بين "الناس". ففي الإسلام تُعدّ البشرية والإنسانية أفقاً رحباً للرسالة التي هي رحمة للعالمين، وتحمل الرسالة "أمّة"، وهنا يكمن محل النزاع حول مفهوم "الأمّة" وتعريفه، لذا نحتاج إلى "إعادة بناء مفهوم الأمّة" في إطار التحولات والتصورات التي مرّت بها المجتمعات الإسلامية بعد قرن ونصف من الاستعمار، ثم الكولونيالية الجديدة في ظل العولمة، وعلاقة "الأمّة" و"الدولة" في ظلّ ارتباك العلاقة المفاهيمية بين خريطة مفهوم الدولة القومية، وخريطة مفهوم الأمّة، ممّا دفع البعض للتأكيد على أنّ الدولة تُعتبر تارة تراكماً أسمى لقوة الأمّة مثل المودودي، في المقابل نرى حذراً من الدولة تارة أخرى، تأثراً بواقع الهيمنة المركزية للدولة في العالم العربي بعد الاستقلال، وتقديم الأمّة كحقيقة أخلاقية وحضارية وتاريخية أسمى من الدولة، كطروحات "محمد عمارة، ومنى أبو الفضل"[2]. في حين ترى بعض التنظيمات أنّ بناء الأمّة هو مقدمة لاستعادة الدولة، مثل التنظيمات التي قامت عقب سقوط الخلافة، وتطالب بعودتها، في حين يذهب البعض وأكثرهم راديكالية إلى أنّ الوصول إلى الحكم هو سبيل بناء الأمّة.

هنا يطرح السؤال نفسه: لماذا نتناول مفهوم الفطرة؟ ولماذا نرى أنّ فهم "الفطرة" هو مفتاح تغيير الواقع وصناعة النهضة؟ لأنّ مفهوم الفطرة من المفاهيم الأصلية في التراث الإسلامي، وأحد منطلقات العقل الإسلامي النصي الذي يرى أفضلية "المسلم" النابعة من ذاتية الدعوة والرسالة التي تبناها فحقق الخيرية على العالمين "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" [سورة آل عمران، من الآية 110]. ولتقاطع الفطرة مع مفهوم الإنسانية والبشرية الأوسع، وتلازم الفطرة والحرية.

كلّ هذه التصورات تدلّ على مدى الإشكالية القائمة في الموازنة بين مفهومي "الأمة" و"الدولة"؛ فسقوط الخلافة أربك الجميع، وبقي خيال إقامة الدولة الإسلامية مرتبطاً بمواقف متنوعة من الدولة القوميّة التي كرّست وجودها على أرض الواقع وعلى الخيال. وحتى بعض الدراسات الغربية وقفت عاجزة ولم تستطع أن تتخلص من هذه الإشكالية وحالة الجدل القائمة بين تصور "مفهوم الدولة" و"مفهوم الأمّة"، كالباحث المتخصص في علم الاجتماع "إرنست غلنر" الذي أراد أن يجعل مفهوم الأمّة نمطياً مثل تنميطه الشهير لصورة "الإنسان الحداثي"، كذلك يقرن "غلنر" الدولة بجدل الأمّة، فقد ذهب على حد تعبير المؤلفة: إلى أنّ مفهوم الأمّة يمكن استعارته من التصور الإسلامي كنموذج لمجتمع مدني يتجاوز الانقسامات الجهوية، لكن هذا المجتمع المدني لا يزدهر إلا في ظل دولة قوية[3].

