أدونيس والجابري: خصومة بين العرفان والبرهان أم صراع حداثة بين كتابين؟


فئة :  مقالات

أدونيس والجابري:  خصومة بين العرفان والبرهان أم صراع حداثة بين كتابين؟

أدونيس والجابري:

خصومة بين العرفان والبرهان أم صراع حداثة بين كتابين؟

لا شكّ في أنْ ما من اثنين، من المهتمّين بحركة الثقافة العربيّة وبنشاطها النقديّ، يختلفان على أنّ أدونيس [ 1930- ] السوريّ ذا الجذور الفينيقيّة المشارقيّة، والجابري [1935-2010] المغربيّ ذا الأصول الأمازيغيّة المغاربيّة، يشكّلان علامتين فارقتين في حاضر النظريّة النقديّة العربيّة المعاصرة، بل هما نواة هذه النظريّة وأساس تكوينها البنيويّ المعاصر؛ إذ من الصّعب الحديث عن نظريّة نقديّة عربيّة حداثيّة قبلهما.

ولأنّ حقل المصطلحات ضمن هذه النظريّة ما يزال مضطربًا، دقّة وتداولاً واستخدماً، وهذا يعود إلى أنّ النظريّة النقديّة العربيّة نفسها ما تزال غيرَ واضحة المعالم وعصيّةً على الشيوع والفهم في ميدان الثقافة العربية؛ فهي لمّا تزل حكراً على دائرة النخبة فقط، وضمن حيّز ضيّق من هذه الدائرة ذاتها، لأسباب متعددة ليس هذا مجال نقاشها، غير أنّ أهم تلك الأسباب تنحصر في عقبتين: الأولى أنّ علم المنهجيّة الذي هو أساس علم النظريّة لم يصبح علماً متداولاً خارج الدرس الأكاديميّ، والأكاديميّ الأدبيّ منه حصراً، وثانيهما أن كثيراً من الحقول المعرفيّة، ولا سيّما الفلسفة، لمّا تزل تدافع عن حدود دائرتها الموسوعيّة القديمة التي جاءت تلك النظريّة لتضيّق حدودها وتستحوذ على تركتها؛ لهذه ولغيرها من الأسباب لم يزل كثير من المصطلحات النقديّة والفكريّة تشهد تخليطاً واستخداماً مجّانيّاً بعيداً عن العلميّة والدقّة المصطلحيّة النقديّة. ولأنّ هذا الاضطراب حاصل بات يوضع الرجلان (أدونيس والجابريّ) ضمن دائرة نقديّة معرفيّة (epistemological) واحدة؛ فيقال عنهما مفكّران حداثيّان. في حين أنّ الجابريّ وإن كان يعلي من قيمة التوجّه الحداثيّ العقلانيّ، لكنّه يتّبع التوجّه النقديّ ما بعد الحداثيّ ويستثمر آليّاته المنهجيّة والنقديّة؛ ومعظم مراجعه المعلنة وغير المعلنة تنتمي إلى هذه المدرسة؛ وهذا اختلاف نقديّ له نتائجه المعرفيّة والثقافيّة والمنهجيّة التي تُغفل في المناقشات التي تدور حولهما. وأوّلها أنّه ليس من العلميّة المقارنة بينهما؛ إذ لكلّ منهما منهجه وتوجّهه وأثره المختلفة عن منهج الآخر وتوجّهه وأثره[[1]]. ومن المفارقة أنّ أدونيس ذاته وقع تحت تأثير هذا الاضطراب المعرفيّ والمنهجيّ، وهو ما لم يقع فيه الجابريّ؛ إذ أُسّ الاختلاف بينهما منهجيّ أوّلاً وفي الدرجة الأولى، ثمّ هو معرفيّ بعد ذلك، ويبدو أنّ أدونيس أقلّ اطلاعاً على هذا الحقل ما بعد الحداثيّ وعلى نظريّته النقديّة المنبثقة عنه (فالنظريّة النقديّة وليدة تيّار ما بعد الحداثة أو ثمرة صراعها مع العقلانيّة الحداثيّة)، وهذا ربّما لأنّ أدونيس أسير النزعة الحداثيّة ولا يريد أن يخرج خارج دائرتها، وربّما لأنّه من أنصار الفلسفة والدفاع عن مكانتها. وهنا مكمن المفارقة فأدونيس الشاعر وابن مدرسة النقد الأدبيّ يدافع عن الفلسفة وعن مكتسباتها ويرى نفسه ضمن دائرتها، في حين الجابريّ ابن الحقل الفلسفيّ ينهل من معين ما بعد الحداثة ومن مدارسها، مدارس ما بعد البنيوية: التفكيكيّة الفينومينولوجيّة المعدّلة وغيرها. ولذلك لم يضع الجابريّ نفسه أبداً في دائرة واحدة مع أدونيس.

