استراتيجيا الكتابة عند عبد الكبير الخطيبي محاولة لتمثل مفهوم Le Neutre


فئة :  مقالات

استراتيجيا الكتابة عند عبد الكبير الخطيبي محاولة لتمثل مفهوم Le Neutre

استراتيجيا الكتابة عند عبد الكبير الخطيبي

محاولة لتمثل مفهوم Le Neutre[1]

تضطلع مضامين هذه الورقة بالتركيز على بُعْدٍ مثير للاهتمام في نصوص عبد الكبير الخطيبي (1938-2009)، تم تكثيفه في العنوان، بمصطلح استراتيجيا الكتابة، التي تنظم في إسهام عبد الكبير الخطيبي، تقاطعات أساسية بين التراث والتقنية، لاستجلاء مفهوم Le Neutre الذي يشكل الدافع المعرفي والفكري من وراء تحرير هذا العمل.

مقدمة:

تدفعنا نصوص عبد الكبير الخطيبي إلى استشكال فعل القراءة، والكتابة كذلك، حيث ينطلق الخطيبي في كتاباته من الأسئلة الأساس les questions fondamentales، ويُشيح عن النزوع نحو التأليف الذي غالبا ما يحجب تلك الأسئلة، بل يكبتها بعنف. نَصِفُ ما سبق برهان الخطيبي بخصوص القضايا التي فكر فيها، حيث ينطلق مثلا في تفكيره في الهوية من الكتابة، ومن تفكيكه لسياقات العقلانية في صيرورتها ومآلاتها، المتمثلة في التقنية، من الكتابة، ومن أمله في نحت بديل هنا والآن من الكتابة. يصير سؤال الكتابة نفسه عابراً للقضايا، بل إنه المحرك الأساس لها. الكتابة عند الخطيبي، والحال، ليست وسيلة ولا غاية. إنها واقع القضايا المفكر فيها بعد تأويلها؛ بمعنى آخر، الكتابة ليست تبليغا ولا خطابا ولا ترسيما؛ الكتابة تفكير وبحث، وقد تُضْطَرُّ لأن تكون نقيضا للتأليف في حدودها القصوى، فتستحيل إلى فعل نحت. نحت ماذا؟ وعلى أي مادة موروثة؟ نرجئ هذين السؤالين للآتي في الورقة.

إن لهذا التصور حول الكتابة والقراءة الفعلين الأساسيين لسبر التآليف وتفكيكها إذا اقتضى الحال، سياق فكري ومعرفي جايله عبد الكبير الخطيبي، فعل من خلاله وانفعل. نحدده بحذر انطلاقا من لحظة إعلان نهاية الفلسفة وبداية مهمة الفكر (هيديغر والمنعطف الفينومينولوجي)، مرورا بنقد المرويات الكبرى (ليوطار، ديريدا ...)، والنظريات الأدبية (بلانشو- رولان بارت- باطاي…). نَصِف هذا السياق بالجنائزي، ونجمل وفقه مشروع الخطيبي في هذا النداء "هنالك عالم آخر قيد التشكل، ينبغي أن نتموقع فيه بفطنة." كيف؟ بالعودة إلى الأسئلة الأساس، كيف؟ عن طريق اعتبار الكتابة والفن والتقنية تقاطعات مفصلية في القضايا الهائلة التي فكر فيها مجايلو عبد الكبير الخطيبي.

يفتح المفكر آفاق النظر في معنى القضايا التي انشغل بها، واشتغل على تمثلها وفهمها، باعتبارها أسئلته الذاتية. في ضوء هذا الأفق، سيظهر جليا كيف تضمر مسألة الكتابة، في تلابيبها، تاريخ الأشكال التعبيرية الرمزية؛ بمعنى آخر، تاريخ ذوات متراكم تجرد فتبدى في الفن، وتَعَيَّنَ ثانية - بمعنى أصيل- فصار تقنية. وهذا التعين مدعاة للتفكير؛ لأنه تعين مجاوز للثنائية الضدية (تجسيد/تجريد)؛ فصار le Neutre.