ومن أجل استعادة الخيال النظري وتصور الأمّة الإسلامية من هذا الارتباك وإعادة تأسيسه على قاعدة مفاهيمية تتمايز عن الدولة القومية القطرية الحداثية، ثم ربطه بالواقع الجغرافي والعملي، فقد آن الآوان لطرح مفهوم "الفطرة"، الذي يربط شهادة الأزل بمسار التوحيد والهداية والرشد في هذه الدنيا، ويؤسس لمعايير المحاسبة في الآخرة، فيغدو مفهوم الفطرة هو "المفهوم القاطرة" للفكر الإسلامي، وتترسخ مساهماته في الجدل الراهن بشأن قضايا الإنسان، كما يمكن أن يكون القاعدة الصُلبة للمشروع الإسلامي، والدعوة الإسلامية في مرحلة التجديد الراهنة نحو أفق مُستقبلي للإسلام ورسالته التي هي رحمة للعالمين، ومن الممكن أن ننطلق من عدة منطلقات، أهمها كما ترى المؤلفة: فهم تحولات علاقة الدين بالدولة، وإعادة بناء مفهوم الأمّة والدولة (التحولات والتصورات) مع نشأة المفهوم وتحولاته، ومراجعة تصور مفهوم الهويّة وافتقاد بُعدَيّ العالمية والبشرية، ويمكن البدء بإعادة بناء مفهوم "الأمّة" من أربعة منطلقات: أن يكون "مفهوم الفطرة" منطلقاً وليس مُنتهى، ويكون في معناه الأوسع والأعم وفي سياقه الإنساني، وإعادة صياغة "مفهوم العالمين" من أجل محاولة إخراج تصور الأمّة من أسر الدولة، و"مفهوم المجتمع المدني العالمي"؛ ليقدم أفقاً جديداً للتفكير في العولمة، وكذلك مفهوم "المجال العام" بشقيه الداخلي والدولي، انطلاقاً ممّا قدمه "هابرماس" من إسهام في تطوير فكرته المركزية عن "الفعل التواصلي"[4].

ولنا أن نتساءل: في ظلّ تضخم السلطة عن حجمها الحقيقي، وبدرجة تتجاوز حقيقتها ووظيفتها، كيف يمكننا أن نُعيد الاعتبار إلى المفاهيم التأسيسية للتصوّر الإسلامي، ورؤية العالم من دون أن نُعيد ترتيب المنظومة المفاهيمية؟

تبيّن المؤلفة أنّ الغاية من مراجعات الدولة ليس هدمها فوق رؤوس المستضعفين، بل هدفها إعادة تأسيس أركانها بعد أن تحولت إلى حفريات، لضمان أن يكون سلطانها شرعياً وإنسانياً، ولكن تأتي "الأمّة" قبل "الدولة" في نظر المؤلفة [5] .

وتحاول الكتابات القوميّة وضع معايير أو مقومات للقوميّة للإجابة عن سؤال: ما الذي يميز الأمّة عن غيرها من أنواع الجماعات الأخرى؟

وهناك إجابتان: إحداهما موضوعية، والأخرى ذاتية.

أمّا النظرة الموضوعية للقوميّة فترى أنها ظاهرة طبيعية تتعلق بمجموعة من البشر لهم لغة واحدة وثقافة واحدة وعادات وتقاليد واحدة، وينحدرون من أصل واحد، ويقطنون في بقعة إقليمية محددة، وتحدوهم آمال واحدة، ومصالح مشتركة، ويشعرون بالحاجة إلى أن تحكمهم سلطة واحدة ذات سيادة.

أمّا النظرة الذاتية فترى أنّ القوميّة ظاهرة سيكولوجيّة لا تتعلق بمقومات خارجية عنها بقدر تعلقها بوعي الأفراد بتلك المقومات التي تجعلهم يشعرون بأنّ لهم شخصية متميزة ومنفصلة، وتدفعهم إلى التعبير التنظيمي عن هذه الشخصية[6].

وإذا كنا في حاجة لمراجعة تصوراتنا عن المجتمع والدولة، فإننا نحتاج بالقدر نفسه إلى مراجعة تصورنا عن "العقل" وإعادة ترسيم مفهوم العقل بين الدين والعلمانية؛ لأنّ "العقل" هو مناط الخلاف الحقيقي بين العلمانيين والإسلاميين في الساحات الثقافية اليوم، وعلى الرغم من أنّ الخلاف حول مفهوم العقل قديم قدم الفلسفة ذاتها، فقد اختلف النظر إلى مفهوم العقل وطبيعته وتشكله ووظيفته باختلاف رؤية الفلاسفة. وإذا كان الخلاف حول "العقل" وطبيعته، والمفاهيم وماهيتها أحد مباحث الفلسفة الغربية عبر تاريخها، فإنّ ما يهمنا هو الجدل الدائر حول "العقلانية" تحديداً، والذي مثَّل انطلاقة الفكر الليبرالي تاريخياً في مرحلة الاستنارة، ثم مشروع الحداثة، والسعي لتغليب العقلانية، وهو ما ارتبط بعلمنة العقل الأوروبي، فالعلمانية: "ليست فصل الدين عن الدولة" بل هي في الأساس "قضية عقلية" مفاهيمية مرتبطة بالتصورات الذهنية الفكرية، والمناخ العلمي والثقافي[7] .