وليس ذاك وحسب، بل الأغرب منه أنّ معظم نتاج أدونيس، شعراً ونقداً، يدور في فلك بعيد عن التيّار العقلانيّ، في حين أنّ التوجّه المعرفيّ للجابري يقوم على إعلاء القيمة العقلانيّة في الثقافة والفكر، وعلى تسفيه كلّ ما هو غير عقلانيّ؛ وذلك على الرغم من أنّه يعتمد في الوقت نفسه على آليّات النقد ما بعد الحداثيّ.

وهما معذوران في ذلك؛ إذ إنّ الثقافة العربية لمّا تعترف بعد بثقافة ما بعد الحداثة[[2]]؛ وحين سُئل أدونيس عن مشروع الجابريّ، ردّ على ذلك بأنّ الجابريّ فقيه بلباس فلسفيّ عصريّ؛ أي إنّ مشروعه أصوليّ فقهيّ وليس فلسفيّاً عقلانيّاً. وكأنه هنا يحاكي إدوارد سعيد حين وصف جوناثان سويف بأنه كاتب فقهيّ، ذو أفق محدود ونظرة ساديّة، متستّرٍ بثوب الروائيّ[[3]].

ولسنا هنا لمناقشة مدى صحّة ردّ أدونيس وحدود موضوعيّته؛ ففيه من الصواب ومن التجنّي ما يجعله ردّاً إشكاليّاً أكثر منه ردّاً قِيميًّا. إنّما ما يثير الاهتمام هنا لماذا ذهب أدونيس هذا المذهب في الحكم على الجابريّ وعلى مشروعه؟.

لقد رأى كثير من المهتمّين بالموضوع وبمشروع الرجلين في حكم أدونيس نوعاً من التعصّب العلميّ أو المذهبيّ لحقل (العرفان) الذي نال كثيراً من النقد والتجريح في مشروع الجابريّ، وهو الحقل الذي يُعلي أدونيسُ من مكانته أدبيّاً وفلسفيّاً، وينتمي إليه طائفيّاً. ولقد أُخذ عليه الردّ وجعله خصومه (وحتّى غير الخصوم) ردّاً يكشف عن تعصّب مذهبيّ (طائفي) مستقرّ في بنية الفكر الأدونيسيّ. وذهب بعضهم أنّه نابع من فحولة متأصّلة في وجدانه ولا وعيه (وهو ما ذهب إليه الغذامي كمثال على ذلك)، علماً أنّ حكم الفحولة لا يعدم مضمراً يوحي بالتعصّب المذهبيّ، إضافة إلى الفحولة الثقافيّة والسلوكيّة؛ أي إنّ رميه بالفحولة يتضمّن رميًا بالتعصّب المذهبيّ[[4]].