يتيح هذا التاريخ المديد من الأشكال التعبيرية، بوصفه تاريخ الذوات المتراكم، النظر إلى التقنية بحسبانها تشكلات العقلانية العلمية وسياقاتها الثقافية (=الذاتية)؛ فالتقنية في جوهرها هي le Neutre المشار إليه بشيء من التفصيل في مقدمة النقد المزدوج. أما الفن، فيشكل في نصوص الخطيبي ماهية التراث، والتراث بالمعنى الأصيل الذي نحته الخطيبي: الفن ليس منجزا وإبداعا حسيا فحسب، بل هو الكائن المضمر، صوت الوجود والموجود؛ هو البديل الهوياتي بالنسبة إلى الخطيبي بالعلاقة مع المغرب كأفق للفكر. ويبدو في هذا الصدد أن عبد الكبير الخطيبي أَوَّلَ بطريقته الخاصة تصور نيتشه وهايديغر للفن (مجال الحقيقة بامتياز). لماذا اعتبر الخطيبي الفن مدخلا للتفكير في التراث؟ نظرا لصعوبة مباشرة التراث الخالص، بعد تعدد التآليف حوله، فصارت تراثوية حسب الخطيبي؛ أي صراع مرويات.

أين يتموقع عبد الكبير الخطيبي بالعلاقة مع هذا الصراع؟ في الخارج، حيث يقترح الحسم عوض الصراع، النقد الجذري للأرضيات الميتافيزيقية التي تستند إليها كل تلك المرويات عوض التورط في تفاقم المشكل.

أخذت تظهر صلاحية السؤال عن العلاقة بين "الكتابة، الفن، التقنية"، وهو سؤال الورقة البدئي؛ ومنه نطرح فرضية سنحاول التفصيل فيها من هذا الباب؛

يُفترض أثناء قراءة نصوص الخطيبي أن بين الكتابة والفن والتقنية يثوي رهان ما. لا تعدو أن تكون التقاطعات القائمة في نصوص الخطيبي، أثر تاريخ مديد من صراع الذوات؛ أي صراع تصورات وتأويلات. لعل هذه التقاطعات هي مجال حسم ثقافي وأنطولوجي وجب الانتباه إليه كقضية أساس.

1-

ننطلق من أحد المفاهيم الأساسية التي اشتغل بها الخطيبي تحليلا ونقدا، وتموضعا كذلك. في حوار نشر في جريدة لوموند سنة 1978، طرح سؤال على عبد الكبير الخطيبي في معرض حديثه عن تأخر العرب في الوصول إلى عصر التقنية، والسؤال هو التالي: "ماذا تعني بمفهوم le neutre"؟[2]

يجيب: "نعني بهذا المفهوم انتصارا للاشخصية متضخمة تذيب كل شيء، تصل إلى جسم الإنسان: بل تمحو حتى إحساساته الصميمة. نعم، هذا المفهوم نعني به الذوبان بصفته وجودا لطبقة شاملة عديمة الشكل مسخرة لمشاكل الاستهلاك والمحافظة على البقاء، هو دمار بطيء للإنسان لا نهاية له. ربما هذا ما ينتظرنا..."[3]

يظهر من خلال هذا التعريف المكثف للمفهوم le Neutre أن عبد الكبير الخطيبي وضع الأساس الأنطولوجي للتقنية أمام أذهاننا، حيث إنها محاكاة صادمة لمدونات اللاهوت الكبرى، هذا le Neutre هو الإله المجاوز للتصور الديني العقدي، المستند إلى الجزاء والعقاب، الخطيئة والخلاص، الرحمة والانتقام. هذا الإله الجديد هو نقيض لإله الخلق، هو إله الاستحالة. ينبغي الانتباه إلى مصيره ومصير الإنسان في كنفه.

يكتب الخطيبي، مفصلا في جينيالوجيا هذا الإله: "جوهر التقنية فرد أوحد، وهو، من حيث إنه (...) كوني (Hegel)، أيا كانت طريقة انتشاره. وللأوحد تأثيراته الصورية، والانكفائية والإخفائية والاختلافية، نسمي هذا المشهد كله صورة التقنية أو ظلها (...) جوهر التقنية مزدوج بالنسبة إلى التربة الميتافيزيقية في الإسلام ولغته. إن إله أرسطو دخل في الإسلام قبل ظهوره. كذلك يمهد "الأورغانون" لمصير التقنية الكوني. لهذا يجب أن نركز انتباهنا على المواجهة بين هذين النوعين من الميتافيزيقا، الذي يمحو أحدهما الآخر. إننا مأسورون في هذا الفرق".[4]