ومحاولات فهم العقلانية والعلمنة تستلزم إطالة النظر في النظرية الاجتماعية، وبحثاً مستفيضاً في كتب علم الاجتماع الديني؛ لأنّ النظرية الاجتماعية اعتبرت العلمنة "معلوماً من العلم بالضرورة"؛ فلم تحاول الإطناب في تفسيرها أو التنظير لها أو تعريفها بدقة خارج مسلمات فصل الدين عن الدولة والمجتمع، ولأنّ المفاهيم التي تتعامل مع المادة تختلف عن تلك المفاهيم التي تتعامل مع الظواهر الإنسانية والاجتماعية، يتحتم علينا التمييز بين أنواع المفاهيم، فالمفاهيم في الظواهر الإنسانية تسير باتجاه التلازم مع ضبط مفاهيم علم الاجتماع بالتجريب في المرحلة السلوكية.

وفي محاولة المؤلفة تفكيك التباسات العلمنة، وإمكانية تجديد علاقة الدين بالدولة، خارج جدل الدين والعلمنة، ترى أنّ عدة قيود تكبّل العقل وتحول بينه وبين مواجهة التحديات الراهنة والوطنية والدولية، أهمها:

    • أنّ العقل المنوط به تفكيك هذه الإشكالية ومحاولة التجديد يعاني هو ذاته مشكلات جمّة تعيق تحليقه مجتهداً ومجدداً.
    • انحسار معارف العقل الإسلامي اليوم عن مساحات العلوم الاجتماعية، واقتصاره على ما يُسمّى "العلوم الشرعية"، وأهم أسباب هذا الانشطار هو واقع النظام التعليمي الذي يفصل بين العلوم الشرعية - في مدارسها ومعاهدها - وبين مدارس العلوم الاجتماعية ونظرياتها، ولذلك يبقى الفريقان في انفصال وانفصام تام.
    • انحسار سلطة العقل عن تغيير الواقع، ممّا أفقده الدافعية والقدرة على التجديد، حيث تمّ تهميش دور العلماء من قبل النظام، وتأميم مؤسسات الوقف والتعليم والإفتاء التي كانت بمثابة الضمان لاستقلال الهيئات العلمية والدينية، وواكب هذا ظهور بعض النخب السياسية والاقتصادية والفكرية المختلفة، ممّا أفقد العقل الفقهي التقليدي قدرته على مواكبة التقدم أو التجديد، وانشغل بالقضايا الفرعية التي لا تسبب صداماً مع السلطة.
    • اعتزال العقل الشرعي لمساحات الهموم العامّة، وانغلاقه على نفسه، وانشغاله بقضايا المجتمع الفردية، ممّا أحدث خللاً في خريطة الاجتهاد، ففي حين تطور منظور العقل الشرعي في أبواب فقه العبادات، لم يقدّم أي تطوير ولو بالدرجة نفسها في فقه المعاملات (السياسة والعولمة والثقافة والقضايا الفكرية العامة) .[8]

وعليه، فإننا اليوم نشهد صعوداً لتصور العقل الإنساني، يتأسس على أنّه مركب ومتجاوز للمادة، ويستعصي على المعيارية والضبط، سواء كان مصدر هذا التجاوز مستويات العقل الداخلية (وعي/لاوعي)، أو قدرة العقل على التجريد والإبداع والإضافة (المجاز/الأسطورة)، أو تفاعل العقل مع المطلق والمقدّس (الدين).

ولعلّ هذه الرؤية المتجاوزة للعقل الإنساني هي التي نحتاجها اليوم في الفكر الإسلامي؛ للنظر والاجتهاد، وإعادة بناء تصورات عميقة لإشكالية حقيقية تواجه الإنسان ومستقبله على هذا الكوكب، أي تصورات يمكن أن تنطلق من الربط بين العقل، والوحي، والسنن، وتخاطب العالمين[9].


[1] سلسلة الفقه الاستراتيجي.

[2] هبة رءوف عزت، نحو عمران جديد، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط الأولى، بيروت، 2015م، ص 41

[3] نفسه، ص 42

[4] نفسه 45

[5] نفسه 117

[6] نفسه ص 121

[7] نفسه ص 226

[8] نفسه 146

[9] نفسه ص 234