لكنّ من يقرأ الردّ في سياقه الثقافيّ والنقديّ، بعيداً عن الإسقاطات وعن المقاصد غير المعلنة وعن النيّات، فسيجد أنّ الردّ كان دفاعاً عن مشروعه الفكريّ المتمثّل في كتابه (الثابت والمتحوّل) وعن مكانته من الصدارة في حركة الثقافة العربيّة وحداثتها الفكريّة والإبداعيّة، قيمة وريادة وتميُّزاً، ضدّ مشروع الجابريّ المتمثّل بكتاب (نقد العقل العربيّ). وليس أدلّ على ذلك من أنّه في ردّه على مكانة مشروع الجابريّ، عقد مقارنة صوْريّة بين الجابريّ والعرويّ وأركون، فسفّه الأوّل وقدّم عليه مشروعيّ الأخيرينِ، بيد أنّ الاختلاف بين مشاريع الثلاثة (الجابري والعروي وأركون) كثيرة وأهمّها الاختلاف المنهجيّ، وهذا ما غاب عن أدونيس أو تناساه، إضافة إلى الاختلاف الفكريّ؛ فإعلاؤه أوقعه في عيب نقديّ لا يجدر بِمَن هو بقامة أدونيس.

فالعرويّ يمكن الزعم أنّه ذو توجّه نقديّ مضطربٍ منهجيّاً، ويعتريه تخليط مخلّ بين المنطقيّ المفاهيميّ الفينومينولوجيّ والاجتماعيّ النقديّ الماركسيّ، والجمع بينهما (الفينومينولوجيا والماركسيّة) ليس عيباً في ذاته، لكنّ العيب في التفاصيل البنيويّة لهذا الجمع وفي آليّة اشتغالهما ضمن نتاج العرويّ، ثمّ إنّ تأثّره بالجابريّ لا يحتاج إلى كبير عناء لتبيانه وتبيينه[[5]]، كما أنّ ربط مشروعه بالأنموذج الغربيّ والقياس إليه دوماً يجعله حبيس الدائرة النظريّة الذهنيّة ويضعف تأثيره الاجتماعيّ التاريخيّ، على الرغم من تمسّك صاحبه بالجدليّة التاريخيّة ذات المنشأ الفلسفيّ المثاليّ. هذا إضافة إلى إشكالات أسلوبيّة ومعرفيّة ومنهجيّة عديدة يكتنفها مشروع العرويّ ويقلّل من جدواه، وهي تختلف عن تلك التي تعتري مشروع الجابريّ[[6]].

وأمّا نتاج أركون، فهو مثقل بالتكلّف المنهجيّ، الذي جعله أسير النزعة المنهجيّة ومدارسها المتعدّدة والمتجدّدة، حتّى إنّ هذا التكلّف يجوز فيه الزعم أنّه صار أقرب إلى الزينة الشكليّة المرصّعة بالمصطلحات النقديّة، من غير رصيد مفاهيميّ فاعل يمكن أن تظهر آليّاته في النصوص المدروسة؛ فصفحات متكثّرة لأفكار محدودة ولنتاج نقديّ- وهذا الأهمّ- فقير يمكن تلخيصه بأسطر محدودة، وأغلبها لا تخرج عن معهودات حركة التنوير التقليديّة التي استُهلكت حتّى فقدت قيمتها الزمنيّة والاجتماعيّة[[7]].

ويمكن القول إن مشروعيّ العروي وأركون يقعان منهجيًّا ضمن دائرة التنظير المفهوميّ، ومشروعهما المعرفيّ ضمن دائرة الممكن، في حين أنّ مشروع الجابريّ يقع كلّه ضمن الدائرة الإبستمولوجيّة المتحقّقة الوجود. وكان للتركيز على الممكن النظريّ تأثيره القويّ في إبقائهما حبيسي المعتقل الثقافيّ المبعد عن أفق الوضع الثقافيّ العربيّ وواقعه الاجتماعيّ.