يتبين أن الأرضية الميتافيزيقية التي يقف عليها كل متكلم أو كاتب، هي الأساس الذي يجب الانتباه إليه، وليست مظاهر تلك الأرضية؛ أي العمران الرمزي المستند إليها. بمعنى آخر، عوض مقابلة الحداثة (التقنية) والقدامة (التراث) ينبغي التساؤل عن إمكانية اعتبارهما مرويتين لحكاية ميتافيزيقية واحدة، تنزع إلى التوحيد، بدرجات متفاوتة، وبطرائق مختلفة. ومهمة الكتابة في هذا الصدد هي التحليل الجذري للمركبات الرمزية والقضايا الهائلة بدل التورط في تعزيز هولها. ما المقصود بهذا التورط؟ فلنربط هذا السؤال بتحديد الخطيبي لمعنى التراث باعتباره: "ينطق بإقامة الإلهي في قلوب البشر وعقولهم. وقد احتضنت الميتافيزيقا هذه الإقامة منذ نشأة الفكر."[5] وما محلّ الميتافيزيقا في هذا السياق؟ "الميتافيزيقا هي، بمعنى ما، سماء التراث الروحية. إن أداة تصدير "ميتا" تجمع بين مصير البشر ومصير الآلهة، بين الأرض والسماء من أجل عودة الموتى الذين يتكلمون، غير أن كلام الموتى، في هذه العودة، شديد البأس دائما على فكرنا: فلسنا إطلاقا متأهبين كما ينبغي لكي نجابه هولهم."[6]

يبدو جليا أن لعبد الكبير الخطيبي موقف ما، ليس من التراث ولا من الحداثة، بل من فعل الكتابة عنهما. ويتحدد ذلك الموقف من صنف كتابة الخطيبي نفسها، فهو يعتمد مثلا على le contre point - وهو أسلوب موسيقي في الأصل- لكي يفصل في فكرة مستغلقة من أفكاره، أو استراتيجيا مضمرة في تحليله، بالإضافة إلى أسلوب الهايكو.[7]

لا يُرى في ذلك صنفا من أصناف التحذلق الفكري، أو الموضة. أكثر منه التزاما برهانه، وصدقا؛ بمعنى آخر إنه قد يضطر لأن يضحي بالكتابة من أجل الفكر؛ من أجل الإمساك بإيماءة باغتته. إنه يخرج من كل القوالب المقيدة لكي يفكر فيها من الخارج. هذا الخارج هو مجال الخطيبي المعطاء. نحيل إلى وصف دقيق لطقوسية السفر في الطائرة، ونمثل به مجال هذا الخارج:

"كانت عيناي تلتقطان صورا لكل مسافر ولوجهه المنحوت بحد مناخ بلده وعاداتها. كل واحد هنا مطالب باحترام حضور مجاوريه والخضوع لأعراف السفر الصارمة. أفليس إتقان الجلوس والانضباط في الرقعة الفضائية من دون اعتداء على فضاء الآخرين شيئا مرتبطا بالتحليق في أعالي الجو؟ ديانات كثيرة بزغت هكذا، انطلاقا من فكرة ملائكة نورانيين وعبر التيه في جسد التاريخ."[8]

قد يُظن أن ذلك الخارج هو كناية عن الفوضى والحرية المبتذل معناها. لكتابة الخطيبي القدرة على الوصف الدقيق لذلك الخارج، وصف صادم، ونافذ إلى تاريخ الأرضية الميتافيزيقية المشار إليها سابقا. كيف؟ إن مجال المشهد الذي صوره الخطيبي في روايته، هو الطائرة (التقنية)، جاعلا إياها مقابلا عينيا للتجارب الدينية الروحية الممتدة في تاريخ البشر، هذا التقاطع بين التجربة الدينية -التي تصير لاهوتا مقعدا بعد قولبته في مفاهيم ومبادئ إلخ...- والتقنية -بوصفها نقضا للاهوت ومعوضا له في الآن عينه- هو ما جعل الكتابة عند الخطيبي استراتيجيا وإمكانية نحت المتواري، المضمر، بل الممتنع.

2-

نوضح هذه الفكرة من خلال تأمل الخطيبي في إمكانية ردم الهوة الأنثروبولوجية بين الثقافات الكتابية وغير الكتابية: "لقد كانت الكتابة مرتبطة، في بداية الثقافة الإنسانية، بالخاصية المادية للإيماء والخط، وارتكز مجمل تاريخها على تقليص تعدد أصواتها حتى انتظمت داخل تركيب سطري"[9].