لقد أراد أدونيس من هذا التعجّل والاستسهال في المقارنة والحكم أن يُعلي غيرَ المنافس (مشروعي العروي وأركون)، ويضع في رصيدهما ما يتيسّر له من قيمة المنافس الأكثر واقعيّة (مشروع الجابريّ)، في تقديم وتقييم شبيهين بفعل المتنافسينَ في المسابقات والجوائز حين يُفرض على الجميع التصويت، فيقوم كلُّ منافس بالتصويت للأقلّ خطرًا على مكانته، أملاً بالظفر بالصدارة من خلال حسن التصرّف والإرادة في لعبة التّصويت. ولهذا، نجد أنّ أدونيس رفض مقارنةَ مشروعه بمشروع حسين مروّة، ورأى أنّه أفضى إلى نتائج نقديّة عديمة الفائدة أو محدودة (إثبات أنّ التراث الإسلاميّ عرفَ نزعاتٍ ماديّةً كان لها أثرها في تاريخه الفكريّ والاجتماعيّ)؛ أي حاول أنّ يقلّل من قيمته، من المكان الذي يخشى منه التشابه مع مشروعه النقديّ. فهو حريص على حرمان المشاريع المنافسة مزيداً من الرصيد.

ويبقى لأدونيس وللجابريّ مكانتهما الرائدة في الثقافة العربيّة عامّة وفي الثقافة المعاصرة ونظريّتها النقديّة خاصّة. كذلك يبقى للعرويّ وأركون ومروّة مكاناتهم المعتبرة من الثقافة العربيّة العامّة والخاصّة.

[1] التداخل والتخليط يأتي في ثقافتنا العربية لسببين: إبستمولوجيّ وآخر تاريخيّ. أمّا الإبستمولوجي، فلأنّ الحركة الثقافية وما يرافقها من نتاج فكريّ ونقديّ ما تزال تدور في فلك الحداثة وأطروحاتها العقلانيّة (rationalism) بعيدة عن أطروحات ما بعد الحداثة، حتى تلك التي تنحو نحواً ما بعد حداثيّ فهي تنظّر له على أنّه طرح عقلانيّ حداثي. وأمّا التاريخيّ، فلأنّ واقعنا الاجتماعيّ والفكريّ كذلك الحال هو لمّا يزل يصارع من أجل إنجاز حداثته غير المنجزة بعد، ولا سيّما أنّ أصحاب التوجّه الحداثي وخصومهم كلاهما جعلا مفهومَ الحداثة المفهومَ النظيرَ للتيّار الدينيّ والتراثيّ، ولم يعترفا بما بعد الحداثة مصطلحاً، وإن كان وجوده مفهوماً حقيقةٌ فكريّة ونقديّة في الثقافة العربيّة؛ وعليه فإن أشكال ما بعد الحداثة ونماذجها في الثقافة العربية المعاصرة محصورةٌ في حقل المنهجيّة النقديّة وفي بعض النماذج الأدبيّة، لكنّها إلى يومنا هذا لم تتحوّل إلى تيّار فكريّ فاعل.

[2] وهذه ظاهرة تكاد تكون شبه عامّة في الحركة الفكريّة والثقافيّة العربيّة، ومن تلك الأمثلة على ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، أنّ الناقد المغربيّ الراحل محمد مفتاح هاجم تيّار ما بعد الحداثة واستنكر أطروحاتها وفلسفتها، لكنّه في الوقت ذاته يَفيد من مناهجها وبعض أطاريحها.

[3] ينظر: النص والعالم والناقد، ص89

[4] ينظر: عبدالله الغذّاميّ، النقد الثقافيّ، ط3، ص 270- 290

[5] ينظر: مفهوم العقل، ص 68-70، 359

[6] لعلّ تمسّك العرويّ بالنظرة المنهجيّة الماركسيّة، حَوْلَ البنيتين التحتيّة والفوقيّة، وضعَ مشروعَه في دائرة النقد السياسيّ، وأبعده عن المقارنة [وعن إمكانيّة المنافسة في أثره وتأثيره] بالدراسات الإبستمولوجيّة التي أنجزها الجابري.

[7] ينظر، على سبيل المثال لا الحصر، كتابه: تاريخية الفكر العربي الإسلامي.