لا غرابة في اعتبار الكتابة، على ضوء ما تقدم، تنتمي -بل قد تكون اللحظة المفصلية- لتاريخ مديد من الاستقرار، من التدجين، من الضبط والتنظيم. فالمجتمعات الزراعية مثلا لم تكن لحظة استقرار الأبدان من الترحال المستمر فحسب، بل كانت لحظة استقرار الأذهان، وبالتالي لحظة بدا فيها من الضروري اجتراح نظيمة رمزية تعتني بكل أبعاد الحياة المحيطة بالبشر المستقر، وترسيم ذلك الاستقرار في سلسلة من الطقوسية، انطلقت من النقش، والوشم على الأجساد، وتوجت بعد زمن مديد بالكتابة. يكتب الخطيبي "...وليست الكتابة بالنسبة لي إلا حصرا للنرجسية الثقافية، وحصرا للانتقال من الوشم إلى الحرف من أجل تحقيق متعة منتجة، ومن ثم تحييد معنى كل الأشكال الكتابية ومزجه بالأثر المتلاشي لبعض الالفاظ، بعيدا عن كل خديعة (مدرسة) نظرية أو منهجية. هنا تتجلى متعة الكتابة."[10]

نلامس في هذا المعنى، مفهوم le Neutre المشار إليه بالعلاقة مع التقنية. كيف؟

لئن كان التمظهر الأولي للكتابة هو الوشم؛ أي "الكتابة بالدم"، على اللحم والجلد، بمعنى الترسيم المباشر للمعنى والحس، ولئن كانت الكتابة على البردي (المواد المنفصلة عن الجسد) هي انفصال تلك المقدرة على التجميد -أي تجميد الأصوات والإحساسات، والذاكرة كذلك، بحملها على الجسد إلى الفناء- فإن ذلك الانفصال هو علامة على تعالي المعاني التي وشمها البشر في أجسادهم، وضياعها بمعنى من المعاني في مواد أخرى -نبات البردي... مواد تصنيع الورق؛ فضاعت في سلسلة التصنيع وعلاقة القوى الناظمة لها- وبات ذلك الانفصال أداة ضبط، ومراقبة، وإخفاء، على أن أشكال رفض لذلك الانفصال لا يزال أثرها باد إلى حد ما، ومنه يمكن فهم السبب من وراء وجود مجتمعات غير كتابية. "...قد يفسر هذا الرفض للكتابة، من بعض النواحي، بالتاريخ وبعلم الاجتماع: تنظيم القبيلة المجزأ، لا مركزية السلطة المهيمنة، غياب البيروقراطية القوية، عنف الغزوات الاستعمارية التي حالت دون وحدة البلاد."[11]

بات الكتاب هو le Neutre المقابل لمجال التقنية: منفصل، متعال، صامت، ومدار الصراع؛ والمتحكم الخفي. لا شك أن هذا le Neutre المتمنع على الترجمة، يمانع الحد والموضعة، فهو يتسلل إلى كل تفاصيل وجودنا الحسي والمعنوي. إنه ثاو في الزمن وفي الذاكرة.

يمكن فهم سؤال الفن من خلال هذا الانفصال، باعتباره مجال le Neutre بامتياز، غير أنه المجال الذي لبث فيه ذلك المتواري منصتا بدوره لصوت الوجود l’Etre، كما يمكن وصف le Neutre بمركب التقاطعات بين الكتابة والتقنية.

نضيف تصور عبد الكبير الخطيبي عن مفهوم الزمن، لكي نحيط بمفهوم le Neutre من زاوية أخرى لا تقل أهمية، وهي: كتابة الزمن.[12]

"إذا نحن اعتبرنا الثقافة تنظيما للزمن والفضاء والمعرفة المهيكلة لهوية مجموعة أو عرق أو مجتمع ما، وإذا نحن اعتبرنا هذه الهوية ذاكرة في حالة صيرورة، مهما كانت أنواع الخطر التي تحملها في ذاتها، فإنه يمكننا أن نتوقع تأليفا تنسج تواشجاته الذاكرة والبصمات اللامرئية".[13]

مهد عبد الكبير الخطيبي لهذه المقابلة بين الزمن الطبيعي والزمن المصطنع بالإشارة إلى اعتبار الزمن حاجة وحنينا، هو حنين لحيوات ترتد إلى كياننا بشكل مستمر، متسارع، إلى أن تصير مجالنا الرمزي والمعنوي؛ أي ميتافيزيقا. "يعتقد مؤرخو الساعات، أن الساعة الآلية كانت اختراعا فرضته ضرورة إضفاء الصوري على الشعائر في ذاكرة موضوعية."[14] معنى الصوري هو الإطار الذهني، الحسابي إلى حد ما، الذي يجعل من تلك الشعائر، والطقوسية بصفة عامة، مادة للضبط والتنظيم، والمأسسة constitutionalizing.

يحيل عبد الكبير الخطيبي إلى ليويس مومفرد: "كان الدير عبارة عن مكان مقدس وحمائي. فقد كانت القاعدة الذهبية فيه تتمثل في إقصاء المفاجأة والهوى والفوضى. وكانت هذه القاعدة تعارض بنظامها الحديدي الصارم متغيرات الحياة الدنيوية. ونحن لا نشوه الوقائع باقتراحنا القائل إن الأديرة قد ساهمت في منح إيقاع منتظم وجماعي آلي للمهمات الإنسانية"[15].

لم يكن لتلك المأسسة مجالا للإمكان من دون الانفصال عن الزمن الطبيعي، والانصهار في الزمن الاصطناعي، المحايد، الجامد والآلي؛ أي زمن le neutre.

تركيب:

سنحاول ربط هذه الإشكالات المجهرية بالقضايا الهائلة، بما يسمح من تفصيل. سنطفو الآن على سطح النقاشات التي حركت جيل عبد الكبير الخطيبي، وجعلته مضطرا لأن ينخرط فيها بطريقته. يصف عبد الكبير الخطيبي واقعا محسوما فيه، حيث يكتب: "إن العالم العربي قد اهتز في نظامه وتصدع في كيانه الحضاري، فأصبح يعاني من تعددية شاملة، تتجلى في جميع أشكال المثاقفة والاضمحلال. وليس هذا المسلسل في حد ذاته خيرا ولا شرا. إنه مسلسل تاريخي ينبغي أن نقوم بتحليله وتطعيمه عن طريق فكر قادر على تحليل الأوضاع المتعددة التي يجتازها العالم العربي"[16].

نركز على عبارة "ليس هذا المسلسل في حد ذاته خيرا ولا شرا"، ونربطها بما تقدم. قد يفهم من العبارة أن لتكوين الخطيبي الأساس -علم الاجتماع- أثر على طريقة نظره للوقائع، وهو حكم معقول إلى حد كبير، لكن في حال تفسير ذلك بنزوع الخطيبي نحو التفكير في التقاطعات المشار إليها في معرض الورقة، سيبدو جليا أن العبارة هي دعوة - بصوت خافت- إلى التفكير في السياق الأساس للمثاقفة والاضمحلال، إلى الحفر لإيجاد الأرضية الصلبة التي يقوم عليها هذا الكيان الحضاري، في تشعباته وتعدديته، إنها دعوة لاستحضار الأسئلة الأساس، أسئلة الهوية والاختلاف: سؤال الكائن.

يتساءل الخطيبي في نفس السياق: "على أي ميتافيزيقا نتكلم؟ المسألة تتصل بمجابهة غيرية: المجابهة بين الميتافيزيقا الغربية (اليونانية في جوهرها) والميتافيزيقا الإسلامية، كفكرين جذريين في الكائن."[17]

إن مدار تفكير الخطيبي هو حول مسارات تشكل الكائن، واختفاء الأرضية التي تحركت فيها تلك المسارات، فهو لم يول اهتماما بالغا بضحايا مرويات الاستشراق باختلاف طروحاتهم. يكتب:" نحن تراثويون بنسيان التراث، مذهبويون بنسيان فكر الكائن، وتقنيون بالعبودية. من دجننا هكذا حتى يصبح هذا النسيان شأنا يتكرر جيلا بعد جيل؟"[18]

يقترح عبد الكبير الخطيبي، في ظل هذا الواقع المضطرب، الضبابي، الانتباه إلى ضرورة الحسم في قضايا أساسية، بغية التموقع الفطن في سياق عالمي جديد، موسوم بالذوبان في تيار تقنوي-اقتصادي مبتذل، يمحو التعددية باسم التعددية، ويخفي النزوع البدائي إلى الاحتكار ونسف الآخر المختلف، بتصنيع الذاكرة، وسياستها، ولعبة مخادعة تسمى باللاتموقع Délocalisation والمنضوية تحت أرسومة العالم اللامركزي monde polycentrique، وكل ألعاب اللغة المنتمية إلى حقول معرفية متداخلة، مسخرة في نهاية المطاف للجغرافيا السياسية la géopolitique.

ماذا عن العلاقة بين الهوية والتراث؟ يجيب الخطيبي: "إن فكر هذا "النحن" هو هذا التقييد التاريخي الذي ينسج الكائن -والذي ينسجه الكائن- على هامش الميتافيزيقا. لا نقدر أن نستحق موتنا من غير أن نقلق الميتافيزيقا. هذا الإقلاق هو الذي يزحزح علاقتنا بالتراث."[19]

إن اجتراح بديل فكري، بعدة مفاهيمية جديدة، هو الضامن لتجاوز كل تلك المعضلات المنهكة. يلخص الخطيبي ذلك البديل في هذا المعنى: "الاختلاف الذي يصعب معالجته هو تجاوز الميتافيزيقا بنقد مزدوج، بكفاح مزدوج، بموت مزدوج...نقد هذين النوعين من الميتافيزيقا، ونقد المواجهة بينهما.. الواقع أن هناك خيارا، خيارا وحيدا ممكنا: التأمل في المغرب كما هو، كموقع طوبوغرافي بين الشرق والغرب، لا يزال المغرب، كأفق للفكر، يتعذر على التسمية."[20]

لعله تأمل في إمكانية كتابة البديل، كما أن النقد هو الحسم في تفكيك الأرضية الميتافيزيقية التي يقوم عليها العالم العربي (اللاهوت)، وما يسمى تجاوزا بالحداثة (التقنية). والانصراف إلى سؤال الفن، باعتباره أفقا للفكر وبديلا ممكنا لنحت هويات غير قاتلة.

[1] - آثرت عدم ترجمة le Neutre بالمحايد؛ لأنه ليس محايدا كما سيظهر في معرض الورقة.

[2] - عبد الكبير الخطيبي، النقد المزدوج، ترجمة: أدونيس، عبد السلام بنعبد العالي، زبيدة بورحيل، محمد برادة. الطبعة الأولى، منشورات الجمل، بغداد-بيروت، 2009، ص 29

[3] - نفس المصدر، نفس الصفحة.

نحيل إلى دراسة للباحث الفرنسي Grégoire Chamayou حيث يمكن استجلاء المعنى العميق لمفهوم le Neutre.

- Grégoire Chamayou, Théorie du drone, La fabrique Editions, Paris, 2013

[4] - النقد المزدوج، ص:23

[5] - النقد المزدوج، ص:9

[6] - النقد المزدوج، ص:10

[7] - النقد المزدوج، ص: 12- 13-14، نلفي في هاته الصفحات أمثلة بارزة عن أسلوب الخطيبي المشار إليه أعلاه.

[8] - عبد الكبير الخطيبي، صيف في ستوكهولم، ترجمة: فريد الزاهي، مراجعة: محمد بنيس، دار توبقال الدار البيضاء، 1992، ص6

[9] - عبد الكبير الخطيبي، الاسم العربي الجريح، ترجمة: محمد بنيس، منشورات الجمل بغداد-بيروت 2009، ص65.

[10] - نفس المصدر، نفس الصفحة.

[11] - النقد المزدوج، ص19

[12] - العرب وقضايا الحداثة، ترجمة: أدونيس، أميرة الزين، الحبيب السالمي، عز الدين الكتاني، فريد الزاهي، محمد بنيس، المعطي قبال؛ مراجعة: محمد بنيس، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، بغداد-بيروت، 2009. (نص: أربع مقترحات حول الزمن والتقنية) ص ص83-84

[13] - نفس المصدر، نفس الصفحة.

[14] - نفس المصدر، ص86

[15] - نفس المصدر، ص: 87

[16] - النقد المزدوج، ص:5

[17] - النقد المزدوج، ص12

[18] - النقد المزدوج، ص16

[19] - النقد المزدوج، ص ص: 10-11

[20] - النقد المزدوج، ص:23